الفصل العاشر
الشبكات الاجتماعية والهُوية
«على مدى السنوات العشر المقبلة، من المرجَّح أن
تتأثر هُويات الناس بشكلٍ كبير بفعل العديد من
محفِّزات التغيير المهمة، لا سيما سرعة وتيرة
التطورات الحادثة في مجال التكنولوجيا.»
١ هذا ما نصَّت عليه افتتاحية «الهُويات
المستقبلية»، وهو تقرير جرى إعداده بتكليف من
السير جون بدينغتون
Beddington،
الذي كان يشغل حينئذٍ منصب كبير المستشارين
العلميين للحكومة البريطانية. كانت نقطة انطلاقه
هي أن «ظهور الارتباطية الفائقة (حيث يمكن للناس
الآن أن يكونوا متصلين باستمرار عبر الإنترنت)،
وانتشار وسائل الإعلام الاجتماعية، وزيادة
المعلومات الشخصية عبر الإنترنت هي من العوامل
الرئيسة التي ستتفاعل بحيث تؤثر في الهُويات.» هل
يمثل هذا مجرد إثارة للذعر من قِبل شخصية رفيعة
المستوى، أم أنها مكالمة إيقاظ جادة
وعاجلة؟
لقد تطورت مواقع الشبكات الاجتماعية من نسخة
الإنترنت التي ظهرت في تسعينيات القرن العشرين،
والتي كانت تقدم بالفعل كثيرًا من الطرق الجديدة
للاتصال والتواصل الاجتماعي. في ذلك الوقت، كانت
الاتصالات الحاسوبية تسودها المنتديات، والألعاب
المبكرة عبر الإنترنت، وغرف الدردشة، ولوحات
الإعلانات، وهَلُمَّ جرًّا، والتي كانت تضم
جميعُها إعدادًا افتراضيًّا يقضي بعدم الكشف عن
الهُوية؛ كان أمر التعريف الشخصي متروكًا للمستخدم.
٢ يمكن للأفراد الذين سجلوا الدخول
اختيار أي اسم يرغبون في استخدامه كاسم مستعارٍ
(على سبيل المثال:
John_Smith9000).
أشارت البحوث التي أُجريت على هذا النمط المبكر من
التفاعل الاجتماعي بالحواسيب إلى أن إمكانية عدم
الكشف عن الهُوية هذه كانت في غاية الأهمية: فهي
تسمح للأفراد باكتشاف هُوياتهم المكبوتة وبمعرفة
المزيد عن أنفسهم، بطريقة يُفترض أنها آمنة إلى
حدٍّ ما.
٣
وهكذا، فلم تركز معظم الدراسات الأولية حول
العرض الذاتي على الإنترنت على الهُوية بقدر
تركيزها على غيابها في بيئات الإنترنت المجهولة
الهُوية أو التي يُولَج إليها باسمٍ مستعار. وجدت
هذه الدراسات أن الأفراد كانوا يميلون إلى
الانخراط في لعب الأدوار وانتهاج سلوكيات غير
معتادة في بيئة يمكن القول إنها صحيةٌ أكثر من
العالم الحقيقي.
٤ وفي المقابل، ففي الوقت الحاضر لم يعد
إخفاء الهُوية جزءًا لا يتجزأ من التفاعل
الاجتماعي عبر الإنترنت. والسؤال المثير، إذن، هو
ما يحدث عندما تكون
nonymous (أي
مجهول الهُوية) في بيئة الإنترنت،
٥ تكون الهُويات الناتجة مختلفة
للغاية.
عرَّفَت الباحثتان في التكنولوجيا نيكول أليسون
Ellison ودانا
م. بويد
Boyd
(التي تفضل كتابة اسمها بأحرف صغيرة) مواقع
الشبكات الاجتماعية السائدة اليوم بأنها المواقع
التي تتيح للمستخدم: (١) «إنشاء ملف عامٍّ أو شبه
عام في إطار نظام محدود.» (٢) «صياغة لائحة
بالمستخدمين الآخرين الذين يشتركون معهم في
الاتصال.» (٣) «مشاهدة والمرور على قائمتهم الخاصة
وتلك الخاصة بغيرهم من الموجدين ضمن النظام.»
٦ يمثل الكشف عن المعلومات الشخصية الآن
جزءًا من إعداد الملف الشخصي للتواصل الاجتماعي:
يتطلب الفيسبوك اسمًا حقيقيًّا للمستخدم.
٧ وفي حين توجد دائمًا وسائل للتغلب على
هذا، يتمثل المغزى في أن مواقع التواصل الاجتماعي
حوَّلت طبيعة التواصل عبر الحواسيب عن طريق ربطه
بهُويتك في العالم الحقيقي. وبالإضافة إلى ذلك،
فإن نسبة كبيرة من «أصدقاء» المستخدم هم أناس
يعرفهم أو الْتقى بهم في الحياة الحقيقية. يمثل
هذا تحولًا هائلًا ومهمًّا، فقد أصبح التفاعل
الاجتماعي عبر الإنترنت شخصيًّا على نحوٍ محموم.
وبالتالي فإن الهُوية هي القضية المركزية، وكذلك
المفاهيم المتبدلة حول الهُوية بالنسبة إلى مواقع
الشبكات الاجتماعية.
لكنه ليس من الضروري مشاركة الكيفية التي ترى
بها نفسك مع الآخرين. إن ذاتك على الإنترنت،
و«ذاتك الحقيقية» ليستا بالضرورة متماثلتين. طُرحت
فكرة «الذات الحقيقية» لأول مرة منذ فترةٍ طويلة،
وبالتحديد في العام ١٩٥١م، من قِبل عالم النفس
الأمريكي المؤثر كارل روجرز
Rogers،
والمعروف على نطاقٍ واسع بأنه أحد الآباء المؤسسين
للعلاج النفسي.
٨ تستند نظريته عن الذات الحقيقية إلى
الخصائص الموجودة التي لا تحتاج بالضرورة إلى أن
يُعبَّر عنها بشكل كامل في الحياة الاجتماعية
العادية، ربما لأنه لا توجد بالضرورة مناسبات تكون
فيها واضحة؛ وبدلًا من ذلك، تُصوَّر على أنها ردود
أفعال معينة في حالات افتراضية. وبعد خمسين سنة،
شهد العصر الرقمي قيام جون بارغ
Bargh وفريقه
بوضع مفهوم «الذات الحقيقية على الإنترنت» للإشارة
إلى ميل الفرد إلى التعبير عن جوانب الذات
«الحقيقية» من خلال الاتصال المجهول الهُوية
بالإنترنت بدلًا من الاتصالات المباشرة وجهًا لوجه.
