عقدة الإدمان

أبو نواس والخمر

نكرر هنا أن طبيعة أبي نواس لم تكن من الطبائع التي تتسلل إليها العقد النفسية؛ لأنه كان يبوح برذائله ويتكشف بها ويتعمد أن يجبه الناس بها علانية، وإنما تكمن العقدة النفسية في طوية الإنسان، أو تتسلل إليها من الكبت وطول الكتمان.

إلا عقدة واحدة هي الاستثناء لهذه القاعدة وهي عقدة الإدمان. فقد كان إدمانه الخمر هوسًا، ولم يكن مجرد عادة أو لذة ذوقية، ولا بد وراء كل هوس من عقدة نفسية.

فما هي هذه العقدة التي أثبت نفسًا محصنة من العقد، فغلبتها ولم تفلح فيها إباحته، ولا العلانية التي عاش فيها من طفولته إلى ختام عمره.

إنها غلبته؛ لأنها جاءته من قبل طبيعته، ونعني بها الطبيعة النرجسية.

فهي الطبيعة التي تزين للنرجسي عادات العرض والظهور، وهذه العقدة النفسية ليست مما يتقبل العرض والظهور؛ لأنها مهينة لصاحبها مذلة له بين قومه، وهي خسة النسب في عصر الأنساب والأحساب.

وربما خطر لبعضهم أن إنسانًا مثل أبي نواس في مجونه واستخفافه لا يعيى بمثل هذه العقدة، ولا يتحرج منها وهو لم يتحرج قط من منكر أو رذيلة، لكنه عند النظر إليه خاطر خاطئ لا يثبت على التأمل والمراجعة، فإن احتمال الهوان يهدم النرجسي، ولا يبقي له بقية يعتصم بها، وأما احتمال الملام والنقد فقد يجاري طبيعته إذا كان فيه معنى التحدي ولفت الأنظار، وقد يهزأ النرجسي بالملام والنقد مع علمه برياء اللائمين وتذبذب الناقدين، واعتقاده أنهم مثله في الفجور وإن خالفوه في الظهور.

وينبغي أن نعرف قوة هذه العقدة النفسية في زمان أبي نواس، خاصة قبل أن نعرف السر في غلبتها عليه، وعلاجه لها بإدمان السكر والتهافت على عشرة الندماء.

فالعصر الذي عاش فيه أبو نواس كان معترك الأنساب والأحساب بين كل إنسان، وكل إنسان في الدولة الإسلامية.

هب فيه الشعوبيون يفاخرون العرب، ولا يعترفون لهم بفضل غير فضل النبوة، ثم يغمزون فضلهم هذا بتعييرهم بما جنوه على عترة النبي — عليه السلام — ومفاخرتهم إياهم بانتصارهم لتلك العترة، وتشيعهم لآل البيت من العلويين والعباسيين، ولم يزل هؤلاء الشعوبيون يفخرون على العرب بالحضارة والصناعة، والترف والكياسة حتى قال قائلهم: «لا يفلح العربي إلا ومعه نبي يوحى إليه!»

والعرب أنفسهم كانوا فيما بينهم يتنازعون الفخار بين قطحان وعدنان، أو بين عرب الشمال وعرب الجنوب، وكانت كل قبيلة من القحطانية تفاخر القبائل الأخرى بالكثرة والعزة، وسوابق التاريخ ومكارم الآباء والأبطال، وكذلك كانت تفعل كل قبيلة من قبائل العدنانيين.

بل كان أبناء البيت النبوي العلويين والعباسيين يتنافسون على شرف النسب، ويرى أبناء العباس لإخوتهم شرفًا لا يرونه لأبناء علي؛ لأن العباس عمٌّ وعليًّا ابن عم، فيقابلهم أبناء علي بالانتماء إلى فاطمة الزهراء، وهي بنت النبي — عليه السلام.

