الفصل الحادي عشر

التواصل عبر الشبكات الاجتماعية والعَلاقات

حتى في اليونان القديمة، جرى الاعتراف بتفوق أهمية التفاعل وجهًا لوجه على مجرد كلمات مسطورة على صفحة. وقد حذَّر سقراط قائلًا: «كل كلمة، بمجرد كتابتها، ستنتشر في الأنحاء، بين أولئك الذين يفهمونها وأولئك الذين لا يهتمون بها على حدٍّ سواء.»١ وفي الوقت الحاضر، توفر الشاشة فرصة للتخلي عن التفاعل بين الأشخاص على نطاقٍ غير مسبوق، ومع ذلك التخلي يأتي اختزال شامل لخطر الإحراج ومشاعر الانزعاج التي ينطوي عليها التفاعل الاجتماعي. لا يمكن لأحد أن يراك أحمر الخدين، أو يسمع صوتك وهو يحتد، أو يشعر بكفَّيك الرَّطْبتين. ولكن من ناحية أخرى، لن يمكنك التقاط تلك التلميحات البالغة الأهمية للتعرف على رد الفعل المحتمل للشخص الآخر.
في العام ٢٠١٢م، نشرت الوكالة البريطانية للرقابة على الاتصالات، أُوفْكُوم Ofcom، تقريرها السنوي التاسع حول سوق الاتصالات. كان مدير البحوث في أوفكوم، جيمس ثيكيت Thickett، يدرك تمام الإدراك أهمية التراجع الذي وجده تقرير ذلك العام في عدد مكالمات الهواتف المحمولة، الذي انخفض بنسبة واحد في المائة، وفي عدد مكالمات الهواتف الثابتة، الذي انخفض بنسبة ١٠ في المائة. وعلق على الأمر بقوله:
في غضون سنواتٍ قليلة، قد تؤدي التقنيات الحديثة إلى إحداث تغير جذري في الطريقة التي نتواصل بها. إن التحدث وجهًا لوجه أو عبر الهواتف لم يعد الطريقة الأكثر شيوعًا لتفاعلنا بعضنا مع بعض. وبدلًا منها، تظهر أشكال أحدث من الاتصالات، والتي لا تتطلب منا أن يتحدث بعضنا إلى بعض، وخاصة بين الفئات العمرية الأصغر سنًّا. ومن المقرر أن يستمر هذا الاتجاه مع تقدم التكنولوجيا، ونحن نمضي قدمًا إلى العصر الرقمي.٢
ذكرَت أُوفْكُوم أن الشخص العادي يُرسل الآن خمسين رسالة نصية أسبوعيًّا.٣ كانت نسبةٌ مذهلة بلغت ٩٦ في المائة من الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والرابعة والعشرين تستخدم وسائل الاتصالات عبر الرسائل الفورية (غير الشفهية) — البريد الإلكتروني، أو رسالة نصية، أو شبكات التواصل الاجتماعي — بصورةٍ يومية للتواصل مع الأهل والأصدقاء. وفي الوقت نفسه، فقد صار التواصل اللفظي، عبر الهاتف أو شخصيًّا، أقلَّ رواجًا في المقابل، حيث صار ٦٣ في المائة فقط يتحدثون وجهًا لوجه مع الأصدقاء أو العائلة يوميًّا.٤
وعلى الرغم من أن المواطنين الرقميين قد يفضلون التواصل غير الشفهي من خلال الرسائل النصية أو الإنترنت، فقد اتضح أن نوع الدعم العاطفي الذي يُمكن أن تقدمه هذه الأشكال من الاتصالات متدنٍّ للغاية. طرح باحثون في جامعة ويسكونسن-ماديسون السؤال التالي: هل يمكن للمحتوى وحده في محادثة داعمة عاطفيًّا بين أحد الوالدين وابنه المراهق أن ينقل الطمأنينة، أم هل يمكن لنبرة الصوت أو الوجود الفعلي للوالد أو كليهما أن يؤديا دورًا أيضًا؟