أسلوب المنفلوطي

أما أسلوب المنفلوطي في هذه القصة وفي سواها، فأسلوب رجل لا يبالي من أي مدخل دخل على القارئ، ما دام يقدر أن سيصل منه إليه، ولا أي بلاء يهديه في احتياله ويقحمه عليه، وإذ كان يعرف من نفسه التلفيق والتصنع، فهو لا يزال يعالج الإقناع والتأثير بضروب من التأكيد والغلو والتفصيل، وغير ذلك مما ليس أدل منه على الكذب والتزوير، لما وقع في وهمه من أنه يكسب الكلام قوة وشدة لا يفيدهما أن يلقيه ساذجًا ويدعه غفلًا، وأول ما يستوقف النظر فيه من هذا ولعه بالمفعول المطلق، وتكلفه له لظنه أنه من المحسنات اللازمة للصقل، وأن العبارات بدونه تكون مبتورة، والجمل لا يجري فيها النفس إلى آخره دون توقف واعتراض. ومع أن قصة اليتيم في تسع عشرة صفحة وبعض صفحة من الحرف الجليل، فإن فيها أكثر من ثلاثين مفعولًا مطلقًا، ليس من بينها واحد لا يكون الأسلوب أسلس وأطبع بدونه، لكنه ذهب إلى المبالغة في كل شيء، وآلى أن يجاوز كل حد معقول طلبًا للتأثير من طريق الإفحاش في التأكيد، فلم يكن له بد من هذا المفعول المطلق، الذي لا يكاد يمر به القارئ في أي كتاب يفتح من كتب الأدب.

ومعلوم أن الكلام لا قيمة له من أجل حروفه، فإن الألفاظ كلها سواء من حيث هي ألفاظ، وإنما قيمته وفصاحته وبلاغته وتأثيره تكون من التأليف الذي تقع به المزية في معناه لا من أجل جرسه وصداه، وإلا لكان ينبغي ألا يكون للجملة من النثر أو البيت من الشعر فضل مثلًا على تفسير المفسر له. ومعلوم كذلك أن الألفاظ ليست إلا واسطة للأداء، فلا بد أن يكون وراءها شيء، وأن المرء يرتب المعاني أولًا في نفسه ثم يحذو على ترتيبها الألفاظ، وأن كل زيادة في اللفظ لا تفيد زيادة مطلوبة في المعنى وفضلًا معقولًا فليست سوى هذيان يطلبه من أخذ عن نفسه، وغيب عن عقله، وأبلغ من ضلال الرأي أن راح يحسب أن تأليف الألفاظ تأليفًا طبيعيًّا مطردًا خاليًا من العكس والقلب منزهًا عن الحشو والحشر؛ يذهب برونق الكلام ويفقده المزية والتأثير. وينسى المسكين أن كلَّ كلمة يستطيع القارئ أن يسقطها بدون خسارة في المعنى أو تعويق لتحدر الإحساسات أو إفقار لغناها؛ كلَّ لفظة يمكن الاستغناء عنها قاتلةٌ للكاتب، فإن العالم أغنى في باب الأدب من أن يحتمل هذا الحشو ويصبر عليه، وليس شيء أحق بأن يثير عقل العاقل من عدم اكتراث الكاتب لوقته ومجهوده، وكم من كاتب أضرَّ به هذا الداء، وآخر ضئيل الشأن والحال لم يحيه من المزايا غير حبك الأداء، ولكن هذا كلام لا يفهمه المنفلوطي؛ لأن اللغة عنده ليست إلا زينة يعرضها، وحلي يخيل بها لا أداة لنقل معنًى أو تصوير إحساس أو رسم فكرة. ومن أين له أن ينزل اللغة هذه المنزلة وهو لا معنى في صدره ولا فكرة في ذهنه؟!