٩ تتمثل الفكرة هنا في أن شبكة الإنترنت
توفر للأفراد فرصة فريدة للتعبير عن الذات، والتي
تشجع الناس على الكشف عن ذواتهم الحقيقية، بما في
ذلك الجوانب التي لا يُعبَّر عنها بشكل مريح وجهًا
لوجه. وبسبب هذا التأثير، يمكن النظر إلى التواصل
عبر الإنترنت على أنه أكثر حميمية وشخصية من
الاتصال وجهًا لوجه. إن من يُكوِّنون صداقات بهذه
الطريقة من خلال مواقع الشبكات الاجتماعية يكونون
أقرب احتمالًا لخلع أهمية على الإفصاح الذاتي، على
أمل التعبير عن ذواتهم الحقيقية.
ووَفقًا لكاتلين ماكينا
McKenna من
جامعة نيويورك، فإن الأشخاص الذين يعتقدون أنهم
أكثر قدرة على التعبير عن ذواتهم الحقيقية على
الإنترنت هم أقرب احتمالًا لتكوين عَلاقات وثيقة
ظاهريًّا في الفضاء الإلكتروني.
١٠ علاوة على ذلك، يكون الأشخاص الذين
لديهم ميل قوي للتعبير عن ذواتهم الحقيقية بهذه
الطريقة في عالم الإنترنت أقرب احتمالًا من غيرهم
لاستخدام الإنترنت كبديل اجتماعي.
١١ ينطوي استخدام الإنترنت كبديل اجتماعي
على إقامة عَلاقات جديدة مع الغرباء، وامتلاك
أصدقاء عبر الإنترنت فقط. وهؤلاء الأشخاص هم أقرب
احتمالًا لاكتساب شغف وسواسي بالأنشطة التي يقومون
بها على الإنترنت.
وفي مسح أُجري على طلاب الجامعات لاستكشاف
دوافعهم لاستخدام الفيسبوك، كانت هناك نتيجة
مُثيرة للاهتمام على وجه الخصوص، وهي أن الأفراد
الذين يمتلكون نزعة قوية للكشف عن ذواتهم الحقيقية
على الإنترنت ذكروا أنهم يستخدمون الفيسبوك لإنشاء
صداقات جديدة ولبدء أو إنهاء العَلاقات العاطفية
بشكل أكثر من الأفراد الذين هم أقل قلقًا بشأن
التعبير عن هُويتهم.
١٢ وبالتالي يبدو أن بعض، وإن لم يكن كل،
استخدامات الفيسبوك كوسيلة للتعبير عن الذات يسير
جنبًا إلى جنب مع كونه قناتهم الرئيسة للصداقة.
وكذلك ترتبط الرغبة في التعبير عن ذات المرء
الحقيقية من خلال الفيسبوك بالاستخدام المفرط له.
١٣ ومرة أخرى، ثمة مفارقة هنا: أن أشد
الناس رغبة في التعبير عن هُويتهم «الحقيقية» هم
بالتحديد أولئك الذين يعتمدون بشدة أكبر على
العَلاقات في الفضاء الإلكتروني. وبالتالي فلا
يتعلق الأمر بكون الفيسبوك جيدًا أم سيئًا
بطبيعته، وإنما بكيفية استخدامه، وبالدور والأهمية
التي يؤديها في حياة المرء.
وخلافًا لما يحدث في العالم الحقيقي، تكون هُوية
الفيسبوك ضمنية أكثر من كونها صريحة: يُظهر
المستخدمون مشاعرهم بدلًا من أن يقولوها، من خلال
التأكيد على ما يحبونه وما يكرهونه بدلًا من
التوسع في سرد سيرة حياتهم، واستراتيجياتهم والسبل
التي يستخدمونها للتعامل مع المشكلات وخيبات
الأمل، وجميع الأمتعة الأخرى للحياة الطبيعية.
١٤ إن الشخص الذي ينشر صورة لكعكة
الشوكولاتة، من دون أي تفسير مرافق ذي مغزًى، يترك
الأمر لجمهوره من «الأصدقاء» لاستنتاج ما يشاءون.
في عَلاقة واقعية، قد تمثل الكعكة ارتباطًا
ماديًّا بقصة أعمق وأكثر شخصية من ذلك بكثير: فقد
تُعيد إلى الأذهان ذكريات جميلة لرحلة مشتركة أو
الشعور بالانتصار الذي يأتي مع إتقان وصفة جديدة.
ولكن من دون ارتباطات مشتركة — مثل التجارِب أو
المصالح الخاصة المشتركة — فسوف لا تعني الكعكة أي
شيء. من الممكن أن ينطبق الشيء نفسه على الناس.
وباعتبارها واحدة من مستخدمي الفيسبوك، فقد وصفته
طالبة تحدثت معها كالتالي:
عندما تتعرف في الفيسبوك على أشخاص
بالكاد التقيتَهم، قد تعتقد لأول وهلة أنك
تعرفهم، ولكن يتضح أنك لا تعرف في الحقيقة
سوى الأشياء المصطنعة، كالفرق الموسيقية
والأفلام التي يحبونها، ولن تعرف ردود
أفعالهم تجاه المواقف والأزمات بطريقة
تكشف عن هُويتهم «الحقيقية» للآخرين، وحتى
لأنفسهم.
والسؤال الأكثر إثارة للاهتمام، على أي حالٍ،
هو: هل يمكن لهذه الطريقة الجديدة والمختلفة
للتعبير عن ذاتك أن تعني في الواقع أن ترى نفسك
بشكلٍ مختلف؟
وسواء كان الملف الشخصي للتواصل الاجتماعي يعبر
أو لا يعبر عن ذات «حقيقية» مشوهة أم يعرض شيئًا
أكثر قابلية للمقارنة بالذات الحقيقية، فليس هناك
شكٌّ في أنه أيًّا ما كانت الهُوية التي يرتاح
الشخص أكثر للترويج لها، فمن المرجح أن تكون هي
أفضل صيغة ممكنة. إن إزالة الوسم
Untagging عن
الصور غير الجذابة وحذف المشاركات المؤسفة هما
مجرد مثالين على التحكم المفصل في أنواع المعلومات
التي يمكن رؤيتها من قِبل الزملاء وأفراد العائلة
والأصدقاء. ومما لا يُثير الدهشة أن الظهور بصورة
جيدة في الصور هو أهم عامل ذُكر من قِبل المراهقين
عند النظر في أي صورة تعريفية لاختيار استخدامها
على موقع التواصل الاجتماعي.
١٥ وصف عالم الاجتماع الكندي إرفنغ
غوفمان
Goffman
كيف يكون البشر، بصفة عامة، دائمًا في حالة تأهب
لكيفية رد فعل الآخرين تجاههم، مكيفين سلوكنا
الخارجي باستمرار لضمان الاحتفاظ بأفضل صورة ممكنة.
١٦ تُوُفِّي غوفمان في العام ١٩٨٢م،
وبالتالي لم يعش لكي يرى ظهور الفيسبوك وتويتر.