٥ وفي تلك التجرِبة، نفذ المراهقون مهمة مرهقة، وجرى تطمينهم لاحقًا من قِبل والديهم عبر الهاتف، أو شخصيًّا، أو عبر الرسائل الفورية، أو لم يجرِ الاتصال بهم من قِبل الوالدين على الإطلاق. وبعد ذلك، قيست المستويات اللُّعابية من الكورتيزول cortisol (وهو مؤشرٌ على التوتر والإجهاد) والأوكسيتوسين oxytocin (وهو مؤشر على الألفة والعافية). أفرز المراهقون الذين تحدثوا مع والديهم عبر الهاتف أو شخصيًّا كَميات مماثلة من الأوكسيتوسين وأظهروا مستويات منخفضة على نحو مماثل من الكورتيزول، مما يدل على حدوث انخفاض في التوتر. وفي المقابل، في حالة المراهقين الذين تلقَّوا رسالة فورية، لم يُفرز الأوكسيتوسين على الإطلاق، وكانت المستويات اللعابية للكورتيزول مرتفعة بالقدر نفسه الذي كانت عليه لدى مَن لم يتفاعلوا مع والديهم على الإطلاق. وهكذا، في حين قد يفضل الجيل الأصغر سنًّا استخدام الوسائل غير الشفوية للتواصل، عندما يتعلق الأمر بتوفير الدعم العاطفي، تبدو الرسائل مماثلة لعدم التحدث إلى أي شخص على الإطلاق.

لم يحدث تجريبيًّا حتى الآن إثبات مدى كون هذه الزيادة في التواصل عبر الإنترنت ليست مجرد عَرَض، بل سبب يؤثر في قدرة الشباب على التواصل الاجتماعي والتعاطف في المحادثات التي تحدث وجهًا لوجه. قد يكون هذا التردد في إجراء التواصل البشري مع شخص ما، وبخاصة الغرباء، ناتجًا عن الخوف من، أو ببساطة عدم وجود خبرة في، هذا النوع الأساسي بشكل بالغ من المواهب البشرية. وعلى أي حال، فليس من بين هذين البديلين ما يبشِّر بالخير بالنسبة إلى المجتمع. تخيَّل أنك لم تحصل على كثير من التدريب على التواصل وجهًا لوجه، لأنك شرعت منذ سن مبكرة في التفاعل مع الآخرين من خلال الشاشة في معظم الأحيان. وبدلًا من لغة الجسد ونبرة الصوت، والتواصل المادي، فإن الوسيلة السائدة للتعبير هي الكلمات. وليس من المستغرب أن يشكو كثير من الناس من أنهم قد أُسيءَ تفسيرهم عندما يتحدثون عبر وسائل التواصل الاجتماعي. مهما كان قدر مناقشتك لعواطفك، فإن التصريحات لا يمكنها أن ترقى إلى تعبيرات الوجه الحقيقية مطلقًا.

والأمر الأكثر إخافة هنا هو فكرة أنه يمكن تدمير التواصل الحقيقي غير اللفظي بفعل الكون السيبراني الموازي الذي لم يتم فيه التدريب بما فيه الكفاية على مهارات التفاعل بين الأشخاص. وإذا لم يتم التمرن عليها، فمن غير المحتمل أن تنطوي على أي خير. ولذلك ربما كان كثير من الأشخاص الأصغر سنًّا، الذين ترعرعوا في ظل الخيار الأكثر أمانًا للتواصل عبر الإنترنت، يفضلون عدم المجازفة بأن ينظر أحد في أعينهم مباشرة، أو معانقتهم، أو التعرض لاحتمال أن يُثير صوتهم صدًى ما. وفي المقابل، فقد يعني هذا أن العَلاقات عبر الإنترنت هي في الواقع مختلفة تمامًا عن تلك الحقيقية. وقد وجدت الخاطبة المهنية أليسون غرين أنها تواجه مشكلات فريدة من نوعها عند التعامل مع المواطنين الرقميين: يبدو أنهم يجدون صعوبة كبيرة في التواصل وجهًا لوجه، وحولوا تطوير عَلاقات عاطفية بحيث تتم عبر الإنترنت، مع تفضيل الأزواج لتعرُّف بعضهم على بعض لأول مرة من خلال المسافة والسلامة التي توفرها لهم هواتفهم الذكية.٦
