عودة المكبوت

جاءت إلى عيادتي فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، اسمها «أمل»، تلميذة بالثانوية. رأت عمها في السرير معها وهي طفلة في الثامنة من عمرها، كان يفعل شيئًا لا تعرفه. الذكرى تفزعها، تتوقف عن الكلام، يصنع الصمت حروفًا فارغةً بلا كلمات. هناك أشياء مجهولة بلا اسم، لم تسمع الكلمة، إن سمعتها لا تفهمها، إن فهمتها لا تستطيع أن تنطقها بصوت مسموع. الذكرى مدفونة في اللاوعي عشر سنوات، حياتها كلها تأثرت بهذه الذكرى، وعلاقتها بالجنس الآخر، وذكرى الألم واللذة معًا يذوبان في ذكرى واحدة، الحب والكره، الحنان والقسوة، الحرام والحلال، الطهارة والفجور، الاحترام والاحتقار. لا تستطيع أن تنطق كلمة «عمي الشيخ» بصوتها أو باللغة المعروفة، لا بُدَّ أن تجدَ صوتًا آخر غير صوتها، ولغة أخرى غير العربية تنطق بها هذه الكلمة. لم تكن تتحدث معي عن ذكرى لشيء ما، كل شيء ضاع من ذاكرتها، لا شيء تبحث عنه، وإن بحثت فهي لا تعرف ما هو. في حفل مولد النبي، رأت بالصدفة في التليفزيون رجلًا يرتدي عمامة تشبه عمامة عمها، صوته مبحوح قليلًا يشبه صوته، في يده سبحة يهزها بين أصابعه الهزة نفسها للسبحة بين أصابع عمها، فإذا بالذكرى كالعملاق النائم يصحو في أعماقها، لا تستطيع أن تحول بصرها عن ذلك الرجل، كان من عمر عمها، يقرأ القرآن، ويتحدث عن الله والرسول فوق الشاشة، هذه الشاشة حولتها إلى خرقة من الشاش لأكثر من عام. كانت تتبع هذا الرجل من قناة إلى قناة، ومن حديث إلى حديث، ملكها هذا الرجل، هزها بين أصابعه الغليظة الطويلة كما يهز السبحة، يتساقط جسدها بين يديه كما تتساقط الذكريات، تتغير وتتناقض ذكرياتها وهي في الثامنة تناقض ذكرياتها حين كانت في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة. كان لها أب وهي في الثامنة، أب غائب في العمل، أب لم تره إلا كيس نقود، ثُمَّ اختفى أبوها لا تعرف أين ذهب، مات أو طلق أمها أو تزوَّج امرأة أخرى أو فصلوه من العمل أو دخل السجن أو هاجر إلى بلد أخرى يبحث عن عمل، احتمالات واردة كلها، اختفى أبوها فجأة، ولم تفتح أمها الموضوع أبدًا، وإن سمعتها تقول: راح مطرح ما راح وخلاص. تربت عليها بأناملها الحنون، تلعب بأصابعها في شعرها حتى تنام. في الليل تصحو، تراها صاحية تمسح دموعها، تسمعها تقول: ما فيش فلوس يا بنتي، لازم أشتغل حاجة، ماعنديش شهادة، أشتغل إيه، غسَّالة في البيوت؟ بعد سنوات رأت نفسها فتاة في الخامسة عشرة في المدرسة، ولها أستاذ يُدرِّس لها، إنه من دمها، إنه أبوها، تحبه، يتكلمان ليس كالابنة وأبوها ولكن كصديقَين، يثق فيها وتثق فيه، تختفي الذكرى عن ذلك الرجل الآخر الذي هو عمها أيضًا، أو هي ليست ابنة أخيه أو ليست الطفلة التي كانت.

