رثاء الأميرة فاطمة

أقسم بالكعبة ذات الأستار، وبقبر النبي المختار. أقسم بفاطمة الزهراء، ومجلسها الوضاء. أقسم بالمشهد الحسيني، والضريح الزينبي، ومقام السيد البدوي، ومزار كل شريف من ولد فاطمة وعلي. أقسم بالعترة النبوية ومراقدها الزكية، ما إن دفنوا بالأمس إلا نيرة …

بهذا القسم، أو على الأصح، بهذه الأقسام استهل شوقي رثاءه للأمير المحسنة فاطمة بنت إسماعيل. وهي منثور قوله:

حلفت بالمسترة
والروضة المعطرة
ومجلس الزهراء في الـ
ـحظائر المنورة
مراقد السلالة الطـ
ـيبة المطهرة
ما أنزلوا إلى الثرى
بالأمس إلا نيرة

ولولا أن الأمر أظهر من أن يحتاج إلى قسم لأقسمت له بكل قبلة ومقام، وبكل نبي وإمام، إنه لنسيج وحده في فكاهة الرثاء، إن كان للرثاء فكاهة، ولم — لعمر الله — لا يكون له فكاهة وقد أرانا شوقي في مراثيه أجمع فنًّا مبتدعًا منه، وطفق يبكي من يبكيهم كافة بنمط يلتبس عليك فيه الجد بالمزح، ويقترن العبث بالمدح؟ أفرأيت أحدًا قط يقسم لك على صدقه في تعداد مناقب مرثيه، كأنه يخشى التكذيب، أو يتقي أن يحمل كلامه محمل الرياء والمجانة غير شوقي؟ وإذا اطرد هذا في جميع شعره، فلم لا نحسن الظن ونتلقاه منه على أنه مذهب جديد في بابه، ونتخذ له اسمًا في أصول البلاغة مصطلحًا عليه فكاهة الرثاء مثلًا كما قلنا، أو اسمًا آخر مقبولًا لديه إن لم ترقه هذه التسمية، ثم نورد الشواهد عليه من مراثيه؟ وإنها لكثيرة طويلة — بحمد الله الذي لا يحمد على المكروه سواه.

وسنرى الذين يمارون في اختراع شوقي لهذا الباب واطراده في قصائده جميعًا وفي أبيات القصيدة الواحدة، نقول سنريهم أنها ليست بفلتة نظم أو هفوة خاطر، ولكنها أصول يرعاها، ورسوم يعيها ولا ينساها. وإلا فلو كان حذره من التكذيب واتقاؤه تهمة المناجاة فلتة سبقت بها قريحته في مطلع القصيدة، فماذا كان يدعوه إلى أن يقول بعده:

دع الجنود والبنو
د والوفود المحضرة
وكل دمع كذب
ولوعة مزورة

إلا أن الأمر بين لمن ينصفون؛ فالشاعر بدأ قصيدته بالقسم، فأشعرنا الريب واتهم نفسه في ثنائه، ثم عاد فذكر الدمع الكذب واللوعة المزورة فأرانا حكمة ذلك القسم، وإنه لم يبدر منه جهلًا بفنون الرثاء، وإنما تفننًا واختراعًا لم يسبق إليه، ونرجو ألا يبارى فيه؛ فأما أن يسمى هذا الاختراع الجديد رثاء كما عهدنا الرثاء القديم، فهذا غبن لشاعرنا وتسمية للأشياء بغير أسمائها. فلا بد إذن من أن يُنتقى له اسم مبتكر ظريف، وعليه هو تحرير قواعده وضبط أصوله ورسم نماذجه.