ومع ذلك فقد فهم كيف نتوق للترويج لذواتنا في
«المشهد الأمامي»، في حين أن الذات الحقيقية «وراء
الكواليس» تنأى بنفسها بعيدًا بشراسة لضمان الأداء
الأكثر إثارة للإعجاب. وهذه هي الرغبات التي
تلبيها الآن مواقع مثل الفيسبوك وتويتر بطريقة
رائعة من خلال توفير أوسع جمهور على
الإطلاق.
ومن خلال التكيف مع هذا الانقسام بين المشهد
الأمامي وما وراء الكواليس لثقافة الفيسبوك،
يمكننا التفكير في «الهُوية الشبكية»
networked
identity، وهو مصطلح
ابتدعَتْه لأول مرة دانا بويد، والتي وصفته على
النحو التالي:
على موقع «ماي سبيس»
MySpace
على سبيل المثال، عليك أن تكتب لكي تُظهر
ذاتك إلى حيز الوجود، وبعبارة أخرى، عليك
صياغة انطباع لذاتك يستطيع البقاء بمفرده.
هل يمثل هذا أن تُنهي كل شيء وأن تكون كل
شيء في سبيل بناء شعورك بالذات؟ بالطبع
لا. لكن سبل التعبير على الإنترنت تمثل
ناتجًا ثانويًّا ذا مغزًى لتشكيل الهُوية.
١٧
تُظهر الأبحاث أن الهُوية التي تُصوَّر على
الفيسبوك ليست هي الذات الحقيقية غير المأهولة
التي كانت تُعرض سابقًا في البيئات الحاسوبية
المجهولة الهُوية ولا التفاعلات الثلاثية الأبعاد
المعروضة ذاتيًّا والتي تتم وجهًا لوجه.
١٨ وبدلًا من ذلك، فهي ذات مُشيَّدة عن
عمد ومرغوبة اجتماعيًّا، يطمح إليها الأفراد لكنهم
لم يتمكنوا حتى الآن من تحقيقها.
١٩ ومما يثير الدهشة أن التواصل عبر
الشبكات الاجتماعية قد أدى الآن إلى ثلاث ذوات
محتملة: الذات الحقيقية
true
self، التي يُعبَّر عنها في
البيئات المجهولة الهُوية من دون القيود التي
تفرضها الضغوط الاجتماعية؛ والذات الفعلية
real self، أي
الفرد المتوافق المقيد بالأعراف الاجتماعية
للتفاعلات التي تتم وجهًا لوجه؛ والذات المحتملة
possible
self، التي تظهر لأول مرة،
والمأمولة، التي تُعرض على مواقع الشبكات الاجتماعية.
٢٠
ولكن ربما كان هذا يُشبه تقسيم الشعرة. لقد اتضح
أن هناك فارقًا كبيرًا بين الكيفية التي يُصنِّف
بها أحد المراقبين شخصية صاحب صفحة على الفيسبوك
استنادًا إلى المواد المعروضة، والسمات الفعلية
لمالك صفحة الفيسبوك.
٢١ وعلى الرغم من ذلك، فإن إمكانية إدارة
الهُوية على الإنترنت تسمح بالتشويه. ويتفق
الباحثون على أنه مثل المرآة المشوهة، فمن المرجح
أن تمثل الذات عبر الإنترنت إصدارًا مبالغًا فيه
من الذات الفعلية. وهذه مبالغةٌ يمكن أن تخرج عن
نطاق السيطرة. ليس الأمر أن مواقع الشبكات
الاجتماعية زودتنا بالفرصة الأولى من نوعها لتشويه
هُويتنا، وبالتالي عَلاقاتنا، لكنها تزودنا الآن
بفرصة غير مسبوقةٍ للقيام بذلك. إن إنشاء، وإدارة،
والتفاعل من خلال ملف على الإنترنت يمثل فرصة
للإعلان عن نفسك من دون تحدٍّ من قيود الواقع،
بحيث تصبح نسخة مثالية منقحة من ذاتك «الفعلية».
وعلى الرغم من أن هذه الذات المتوفرة على الإنترنت
هي «اختراع يمثل، بالنسبة إلى معظم الناس، تقريبًا
مستمرًّا لعرض إحساسنا بالذات للعالم»،
٢٢ يخشى اختصاصيُّ علم النفس السريري
لاري روزين
Rosen
أن ثمة فجوة خطيرة قد تنمو بين هذا «المشهد
الأمامي» المثالي لذاتك وذاتك الفعلية «وراء
الكواليس»، مما يؤدي إلى شعور بالانفصال
والعزلة.
قد تتمثل إحدى النتائج المباشرة في وسوسةٍ
مبالَغ فيها بالذات، إذ علَّق كثير من الباحثين
على الكيفية التي توفر بها مواقع الشبكات
الاجتماعية مِنصة مثالية للنرجسيين.
٢٣ وبالنظر إلى مدى تحكم المرء فيما
يُعرَض عنه على الإنترنت وعلى نطاق الجمهور الذي
يمكن الوصول إليه، فليس من المفاجئ أن تنشأ عَلاقة
ثنائية الاتجاه. يمكن أن تَزيد الشبكات الاجتماعية
بشكلٍ واضح من مستويات النرجسية. وفي التحليل
التَّلَوي الذي ذكرناه في وقت سابق، درست جان
توينغ
Twenge
وزملاؤها أكثر من أربعة عشر ألف طالب جامعي، من
الذكور والإناث، فوجدوا أن الطلاب في القرن الحادي
والعشرين سجلوا معدلات أعلى بكثير في استبيانات عن
النرجسية بالمقارنة مع من خضعوا للاستبيانات نفسها
قبل عشرين عامًا.
٢٤ على أي حال، فلم يصبح استخدام
الفيسبوك واسع النطاق حتى بعد العام ٢٠٠٦م، ما
يعني في هذه الدراسة أن أي آثار مرتكزة إلى الشاشة
على الانغماس في الأنا يجب أن تُنسب إلى الأنماط
السابقة من مواقع الشبكات الاجتماعية. هذا صحيح،
لكن الفيسبوك يمكنه الآن الاستفادة من هذا الميل
الحالي (والذي هو سبب آخر لشعبيته)، وبالتالي
تغذية اتجاه الهوس بالذات في دورة مستديمة.
٢٥
إن هذه العَلاقة بين تصاعد النرجسية والشبكات
الاجتماعية، على الرغم من كونها موثقة جيدًا،
٢٦ تبدو مرتبكة بفعل عدد من العوامل
المختلفة، مثل عدد الأصدقاء، وتحديثات الحالة
والصور، وأنواع التفاعلات مع المستخدمين الآخرين.
