تمهيد

«عند الذهاب للصَّيد في البحيرة، يجب ألَّا تُجدِّف بالقارب حتى وسط البحيرة ثم تَرمي الصنارة ببساطة في الماء وتتوقع الحصول على أسماك. إنما عليك أن تذهب حيثما تعيش الأسماك؛ عند الحواف وبالقرب من الأشجار المغمورة بالمياه. على المنوال نفسه، يجب أن تدخل مجال التداول في الأسواق المالية بالقرب من حواف مناطق الازدحام السِّعري، حيث يكون الثيران (المضاربون على صعود الأسعار) أو الدِّببة (المُضاربون على هبوط الأسعار) مُنهَكين لدرجة أن بذل قدر قليل من الضغط يستطيع عكس اتجاه مؤشر السوق.»

سمعتُ في كثير من الأحيان هذه العبارة وغيرها من العبارات التي يُردِّدها ديفيد بلكنتِه الأمريكية الجنوبية في دوراتي التعليمية المُسماة «معسكرات المتداولين». والآن من دواعي سروري أن أراها في كتابه، مُتاحةً لك حتى لو كنتَ لا تستطيع السفر إلى معسكر دراسي لمدة أسبوع لتتعلَّم على يد ديفيد شخصيًّا.

إنَّ ديفيد رجل هادئ يَقضي يومه في عزلة في قاعة التداول خاصته، لكنه لعب دورًا كبيرًا في تطوير قدرات العديد من التجار المُهمِّين. فعندما أناقش أحوال الأسواق المالية مع الأصدقاء، كثيرًا ما أسمع عبارة على غرار: «هنا كان ديفيد سيَتَّخذ قرارًا معَّينًا بشأن التداول.» واتبع المئات من طلابه طريقته في قراءة الرسوم البيانية.

اعتمد ديفيد على الأعمال الكلاسيكية لريتشارد ويكوف، التي كُتبَت قبل قرن من الزمان، ووسع فيها ليُطور طريقة حديثة لتحليل السوق. وتُمثِّل الارتفاعات المتغيرة لأعمدة الأسعار، المَصحوبة بارتفاعٍ أو انخفاض أعمدة حجم التداول، العناصر الأساسية غير القابلة للاختزال التي يبني عليها ديفيد تحليله للسوق. وهو يَستخدم هذه الأنماط لقراءة سلوك الحشود عبر جميع الأسواق والأُطُر الزمنية، ثم لتحديد قراراته الشرائية.

تترك جميع عمليات التداول أثرًا لا يُمحى على رسوم السعر والحجم البيانية. ويركز ديفيد عليها، وهذه الرسوم البيانية تتحدث إليه. وهو في هذا الكتاب سيُعلمك لغتها.

يُذكرني تركيز ديفيد الشديد على سلوك السعر/الحجم بأستاذة كانت تُدرِّس لي في كلية الطب. كانت خجولة وتُعاني من مشكلة بسيطة في السمع، وعادةً ما كانت تقف في الخلف خلال الجولات الطبية الكبرى. كنا نعلم أنها كانت شديدة الانتباه والتوافُق مع لغة جسد المرضى لدرجة أنه عندما تتعارَض آراء الأساتذة بشأن التشخيص، فإنهم كانوا يطلبون رأيها. فالشخص الذي يُراقب بانتباه، على أساس قدرٍ كبيرٍ من الخبرة ودون أيِّ أجندة خفية، يمكن أن يرى أفضل من معظم الأشخاص الآخرين.

إنَّ القراءة المتأنية لهذا الكتاب ستفتح عينيك على الأهمية الكبيرة لما يدعوه ديفيد بالكسور الهبوطية والكسور الصعودية الوهمية أو الكاذبة. ويَعِدُك ديفيد بأنك: «بمجرد أن تصبح معتادًا على سلوك الكسر الهبوطي (والصعودي) الوهمي، فسيكون لديك مؤشِّر للسلوك تستطيع الاعتماد عليه على مدار الزمن. ويُمكن للكسر الوهمي أن يوفر زخمًا للتداول قصير الأجل الذي يُمارسه التاجر اليومي أو أن يكون حافزًا لتحقيق مكاسب رأسمالية طويلة الأجل.»

بعد الجلوس لساعات في خلفية القاعة بينما كان ديفيد يُلقي محاضراته ويَعرض الأمثلة الخاصة بالتداول، أصبحت الكسور الوهمية نمطًا من أنماطي الرئيسية للتداول. ويُمكنك الآن أن تَسترشِد بعشرات من الرسوم البيانية التي يُقدِّمها ديفيد، وتمضي قُدمًا عمودًا تلو الآخر، بينما تتعلَّم كيفية قراءة رسائلها وتتوقَّع انعكاسات اتجاه التداول.

سوف يُعلمك الفصل الذي يدور حول الاستيعاب قياس قوة الاتجاه الحالي. فهل هذا الاتجاه يَمضي قدمًا مثل «الكتائب الإغريقية التي تَسير بانتظامٍ عبر سهول طروادة» — بحسب تعبير ديفيد — أم أنَّ تَقدُّمه يُستوعَب من خلال العرض المُتزايد الذي يسبق الانعكاس؟ وهكذا، وبينما تتحرك عيناك عبر الرسوم البيانية التي يُقدمها ديفيد، سترى كيف تكشف أنماط السعر والحجم نقاط ضعفها أو نقاط قوتها السرية.

لا تتسرَّع أثناء قراءة هذا الكتاب؛ فللاستفادة الكاملة منه، تحتاج إلى السماح لرسائله الكثيرة بالتغلغل في فكرك. فاقرأ بعض الصفحات وتأكَّد من فهمك لها بتطبيق المفاهيم الواردة فيها على الرسوم البيانية الحالية خاصتك، وذلك قبل العودة إلى الكتاب وقراءة صفحات أخرى. فهذا ليس كتابًا للقراءة السريعة؛ فقد استغرَقَت كتابته من ديفيد سنوات، وكلما منحَتْه مزيدًا من الاهتمام، كانت استفادتُك منه أكبر.

قراءة سعيدة وتداوُل سعيد!

د. ألكساندر إلدر
www.elder.com
مدينة نيويورك، ٢٠١٣

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١