مقدمة
ظلت الأحداث التي أدَّت إلى تأليف كتاب «تغيُّر العقل» تتكشف على مدى السنوات الخمس الماضية، ويمكن القول لفترةٍ أطول من ذلك بكثير — ربما من دون أن أدري — منذ أن شرعت أبحث في العلوم العصبية، وبدأت أتفهَّم نقاط القوة والضعف في الدماغ البشري. والواقع أن تركيزي الرئيس على مدى عدة عقودٍ قد انصبَّ على محاولة اكتشاف الآليات العصبية الأساسية المسئولة عن الخرَف، الذي يعني حرفيًّا فقدان العقل. ولكن حتى قبل أن أرتدي المعطف الأبيض لأول مرة، كان الذي يمتلك جاذبية مطلقة بالنسبة إليَّ هو السؤال الأوسع والأعم حول ما عساه أن يشكِّل الأساس المادي للعقل نفسه. وفي رحلتي غير التقليدية إلى أبحاث الدماغ عن طريق الفلسفة الكلاسيكية، كنت دائمًا مهتمةً بالأسئلة الكبيرة حول ما إذا كنا نمتلك بالفعل إرادة حرَّة، وكيف يمكن للدماغ المادي توليد التجرِبة الشخصانية للوعي، وما الذي يجعل كل إنسان فريدًا من نوعه.
ولكن هل يمكن أن تعمل تقنيات القرن الحادي والعشرين الرقْميةُ الفائقةُ الحسِّ على إزاحة التوازن بعيدًا عن حالةٍ عرَضية ومفتعلة (الشرب، والرياضات السريعة الوتيرة، والرقص) لمصلحة جعل السيناريو «المجنون» يقترب من كونه الحالةَ المعرفية الافتراضية؟ كانت هذه الأفكار في خلفية ذهني عندما أُتيحت لي، في فبراير ٢٠٠٩م، الفرصةُ للتعبير عنها بشكل أكثر وضوحًا.
كان هناك نقاش في مجلس اللوردات في المملكة المتحدة حول تنظيم مواقع الإنترنت، خصوصًا فيما يتعلق بعافية الأطفال وسلامتهم. إذا تقدَّمتَ للحديث في مثل هذه الفعالية، فإن العرف هو أن تطرح حجةً تستند على مجال الخبرة المحدد الخاص بك. وبالنظر إلى أنني لم أكن أعرف شيئًا على الإطلاق عن التشريعات والممارسات التنظيمية، فقد قررتُ أن أطرح وجهة نظري من منظور العلوم العصبية. كان القياس المنطقي الذي استخدمتُه مباشرًا تمامًا وليس أصيلًا بصفةٍ خاصة. كان بوسع أي باحثٍ في العلوم العصبية أن يقول الشيء نفسه: يتكيف الدماغ البشري مع البيئة، والبيئة تتغير بشكلٍ غير مسبوق، وبالتالي فإن الدماغ قد يتغير بدوره بشكلٍ غير مسبوق.
كان رد فعل وسائل الإعلام الدولية، المطبوعة والمذاعة، على هذه الحجة التي تبدو بسيطةً ومنطقية، بعيدًا كل البعد عن محتواها. وغنيٌّ عن القول أنني اضطُررت إلى تحمُّل تحريف الصحافة الذي لا مفرَّ منه، والناجم عن تفضيل بيع مزيد من النسخ على الحقيقة الفعلية: «البارونة تقول إن الحواسيب تسبب تعفن الدماغ» كان مجرد مثال على عناوين الصحف الأكثر إثارة. وفي الوقت نفسه، فقد أخبرني الصِّحافيون الذين أجرَوا مقابلات معي بغبطة الناس لسماع الأخبار السيئة، وكيف أنني كنت مثارًا للسِّباب في بعض أوساط المدونات، قبل أن يسألوني عن شعوري حيال ذلك.
كان ردِّي، ولا يزال، هو أنني سعيدةٌ لمناقشة الأساس العلمي المستبطَن لأفكاري، وأنني سأرفع الراية البيضاء إذا دُحضت بحقائق ثابتة. هذا هو ما يفعله العلماء؛ وهي الكيفية التي ننشر بها أبحاثنا الخاضعة لمراجعة الأقران، وهي الطريقة التي يُمكننا بها وضع النظريات. يتقبل معظمنا الانتقادات المهنية باعتبارها نسيج العملية البحثية. وعلى أي حال، فما كان مُثيرًا للاهتمام حقًّا في هذا السياق هو الشراسة الواضحة للعداء الشخصي في بعض الحالات. لو كنتُ قلت إن الأرض مسطحةٌ، أشك في أن أحدًا كان سيهتم. من الواضح أنني لمست عصبًا شديد الحساسيَّة جعل بعض الناس يشعرون بالتهديد أو ضعف المكانة بطريقةٍ ما. وحتى ذلك الحين، لم أكن قد أدركت مدى أهمية هذه القضية بالنسبة إلى مجتمعنا. ولذلك واصلت القراءة، والتفكير، والتحدث في مجموعةٍ واسعة من المنتديات حول الدماغ المستقبلي، بل حول مستقبل الدماغ.