وهذه أمثلة للمفعول المطلق في كتابة المنفلوطي، وكلها لا ضرورة إليها، ولا داعي إلا من الرغبة في تأكيد الغلو الذي يتطلبه من يحمل نفسه على التلفيق والتصنع أو ما يجري هذا المجرى من الأغراض الأخرى:

(١) وقلت لا بد أن يكون وراء هذا المنظر الضارع الشاحب نفس قريحة معذبة تذوب بين أضلاعه «ذوبًا».

(٢) فيتهافت لها جسمه «تهافت» الخباء المقوض.

(٣) ثم لم أزل أراه … أو منطويًا على نفسه في فراشه يئن «أنين» الوالهة الثكلى.

(٤) وأتمنى لو استطعت أن أداخله «مداخلة» الصديق لصديقه.

(٥) وقد بلغ الأمر «مبلغ» الجد.

(٦) وقد سمعتك الليلة تعالج نفسك «علاجًا» شديدًا.

(٧) فشعرت برأسه يلتهب «التهابًا».

(٨) وإذا قميص فضفاض من الجلد يموج فيه بدنه «موجًا» — يصف نحوله.

(٩) فاستفاق قليلًا ونظر إليَّ «نظرة» عذبة.

(١٠) فتنهد طويلًا ونظر إليَّ «نظرة» دامعة.

(١١) أصبحت معنيًّا بأمرك «عنايتك» بنفسك.

(١٢) فأنزلني من نفسه «منزلة» لم ينزلها أحد من قبلي.

(١٣–١٥) فعني بي «عنايته» بها وأرسلنا إلى المدرسة في يوم واحد فأنست بها «أنس» الأخ بأخته وأحببتها «حبًّا» شديدًا.

(١٦) ولقد عقد الود بين قلبي وقلبها «عقدًا» لا يحله إلا ريب المنون.

(١٧) فتشرق لها نفسانا «إشراق» الراح في كأسها.

(١٨) ثم انسللت من المنزل «انسلالًا» من حيث لا يشعر أحد.

(١٩) وهكذا فارقت المنزل … «فراق» آدم جنته.

(٢٠) فرحلت «رحلة» طويلة.

(٢١) هنالك شعرت أن قلبي قد فارق موضعه إلى حيث لا أعلم له مكانًا، ثم دارت بي الأرض الفضاء — يعني غرفته — «دورة» سقطت على أثرها في مكاني.

(٢٢) فحزنت عليها «حزن» الثاكل على ولدها.

(٢٣) وما وصل من حديثه إلى هذا الحد، حتى زفر «زفرة» خلت أن كبده قد ارفضت.

(٢٤) وأن الضربة التي أصابته قد سحقته «سحقًا».

(٢٥-٢٦) أشعر برأسي يحترق «احتراقًا» وبقلبي يذوب «ذوبًا».

(٢٧) ثم انتفض «انتفاضة» خرجت نفسه فيها … إلخ.

وقد عددنا إلى الآن ٥٧٢ مفعولًا مطلقًا، ولا ندري إلى أي رقم يرتفع العدد إذا استقصينا، وإنما حملنا على تجشيم أنفسنا هذا الحساب غرابة هذا الكلف منه بصيغة المفعول المطلق. ولنعرف هل الشأن واحد في كل كتابه، أم هو اتفاق ومصادفة في هذه القصة وحدها، فإذا به قد استعمل هذه الصيغة أكثر مما استعملها العرب جميعًا!