وتكاد لا تسمع بأحد في ذلك العصر إلا سمعت حوله بفخر نسبه أو بمنازعة له عليه، ولا استثناء في ذلك للخلعاء المتبذلين بل لعلهم أحرص على دعوى النسب من غيرهم على سبيل التعويض والعزاء.

فهذا والبة بن الحباب أستاذ أبي نواس لم يهبط أحد إلى حضيض المهانة والزراية، كما هبط بين سواد الناس وبين زملائه من الشعراء والأدباء، وكان مع هذا يستطيل عليهم بنسبه العربي، ويدعو شاعرًا كأبي العتاهية إلى هجوه وإنكار نسبه، والنزول به إلى طبقته، أي: طبقة الموالي المعترفين بحرمانهم من عراقة النسب ومن الأصالة العربية، فيقول له فيما قال:

وابن الحبَاب صليبةً١ زعموا
ومن المحال صليبة أشقر

ويقول:

هلم إلى الموالي الصيـ
ـد في سعةٍ وفي رحب
فأنت بنا لعمر الله
أشبه منك بالعرب

وقد تلخص هذا الشغل الشاغل بالنسب في ذلك العصر حقيقة مشهورة في علم الأنساب، وهي ظهور أول كتاب عن الأنساب في تلك الفترة لإمام النسَّابين ابن الكلبي صاحب جمهرة الأنساب المتوفى حوالي سنة خمس ومائتين للهجرة، وقد ظهر في مدينة الكوفة وهي من بيئات أبي نواس.

ذلك هو مبلغ شغلان العصر بالنسب وهو المهم في هذا الصدد؛ لأنه هو مقياس قوة العرف في هذه المسألة التي تمتحن بها طبيعة أبي نواس، وكلها تشوف إلى العرض والظهور.

أما مبلغ شغلان أبي نواس بها فهو من التواتر والتواطؤ بين الشواهد والأعراض، بحيث تكفي فيه الإشارة دون الإسهاب.

فلا خفاء بلهفة أبي نواس على النسب العربي يتلمسه تارة في هذه القبيلة، وتارة في غيرها من اليمانية أو النزارية حيثما اتفق مقامه، وتفتحت له أبواب الدعوى والانتماء، وما كان هو يكره أن يفخر في الحانات بالنسب لو سلم له هذا الفخر بين أربابه المسلَّم لهم بحقه، فمن شعره في الخمريات ذلك الحوار الذي دار بينه وبين الخمار يسأله عن نسبه ويجيبه:

وخمارٍ طرقتُ بلا دليلٍ
سوى ريح العتيق الخسرواني
فقام إلي مذعورًا يليي
وجوف الليل مثل الطيلسان
وقال: أمن تميم؟ قلتُ: كلا
ولكني من الحي اليماني

وأشد من ذلك إبانة عن هذه اللهفة المطوية في قرارة نفسه أنه كان يهجو، فلا يقع على هجاء لأحد أقبح من الأصل الخسيس كما قال للرقاشي:

والله لو كنتُ جريرًا لما
كنت بأهجى لك من أصلكا

وكما قال للهيثم بن عدي:

الحمد لله هذا أعجب العجب
الهيثم بن عديِّ صار في العرب

وأدق منه في الإبانة عن طوية الشاعر قوله لحمدان بن زكريا:

ما أنت بالحر فتلحى ولا
بالعبد نستعتبه بالعصا
فرحمة الله على آدم
رحمةَ من عم ومن خصصا

وموضع الدقة الذي نعنيه هنا وثوبه بالنسب إلى أبى الآباء آدم وهو الذي أعجب الشاعر؛ لأن إبليس يتيه على ذريته، وداخله الوهم أن إبليس قد أبى له السجود، ولا يأبى السجود لابنه أبي نواس ألف سجدة.