والسؤال المهم هنا هو ما إذا كان هذا الاتجاه موضع ترحيب أم لا. أشارت شيري تاركل إلى أن الفيسبوك يمنح «وهم الرفقة دون متطلبات الصداقة.»٧ ولكن في مراجعة حديثة نسبيًّا، خلَص بول هوارد-جونز Howard-Jones إلى أن شبكة الإنترنت، في مطلق الأمر، «يمكنها أن تفيد احترام الذات والترابط الاجتماعي.»٨ ومن خلال التوصل إلى استنتاج مماثل، أجرت مويرا بورك Burke من جامعة كارنيجي ميلون استطلاعًا شمل أكثر من ألف من مستخدمي الفيسبوك البالغين الناطقين بالإنجليزية لمدة شهرين في جميع أنحاء العالم، والذين جرى إشراكهم من خلال أحد الإعلانات.٩ أظهرت النتائج أن الفيسبوك يَزيد من الترابط ويقلل الشعور بالوَحدة من خلال التواصل المباشر. ولكن، بشكل لافت للنظر، فباعتبار أن المستخدمين يستهلكون الأخبار بشكلٍ سلبيٍّ فقد شعروا بأنهم أقل قدرة على الوصول إلى الأفكار الجديدة التي يولِّدها الآخرون. والأهم من ذلك كله، فقد كان الشعور بالوَحدة متناسبًا مع كَمية المحتوى الذي استهلكوه. تسلط هذه النتائج الضوء على الفرق الجوهري المحتمل بين الدعم النشط للصداقات القائمة والاستهلاك السلبي للأخبار الاجتماعية للآخرين. يبدو أن النتائج الإيجابية للعَلاقات التي تحدث عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا تنطبق إلا على من يتواصلون مع الأصدقاء الحاليين. وقد اتضح أن استخدام شبكة الإنترنت لإنشاء صداقات جديدة له نتيجة شديدة الاختلاف في الواقع. كشفت دراسة طويلة الأجل حول العَلاقة بين استخدام المراهقين والمراهقات للحاسوب وبين أصدقائهم ونوعية الصداقة عن أن استخدام الإنترنت لإنشاء صداقات جديدة يرتبط الآن بمستويات أدنى من العافية.١٠
وعلى المنوال نفسه، فمن خلال البيانات المستمدة من عينة من الأطفال في مقتبل المراهقة preadolescents والمراهقين، وجد الباحثون أن التواصل عبر الإنترنت يرتبط بشكل إيجابي بمدى حميمية الصداقات.١١ لم تكن هناك مفاجآت في ذلك. وعلى أي حالٍ، فلم ينطبق هذا التأثير إلا على المستجيبين الذين يتواصلون عبر الإنترنت في المقام الأول مع أصدقائهم الموجودين بالفعل، وليس على أولئك الذين يتواصلون غالبًا مع الغرباء. كان المستجيبون الذين يشعرون بالقلق الاجتماعي هم من ينظرون إلى الإنترنت على أنه أكثر قيمة في الإفصاح الذاتي الحميم، كما أدى هذا التصور بدوره إلى مزيد من التواصل عبر الإنترنت. ولذلك يبدو أن العَلاقة الاجتماعية الحميمة في العالم الحقيقي والعَلاقة الحميمة عبر الفيسبوك هما مختلفتان تمامًا، فهناك فرق أثبته استبيان حديث.١٢
وهذا الفصل الحاسم بين عدد الأصدقاء الافتراضيين وعدد الأصدقاء الوجدانيين من واقع الحياة ينطبق كذلك على الأجيال الأكبر سنًّا. وفي هذه المرة، فحصت دراسة العَلاقات بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي (الرسائل الفورية ومواقع الشبكات الاجتماعية)، وحجم الشبكة، والتقارب العاطفي لدى مجموعة من الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والثالثة والستين.١٣ ربما لم يكن من المستغرب أن الوقت الذي يُقضى في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وُجد أنه يرتبط بامتلاك عدد أكبر من «أصدقاء» الشبكات الاجتماعية على الإنترنت، لكن لم يُربَط بينه وبين الشبكات الأكبر خارج نطاق الإنترنت أو مع الشعور بالقرب العاطفي لأعضاء الشبكة الحقيقية خارج الإنترنت. وبالتالي، وبصورة عامة، كيف يمكن أن يختلف التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت بصورةٍ جوهرية عن ذلك الذي يحدث في العالم الحقيقي؟ قد يكمن أحد الفروق في اكتساب مهارات التواصل مع الآخرين، وبالتالي في التعاطف.