الذكريات تنهش بعضها البعض، الرجل الأستاذ في الحاضر يغير مكانه وشكله ويصبح الرجل في الماضي، في لحظة خاطفة ترى الرجل الذي رأته وهي طفلة في الثامنة، ثُمَّ تختفي اللحظة، ويعود الرجل الأستاذ إلى جوارها: العمامة حول الرأس هي العمامة، الأصابع الغليظة الطويلة تهز السبحة، الوجه نفسه، وإن كان لون البشرة يميل إلى السمرة قليلًا. ذكرياتها تتزاحم فوق هذا الوجه، ولا تعرف الماضي من الحاضر، ولا الحقيقة من الخيال. تبدو الحقيقة فقط هي اللحظة التي تركز فيها عقلها أو عينَيْها على الوجه أمامها، تذكر عمها حين كان يضحك وهي في الثامنة من العمر، ضحكته تملأ الكون بالشمس، والدنيا كلها كانت تضحك وهي في الثامنة. والكل يقول عمها رجل فاضل، وأمها كانت مرحة جميلة يقولون عنها كالقمر. وفي الليل رأتها تبكي، وسمعتها تقول لعمها: ما فيش فلوس عشان أدفع مصاريف أمل. عمها جاء إلى البيت بعد اختفاء أبيها، لم تَعُد تسمع أمها تضحك. عمها يقهقه بصوتٍ عالٍ، يرمقها بنظرة غريبة، تصورت أنه يريد موتها حتى لا يدفع لها مصاريف المدرسة. في الليل سمعته يقول لأمها: المدرسة فايدتها إيه، «أمل» ممكن تشتغل. تلك الليلة سمعت صراخ أمها، وصفعات وركلات، أكانت تضربه؟ أكان يضربها؟ لم تعرف. في الصباح رأت عيني أمها وارمتين، رأسها مربوط بمنديل أسود، ولم تفتح أمها الموضوع أبدًا، وإن سألتها تقول: ضل راجل ولا ضل حيطة. أصبحت هذه العبارة تتردد على لسان أمها كلَّما رأتها تبكي، متى إذن حدث الشيء بين الطفلة وعمها؟! أكانت الصورة من خيالها؟ أكانت هي رغبتها في عمها وهي غيرتها على أمها أو من أمها؟ لم تعرف. هي تحاول أن تمسك الخيط دون جدوى، تنزلق الصور من ذاكرتها كالزئبق، ويموت عمها في المستشفى وهي في المدرسة، تعود لتجد البيت مملوءًا بالرجال والنساء من الأقارب، يتجمعون في البيت، عمرها ستة عشر عامًا. بعد دفن عمها، تسمعهم في الصالة يتحدَّثون، أصواتهم عالية تملأ الكون، ذكرياتهم تتدفق بعد موته، بعد الموت تتحرر الذكريات الدفينة، تتغير، تتناقض، والحاضر يبدو كالحلم، والماضي يعود حقيقة، وتسمع صوتًا يقول: عمك كان فاسدًا. تمسك حقيبة كتبها تضرب بها رأس خالتها، يمسكها زوج خالتها ويضربها بكفه الغليظة، تضربه بقبضة يدها في بطنه، أسفل بطنه، في عضوه الذكري، يتطاير السباب من الأفواه حتى يسمعه الجيران: عمك كان فاسدًا، اخرس قطع لسانك! تمسك السكين لزوج خالتها: حاقطع لسانك بالسكين! زوجته تمسكها، تحول بينها وبينه: عيب يا بنتي ده زي عمك! تنفجر كالبركان: كان يلعن عمي مطرح ما راح! تضع عمتها شقيقة عمها يدها فوق فمها: اسكتي يا بنتي، عمك كان راجل طيب، أمك هي الشريرة! تنفجر خالتها الكبيرة شقيقة أمها: أمك ست طيبة، أبوك وعمك هما الأشرار!

وتنقسم عائلتها إلى قسمين، قسم مع أمها ضد عمها، وقسم مع عمها ضد أمها، الدم ينزف من أنفها بعد ضربة الكف الغليظة، تتحسس جسمها، لا شيء ينزف إلا أنفها، جسدها سليم، لكن عقلها مريض، عائلتها مريضة. كلمة العائلة يلوكها عقلها، العائلة وهمٌ كبير، بيت العائلة هو بيت الأوهام. هو مكان الذكريات المحطمة. يدب فيه الصمت بعد تناثر السباب، كالرماد بعد سقوط البيت إثر زلزال.