ولعل القارئ لاحظ فيما أوردنا من الأمثلة كثرة النعوت والأحوال كقوله: «خرجت منه — يعني المنزل — شريدًا طريدًا حائرًا ملتاعًا»، وقوله: «تركني فقيرًا معدمًا لا أملك من متاع الدنيا شيئًا»، وقوله: وراء هذا المنظر الضارع الشاحب نفس «قريحة معذبة». وقد يعلم القارئ أو لا يعلم أن هذا الإسراف في النعوت من دلائل الضعف وفقر الذهن؛ لأن الكاتب إنما يرصها واحدًا بعد واحد وفي مرجوه أن يوافق واحد منها محله، وأن يقع في مكانه، ولكن المطبوع يعرف ماذا يأخذ وما يلقي وينبذ، وإنما كان هذا الإكثار من الصفات من علامات الوهن؛ لأن الكاتب الضعيف لا يستطيع أن يتحرى الدقة، إذ كان لا يدري أي الرموز اللفظية أكفل بالعبارة التامة عن المعنى المراد، فهو من أجل هذا يستعمل اللغة جزافًا ويكيل الألفاظ بلا حساب، مستعينًا على الاختيار بالارتباط الغامض بين الألفاظ في ذاكرته وبرنين الأصداء المتقطعة للأصوات المألوفة. وهناك أمر آخر، وهو أن الترادف في اللغة من الأكاذيب الشائعة، إذ ليس ثم في الحقيقة لفظان يؤديان معنًى واحدًا على وجه الضبط، وما من مترادفين يزعم الزاعمون أنهما سواء في المدلول إلا وبينهما مقدار من الاختلاف قل أو كثر، فإذا ساق إليك كاتب سلسلةً نعوتًا متقاربة المعاني متشابهة المدلول، كان لنا أن نسأل أيها يعني على التحقيق، وأي مدلولاتها المتفاوتة يقصد إليه ويريد منا في فهم المراد أو تكوين الصورة أن نعتمد عليه؟ لأن السرد لا يستقر به معنًى على حد، ولا يعين على التصور إجراء الوصف على كثرة الإسناد والعد، والشأن في هذا مثله في التصوير والرسم، فكما أن المعول فيهما ليس على كثرة الألوان، بل على إصابتها مواضعها ووقوعها مواقعها قلت أو كثرت، وصحة التأليف بينها، كذلك في الكتابة ليست العبرة بتعدد النعوت، ولكن بمبلغ إبانتها عن المراد وكشفها عن المقصود.

أترى سيسمعنا السخفاء وأشباههم ممن يعرفون من ناحية وينكرون من ناحية أن هذا ليس سوى غنى وكثرة محفوظ؟ نعم، وماذا عساهم لا يقولون، وبأي حماقة وضلال لا يتعلقون؟ ولكن ههنا أصلًا يفوتهم العلم به ويخطئهم التوفيق إليه، وإن كان على هذا لا يحتاج إلا إلى أيسر فكرة وأدنى نظرة، وهو أن اللفظ من حيث هو لفظ مفرد لا شيء في ذاته ولا معنى له في نفسه، ولكن يكون المعنى وتحصل الفائدة بالتأليف، وبضم الألفاظ بعضها إلى بعض: كاللون في ذاته لا يفيدك صورة ولا يعطيك شيئًا إلا بعد أن يأتلف مع سواه، ويجري كل إلى أخيه مجراه، وليس لغير ذلك مساغ في العقل أو مجاز إلى الفكر وقيام في النفوس، فلا كتابة حتى يكون معنًى هو المزجي لها والمقدم والمؤخر والمرتب فيها، وفي جعلها موافقة أو مخالفة ومصيبة أو مخطئة وحسنة أو قبيحة سخيفة، وإلا فإن أحدنا لا يعجزه أن يعمد إلى معجم أو كتاب مترادف فيأخذ منه ويسرد، وليست كثرة الألفاظ المستعملة المسوقة من شأنها أن تدل على كثرة الاطلاع وسعة الحظيرة وطول الباع، وإنما التأليف والتركيب والافتنان بهما والقدرة عليهما هي آية هذه السعة والطول والكثرة، فلا تحمل بالك إلى الألفاظ إذا شئت أن تعرف مكان الرجل من العلم وحظه من العرفان، ولكن اجعله إلى طريقة تأليفه الكلام، فإن رأيته يدور منها في حلقة لا يكاد يعدوها حتى يكر إليها، فاعلم أنه ضيق المضطرب محدود المجال، ضئيل الحال، وألق بعد ذلك ألفاظه من أي حالق شئت.