تحتاج تلك الصلة إلى مزيد من التفكيك، إذ إنه من
الممكن تفكيك النرجسية نفسها. لقد اتضح أن
النرجسية هي ظاهرة معقدة، والتي يمكن تقسيمها إلى
مجموعة من الخصائص: الافتضاحية
exhibitionism
(التفاخُر)، والاستحقاق (الاعتقاد بأن المرء يستحق
الأفضل)، والاستغلالية
exploitativeness
(استغلال الآخرين)، والتفوق (الشعور بكون المرء
أفضل من غيره)، والسلطة (الشعور بالزعامة)،
والاكتفاء الذاتي (تثمين الاستقلالية)، والغرور
(تركيز المرء على مظهره).
٢٧
تُظهر البحوث أن البالغين الذين يسجلون معدلات
أعلى من حيث التفوق يمتلكون تفضيلًا للنشر على
الفيسبوك. وبالنسبة إلى الجيل الأصغر سنًّا من
الطلاب، فإن النشر على موقع تويتر هو ما يقترن
بالتفوق، في حين يرتبط النشاط على الفيسبوك بالافتضاحية.
٢٨ في المقابل، وبالنسبة إلى البالغين،
يُستخدم الفيسبوك وتويتر كلاهما أكثر من قِبل من
يركزون على مظهرهم الخاص، ولكن ليس كوسيلة
للتفاخر، كما هي الحال مع طلاب الجامعات. تتسم هذه
النتائج المعقدة بالأهمية، لأنها تكشف العدد
الكبير من العوامل المكتنَفة في الأنواع المختلفة
من التواصل عبر الشبكات الاجتماعية وفي المجموعات
الشديدة التباين من الأشخاص الذين هم جميعًا
مستخدمون. والأمر الأكثر إثارة للاهتمام على
الإطلاق فيما يتعلق بتغيُّر العقل هو الفرق في
الأجيال بين الطلاب والبالغين، مما يوحي بأن عمرًا
من التعرض المبكر لتأثيرات الفيسبوك وتويتر ينتج
عقلية ثقافية تختلف عن تلك التي لدى الأجيال
السابقة.
لكن الأمر الذي يبقى صحيحًا عبر مختلِف الفئات
العمرية، وبغض النظر عن الخصائص المعينة السائدة
في المجموعة، هو أن استخدام المتحمسين لمواقع
الشبكات الاجتماعية مرتبط بقوة النرجسية. وبطبيعة
الحال، فقد اتسم البشر دائمًا بالغرور، والأنانية،
والقابلية للتفاخر، لكن الشبكات الاجتماعية توفر
الآن الفرصة للانغماس في هذا السلوك من دون
انقطاعٍ وعلى مدار الساعة. ومن المثير للاهتمام
أنه يمكن أيضًا ربط مثل هذا السلوك بتدني احترام الذات.
٢٩
بالنسبة إلى الأشخاص من أي عمر، والذين يمتلكون
شبكة حاليَّة من الصداقات المبنية في العالم
الثلاثي الأبعاد، يمكن لمواقع الشبكات الاجتماعية
أن تمثل امتدادًا سعيدًا للتواصل، جنبًا إلى جنب
مع البريد الإلكتروني، أو سكايب، أو المكالمات
الهاتفية، عندما يتعذر اللقاء وجهًا لوجه. ويأتي
الخطر عندما تكون الهُوية الزائفة مغرية وممكنة
على حد سواء من خلال العَلاقات التي لا تستند إلى
تفاعل حقيقي، ثلاثي الأبعاد، و/أو عندما تكون أهم
الأشياء في حياتك هي الحياة الثانوية للآخرين وليس
التجارِب الشخصية. قد يوحي العيش في سياق الشاشة
بمعاييرَ كاذبةٍ حول
أنماط الحياة
المرغوبة، والمفعمة بالأصدقاء والحفلات. ومع
متابعة البشر العاديين لأنشطة هؤلاء الأفراد
الذهبيين، فسينخفض احترام الذات حتمًا؛ ومع ذلك
فسيسود الهاجس النرجسي المستمر بالذات وبأوجه
القصور. يمكننا أن نتصور دائرة مفرغة كلما زاد
فيها تشويه هُويتك نتيجة للتواصل عبر الشبكات
الاجتماعية ازداد شعورك بالنقص، وتزايدت جاذبية
وسط لا تحتاج فيه إلى التواصل مع الناس وجهًا
لوجه.
ينظر الأفراد ذوو احترام الذات المتدني إلى
الفيسبوك باعتباره مكانًا آمنًا وجذابًا للإفصاح
الذاتي، إذ إنهم ينفقون في استخدام الفيسبوك
كثيرًا من الوقت أو وقتًا أطول مما يقضيه الأشخاص
الذين يمتلكون مستويات أعلى من احترام الذات.
٣٠ إن عالمًا من الصور المعدلة على
الإنترنت قد يبدو كبيئة منخفضة المخاطر مثالية
لإثراء العَلاقات من خلال مشاركة أمور قد يستشعرون
الحرج في تبادلها بخلاف ذلك. على أي حال، يميل
الأفراد ذوو احترام الذات المتدني إلى نشر
التحديثات التي تبرز خصائصهم السلبية على حساب تلك
الإيجابية، مقارنة بأولئك الذين يتمتعون باحترام
مرتفع للذات. ونتيجة لذلك، يتم «الإعجاب» بهم
بمعدلات أقل من الاشخاص الذين يمتلكون منظورًا
أعلى عن أنفسهم.
٣١ عند سؤالهم عن أسباب إلغاء الناس
صداقة
unfriended
الآخرين على الفيسبوك، رشح ٤١ في المائة تحديثات
الحالة المزعجة كأسباب.
٣٢ ومن المفارقات، إذن، أن الاقتناع بأنه
من الآمن بما فيه الكفاية لأن يكشفوا عن مشاعرهم
على الفيسبوك قد يشجع الأشخاص ذوي احترام الذات
المتدني على الكشف عن الأشياء التي تؤدي إلى الرفض
الذي يخشونه بالتحديد.
وعلاوة على ذلك، فبالنظر إلى أن غالبية «أصدقاء»
مستخدم الفيسبوك لا يقضون وقتًا في التفاعلات التي
تجري وجهًا لوجه، فمن المرجح أن يكون الانطباع
الذي يتولد لدى كثير من «أصدقاء» الشخص الذي يشعر
باحترام متدنٍّ للذات سلبيًّا، مما يؤدي إلى مزيد
من الرفض.
٣٣ في المقابل، فإن التعبير عن عدم
الأمان في التفاعلات التي تجري وجهًا لوجه يحدث
عادة مع صديق مقرب وبطريقة تنطوي على الثقة
والحميمية. وفي المقابل، يمكن للمنصة الفريدة
لمواقع الشبكات الاجتماعية أن تدفع المستخدمين
الآخرين إلى إدراك سلبية الغريب الذي يحمل
احترامًا متدنيًا للذات على أنها أمرٌ بغيض. يخلق
هذا وضعًا يصبح فيه الاتصال عبر الفيسبوك هو
السبيل الوحيد لتواصل العديد من «الأصدقاء»، لكن
الأشخاص ذوي احترام الذات المتدني، والذين
«يُفرِطون في مشاركة الأخبار»
overshare على
الفيسبوك يتسببون، ويا للسخرية، في ردع الآخرين عن
التقرب منهم.