وربما كان أشد من ذلك إبانة عن لهفته على النسب أنه يمدح خليفة يتسع للشاعر مجال تعظيمه، وتمييزه بالصولة والنعمة والسجايا، والسمات ما صدق منها وما كذب، فلا يرى مدحًا له أبلغ من نسبه:

أبوك الذي لم يملك الأرضَ مثله
وعمُّك موسى الصفوة المتخير
وجدُّك مهدي الهدى وشقيقه
أبو أمك الأدنى أبو الفضل جعفر
ومن مثل منصوريك منصور هاشم
ومنصور قحطان إذا عد مفخر
فمن ذا الذي يرمي بسهميك في العلا
وعبد مناف والداك وحِمْيَرُ

وفي مقطوعة غير هذه يقول في هذا المعنى:

رضينا بالأمين عن الزمان
فأضحى الملك معمور المعاني
تمنينا على الأيام شيئًا
فقد بلَّغتنا تلك الأماني
بأزهر من بني المنصور تنمي
إليه ولادتان له اثنتان
وليس كجدتيه أمِّ موسى
إذا نسبت ولا كالخيزران
له عبد المدان وذو رعينٍ
كلا خاليه منتخبٌ يماني
فمن يجحد بك النُّعمى فإني
بشكري الدهر مرتهن اللسان

وتنطوي هذه اللهفة في نفس إنسان لم تكن المهانة هينة عليه، بل كان تياهًا بطبيعته «النرجسية»:

لقد زادني تيهًا على الناس أنني
أراني أغناهم وإن كُنتُ ذا عُسر

وكان يهتبل الفرصة للتعالي على الذين يتعالون عليه، فكان يجلس حيث جلس ويتلقى التحية من القادة والرؤساء فلا ينهض لواحد منهم، ولم ينهض لأحد حياه غير أبي العتاهية. وفي هذا أيضًا دلالة على دخيلة نفسه من هذا الجانب؛ فقد كان أبو العتاهية من الموالي، وكان في شبابه على زي المخنثين، وكان هو معاصره الوحيد من الشعراء الذي صافاه ولم يقاطعه أو يترفع عنه، ونكاد نرى أن انتماءه إلى والبة في صباه إنما كان لدخيلة كهذه الدخيلة، فإن والبة كان مطعونًا في نسبه، وكان أبيض كأبي نواس — أو أشد بياضًا — وأبوه أسود كأنه زرزر، كما قال أبو العتاهية:

ما لي رأيت أباك أسود غر
بيب القذال كأنه زرزر
وكأن وجهك حمرةً رثةٌ
وكأن رأسكَ طائرٌ أصفر

وقد تناقضت علاقة الشاعرين بوالبة، فأبو العتاهية يهجوه؛ لأنه مثله في عقدة نفسه وأبو النواس يألفه؛ لأنه مثله في محاولة الخلاص من شبهة نسبه.

ونعتقد أن أبا نواس إنما تشبث بالكنية وترك اسم أبيه فرارًا من هذا النسب المدخول، فهي مناط الدعوى عنده، ولم يكن نسبه الصحيح إلا مسبة له من السفلة والعلية على السواء.

كانت الجارية عنان تريد النكاية به فتذكر له اسم أمه جلُّبان، وكان الخليفة الأمين يسبه فيذكر له اسمها الآخر «شحمة»، وكان أبان ومن لف لفه من الشعراء يهجونه، فيسمون أباه «هنيا» أو النساج المتستر على حريمه وما شاكل ذلك من المثالب، التي كان يعيى الجواب عنها على تعجله بالهجاء حين يشاء، فلا جرم تساوره العقدة فلا يجد لها حلًّا في غير الإدمان.

لماذا يشرب الخمر؟

وللمؤرخ النفسي أن يكتفي بما تقدم للإبانة عن شدة اهتمام العصر بالنسب، وشدة اهتمام أبي نواس به في عشرته لكل طبقة من طبقات المجتمع الذي احتواه، إلا أننا نرى على الدوام أن ديوان الشاعر أصدق ترجمة لحياته الباطنية، ويصدق هذا على أبي نواس كما يصدق على سائر الشعراء المطبوعين، وهو أصدق ما يكون على خمرياته التي تفيض بدلائل العقدة النفسية، ومركب النقص الذي يساوره من انتسابه إلى كل من أبويه.