وبعد ذلك، وفي الخامس من ديسمبر ٢٠١١م، عرض مجلس اللوردات فرصة أخرى لمزيد من المناقشة الرسمية المفتوحة. لقد سنحت لي الفرصة لطرح مناقشة ﻟ «سؤال حكومة صاحبة الجلالة حول التقييم الذي أجرَتْه بشأن تأثير التقنيات الرقمية في العقل.» وكما يمكنك أن تتخيل، فإن الحصول على زمن برلمانيٍّ في هذه الغرفة الحمراء والذهبية التاريخية ليس بالأمر السهل، وبالتالي فقد شعرتُ بأنني سأكون محظوظةً جدًّا لو أُتيحت لي الفترة الزمنية القصيرة المعروفة باسم «قضية للنقاش الوجيز». حضر هذه المناقشة لفيف من مختلِف القطاعات، بداية من الأعمال التجارية، وصولًا إلى التعليم والطب.
ومن المثير للاهتمام أن معظم اللوردات النبلاء بدَوا حريصين على التأكيد على فوائد التكنولوجيا، كما أن النبرة العامة لأغلب المتحدثين أعطت انطباعًا بأنه ليست هناك حاجة إلى القلق الفوري. وفي ملخصه، خلص وكيل الوزارة البريطاني البرلماني لشئون المدارس حينئذٍ، اللورد هيل أوف أورفورد، إلى أنه «ليس على علمٍ بوجود قاعدة أدلة واسعة على الآثار السلبية للاستخدام المعقول والمتسق للتكنولوجيا» على الرغم من أنه «بالمثل كما يمكن لأي ثورةٍ تكنولوجية أن تؤدي إلى تقدمٍ كبير، فهي تؤدي دائمًا إلى مشاكل غير متوقعة أيضًا، والتي يجب أن نكون دائمًا في حالة تأهب لها في الواقع». ومن بين المآخذ على صيغة أسئلة النقاش الوجيزة أنها — كما يوحي اسمها — قصيرةُ الوقت، كما أن الزميل الذي يطرح موضوعًا معينًا، كما فعلتُ في هذه المناسبة، لا يمكنه الرد على الأفكار التي بُثت. وغنيٌّ عن القول أنه إذا أُتيحت لي الفرصة، لكنتُ استجوبتُ الوزير حول أربع نقاط أساسية:
أولًا: لا يُفعَل سوى أقل القليل حاليًّا من قِبل الحكومة البريطانية لتشجيع البحث في آثار ثقافة الشاشة على عقل الشباب، أو في الواقع على العقل في أي سن. وإذا نُفِّذت مثل هذه المبادرة، فسيكون من الأهمية بمكانٍ أن نتعرف على نوع البحوث الجاري تنفيذه، وفي أي نوع من المجالات، ومقدار التمويل الذي عُمد إلى توفيره، وطول الفترة الزمنية التي يتوقعون تنفيذ هذه الدراسات خلالها.
وتتمثل نقطتي الثانية في أنه إذا كانت التكنولوجيا بالفعل تُستخدم بصورة «معقولة» (والتي تمثل في حدِّ ذاتها حكمًا ذاتيًّا)، فإن مثل هذه الممارسات «المعقولة» لا يمكن أن يكون لها تأثير سلبي كبير بحكم تعريفها. كانت النقطة الرئيسة التي حاولت إثباتها هي أن التكنولوجيا لا تُستخدم بالضرورة باعتدال؛ فقد أشارت بعض الاستطلاعات إلى أنها تُستخدم لما يصل إلى إحدى عشرة ساعة في اليوم، فهل يرقى هذا حقًّا لاعتباره «متناسبًا»؟
أما نقطتي الثالثة فهي أننا عندما ننظر إلى جوانب مختلفة من ثقافة الإنترنت، يكون هناك بالفعل سبب للقلق. ومع ذلك فقد كان هذا الخطاب الوزاري يُعدُّ مثالًا جيدًا على استراتيجية شعبيةٍ ليس فقط مع السياسيين وموظفي الخدمة المدنية، ولكن أيضًا مع أي شخصٍ يُريد حياة هادئة: المراوغة حتى يظهر مزيد من الأدلة، من دون أي إشارةٍ إلى مقدار ونوع الأدلة الذي سيكون مُقنعًا بما يكفي لبدء مناقشة واسعة تشمل صانعي السياسات، والآباء، والمعلمين، ودافعي الضرائب بشكل عام. وبالتالي فقد كانت نقطتي الرابعة والأخيرة هي أن «المشاكل» التي لم يحددها الوزير لن تكون «غير متوقعة» إلا إذا لم نتوقعْها أو نناقشْها.