وفي حين ينظر كثيرون إلى الفيسبوك كأداة غير
مؤذية للحفاظ على الصداقات القائمة، وَجدَت دراسة
حديثة أن المستخدمين المتحمسين يعلقون كثيرًا من
الأهمية على نوع ومقدار الاهتمام الذي يتلقونه على
صفحة الفيسبوك الخاصة بهم، وبالتالي يشعرون بخيبة الأمل.
٣٤ ويتسم الاستنتاج هنا بأنه محبطٌ:
يبدو الفيسبوك أداة لتحويل كلٍّ من
المعارف المقربين والآخرين غير المعروفين
إلى جمهور للعروض الذاتية التي تتسم
بالفردانية … قد يمثل العرض الذاتي
الجماهيري على مواقع الشبكات الاجتماعية
واحدة من الطرق التي يقوم بها الشبان
اليوم بتفعيل القيم المتزايدة للحصول على
الشهرة والاهتمام … تؤدي تقنيات الاتصال
الجديدة إلى زيادة التركيز الفردي على الذات.
٣٥
تُظهر البيانات المستمدة من التقرير الذاتي
وتصنيف المراقبين أن الأفراد أقرب احتمالًا
للتعبير عن المشاعر الأكثر إيجابية، ولأن يظهروا
عافية عاطفية أفضل على الفيسبوك مما هم عليه في
الحياة الواقعية.
٣٦ وعلاوة على ذلك، فمن الممكن أن يفتح
الفيسبوك عالمًا بديلًا يستطيع الفرد فيه الهروب
من الواقع وأن يكون الشخص الذين يود أن يكونه.
وكذلك فنحن نتعرض للحياة «المثالية» ونحن نقرأ عن
الناس الذين يبدو أنهم يمتلكون كل شيء والذين
يبتسمون دائمًا. تَزيد هذه الحياة، التي تبدو
رائعة، من الضغط الواقع علينا لكي نصبح مثاليين،
ومثيرين للإعجاب، وناجحين، وهو هدف يئُول مصيره
حتمًا إلى الفشل. ربما كان الأمر أكثر من مجرد
مصادفة غريبة أن عدد الأشخاص الذين يقولون إنه ليس
هناك من يمكنهم مناقشة أمورهم المهمة معهم على مدى
السنوات العشرين الماضية، قد تضاعف بمعدل ثلاث
مرات تقريبًا.
٣٧ وباختصار، فإن ثقافة التواصل
الاجتماعي قد تؤهل المستخدمين لامتلاك عقلية
نرجسية، وهذا بدوره يفرض تدني احترام الذات. ومن
خلال الاعتماد على الفيسبوك لتلبية هذه الحاجة إلى
الاستحسان، فإن نظرة المستخدمين إلى أنفسهم لا
تتضاءل بصورة مطردة فقط، لكنهم يتوقون أيضًا
باستماتة إلى أن يلاحظ الآخرون وجودهم ويتفاعلوا
معهم. وهذا بدوره يشجع على اكتساب هُوية مبالغ
فيها أو مختلفة تمامًا، أي الذات المأمولة
والمحتملة.
وعلى الرغم من أن هذا السيناريو قد يبدو بعيد
المنال، فهذا هو بالضبط ما قد يكون جاريًا الآن.
أجرت كيدسكيب
Kidscape —
وهي مؤسسةٌ خيرية بريطانية تساعد على منع التنمر
وتحمي الأطفال — مسحًا لتقييم حياة الشباب على
الإنترنت من خلال استبيان أُجريَ عبر الإنترنت.
٣٨ ومن بين ألفين وثلاثمائة أو نحو ذلك
من المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين الحادية
عشرة والثامنة عشرة، والذين يعيشون في إنجلترا،
واسكتلندا، وويلز، قال واحد من كل اثنين إنه يكذب
بشأن بياناته الشخصية على الإنترنت. ومن بين
هؤلاء، فإن الواحد من بين ثمانية شبان يتحدثون مع
الغرباء على الإنترنت هو الأقرب احتمالًا لعدم قول
الحقيقة، حيث يكذب ٦٠ في المائة بشأن أعمارهم و٤٠
في المائة بشأن عَلاقاتهم الشخصية. ويشير هذا إلى
أن كثيرًا من الشباب يعتمدون هُوية مختلفة على
الإنترنت. وعلى الرغم من أن هذا المسح بالذات كان
معنيًّا بسلامة الأطفال على الإنترنت، فقد سلط
كذلك الضوء على حقيقة أن الأطفال غالبًا ما
يخترعون شخصية مختلفة عند تفاعلهم مع الآخرين،
وخصوصًا الغرباء، بطريقة لن يفعلوها أو لا يمكنهم
تحقيقها في العالم الحقيقي. ووجدَت الدراسة أن
الشبان يبدءون في تغيير هُوياتهم والتصرف بشكل
مختلف على الإنترنت عندما يبلغون من العمر أحد عشر
عامًا فقط؛ يبنون هُويات تسمح لهم بأن يكونوا أكثر
وقاحة، وأكثر إثارة، وأكثر ميلًا إلى المغامرة؛
وينغمسون عمومًا في سلوكيات غير لائقةٍ. وعلى أي
حال، فإن العلم بأن الناس قد يشاهدون مدخلاتك
ويحكمون عليك وَفقًا لها قد يشجع الشباب على تعديل
موادهم وأن يكونوا واعين بالذات على نحو مفرط. قد
يكون هذا الاتجاه الجديد مجرد متعة غير ضارة، لكنه
قد يُنذر أيضًا بظهور مجتمع تقوم فيه العَلاقات
على صلاتٍ سريعة الزوال بين هُويات وهمية.
يبدو أن مواقع الشبكات الاجتماعية توفر، وللمرة
الأولى، نوعًا من الذات المثالية وغير الواقعية،
على حدِّ تعبير فتاة في الحادية والعشرين من
عمرها، أي ثمة «شخصية بديلة» alter
ego. وفي الواقع، يتحدث الناس
أحيانًا عن شخصية منفصمة، وهي الذات التي تظهر عبر
الإنترنت في مقابل الذات غير المتصلة بالإنترنت،
كما لو كان الدكتور جيكل وهو يتحول من وقت إلى آخر
إلى السيد هايد الافتراضي. وبالنسبة إلى السيد
هايد، لا توجد قيود على السلوك، وبالتالي تنفتح
إمكانات جديدة تتجاوز حدود «المتعة» التي يمكن
للدكتور جيكل أن يحصل عليها لمجرد أن يكون هو
نفسه.