وكذلك المنفلوطي لا يكاد يفوتك أن تقرأ له هذا التركيب: «فعدت به حزينًا منكسرًا وما على وجه الأرض أحد أذل مني ولا أشقى»، «وما مرَّ بي مثل يومها يوم كان أكبر باكية وباكيًا»، أو هذا التأليف: «فما هو أن مرت أيام الحداد حتى رأيت وجوها غير الوجوه»، «وما هي إلا أيام قلائل، حتى ضرب الدهر بينهما بضرباته»، ونحن فإنما نمثل ولا نستقصي، ولو كان الرجل واسع الحيلة رحيب المصال لوجد له مخرجًا من هذه الدوائر، والألفاظ كالحجارة في محاجرها، قريبة المنال من كل طالب، والناس لو عقلوا من أمرها في راحة، وإنما الكتابة مجسها الحصافة والثبت في انتقاء الألفاظ واستشهاد القريحة وسبر النفس وفليها عند تأليفها والمزاوجة بينها.

فإذا تقرر هذا وأن المنفلوطي ذاهب مذهب التخنث في كتابته وملفق مستحيل التلفيقات، وأنه لا يزال يعالج التأثير بالتطري والرخاوة في العاطفة المتكلفة والإحساس المصطنع وبالغلو والتأكيد في صوغ الكلام وتصوير المسألة؛ فإن بنا بعد هذا أن ننظر كيف يسوق القصة؛ أي في الأسلوب بمعنى الطريقة التي يجري عليها في تناول الموضوع وعرضه.

وقد ألف الناس لطول عهدهم بالمقلدين أن ينظروا إلى الأسلوب، من حيث هو تأليف للكلام على معاني النحو، ونحن نريد أن نلقي على هذه القردة درسًا فيما يفيده صحة النظر واعتدال ميزان العقل وسعة أفق الفكر … وإنا لنعلم أنه لن يفيدهم إلا الحسرة على ما أضاعوا من العمر وجنوا من السوء والخبث في هذه الأمة، التي نكبت بهم على قدر سدر أعينهم وضلال أفهامهم، ولكنا ما قصدنا قط إلى إمالتهم عما هم فيه، وإن كانت الخزائم حاضرة، بل تبصير من له طبع من المنشأ إذا قدحته ورى، وهدي من له قلب إذا أريته رأى.

ونمهد لما نريد تبيينه بمثل من التصوير محسوس، فإن هنا قومًا لا يدركون الشيء أو يصدمهم فنقول إن ههنا في ناحية من الطريق شرطيًّا واقفًا يرقب الحركة ويلاحظ الغادين والرائحين والراكبين والراجلين، ويمنع الزحام، ويقتاد المتنزين إلى الشر إلى أي هو تابع له من «الأقسام»، تراه وتزن التبعة التي عليه والسلطان الذي في يديه، وتقيس النصب الذي ينبغي أن يعانيه إلى القدرة اللازمة التي لا تؤاتيه، فتعطف عليه في محنته، وترثي له في وقفته، وتصوره وأنت ناظر إليه من جانب الجد الذي لا هزل فيه، وفي ضوء الواجب مكابدًا أوامره ونواهيه، هذا وربما ذهبت تعتبره مرة أخرى من الجانب المضحك في هيئته وفي تراخي همته وبطء حركته أو عدم التلاؤم والتناسب في بزته، ووفاء قامته، وتخاذله في مشيته، وتثاؤبه واستناده إلى الجدران، وذهول نظرته، أو حواره مع الباعة، وتأتيه إلى غايته، وتقطيبه جبينه وهو يدفع في جلبته، أو تواريه في الدروب ووراء العمد إذا جد الجد بالطعام في «نقطته» إلى آخر ذلك. ثم تصوره صورة تركبه فيها بالدعابة فأنت قد تناولت موضوعه من جهتين متباينتين؛ إذ كنت قد نظرت إلى أمره وحاله نظرتين مختلفتين: كنت في الأولى جادًّا وفي الأخرى هازلًا، وجعلت الصورة في كل من المرتين معبرة عن اعتبارك إياه ناطقة بالغرض منها، فوجهة النظر إلى الموضوع والطريقة التي تتحراها لغايتك هي ما نسميه أسلوب التناول، ولا شبهة في أن المرء ينظر إلى الأمور من جهات معينة: من ناحية الجد أو الهزل، أو المألوفية أو الشذوذ، أو الجلال أو الحقارة، وليس يعنينا من أي ناحية عالج المسالة، وإنما الذي يعنينا مقدار ما في سعيه من صدق السريرة وصحة الإدراك، ودرجة النجاح، ومبلغ التغلب على الصعوبات. ونقول مبلغ التغلب على الصعوبات لأن القصصي لا تظهر قدرته في المواقف الهادئة السلسة، وإنما تستبين وتتضح حيث تكون أشخاصه تحت ضغط العواطف القوية، وفي المواقف التي تتطلب أدق النظر وأشق التمييز وأصح العبارة.