في أحلامها ترى نفسها طفلة تلعب مع الأطفال في المدرسة، ويأتي عمها داخل قفطانه الحريري الأبيض، يضحك ويأخذها معه إلى البيت، يحوطها بذراعيه، يطعمها قطعة من الحلوى الطحينية. رائحة الحلوى الطحينية تسري في جسدها، يحكي لها قصة الشاطر حسن وهي تأكل الحلاوة الطحينية، يهدهدها فوق صدره حتى تنام. في الحلم يتحول عنها إلى رجل غريب، يُشبه المدرس الأستاذ، يمسك في يده شيئًا صلبًا مثل العصا، يضربها بين فخذيها، يدخل العصا في فتحة الشرج أو الفتحة الأخرى، لا تعرف هذي من تلك، أيكون هو المدرس، الأستاذ؟ تختلط صورة المدرس بصورة العم، يتحول العم إلى المدرس وتتحول العصا إلى ثعبان يلدغها بين فخذيها، يسقط الثعبان من السماء، ثُمَّ يتحول ليصبح من جديد، تبكي بالدموع وتطلب منه إنقاذها، تقترب منه بحذر مملوء بالخوف، تخشى إن لامسته بيدها أن يتحول إلى ثعبان مرة أخرى، يتغير الحلم، وترى نفسها جالسة في المدرسة، أمامها ورقة الأسئلة في الامتحان، لا تعرف الإجابة على أي سؤال، تبكي حتى تبلل دموعها ورقة الامتحان، يذوب الحبر الأسود ولا ترى الأسئلة، ترى التلميذات والتلاميذ يكتبون الإجابة بسرعة شديدة، والمدرسون يجرون وراءها في الحوش في يد كل منهم العصا، تتحول العصي إلى ثعابين، كما كان يحدث أمام فرعون، لا تعرف هل هو حلم أم ذكرى حقيقية في الماضي، لقد أصبح الحلم نفسه مجرد ذكرى. لولا ذلك الرجل في التليفزيون، ما إن تراه فوق الشاشة حتى يهب العملاق النائم في أعماقها، تصحو اللذة والألم معًا، والفضيلة والرذيلة، تفعل بنفسها ما فعله عمها فيها، ثُمَّ تسقط من الإعياء والندم والشعور بالإثم، ويتكرر ذلك كل يوم، حتى فكرت في الانتحار، لكنها لم تعرف كيف تموت، فالموت يحتاج إلى معرفة، وإلى شيء من المال. لا تعرف نوع السم الذي يقتل بني آدم، سمعت عن سم الفئران، فهل سم الفئران يقتل البني آدم؟ ولم يكن معها ثمن السم لتشتريه من الصيدلية. وفي يوم وأنا أتمشى على كورنيش النيل رأيتها جالسة على الشط بالقرب من المياه، تحملق في قاع النهر، عيناها مشدودتان إلى الموت، لم أستطع أن أحرك رأسي بعيدًا عنها، هذه الملامح رأيتها كثيرًا من قبل، هاتان العينان الفانيتان المشدودتان إلى الفناء، هذه البشرة السمراء بلون طمي النيل، والوجه النحيل الشاحب الخالي من الدم. تذكرت شلبية الخادمة في بيت المرحوم جدي، ومسعودة الفتاة الريفية في عيادتي بالقرية، وسوسن في مستشفى القصر العيني القديم تراسلني من الإسكندرية من أربعين عامًا، والعديد من الرسائل والحالات التي كانت تتدفق على عيادتي أو مكتبي بمجلة الصحة أو مجلة نون، أو تأتيني بالبريد أو عبر أسلاك التليفون.

استدارت الفتاة ورأتني واقفة لا أتحرك، تعرفت على ملامحي، ورأت صورتي فوق غلاف كتاب، أو تحت مقال أو قصة. اندفعت نحوي كالابنة تعثر على الأم الغائبة وقالت: الذكريات تقودني إلى شارع مظلم مسدود أو قاع النيل. قلت: ذكرياتك كنز يا أمل، خلف هذه الذكريات في أعماقك فتاة ترقبك، ليست هي التي ترغب في الانتحار الآن، ولكن فتاة أخرى عملاقة مدفونة في سراديب العقل، أكثر نضجًا، أكثر أملًا، هذا الأمل قادر على تحويل الماضي إلى حاضر، والحاضر إلى ماضٍ، وتحويل الحزن القديم إلى فرح جديد. ابتسمت الفتاة وقالت: أريد أن أعيش، ولا أعرف كيف؟ سألتها: ماذا تحبين أن تكوني؟! قالت: كاتبة مثلك، أنا أحب الكتابة. وأخرجت من جيبها رسالة كتبتها للعالم قبل أن تموت، تبدأ كالآتي: أيها العالم المزدوج الوجه مثل المرحوم عمي، اذهب إلى الجحيم، فقد نزعت عنك القناع!