وبقدر ما يتعلق الأمر بالدماغ، فمن المستحيل أن
نفصل الهُوية عن البيئة والسياق، كما رأينا. ولذلك
فمن المحتم أن تتشكل هُوية الجيل القادم في سياق
ثقافة افتراضية متغلغلة ومتغيرة باستمرار. إن
البنية الحقيقية لحياتنا تعني أن الصداقات في
العالم الحقيقي تواجه منافسة من تلك التي نبنيها
عندما نتحول إلى وسائل الإعلام الاجتماعي المريحة
والموجودة باستمرار. وبالنسبة إلى أولئك الذين
ليست لديهم عَلاقات ثابتة ومستقرة، فقد يكون
للانغماس المفرط في الصداقات الافتراضية تأثير
سلبي في الهُوية. والأمر الأشد إثارة للقلق هنا هو
هيمنة عقلية «المشهد الأمامي» للعيش في المقام
الأول من أجل الحصول على الموافقة والاستحسان في
عيون الآخرين، حيث يجري تقييم كل ما قد تفعله من
حيث كونه جديرًا بأن يظهر على الفيسبوك أو لا.
هناك خطر في أن ذوي العقول السريعة التأثر والخبرة
القليلة نسبيًّا في العالم الحقيقي قد يهتمون على
نحو مفرط بحياتهم الاجتماعية، ومن ثَم يعرفون
النجاح أو الإنجاز من حيث عدد أصدقائهم على
الفيسبوك أو متابعيهم على تويتر.
حتى إن هناك اقتراحًا بأن التواصل عبر الشبكات
الاجتماعية يرسم خرائط مباشرة على الدماغ المادي:
ادعى البروفيسور ريوتا كاناي
Kanai من
يونيفرسيتي كوليدج في لندن أن حجم الشبكة
الاجتماعية على الإنترنت للفرد يرتبط ارتباطًا
وثيقًا بجوانب معينة من البنى الدماغية المادية
المكتنَفة في الاستعراف الاجتماعي.
٣٩ وعلى وجه التحديد، وجد الفريق أن
التباين في عدد الأصدقاء على الفيسبوك يتنبأ بقوة
وبشكل ملحوظ بحجم بنًى معينة في الدماغ. ووجد
الباحثون أيضًا أن كثافة المادة الرمادية في منطقة
دماغية بعينها، هي اللوزة
amygdala،
ترتبط بحجم الشبكة الاجتماعية في العالم الحقيقي،
كما ترتبط أيضًا بحجم الشبكة الاجتماعية للشخص
المعني على الإنترنت.
ولكن بمَ تُخبرنا في الحقيقة هذه النتيجة التي
تبدو علمية؟ هل يمكن أن تكون الحال فعلًا أن
التواصل عبر الشبكات الاجتماعية يمكنه تغيير بنية
الدماغ، أو أن من يمتلكون بالفعل بنية دماغية
معينة سيمتلكون شبكة اجتماعية أكبر على الإنترنت؟
لا تكمن الصعوبة فيما تظهره الصور الشعاعية ذاتها،
بل في خطر الإفراط في تأويلها. ومهما كان سحر هذه
الدراسة، فإن صورة دماغية بسيطة لا تُخبرنا بما
إذا كانت المنطقة النشطة تأثيرًا، أم أثرًا
جانبيًّا، أم حتى سببًا للسلوك الملاحظ. يتسم
التصوير الشعاعي لمناطق الدماغ المختلفة بأنه
ممتاز لوصف العَلاقة بين الدماغ والسلوك، لكن هذا
لا يعني أن تلك المنطقة هي مركز ذلك السلوك. إن
الضوء على مِكواتك الكهربية لا يعني أنه مركز
وظيفة المِكواة، بل هو مجرد لازمة، أو أثر ثانوي
لعمل المِكواة الكهربية.
تذكَّرْ أن مناطق الدماغ ليست لها وظائف منفردة
تنعكس في صورة سلوكيات محددة في العالم الخارجي.
وبغض النظر عن مناطق الدماغ الأكثر بُدائية، مثل
الخلايا المتخصصة التي تتحكم في التنفس، تشارك
المناطق الأكثر تطورًا من الدماغ في عديد من
الوظائف المختلفة. ليس هناك مسئول كبير أو تسلسل
هرمي للقيادة، فماذا يعني في الواقع أن تظهر منطقة
بعينها في الدماغ أكبر نسبيًّا أو أكثر كثافة في
الصورة الشعاعية؟ سوف يعتمد التفسير، وصحة هذا
التفسير، إلى حدٍّ كبير، على مدى دقة النشاط الذي
يجري الربط بينه وبين الصورة الشعاعية.
فكِّر مرة أخرى في سائقي سيارات الأجرة في لندن
وهم يمارسون ذاكرتهم العاملة في شوارع لندن، وكيف
يتوافق ذلك مع التغيرات الحادثة في حجم مناطق
الدماغ المختلفة، كما تُظهره الصورة الشعاعية.
تتسم المهارات المكتنَفة في معرفة أفضل الطرق
للتجول عبر طرقات المدينة بأنها أكثر تحديدًا
وقابلية للتعريف بكثير، وأقل غموضًا، من تلك
المكتنفة في بناء الصداقات. ومرة أخرى، فإن عازفي
البيانو الصاعدين الذين يتخيلون أنهم يعزفون على
البيانو كانوا لا يزالون على الرغم من ذلك يؤدون
في أذهانهم مجموعة محددة من الحركات، سواء حدث
تقلص فعلي للعضلات بعد ذلك بالفعل أم لم يحدث.
تتسم شبكة الصداقة بأنها مفهومٌ أكثر تجريدًا
بكثير، وبالتالي يصعب تحديدها
عمليًّا.
على أي حال، ينبغي لنا ألا نخلط صالح العلوم
العصبية بطالح التفسيرات المفرطة التبسيط. وبدلًا
من ذلك، دعونا نفكر في الطرق المعقدة التي يستجيب
بها الدماغ المرهف والمرن للتواصل عبر الشبكات
الاجتماعية، من لحظة تفعيل نبضة من الدوبامين بفعل
استجابة لأحدث تغريدة وحتى التشكيل الطويل الأجل
لارتباطية الخلايا الدماغية، الأمر الذي سيؤدي في
نهاية المطاف إلى إعادة ترتيبٍ تستمر طَوال الحياة
للمشابك العصبية في أدمغة أولئك الذين قد يُعتبرون
في نهاية المطاف نرجسيين أو قليلي الثقة
بالنفس.
وفي كتابها المعنون «بمفردنا معًا»
Alone
Together، طرحت شيري توركل
Turkle حجة
مقنعة للمناقشة التي تبدو متناقضة، والقائلة إنك
كلما ازددت اتصالًا، ازداد شعورك بالعزلة.