إن القدرة على الاهتمام بالآخرين وتبادل تجارِبهم العاطفية هي ما يميز البشر بشكلٍ واضح عن معظم ما دونهم من أفراد المملكة الحيوانية.١٤ وقد وجدت الدراسات أنه حتى الرُّضَّع والدارجون toddlers يُظهرون سلوكًا تعاطفيًّا. وأظهرت إحدى الدراسات التي أُجريت على الرضع البالغين من العمر أربعًا وثلاثين ساعة أنه حتى الأطفال الحديثو الولادة يبكون عند سماع صوت صراخ وليد آخر، وأن البكاء يمثل استجابة للخصائص الصوتية لصرخة الآخر. وقد بكى الرضع الذين تعرضوا لبكاء غيرهم من الأطفال الحديثي الولادة بوتيرة أكبر من أولئك الذين تعرضوا للصمت، أو من أولئك الذين تعرضوا لصرخة وليد اصطناعية بالحدة نفسها.١٥
وعلى أي حال، فالتعاطف الكامل الازدهار ليس مضمونًا بالضرورة كجزء من حقوقنا المكتسبة بالولادة. سيكون من الصعب أن نتخيل أن تكون سمة معقدة مثل التعاطف ناتجة بالكامل من بنيتنا الجينية. وعلى سبيل المثال، على الرغم من أن أبحاث آرييل نافو Knafo وفريقه في الجامعة العبرية في القدس أشارت إلى وجود مساهمة وراثية كبيرة — ففي الواقع وجود مجموعة من الجينات سيكون ضروريًّا حتمًا لتحقيق الصفات المعرفية المتنوعة للدماغ البشري الصحي — فإن القدرة الفعلية على التعاطف مع الآخرين تظل تتطور حتى نبلغ العشرينيات من أعمارنا.١٦ وبالتالي فهناك متسع من الوقت لأن تؤدي البيئة وتجرِبة العَلاقات دورًا مهمًّا في تحديد قدرتنا على التعاطف.
لقد تسلل مصطلح «الذكاء العاطفي» emotional intelligence بشكل متزايد إلى اللغة اليومية لتعريف «القدرة، والقابلية، والمهارة، أو القدرة المتصوَّرة ذاتيًّا لتحديد، وتقييم، وإدارة العواطف الخاصة بالذات، وبالآخرين، والجماعات.»١٧ يمثل كون الذكاء العاطفي جزءًا من الذكاء الأكثر عمومية، أو مختلفًا عنه، مسألة مثيرة للاهتمام، لكنها ليست أولويتنا هنا. يكفي أن نقول إنه إذا كان شيء، مثل الذكاء نفسه، يختلف من شخص إلى آخر، فإن الذكاء العاطفي لا يمكن أن يكون خاصية تتحدد ملامحها عند الولادة. وكما ذكرنا في الفصل الرابع، فقد أشار مسح أُجري على أربعة عشر ألف طالب وطالبة يدرسون في الجامعات الأمريكية إلى أن مستويات التعاطف ربما كانت في تراجع.١٨ في حين أن هذا المسح، مثل جميع المسوح، لا يمكنه أن يوفر عَلاقة سببية بين زيادة شعبية مواقع التواصل عبر الشبكات الاجتماعية وتراجع التعاطف، فإن هذا الارتباط الغريب بعض الشيء هو من دون شك يستحق أن يؤخذ بعين الاعتبار.