فكيف تناول المنفلوطي موضوعه؟ وما هي الفكرة العامة التي نظر بها فيه؟ وبماذا أعد لها وكشف عنها؟ وهل اللغة التي استعملها صادقة؟ وهل السلوك الذي عزاه إلى أشخاصه مما هو معهود في الآدميين كما نعرفهم؟ وما مبلغ إسرافه أو قصده؟ وما مقدار خبطه وتخليطه أو إصابته وسداده؟

عسى قائل يقول: إنك تضعه في ميزان لم يقصده لنفسه، ولا كان في باله ولا جرى له هو وأمثاله في خاطر. وردنا على هذا المحتج أن الأدب لا شأن له بهذا الإهمال أو الجهل والاعتداد فيه إلا بالصلاحية للحياة، وهي هي ميزانها أبدًا واحد، لا رفق فيه ولا هوادة، فإن خفتم على صاحبكم أن تشيل به الكفة فاخرجوا به من هذا الميدان، واذهبوا محمودين مشكورين على النكوص، فإن أبيتم إلا أن تعدوه كاتبًا أديبًا فلا مسمح عن قذفه في هذا الأتون الحامي لنعرف من أي معدن هو، وأنتم بعد خلقاء أن ترضوا لصاحبكم ما نرتضي لأنفسنا مختارين مرتاحين، فإنا نعيش في عصر تفكير عميق، وعهد قلق عظيم واضطراب كبير، وشك مخيف ليس يتسع لهذه المنكرات والشناعات والتلفيقات عصر تعتصر فيه العقول ويستنفد في حيرته مجهود القلوب، وقد استولت الظلمة على عوالمنا السياسية والخلقية والعقلية، وصارت حياتنا محيطًا زاخر العباب، يضطرب بنا متنه في عشي ليالينا المتجاوبة بصيحات الشك والظمأ إلى المعرفة والحنين إلى النور.

ولقد غبر زمن لم تذهب في أثره عقابيل أدوائه، كان القوم فيه يحسبون أن الأدب والفلسفة — أو النظر المخلص الصحيح إن شئت — لا يتفقان، وأن الغائص على الأسرار الطالب للحقائق لا يكون أديبًا، وأن الأديب لا يكون معدًّا ورائدًا، وأن ما وصل إليه من الخصائص وألفه يجب أن يقطعه الإنسان ويعادي بينه وبين عهد الظواهر والزبد والقشور وقد سقط في هوة الأبد، وجاء زمننا الشادي بعلاقة الطبيعة بنفس الآدمي الراكض بمداركه من ميدان إلى ميدان، والمريغ وراء السماء سماء وبعد الآباد آبادًا، المصيخ إلى صوت اعتلاج موج الزمن المتكسر على صخور ذلك «العالم الآخر».