•••

عجيب والله أمر هذا الرجل! ما رأينا خطأ أشبه بالتعمد، ولا توقرًا أقرب إلى المجانة من هُذائه في رثائه. وما التبس الهزل بالإجلال قط التباسهما في تأبينه وبكائه. فما كان أغناه عن الحلف، ومبرات الأميرة أشهر من أن يرتاب فيها أو يتنازع عليها! وهبها لم تكن كذلك، فهل جرت العادة أن تؤيد المآثر، إذا لم يصدقها الناس، بالأيمان أو البراهين في قصائد الرثاء؟ نتجاوز هذه ونسأله:

ما باله يفترض أن الناس تبكي على الأميرة بدمع كذب ولوعة مزورة؟ أضروري هذا ليقول بعده أن الدموع الكاذبة لا تغني عنها وأنه:

لا ينفع الميت سوى
صالحة مدخرة

أيقول ذلك لأن الدموع إذا كانت صادقة واللوعة خالصة نفعت الميت وأغنته عن الصالحة المدخرة؟! فإذا كان التباكي كالبكاء في هذا المعنى فلم هذا السخف، الذي يغض من المبكية والباكين وليس له من جدوى؟

ونحن ما كنا لنوسع لهذه القصيدة محلًّا من النقد لولا أننا نريد أن يلمس ضعف تمييز شوقي عن التفرقة بين حالات النفوس، ضعفًا لا تنفرد به قصيدة دون قصيدة، ولولا أننا سمعنا بيتين منها يرددان في معرض الاستحسان، فأحببنا أن نمسح الرغو عن محضهما لمن عساه أن يكون على رأس المستحسنين لهما. فالبيت الأول وهو:

فاطم من يولد يمت
المهد جسر المقبرة

أعجبهم منه «جسر المقبرة»، وهو معنًى متوارد عليه، نذكر من السابقين إليه أبا العتاهية حيث يقول:

وعبروا الدنيا إلى غيرها
فإنما الدنيا لهم معبر

وفصله المعري وقسمه فقال:

حياة كجسر بين موتين أول
وثان وفقد المرء أن يعبر الجسر

وهو أوضح وأوجز في قول محمود الوراق:

اغتنم غفلة المنية واعلم
أنما الشيب للمنية جسر

فالذي صنعه شوقي هو أنه سرقه وشوهه كعادته، لأنه جعل المرء يخرج من المهد إلى المقبرة، وما نظن الناس يموتون كلهم أطفالًا!

والصحيح أن المهد أول مراحل الجسر والحياة بمراحلها المتتالية بقيته.

والبيت الثاني أو هو بيت القصيد في رأيهم قوله:

يلفظها حنظلة
كانت بفيه سكرة

يعني الروح. وقد كان يخطر لنا أن يمتدح كل بيت في القصيدة خلا هذا البيت، وهذا من الغرائب في تضاد الأذواق وانتكاسها؛ فقد دل به شوقي على سقم تعبيره، وأراد أن يقول إن المرء يحب الحياة ويشعر بمرارة فراقها عند الموت، فعكس المراد؛ لأنه كنى عن صعوبة ترك الحياة بلفظ الحنظلة، ولفظها محبوب يرتاح الإنسان إليه لما فيه من إزالة المرارة عن فمه ولو أنه قال:

يلفظها سكرة
كانت بفيه حنظلة

لكان هذا الصواب في تمثيل تأفف الإنسان من الحياة حتى إذا أدركه الموت حلا مذاقها لديه وكره أن يلفظها كأنها «السكرة»! ولكننا نخال صاحبنا كمن يمشي على يديه أو ينام على بطنه فيرى العالم معكوسًا.

ومن ترهات شوقي التي يخرجها مخرج الحكم قوله من هذه القصيدة:

وكل نفس في غد
ميتة فمنشرة

فالنفوس لا تموت في غد فحسب، ولقد ماتت نفوس لا تحصى أمس وأول من أمس وقبل ذلك بآلاف السنين وهي تموت اليوم بل الساعة، ولكن الرجل اشتهى أن يقول: إن كل نفس تموت منشرة غدًا، فخانه الأداء وخذلته العبارة، وهي لو استقامت له لما جاء بطائل.

وأما سائر أبيات القصيدة، فلا فرق بين إثباتها وانتقادها، وحسبنا ما شغلناه من حيز هذه الصفحات بنقل شعر شوقي، فلا نضرب في الهواء ولا نطرح في البوتقة الحصاء، والشعر إذا تساوى فيه النقد والإغضاء فخير منه الصحائف البيضاء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