أصبحت أُشجِّعها على الكتابة والقراءة، اشتريت لها الكتب، أهديتها كتبي، واصلت دراستها وتخرَّجت، أخذتها من يدها إلى رؤساء تحرير الصحف والمجلات. هذه الفتاة اليوم في الرابعة والثلاثين من عمرها، أصبحت صحفية معروفة، أتتبع كتاباتها وأشعر بالفرح، كمن يرى الشجرة الفارعة تنمو من بذرة صغيرة غرسها في الأرض، وأنا في المنفى خارج الوطن، أرسلت إليَّ بالبريد رسالة طويلة قالت فيها: يا أمي، يا صديقتي، يا أستاذتي. دموعي تجري فوق وجهي وأنا أكتب لك، أربعة أعوام مضت وأنت في المنفى، والنفي نوع من القتل. ستة عشر عامًا مضت منذ التقينا، كان يمكن أن أكون جثة في قاع النيل، أمسكتِ يدي وسِرت بي إلى الحياة، فتحتِ عيني على أشياء لم أعرفها، لم ينطقها أحد قبلك، أصبحت أنطقها وأكتبها وأعطيها أسماء. الذكريات الأليمة راحت، واليأس راح، أصبحت «أمل» التي كانت مختفية في سراديب العقل، أحزاني القديمة أصبحت ثروة من الذكريات، تسري فوق الورق كالذهب السائل، ألهذا أحببت ذكرياتي؟ متى تعودين لأستقبلك في المطار؟ أتمنى عودتك، فالوطن يحتاج إليك، والخطر على حياتك زال أو في طريقه إلى الزوال.

في مطار القاهرة عند عودتي لم أجد وجهها بين الوجوه، مضت الأيام والشهور دون أن تزورني أو تطلبني في التليفون. أتكون مريضة؟ سألت عنها في الجريدة الكبيرة التي تعمل بها، لم تكن مريضة، كانت مشغولة بإصدار مجلة جديدة لتحرير النساء، أصبحت نائبة رئيسة التحرير. بالصدفة رأيت العدد الأول وأنا أمشي في الشارع، لفت نظري العنوان: تحرير المرأة في القرن الواحد والعشرين. الغلاف مُلون عليه صورة راقصة معروفة تلعب أدوار الإغراء. صورة رئيس التحرير في الصفحة الأولى، الأستاذ الدكتور رائد تحرير المرأة. الافتتاحية بقلم نائبة رئيس التحرير، تقول فيها: في المدرسة الثانوية، لم أعرف شيئًا عن قضية المرأة، ثُمَّ وقع في يدي بالصدفة كتاب لسيمون دي بوفوار، هذه المرأة العظيمة التي فتحت عينيَّ على الحياة.

رغم الألم، شعرت بالفرح يغمرني، كما تفرح الأم بابنتها أو ابنها، يرضع الطفل من ثدي أمه، بعد أن يشبع يلفظ الحلمة من فمه أو يعضها. تفتح الأم فم الطفل لترى أسنانه اللبنية، تطلق زغرودة الفرح، وألم العضة في صدرها، وهكذا ظلت «أمل» الطفلة تعض أمها وتحب عمها.

في هذه الحالات قد لا يكون الشفاء كاملًا، قد تحدث انتكاسة، تتكرر التجربة، ويتحول عمها إلى رئيسها في العمل، وهذا أمر شائع بين الرجال، ينجذب الواحد منهم بعد الخمسين أو الستين إلى الأطفال البنات، يعود العجوز طفلًا في حاجة إلى حفيده، وتنجذب البنات الصغيرات إلى الرجال العجائز؛ لأن المكبوت من الذكريات لا بُد أن يعود.

القاهرة، أبريل ١٩٩٧

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