فهو يشرب الخمر؛ لأنها شراب الملوك أو الشراب العريق الذي عاش مع أجداد الأكاسرة والقياصرة، وقبل مدار النجوم:

تَحيرت والنجُوم وقف
لم يتمكن بها المدار

وهو يستريح إلى شربها حيث لا فخار بالآباء والأجداد بين الندامى الذين يهابونه ويتذللون بين يديه:

وإذا أنادم عصبة عربية
بدرت إلى ذكر الفخار تميم
وبنو الأعاجم لا أحاذر منهم
شرًّا فمنطق شربهم مذموم
وجميعهم لي حين أقعد بينهم
بتذلل وتهيُّبٍ موسوم

وجنونه المتسلط عليه أن يفتتح كل خمرية، أو يتخللها بالنعي على الطلول والرسوم ومن يذكر الطلول والرسوم، ومن ذاك ما لا نحصيه:

لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلة
كانت تحل بها هندٌ وأسماء
حاشا لدرة أن تبنى الخيام لها
وأن تروح عليها الإبل والشاء
له بكيت كما يبكي النوى رجلٌ
على المعالم والأطلال بكاء

ومنه:

أعرض عن الربع إن مررتَ به
واشرب من الخمر أنت أصفاها

ومنه:

أيا باكي الأطلال غيرها البلى
بَكيتَ بعينٍ لا يجفُّ لها غرب

ومنه:

دع الأطلال تُسقيها الجنوبُ
وتبكي عهد جدَّتها الخطوب
وخلِّ لراكب الوجناء أرضًا
تحثُّ بها النجيبة والنجيب
ولا تأخذ عن الأعراب أرضًا
ولا عيشًا فعيشهم جديب
فأين البدو من إيوان كسرى
وأين من الميادين الدُّروب

ومنه:

دَع الربع ما للربع فيكَ نصيب
وما إن سَبتني زينبٌ وكعوب
ولكن سبتني البابليَّة أنها
لمثلي وإن طال الزمانُ سلوب

ومنه:

عدِّ عن رسمٍ وعن كثبٍ
واله عنه بابنة العنب

ومنه:

يأيها العاذل دع مَلْحاتي
والوصف للموماة والفلاة

ومنه:

سقيًا لغير العلياء فالسَّنَد
وغير أطلال مي بالجرد

ومنه:

لا تبْكِ رسمًا بجانب السند
ولا تجُد للدموع بالجرد

وبيت القصيد من هذا الهوس بالنعي على الرسوم والطلول إنما هو الازدراء بأهلها وبعيشهم، وفخارهم الذي عز عليه أن يجاريهم فيه، والإشادة بالخمر التي لا يدرك الكفاءة لها كل شارب، ولا يسمو الشاربون لها إلى مثل شمائل أبي نواس:

عاج الشقي على رسمٍ يسائله
وعُجت أسأل عن خمَّارة البلد
يبكي على طلل الماضين من أسدٍ
لا درَّ درُّك قل لي من بنو أسد؟
ومن تميمٌ ومن قيسٌ ولفُّهما؟
ليس الأعاريب عند الله من أحد

نعم كل الأعاريب من شمال أو جنوب، وما يفخرون به من حسب حسيب وعيش جديب!