تمثلت مقاربة مثيرة للاهتمام بشكل خاص من ميللر ماكفرسون McPherson في مقارنة الأفكار المتعلقة بالصداقة في العام ١٩٨٥م مع تلك السائدة في العام ٢٠٠٤م. اكتشف فريق ماكفرسون أن المشاركين في العام ٢٠٠٤م كان لديهم عدد أقل من الأشخاص الذين يمكنهم التحدث إليهم بالفعل، مع انخفاض عدد الأصدقاء المقربين المتوفرين بنحو الثلث. والأمر الأشد إثارة للقلق هنا هو أن نسبةَ مَن ليس لديهم أحد على الإطلاق يمكنهم أن يناقشوا معه الموضوعات المهمة قد تضاعفت ثلاث مرات تقريبًا.١٩ وفي حين كانت هناك خسائر من داخل الأسرة أو ضمن مجموعات الأصدقاء، فقد حدث أكبر انخفاض في الأصدقاء المقربين في المجتمع والحي. طرح ماكفرسون وزملاؤه إمكانية أن المستجيبين ربما فسَّروا السؤال على أنه يتعلق بالمناقشة التي تتم حصريًّا وجهًا لوجه، وإذا كان الأمر كذلك، فإن التحول من التواصل الشفهي إلى التواصل عبر الإنترنت قد يكون مسئولًا عن هذا التراجع الواضح.
من السهل أن نرى صلة بين هذين الاتجاهين: تناقص التعاطف وزيادة العَلاقات عبر الإنترنت. وكما أشار إليه العالم النفسي لاري روزين، فإذا آذيت مشاعر شخص آخر لكنك لا تستطيع رؤية رد فعله، فستفتقر إلى التلميحات الكافية لفهم ما اقترفْتَه، ومن ثَم الاعتذار إليه أو القيام ببعض الإجراءات التعويضية الأخرى.٢٠ قد تكون الزيادة في مشاعر العزلة مرتبطة بالسهولة والسرعة التي يمكن بها نشر المعلومات الشخصية، مما قد يُشجع الناس على القيام من دون تفكير بنشر معلومات قد تكون ضارة. وإذا كان التعاطف ينشأ عن التجرِبة الشخصية المباشرة وجهًا لوجه، لكننا لا نتقن سوى ما تدربنا عليه، فإن انخفاض التواصل وجهًا لوجه من شأنه أن يقلل من قدرتنا على التعاطف. من الممكن أن تمثل الاتصالات المتعاطفة في العالم الحقيقي قياسًا جيدًا للاتصالات التي تتم في الدماغ عبر الشبكات بين العصبونات المنفردة (تذكَّرْ كلمات هيب الشهيرة حول العصبونات: «الخلايا التي تطلق إشاراتها معًا ترتبط معًا»). وعلى أي حال، فإذا لم يكن لديك أي شخص تشعر بأنه يهتم لأمرك، فقد تسوِّل لك نفسك أن تكون غير مكترث للآخرين أو أن تكون أقل اهتمامًا بأن تكون كذلك. وما التأثير المحتمل لهذه اللامبالاة في منظورنا لما هو مهم ومناسب لأن نتشارك فيه؟
وفيما وراء التعاطف، يمكن أن يؤدي الاستخدام المفرط للإنترنت عمومًا إلى انخفاض القدرة على التواصل بشكلٍ فعال، إذ رُبط بينه وبين انعدام الذكاء العاطفي، بما في ذلك الأداء الضعيف في تفسير التعبيرات الوجهية.٢١ وبالتالي فربما ليس من غير المستغرب أن يُظهر الأشخاص الذين يقضون فترات زمنية مفرطة على الإنترنت قصورًا في معالجة التعبيرات الوجهية. استخدمت إحدى الدراسات نظامًا للاكتشاف البصري لمقارنة المراحل المبكرة من معالجة المعلومات المتعلقة بالوجوه لدى الشبان المفرطي الاستخدام للإنترنت عن طريق تحليل مخططات كهربية أدمغتهم EEGs.٢٢ ومن خلال عرض صور لوجوه وأشياء على المشاركين، اكتشف الباحثون أن الموجات الدماغية التي تحفزها مشاهدة الوجوه كانت أكبر حجمًا بشكل عام، وبلغت ذروتها في وقت أقرب مما فعلت الاستجابات المماثلة التي سببتها الأجسام. ويعني هذا أن الوجوه كانت أكثر أهمية للمراقب المتوسط من الأجسام. وعلى أي حال، فقد أظهر مستخدمو الإنترنت المفرطون عمومًا استجابة لموجات الدماغ أصغر من الأشخاص العاديين، سواء أكانوا ينظرون إلى وجوه أم إلى مناضد. وتُشير هذه النتيجة إلى أن الوجوه بالنسبة إلى مستخدمي الإنترنت المفرطين لم تكن أكثر أهمية من الجمادات اليومية. وعلى الرغم من أنه لا يزال غير معروف ما إذا كانت هذه الاعتلالات ستمتد إلى العمليات الأعمق لإدراك الوجوه، مثل ذاكرة الوجوه والتعرف على الوجوه، فتُشير هذه المشاهدات إلى أن مستخدمي الإنترنت المفرطين لديهم عجز في مرحلة مبكرة من معالجة إدراك الوجوه، وهو اعتلال يرتبط بدوره بمجموعة من الاضطرابات التي تشمل الاعتلال النفسي psychopathy والتوحد.