٤٠ فإذا كنت متصلًا باستمرار، فأنت نوع
من السلع التي يمكن مقارنتها بالآخرين وتوجد
ناقصة. وقد وُصف هذا السيناريو في كتاب أوليفر
جيمس
James
المعنون
Affluenza
فيما يتعلق بالسلع المادية ونمط الحياة المختل في
المجتمع الرأسمالي: إذا كنت تعتقد أن عليك أن تكون
أكثر جمالًا وأكثر ثراءً من الشخص الذي يليك من
أجل أن تكون لك الحظوة، وإذا نظرت إلى الأشخاص
الآخرين كسلع لتعزيز أهميتك المتصوَّرة أكثر
فأكثر، فلن تتمكن من امتلاك نوع العَلاقة
الإنسانية الضروري للشعور بالعافية.
٤١ يُختزل كل شخص إلى سلسلة من علامات
الاختيار في مربعات، مع عدم وجود قيمة مستقلة على
الرغم من كونه في حالة مستمرة من المقارنة. إن
هاتين الخاصيتين المتعلقتين بالارتباطية والمقارنة
هما بالتحديد ما يُعرِّف جوهر التواصل عبر الشبكات
الاجتماعية.
توفر مواقع التواصل الاجتماعي منصة غير مسبوقة
للمقارنة الاجتماعية والحسد.
٤٢ وَجدَت دراسة أُجريت في العام ٢٠١٣م،
بشأن العَلاقة بين الحسد والرضا عن الحياة،
واستخدام الفيسبوك، أن الفيسبوك قد سبب أكثر من ٢٠
في المائة من جميع الحوادث المبلغ عنها للحسد أو
الغَيرة. ولأنه ناتجٌ في المقام الأول من مقارنة
الذات بالحياة الاجتماعية للآخرين أو الإجازات
التي يقضونها، فقد أدى هذا الحسد بالتالي إلى
تقليل معدلات الرضا عن الحياة. وعلى أي حال،
فباعتبار أن الأبحاث السابقة قد أشارت إلى أن معظم
الأفراد يمثلون حالة مبالغًا فيها أو مزورة من
الرضا، فقد تكون النتيجة هي حلقة مفرغة من تمثيل
سعادة مبالغ فيها، والشعور بالغيرة من سعادة
الآخرين، والشعور اللاحق بالحاجة إلى زيادة
المستويات المصورة لعافية المرء نفسه.
إن سباق التسلح الدوري هذا، والمدفوع بالآليات
الدماغية الأساسية للإدمان والمكافأة، هو أبعد ما
يكون عن الهُوية وسرد قصة الحياة التي منحتنا حتى
الآن هدفنا، والتي تفرض سياقًا معرفيًّا تفصيليًّا
يتطور خلال جميع مراحل الحياة. لكن ذلك لا يعني أن
الحسد والتعاسة، وهما جزءان من بنيتنا المعرفية،
لا يتفاعلان مع الإدمان البيولوجي لدورة
الدوبامين، فهما مجبران على ذلك. وإذا كان الأمر
كذلك، وعلى الرغم من أن ذلك قد يبدو مفارقة، فهل
أصبحنا مدمنين على نحو غريبٍ على إجراء مقارنات
مستمرة مع الآخرين، حتى لو كانت تلك تجعلنا تعساء
في نهاية المطاف؟ ربما أن التعاسة، وهي ذلك الشعور
المسطَّح والمتخاذل بخيبة الأمل، تحدث ببساطةٍ
لأنك لم تفز هذه المرة، وبالتالي عليك أن تحاول
مرة أخرى؛ أدِرِ العجلة أو لُفَّ النَّرْد مرة
أخرى فقد يحالفك الحظ في المرة القادمة وتُبهر
الجميع. وإذا كان بوسعك فعل ذلك، فسيعني هذا أنك
«عصري»
Cool.
ما الذي يعرِّف، إذن، «العصرنة» على مواقع
الشبكات الاجتماعية؟ في الماضي، كانت مكانتك تتضح
من ساعتك، وسيارتك، وإنجازاتك. أما الآن، فلا تقاس
مكانة المواطن الرقمي بممتلكاته أو وظيفته
المرموقة، ولكن بالمدى الذي يمكن أن تصل إليه
«شهرته» (مهما كان تعريفها فَضفاضًا). ومن المثير
للاهتمام أنه قد جرت الآن دمقرطة «العصرنة». لم
تعد الثروة ونوع الجنس والسن وثيقة الصلة، ولم تعد
هناك حاجة إلى تحقيق الإنجازات، فالمهم هو التواصل
البسيط عبر الشبكات. إن من يقررون الاحتفاظ
بأصدقائهم المقربين فقط على صفحتهم على الفيسبوك
قد يخسرون بطريقة أخرى، حيث يُنظر إلى عدد أصدقاء
المرء على الفيسبوك باعتباره مرتبطًا بجاذبية
المرء الجسدية والاجتماعية.
٤٣ (في حال كنت بحاجة إلى التطمين، فقد
وجد أن العدد الأمثل من الأصدقاء فيما يتعلق
بالجاذبية الاجتماعية هو ٣٠٢).
٤٤
وبالنسبة إلى من يسعون إلى وسيلة سريعة وغير
مؤلمة لمكافحة تدني احترام الذات وتعزيز الشعور
بالذات، قد يكمن الحل في شركة يقع مقرها في سان
فرانسيسكو، واسمها كلاوت
Klout؛ وهي
توفر تحليلات لوسائل التواصل الاجتماعي لقياس
تأثير مستخدم بعينه عبر شبكته الاجتماعية الخاصة،
ويأخذ التحليل البيانات المستمدة من مواقع مثل
تويتر وفيسبوك لقياس حجم شبكة هذا الشخص،
والمحتويات التي أنشأها، وكيفية تفاعل الآخرين مع
هذا المحتوى. والنتيجة هي محصلة كلاوت
Klout score
التي تعكس تأثيرك على الإنترنت.
٤٥
وفي حال فكرتَ في أن محصلة كلاوت ستكون غيرَ
معتدٍّ بها عندما يتعلق الأمر بالعالم الحقيقي
السائد، تأمَّل التعليق المزعج التالي، والمستقى
من مقالٍ نُشر مؤخَّرًا: «بالطريقة نفسها التي
تُستخدم بها علامات اختبار الكفاءة الدراسية
SAT في الحكم
على الطلاب، وتُستخدم درجة الائتمان للحكم على
الوضع المالي، يأمل جو فرنانديز
Fernandez
[مؤسس كلاوت] في أن تصبح محصلة كلاوت إحدى
«المكونات» المستخدمة في مقابلات العمل.»
٤٦ وبما أنه مؤسس الشركة، فقد تكون
توقعاته متحيزةً قليلًا ومتحمسة أكثر من اللازم.