وأحيانًا ينقل هذه النفرة من مفاخر القبائل والأنساب إلى لسان الخمار الذي يقصد إليه:

فقلت له: ما الاسم؟ قال: سموألٌ
على أنني أكنى بعمروٍ ولا عمرا
وما شرفتني كنيةٌ عربيةٌ
ولا ألبستني لا ثناء ولا فخرا

لا جرم تصبح المنادمة قرابة تغني عن قرابة النسب بين أناس لا يتفاخرون ولا يتعاظمون:

فذلك ما حييت له وإني
أبر بمثله من والديه
ورابعها فللندمان حقٌّ
سوى حق القرابة والجوار

ولم يخف على أحد من أبناء عصره ما كان يعنيه بالإنحاء على الطلول، وباللجاجة في هذا الإنحاء، ولم يكن هو يخفي مقصده منه وهو يتبعه بالإنحاء على الأعراب من كل قبيل، ويقابل بين الخيام وإيوان كسرى، وبين الدروب والميادين؛ فلهذا نهاه الخليفة عن الاستمرار في هذه اللجاجة وأمره بوصف الطلول، فقال:

دعاني إلى وصف الطلول مسلَّط
لقد ضقت ذرعًا أن أجوز له أمرا

فليس اللهج بالنعي على الطلول دعوة إلى الجديد كما يتراءى من النظرة السطحية إلى ظاهر العبارة، ولم يأمره الخليفة بالكف عنه؛ لأنه تجديد ينكره، ولكنه فهمه على معناه الذي لا يفهم على سواء من هذا التهوس بتحقير الأطلال وأهل الأطلال، وخشي منه مغبته بين القبائل المتحفزة في تلك الآونة، فنهاه عنه نهيًا عن هجاء سياسي لا تحمد عقباه.

وبعد فهل كان أبو نواس يتجنب بكاء الأطلال إيثارًا للتجديد، أو إيثارًا لمذهب كائنًا ما كان من المذاهب الفنية؟ كلا، فإنه لم يدع إلى تجنبها إلا ليستطرد من ذلك إلى النعي على أهلها ومفاخر أنسابها. وإلا فمطالعه في بكاء الأطلال والديار تزيد على مطالع الشعراء من معاصريه أو المتقدمين عليه، وهذه بعض تلك المطالع المتكررة.

قال في أحدها:

هل عرفت الربع أجلى
أهله عنه فزالا

وقال في مطلع آخر:

ألا حيِّ أطلال الرسوم الطواسما
عفت غير صقع كالحمام جواثما

وفي مطلع آخر:

لمن طلل لم أشجه وشجاني
وهاج الهوى أو هاجه لأوان

وفي مطلع آخر:

ألا لا أرى مثلي امترى اليوم في رسم
تعرَّفه عيني ويلفظه وهمي

وفي مطلع آخر:

لمن الديار تسربلت ببلاها
نسيتك ربتها وما تنساها

وفي مطلع آخر:

هل لديار حييتُها درسُ
من صممٍ ما هتفت أو خرس

وفي مطلع آخر:

غننا بالطول كيف بلينا
واسقنا نُعطك الثناء الثمينا

وفي مطلع آخر:

ألا حي أطلالًا بسيحان فالعذب
إلى برع فالبئر بئر أبي زغب

وفي مطلع آخر:

ألم تربع على الطلل الطماسِ
عفاه كل سحم ذي ارتجاس؟

فالأطلال لا تهمه إذن إلا ليستطرد منها إلى عقدته، وإلى التنفيس عنها بالخمر كلما برمت بمفاخر النسب من تميم ومن قيس ومن أسد. وليس الأعاريب جميعًا عند الله من أحد.

ومنادمة الخمر هي الوجاهة التي يسمو بها الشاعر على النظراء، وهي التي تنفث فيه الزهو والفخار بديلًا من زهو السادة الأصلاء وفخار الأبناء والآباء.

نوبات السآمة

وثمة خلة أخرى من خلال الطبيعة النرجسية تعرضها لإدمان الخمر، وما إليها من عقاقير التخدير، وتلك هي نوبات السآمة التي تعاود النرجسي كلما خلا إلى نفسه وفرغ من العمل، إن كان له عمل يشغله.