ونعود إلى صاحبكم المنفلوطي — وما أهول هذا الانحدار! فنقول إن فيما أسلفنا القول فيه من حيث موضوع القصة وسلوك شخصها لكفاية وفوق الكفاية، ولقد كان حسب سوانا في غير هذا البلد أن يشير بطرف القلم إلى ما فصلناه، ولكنا وطنَّا النفس على الجلد ورضناها على السكون إلى ما تكلفنا إياه حداثة العهد بالأدب الحي.

يحسب المنفلوطي أن تكلف التفصيل في المحسوسات مظنة الإجادة وفاته — وأنَّى له أن يفهم هذا — أنه لا يعجز أحدًا أن يقول لك هل فلان هذا الذي تراه طويل أم قصير ونحيل أم بدين؟ وهل في يده كتاب أم عصا ونائم هو أم جالس؟! وإنما محك القدرة في تصوير حركات الحياة والعاطفة المعقدة لا ظواهر الأشياء وقشورها، وفي رسم الانفعالات والحركات النفسية واعتلاج الخوالج الذهنية وما هو بسبيل ذلك.

أما تفصيل المنفلوطي فلا خير فيه، بل الخير في اجتنابه وتحاشيه، وليذكر القارئ أن هذا المسكين يروي عن نفسه ويحدث بما يدمي، أنه كان شاهده من غرفة مكتبه المطلة على غرفة الطالب — وهو بطل القصة — في البيت المقابل له في الشارع، فاسمع ماذا يقول المسكين، وهو يظن أنه قد استحق المنزلة الأولى بين شيوخ الرواية:

كنت أراه من نافذة غرفة مكتبي، وكانت مطلة على بعض نوافذ غرفته، فأرى أمامي فتًى «شاحب» الوجه منقبضًا، جالسًا إلى مصباح منير في إحدى زوايا الغرفة (ينظر في كتاب أو يكتب في دفتر أو يستظهر قطعة أو يعيد درسًا).

فكيف استطاع هذا التمييز بين الاستظهار والإعادة؟ وكيف رأى شحوب لون الوجه مع هذا البعد؟ ولكن هناك ما هو أدهى:

عدت إلى منزلي منذ أيام بعد منتصف ليلة قرة من ليالي الشتاء، فدخلت غرفة مكتبي لبعض الشئون فأشرفت عليه، فإذا هو جالس جلسته تلك إلى مصباحه، وقد أكب بوجه على دفتر منثور بين يديه على مكتبه. فظننت أنه، لما ألم به من تعب الدرس وآلام السهر، قد عبثت بجفنه سنة من النوم فأعجلته عن الذهاب إلى فراشه وسقطت به في مكانه، فما رمت مكاني حتى رفع رأسه، فإذا عيناه مخضلتان من البكاء، وإذا صفحة دفتره التي كان مكبًّا عليها قد جرى دمعه فوقها، فمحا من كلماتها ما محا، ومشى ببعض سطورها إلى بعض، ثم لم يلبث أن عاد إلى نفسه.

وهي لا تفيد ولا يمكن أن تفيد شيئًا سوى أنه يريد أن يطيل الجملة ويمطها حتى يبلغ بها آخر نفس القارئ، ثم هل تدري أنه أحس أنه موشك أن يقول شيئًا مستحيلًا؟ الوقت بعد منتصف الليل والبرد قارس، وبين النافذتين عرض الشارع. وهو مهما ضاق، وحتى لو كان الوقت وقت الظهيرة المتقدة الملتمعة، لا يسمح بأن يرى فعل الدمع بالسطور المكتوبة، أو جولان العبرة في الجفن، وقد شعر المنفلوطي باستحالة ذلك، ولكنه لمصابه لم يجد ما يخرجه مما أوقع نفسه فيه من تكلف المحال غير أن يقول إن الفتى رفع رأسه! كان هذا يكفي لتمكينه من ناصية المستحيل!