وعلى أي حال، فإن كلاوت تجعلني أشعر بالاضطراب؛
أولًا، ووَفقًا لشركة كلاوت: يستند التأثير كليًّا
إلى الأنشطة المنفَّذة على مواقع الشبكات
الاجتماعية؛ ثانيًا: إن كمَّ وليس نوعية رسائلك هو
ما يجري تقييمه؛ ثالثًا: تزودك الاستجابات التي
تولِّدها بفرصة لاستخدام «تأثيرك» في جذب الانتباه
إلى العلامات التجارية المختلفة. قد يحصل الأشخاص
على «جوائز كلاوت» — في صورة منتجات مجانية أو
خصومات — بناءً على تأثيرهم في الإنترنت. وعلى
الرغم من أن كلاوت تنفي أنه سيُفرض عليك أي التزام
للحديث عن المنتج، فإن إمكان الحصول على جوائز مثل
الحواسيب المحمولة وتذاكر الطيران المجانية، حتى
لو لم تكن لديك محصلة كلاوت مرتفعة، يعني أن
صداقاتك صارت مساحات إعلانية. كما أن حقيقة أن
الأهمية تُقاس عبر الشبكات الاجتماعية، وأنها
تتوقف على مدى الاهتمام الذي تجذبه، وأن هذا
الاهتمام يمكن مكافأته، من غير المرجح أن تُبرز
أفضل ما في أي شخص. أي نوع من الدروس تتعلمه عن
العَلاقات، وعن كيف ترى نفسك بالفعل؟
بالنسبة إلى بعض من يمتلكون خبرةً قوية في
العَلاقات الحقيقية في واقع الحياة، فإن قضاء
الوقت في تحديث مواقع الشبكات الاجتماعية والتواصل
مع الأصدقاء قد يحسِّن الشعور بالعافية، تمامًا
كما قد تفعل الثرثرة الجيدة عبر الهاتف، لكن هناك
خطرًا من أنه يمكن الآن تحقيق «العافية» بمجرد أن
تكون «مشهورًا» بين مستخدمي فيسبوك الآخرين أو عن
طريق امتلاك محصلة كلاوت عالية. وفي حين أنه من
الواضح أن الشعور بالعافية على المدى القصير هو
أمرٌ جيد، فإذا بدأت في التشكك على المدى الطويل
في هذا السبب السطحي للشعور بالسعادة باعتباره
محصلة كلاوت عالية، فقد تبدأ في الشعور بأن هناك
شيئًا ما زال مفقودًا من حياتك، مثل الشعور بالرضا
الذي يُكتسب عادة من العمل الشاق، أو من تحدٍّ يتم
في واقع الحياة، أو إنجاز رياضي، أو امتلاك مهارات
إبداعية. على
أي حال، إذا أردت أخذ الأمور إلى أقصى حدودها،
تدبَّر السؤال التالي: كيف سيشعر أيٌّ منَّا إذا
عاش في مجتمع مستقبلي تتمثل غايته النهائية في
تحقيق شعور بالرضا بفعل العدد المحض من الأشخاص
الذين يلاحظون وجودك في الفضاء الإلكتروني؟
اعترفت لي صديقة من العالم الحقيقي قائلة: «لقد
حذفت الفيسبوك، لأنه أعاد إليَّ شعور المدرسة
الثانوية نفسه مرة أخرى، حيث كل فتاة هي أكثر
شعبية وجمالًا منك.» في حين قد يكون بعض الأفراد
على استعداد لكسر هذه الحلقة من السعادة الكاذبة
تمامًا، فهم يظلون يمثلون الأقليَّة الساحقة. وفي
العام ٢٠١١م، حذف ١٠٠ ألف من مستخدمي الفيسبوك في
المملكة المتحدة ملفاتهم الشخصية.
٤٧ وفي دراسة أُجريت على من أقلعوا عن
استخدام الفيسبوك، كان السبب الرئيس الذي ذكروه هو
المخاوف المتعلقة بالخصوصية. كان الأفراد ذوو
المعدلات المرتفعة لاستخدام الإنترنت أقرب
احتمالًا لإلغاء حساباتهم على الفيسبوك، مما يُشير
إلى أنهم قد يشعرون بالقلق إزاء التواصل عبر
الشبكات الاجتماعية.
٤٨ إن الحقيقة ذاتها المتمثلة في تسمية
هذا الإقلاع ﺑ «انتحار الهُوية الافتراضية» من
قِبل باحثي الشبكات الاجتماعية تُشير إلى الأهمية
التي يخلعها البعض اليوم على ملفهم الشخصي على
الفيسبوك.
عندما كنا ندرس علم أعصاب الهُوية، اقترحتُ أنه
ينطوي على تفاعل العقل المرتب بعناية والفريد من
نوعه مع عدد كبير من السياقات الخارجية اللحظية
على مر الزمن. وتكتسب هذه السياقات وهذا التفاعل
أهميةً بالغة في تحديد من أنت وكيف ترى نفسك. وحتى
الآن، كان العقل البالغ نتاجًا لحوار بين البيئة
والذات، ويسمح هذا الحوار بالتوقف، والتأمل
الذاتي، والتطور البطيء ولكن المؤكد لسرد داخلي
قوي. وفي المقابل، فإن البيئة المستمرة التي يتحقق
العيش فيها على مواقع التواصل الاجتماعي تقدم
النقيض تمامًا: وهو السيناريو الذي يزيح الشعور
الداخلي القوي بالهُوية لمصلحة شعور موجَّه يتشكل
من الخارج. ولأن هذه الهُوية ستكون معتمدة بشدة
على استجابات الآخرين، فمن شأنها أن توجز انعدام
الأمن وهشاشة إحساس الطفل بالذات، والذي يتسم بأنه
غير متوازن ولا يزال ناشئًا.
وحتى الآن، فقد رُجِّحت كفة الحوار المستمر بين
الفرد والبيئة لمصلحة قصة الحياة الداخلية
والشخصية والتعليق الداخلي الذي، كما اقترحتُ،
يرقى إلى ما نطلق عليه اسم الهُوية. وكما رأينا من
فورنا، فإن المحرك الأساسي لمشاركة هذا السرد مع
أشخاص آخرين تعوِّضه القيود البيولوجية للتفاعل
وجهًا لوجه، حيث تتشكل الصداقات تدريجيًّا وبطريقة
انتقائية للغاية. على أي حال، فإن وسائل التواصل
الاجتماعي تزيل هذه الاحتياطات التطورية وتضغط على
معجِّل الإفصاح غير المقيَّد عن الذات في سياقٍ
تغيب فيه المكابح المعتادة التي تفرضها ردود الفعل
العادية للتعامل بين الأشخاص. وبالتالي، فبدلًا من
دائرة صغيرة من الأصدقاء، يجري الآن الإعلان عن
الذات لجمهور مؤلف من المئات، ومثل كل الفعاليات
العامة، فذلك يخضع لتمحيصٍ وتعليقات لا نهاية لها.
كيف سيكون أداء هذه الهُوية المرتكزة إلى الذات
بصورةٍ مفرطة، والهشة في الوقت نفسه، في التواصل
والعَلاقات بين الأشخاص؟