وفي المملكة المتحدة وحدها، يُظهر أكثر من نصف مليون شخص — أي نحو واحد في المائة من عموم السكان — شكلًا من أشكال التوحد autism. تتميز اضطرابات طيف التوحد بثالوث من الاعتلالات: (١) صعوبة في التواصل الاجتماعي، سواء اللفظي وغير اللفظي، بحيث كثيرًا ما يجد المرضى صعوبة في «قراءة» الآخرين؛ (٢) صعوبة في التعرف على أو فهم مشاعر الآخرين وأحاسيسهم، وكذلك التعبير عن مشاعر وأحاسيس المرء؛ (٣) صعوبة في التخيل الاجتماعي، أي فهم والتنبؤ بسلوك الآخرين، وإدراك الأفكار المجردة، وتخيل المواقف التي تحدث خارج روتين الحياة اليومية المباشرة. تقليديًّا، يُشخَّص اضطراب طيف التوحد خلال العامين الأولين من الحياة. وبالتالي يدَّعي بعض المتخصصين أنه يستحيل ربط التوحد بالتواصل عبر الشبكات الاجتماعية، حيث إن الأطفال الصغار للغاية لا يدخلون إلى هذه المواقع. ومع ذلك فقد أشار الدكتور ماكسون ماكدويل McDowell، وهو محللٌ نفسي، إلى أن الأفراد الذين يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي بصورة هاجسيةٍ لا يزال بإمكانهم اكتساب خصائص شبيهة بالتوحد، مثل تجنب التواصل بالعينين. وفي الأطفال الرضع، يستهل التواصل المبكر بالعينين القدرة على التواصل مع التجارِب الذاتية للآخرين، وهو أمرٌ في غاية الأهمية بالنسبة إلى التواصل الاجتماعي والتفاعل، وهي مقدرةٌ معطلة في التوحد.٢٣ وفي الواقع أن عدم قدرة الرضيع على تعقب وجه أمه كثيرًا ما يُربَط بينه وبين التشخيص المستقبلي للتوحد.