وأنت أيها القارئ هل قنعت أم نزيدك من هذه التلفيقات؟ ليس بنا بخل ولا لصاحبك عقل، فخذ ثالثة الأثافي: ذهب المنفلوطي إليه؛ لأنه سمع «في جوف الغرفة أنه ضعيفة مستطيلة»، ووضع يده عليه فعلم أن الفتى محموم:

فأمررت نظري على جسمه فإذا خيال سار لا يكاد يتبينه رائيه، وإذا قميص فضفاض (واسع) من الجلد يموج فيه بدنه موجًا، فأمرت الخادم أن يأتيني بشراب كان عندي من أشربة الحمى، فجرعته منه بعض قطرات فاستفاق قليلًا.

أبنا حاجة إلى التعليق على هذا الهراء؟ لقد سمعنا بمن لولا محادثته إياك لم تره، وبالجسم لو توكأت عليه لانهدم، فأما القميص من الجلد يموج فيه البدن فلم نكن نتوقع أن يسمعه أحد إلا في مستشفى المجاذيب! ومع كل هذا النحول احتاج صاحبكم المنفلوطي أن يمر نظره على جسم الفتى.

ولست أحب أن أنغص على القارئ كتابنا بكثرة ما أورد من هذه التلفيقات المنكرة، ولكني أسأله الصبر على هذه الجملة أيضًا: دعا المنفلوطي الطبيب فجس المريض وهمس في أذنه أن العليل مشرف على الخطر، ولا عجب أن يصير إلى هذا المصير الخبيث بعد أن جرعه المنفلوطي شراب حماه، ثم دفع إليه المنفلوطي الأجر وأحضر الدواء:

وقضيت بجانب المريض ليلة ليلاء ذاهلة النجم بعيدة ما بين الطرفين، أسقيه الدواء مرة، وأبكي عليه أخرى، حتى انبثق نور الفجر.

والعادة أن الأشربة يُسقاها المريض بعد فترات «زمنية» يحددها الطبيب، ولكن الظاهر أن طبيب المنفلوطي أمره أن يعطيه الدواء بعد كل … بكاء!

ومع ذلك، فإذا لم تكن الذاكرة قد خانتنا فإن المنفلوطي مات له طفلان في أسبوع واحد «فسكن لهذا الحادث «سكونًا» لم تخالطه زفرة ولم تمازحه عَبرة، على فرط حبه لهما وتهالكه وجدًا عليهما»! وكذلك كان سكونه لما ماتت زوجته، فقد جلس إلى الناس يحادثهم حتى كأن المرزوء سواه.

وبعد أن استفاق المريض المنكوب بالطبيب والجار، صب المنفلوطي عليه وابلًا من الأسئلة وهو يعلم أنه في سياق الموت (فاستفاق ودار بعينيه حول فراشه حتى رآني، فقال أنت هنا؟ قلت نعم، أرجو أن تكون أحسن حالًا من ذي قبل. قال: أرجو أن أكون كذلك. قلت: هل تأذن لي يا سيدي أن أسألك من أنت وما مقامك وحدك في هذا المكان، وهل أنت غريب عن هذا البلد أو أنت من أهليه، وهل تشكو داءً ظاهرًا (يا للعمى) أو همًّا باطنًا؟ وهل لك أن تحدثني بشأنك وتُفضي إليَّ بهمك، كما يُفضي الصديق إلى صديقه؛ فقد أصبحت معنيًّا بأمرك «عنايتك» بنفسك؟)

ومن الغريب أن الفتى لم يصفعه — ماذا كان يخشى المسكين لو فعل وهو ميت لا محالة؟! بل شرع يقص عليه تاريخ حياته، الذي انتهى بين يدي هذا الحانوتي بعد أن فرغ من الحديث الذي يملأ إحدى عشرة صفحة من تسع عشرة، فما أطول نفسه في ساعة الموت! وما أخلق هذا الأدب الميت بأن يروي عن المحتضرين! وما أحق أهل الفتى أن يطالبوا المنفلوطي بدمه!

إبراهيم عبد القادر المازني

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