فالوقت ثقيل على الطبيعة النرجسية تدفعه بكل ما تستطيع من الشواغل والملاهي، وعواطفها الموكلة بشيء واحد — وهو عشق الذات — لا تزال أبدًا في حاجة ملحة إلى التنبيه والاستثارة.

وقد يتصف النرجسي بدقة الحس أو رقة العاطفة وخفة الشعور، ولكنه محروم من تلك الدوافع الحيوية المتدفقة، وتلك الطبائع العميقة التي تستجيش النفس أبدًا بما يشغلها ويجدد نشاطها، ويوثق روابطها بالعالم وما فيه، فإذا ترك النرجسي لنفسه لم يجد فيها ما يملأ فراغه كله، ولم يزل متلمسًا للفرجة والتسلية، والنشوة التي تلهيه وترضيه عن ذاته وتجدد لها أشواقها فيما يعنيها من فتنتها وغوايتها.

ومن ثم يتسرب حب الخمر إلى الطبائع النرجسية، فإذا أعانتها بواعث أخرى من غواية الطبع أو البيئة تمادى بها حب الخمر إلى الإدمان والإصرار عليه.

ويلاحظ في خمريات أبي نواس هذا الولع بكل ما ينبه الشعور، ويدفع السآمة ويوقع في خلده أنه مشغول بما يشغل ويثير، فهو مع السكر والسماع لا ينسى أن يمثل لنا مخافة صاحب الحان، وذعره وانتباهه من النوم في وجل وريبة، ويوشك أن يكون وصف الخوف ملازمًا لكل قصة من قصص السعي إلى الحانات، والبحث عن الجيد النفيس من الشراب، فيعجبه أن يرى الساقي بين الخوف والرجاء حيث يقول:

لما قرعت عليه الباب أوجله
وقال بين مُسِرِّ الخوف والراجي

أو فزعًا شديد الفزع كما قال:

فقام لدعوتي فزعًا مَرُوعًا
وأسرع نحو إشعال الذبال

أو ممتلئًا ذعرًا كما قال:

فلما قرعنا بابه هبَّ خائفًا
وبادر نحو الباب ممتلئًا ذعرا

ومثله قوله:

فقام إليَّ مذعورًا يلبي
وجُونُ الليل مثل الطيلَسان

ومثله:

ففزِّع من إدلاجنا بعد هجعةٍ
وليس سوى ذي الكبرياء رقيب
تناوم خوفًا أن تكون سعايةً
وعاوده بعد الرقاد وجيب

ومثله:

يا رب صاحب حانةٍ قد رعته
فبعثته من نومة المتزمل

وهكذا يروقه أن نستثيره الخمر، وهو يسعى إليها وتستجيشه وهو يشربها ويستمع إلى ندمائها.

وما هو غاية الحرمان عنده؟ وما هو عقاب البخل على الخمرة بالمال؟

إنه لا شيء غير الشعور بطول الوقت وثقلة الملل حتى تكون الساعة كالحين:

واصرفنْها عن بخيل
دان بالإمساك دينا
طُوِّل الدهرُ عليه
فيرى الساعةَ حينا

ولهذا نرى الشاعر يستريح إلى كر الأيام بأسمائها في شعره، كما يستريح المسافر الملول إلى عدد الفراسخ والمراجل التي خلفها وراءه، وكثيرًا ما لغط قراؤه بما أراده من إحصاء هذه الأيام، ولا مراد له غير السرور بفواتها وعدها وهي تنقضي وتنصرم، وهو يشعر بعدها «بالوجاهة النرجسية»؛ لأنه لم يكن كذلك البخيل الذي طوِّل الدهر عليه.