وعند تلك اللحظة بالذات، وفي إحدى المصادفات الخارقة التي قد تحدث أحيانًا في الحياة، اتصلت بي دار «راندوم هاوس» لتكليفي بتأليف هذا الكتاب. يمكن بالتالي اعتبار كتاب «تغيُّر العقل» كإجابة على الوزير من ناحية، لكن هدفه الرئيس هو تلبية احتياجات مجتمع عليه اتخاذ بعض القرارات. ومن أجل القيام بذلك، يجب أن تكون لدينا نظرة متوازنة وشاملة للبحث العلمي. وعلى الرغم من أن مثل هذه النظرة العامة لا يمكن أبدًا أن تكون شاملةً، فلا بد أن تتضمن أهم النتائج. وهذا هو ما ستجدونه في هذا الكتاب. وعلى أي حالٍ، فمن الجدير بالذكر أن هناك إغفالًا متعمَّدًا وحيدًا، وهو مجال المواد الإباحية المتوفرة على الإنترنت، حيث لا يوجد بطبيعة الحال كثير من الجدل والنقاش حول ما إذا كانت تلك المواد «جيدة» أو «سيئة»، أو حول كيفية تأثيرها على أنواع التفكير، لكنها تدور أكثر حول التشريعات واللوائح المتعلقة بها، وهي خارج نطاق هذا الكتاب.
يتمثل الهدف الرئيس من كتاب «تغيُّر العقل» في استكشاف الطرق المختلفة التي يمكن أن تؤثر بها التقنيات الرقمية ليس فقط على أنماط التفكير والمهارات المعرفية الأخرى، ولكن أيضًا في نمط الحياة، والثقافة، والتطلعات الشخصية. ووَفقًا لذلك، فبالإضافة إلى تغطية المؤلفات العلمية الخاضعة لمراجعة الأقران، ستجد مناقشة لمختلِف السلع والخِدمات التي قد تكشف عن نوعٍ جديد من طرق التفكير، فضلًا عن التعليقات والتقارير المنشورة في الصحافة الشعبية التي تعمل كمرآة للمجتمع الذي نعيش فيه.
إن استكشاف وجمع مثل هذه الطائفة الواسعة من الأنواع المختلفة من المواد هو — في الواقع — مهمةٌ شاقة للغاية. وعلى أي حال، فمرة أخرى كانت الأقدار في صفِّي، ففي إحدى الحفلات التي أُقيمت على الشاطئ في مِلبورن في ديسمبر ٢٠١٢م، كنتُ محظوظةً بما فيه الكفاية بأن ألتقي أوليفيا ميتكالف. كانت أوليفيا قد حصَلت من فورها على درجة الدكتوراه من الجامعة الوطنية الأسترالية في كانبيرا، حيث كانت تدرس ألعاب الفيديو، ولم تكن بعدُ متأكدةً من المسار المهني الذي تودُّ اتخاذه. ومن المُثير للدهشة أنها كانت متاحةً وراغبة في المساعدة على ضمان احتواء المخطوطة، التي كانت وقتها في مرحلة المسَوَّدة الأولى، على مجموعة واسعةٍ من البحوث في مجال التقنيات الرقمية. وخلال السنة التالية، كانت مساهمة أوليفيا لا تُقدر بثمن؛ أدى تمحيصها ونقدها للعمل بالفعل إلى رفع المستوى الذي يمكن أن يقدمه كتاب «تغيُّر العقل»: وجهة نظر متعمقة في مجالٍ بالغ التعقيد وسريع التطور.
قبل نحو خمس وثلاثين سنة، بينما كنت أعمل في باريس، أراني زميل لي الصفحة الأولى من صحيفة، والتي أظهرت رجلًا ذا لحية كثَّة ويرتدي سُترة غريبة الذوق. «إنه من الحركة الخضراء»، قال زميلي ساخرًا وهو يضحك على صاحب الصورة باعتباره شخصًا غريب الأطوار. من المؤكد أن فكرة الحركة «الخضراء» بدت غريبة بالنسبة إليَّ، وكذلك كانت عبارة «تغير المناخ». أما الآن فهذا المفهوم يمس كثيرًا من السياسات العامة ويؤثر في نمط الحياة الفردية. لقد أطلقتُ اسم «تغيُّر العقل» على كتابي هذا لأنني أفترض وجود أوجُه شبه مماثلة لتغير المناخ، وإن كانت متخلفة عنه ببضعة عقود: فكلاهما عالمي، ومُثير للجدل، وغير مسبوقٍ، ومتعدد الأوجه. وفي حين أن تحديات التغير المناخي تتطلب ممارسات تتعلق بتقليل الضرر، فمن الممكن لتغيُّر العقل أن يفتح أكثر الاحتمالات إثارة لمجتمع القرن الحادي والعشرين، والمتمثلة في تحقيق الإمكانات الكاملة لكل عقلٍ بشريٍّ كما لم يحدث من قبل، لو كان بوسعنا فقط أن نُناقش ونُخطط لنوع العالم الذي نودُّ العيش فيه، أو بشكل أكثر تحديدًا، أي نوع من البشر نريد بالفعل أن نكون.