وفي الوقت نفسه، استكشف ثلاثة أكاديميين في جامعة كورنيل، هم: مايكل والدمان Waldman، وشون نيكلسون Nicholson، ونودير أديلوف Adilov، الارتباطات المحتملة بين استخدام التكنولوجيا والإصابة اللاحقة بالتوحد. شمل بحثهم مجموعة متنوعة من الأنشطة التي تُنفَّذ على الشاشة، بما في ذلك مشاهدة التلفاز، ومشاهدة أشرطة الفيديو وأقراص الفيديو الرقمية، ومشاهدة الأفلام في السينما، واستخدام الحاسوب. وقد ظهر ارتباط بين المشاهدة المبكرة للتلفاز والتوحد. وإذا كان التلفاز قد يكون عاملًا، فلن يكون من المستغرب إذا اكتُشف أن عالم الشاشة الخاص بالإنترنت له تأثير أيضًا.٢٤
وحتى لو قبلنا بتوسيع مصطلح «السمة الشبيهة بالتوحد» autistic-like trait، فقد تُشير نتائج باحثي جامعة كورنيل إلى أنه لا ينبغي علينا استبعاد العوامل البيئية في بعض الحالات. تزايدت معدلات تشخيص التوحد بسرعة خلال العَقدين الماضيين، ولا يمكن أن تُعزى تلك الزيادة إلى الأسباب الوراثية وحدها. وفي دراسة أجرتها إرفا هيرتز-بيكيوتو Hertz-Picciotto ولورا ديلويش Delwiche من جامعة كاليفورنيا في ديفيز، أظهرت النتائج أنه حتى بعد أخذ التغيرات في معايير التشخيص في الاعتبار وتوسيع طيف التوحد، كانت نسبة كبيرة من الزيادة في حالات التوحد لا تزال غير واضحةٍ.٢٥ يجب ألا نستبعد احتمال وجود محفزات في البيئة، مثل التعرض المبكر لعالم الشاشة ولفترات طويلة، حيث لا ينظر أحد إلى عينيك. تُناط بالبشر مهمة تطورية للتكيف مع بيئتهم، وعندما لا توفر لهم هذه البيئة فرصًا للتدرب على المهارات الأساسية للتعاطف، فقد تتمثل إحدى النتائج في ظهور صعوبات شبيهة بما يحدث في حالات التوحد.
ومن المُثير للاهتمام أن ديفيد أموديو Amodio من جامعة نيويورك وكريس فريث Frith من جامعة لندن أظهرا أن واحدًا من أعراض التوحد هو انخفاض نشاط القشرة المخية أمام الجبهية.٢٦ تذكَّرْ من الفصل الثامن مدى أهمية هذه المنطقة الدماغية في ضمان عمل الدماغ بشكل متناسق. فإذا انخفضت معدلات نشاط هذه المنطقة الحيوية، فقد يكون هناك تأثيرٌ عميق في عمليات الدماغ الكلية، مما يُنتج العقلية التي وصفناها سابقًا، والتي تنسخ فيها العوامل الحسية تلك المعرفية ولا «يعني» أي شيء شيئًا: فهي ما هي عليه لا أكثر. إن ضحكة، أو عبوسًا، أو شعورًا بالخجل، أو ابتسامة قد «تعني» أقل بكثير: فما تراه ظاهريًّا هو ما تحصل عليه.
وسواء أكانت تقنيات الشاشة ستتمكن في يوم ما من زيادة احتمال ظهور سلوكيات شبيهة بالتوحد أم لا، فمن المقبول تمامًا أن العكس صحيح، فعادة ما يشعر المصابون بالتوحد براحة أكبر في الفضاء الإلكتروني. بحثت كاترين فنكيناور Finkenauer وفريقها في جامعة أمستردام في الصلة بين السمات التوحدية واستخدام الإنترنت في دراسة طويلة، وأظهروا أن الأشخاص الذين لديهم ميل نحو إظهار سمات التوحد، ولا سيما النساء، كانوا أكثر عرضة للإدمان على الإنترنت.٢٧ ويشير الدليل إلى وجود نوع من الارتباط بين الانجذاب إلى الإنترنت واعتلال التعاطف، كما أظهرت الدراسة أيضًا أن مستخدمي الإنترنت المفرطين يعانون نقصًا في التمييز بين الوجوه والأجسام.
وعلى الجانب الإيجابي، فقد جرى بالفعل استغلال ألفة الأفراد المصابين بالتوحد للشاشة لأغراض علاجية. ومن بين الأمثلة البارزة على ذلك مشروع «أصداء» ECHOES Project الذي يتخذ من المملكة المتحدة مقرًّا له، والذي يساعد التلاميذ التوحديين على تجريب السيناريوهات الاجتماعية الصعبة. إن مشروع أصداء هو:
بيئة تعليمية معززة تكنولوجيًّا، حيث يمكن للأطفال البالغين من العمر ٥ إلى ٧ سنوات المصابين بطيف التوحد وأقرانهم ذوي النمو الطبيعي استكشاف وتحسين مهاراتهم الاجتماعية والتواصلية من خلال التفاعل والتعاون مع الشخصيات (العوامل) الافتراضية والأجسام الرقمية. يوفر برنامج أصداء أهدافًا وطرق تدخل مناسبة تنمويًّا، والتي هي ذات مغزًى للطفل المنفرد، وتعطي الأولوية للمهارات التواصلية كالانتباه المشترك.٢٨

ما سبب الجاذبية التي تحملها الشاشة لشخص يعاني مشكلات في التعاطف؟ يتمثل الجواب الأكثر وضوحًا في أنه في هذا العالم، ليست هناك حاجة إلى فهم ما يمكن أن يحدث بداخل عقول الآخرين، فما تراه هو ما تحصل عليه. ونظرًا إلى غياب جميع التلميحات غير اللفظية القيمة التي ناقشناها على الإنترنت، فربما كنا جميعًا نصاب بما يشبه التوحد عندما نوجَد على الإنترنت.