ومن كلامه في هذا الغرض ذلك البيت المشهور:

أقمنا بها يومًا ويومين بَعْدَه
ويومًا له يوم الترحل خامس

ومنه:

تترك المرء إذا ما
ذاقها يرخى الإزارا
ويرى الجمعة كالسبت
وكالليل النهارا

ومنه:

فلم تَزلْ في صباح السبت نأُخذها
والليلُ أجمعه حتى بدا الأحد
ثم ابتدأنا الطلا باللهو من أمم
في نعمة غاب عنها الضيق والنكد
حتى بدتَ غُرةُ الإثنين واضحةً
والسعدُ معترضٌ، والطالع الأسد
وفي الثلاثاء أعملنا المطي بها
صهباءَ ما فَرغتها بالمزاج يد
والأربعاء كَسَرنا حَدَّ سَوْرَتها
والكأس يضحكُ في تِيجانِهَا الزبد
ثم الخميسُ وصلناه بليلته
قصفًا وتم لنا بالجمعة العدد

ويلحق بهذا طي الشهر والشهرين بين حانات القفص وقطربل، كما حدثوا في بعض خمرياته أنه أقام بقطربل من أول يوم في رجب إلى آخر يوم في شعبان، ثم عاد ليشرب قبل أن تثبت رؤية الهلال، ونسبوا إليه أنه قال:

لو شئت لم نبرح من القفص
نأخذها صفراء كالجص
نسرق هذا اليوم من شهرنا
فربما يعفى عن اللص

فهذا الملل وذاك الفتور من مغرياته بالشراب وإدمان المعاقرة: إلا أنه إدمان حسي لا يلزم منه أن يتهوس صاحبه بالخمر ذلك التهوس، الذي ينم على العقد النفسية ويلعج فريسته، كأنما يركبها الشيطان فلا يدعها أو يوردها المورد الذي يبغيه.

وينبغي ألا ننسى في معرض المغريات التي سوَّلت لأبي نواس إدمان الشراب باعثًا قويًّا نظنه إحدى هذه المغريات ظن الاحتمال والترجيح، وذاك هو سوء العيش ونقص الغذاء، وافتقار الجسم إلى الحركة والتنبيه، فإن أبا نواس قد عاش في ضنك وفاقة معظم أيامه على غير ما يتوهم المتوهمون، وكان يسمي نفسه العاشق المفلس في بعض شعره، ويبالغ فيما أنفقه على الخمر أحيانًا فيروي لنا أنه أنفق عليها الثمانين دينارًا التي عاد بها من مصر ممتلئ الوطاب بجوائز الخصيب، وفي كل يوم يمتلئ الوطاب هذا الامتلاء! فإذا كانت جوائز الخصيب التي كاثر بها المكاثرون لم تخلف عليه إلا هذه الدنانير الثمانين، فما الظن بأيامه الأخرى التي تفرقت بين السجن والإقصاء، وتبدل السادات والأولياء؟ تلك حال لا يستبعد على صاحبها أن يحوجه سوء الغذاء إلى استفزاز البنية بالكحل وما إليه، كأنه بديل من الفخر بالآباء، وبديل من السآمة والخواء.

•••

ونرجع إلى المقابلة بين أبي نواس وأوسكار وايلد في الخلة، خلة الإدمان، تطبيقًا لما أسلفناه من أن الاختلاف بينهما يثبت المشابهة كما يثبتها الوفاق.

فالشاعر الإيرلندي لا يشكو من عقدة النسب؛ لأنه من سلالة النبلاء، ولا يشكو من سوء الغذاء؛ لأنه من الأغنياء، ولا يدفع السآمة بالخمر وحدها؛ لأنه مقتدر على السياحة والتردد على المقاصف والملاهي والتشاغل بإقامة المآدب، وحضورها عند من يدعونه إليها، وليس من همه أن يتحدى الناس بالشراب؛ لأن بيئة عصره لم تكن كتلك البيئة التي كان أبو نواس يتحداها حين يقول:

ألا فاسقني خمرًا وقل لي: هي الخمر
ولا تسقني سرًّا إذا أمكن الجهر

ولهذا اختلف النرجسيان في أمر الإدمان، فكان اختلافهم أدل على الآفة المشتركة بينهما من الوفاق.

١  صليبة: أي عربي قح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