وخلاصة القول إن هناك صلةً بين استجابات الموجات الدماغية الشاذة في التعرف الإشكالي على الوجوه، وهو أحد ملامح التوحد، وبين مستخدمي الإنترنت المفرطين؛ وهو ارتباط بين اضطرابات طيف التوحد وتدهور وظيفة القشرة المخية أمام الجبهية، والذي يدل على منظور أكثر واقعية للعالم؛ أو صلة بين تجارِب الشاشة المبكرة والإصابة لاحقًا بالتوحد؛ وصلة بين الحالات التوحدية وجاذبية تقنيات الشاشة. وفي حين يستحيل إثبات السبب والنتيجة بين هذه الروابط المختلفة، بل واستخلاص أي استنتاجات قاطعة، يبدو أن هناك بعض أوجه الشبه بين الاستخدام المفرط للإنترنت والسلوكيات الشبيهة بالتوحد، والتي تستحق مزيدًا من الاستكشاف. ويؤدي بنا هذا الخط من التفكير حتمًا إلى أن نتساءل عما نعنيه في أي حالة نتحدث فيها عن هذه العَلاقة. من المؤكد أنك من أجل أن تكون صديقًا حقيقيًّا، فستحتاج إلى التوصل إلى فهم حقيقي لشخص ما، وللكيفية التي سيتفاعل بها في طائفة من السياقات المختلفة. يتمثل الفرق الكبير بين العَلاقات عبر الإنترنت وخارجه في أنك في الأولى تُظهر ما تودُّ إظهاره فقط، وهو ما لا يعدو في كثير من الأحيان كونه مجرد فهرسة لما تحب وتكره. لا أحد يرى كيف تتعامل في الوقع مع المشكلات أو كيف تعاني في المواقف العصيبة التي لها عواقب حقيقية ودائمة. على النقيض من ذلك، لا يمكنك أن تخفي بمثل هذا النجاح عن صديق حقيقي في موقف واقعي وجهًا لوجه ما قد تشعر به حقًّا، لا سيما إذا كان صديقك بارعًا في استخدام كافة التلميحات الثلاثية الأبعاد وتلك الحسية اللازمة للتعاطف الحقيقي.

إن غياب الفرصة على الإنترنت للتدريب على المهارات الاجتماعية قد يُنبئ كذلك بحدوث انخفاض في العَلاقات العميقة وذات المغزى. وهناك اعتبار مهم هو أن تفضيل التواصل عبر الإنترنت وليس وجهًا لوجه قد يؤدي إلى مزيد من عدم الثقة بالناس. فبعد كل شيء، تنبع الثقة من التعاطف، والذي ينشأ بدوره بأفضل صورة من خلال التواصل وجهًا لوجه ولغة الجسد.

من المؤكد أنه عندما يحلُّ الوقت الذي نقضيه في العَلاقات عبر الإنترنت محل الوقت الذي نقضيه في التفاعل البشري الحقيقي، تكون إمكانية تفويت العَلاقة الحميمة العميقة مع الآخرين أقرب احتمالًا. ولذلك نحتاج إلى التفكير في أثر العَلاقات من النوع الذي يحدث على الفيسبوك على نمط الحياة بشكل عام. يمكن للتواصل المفرط عبر الشبكات الاجتماعية أن يتجاوز كل الحدود وصولًا إلى اختلال العَلاقات الشخصية، والإضرار بالمهن والزواج وحتى هدمها. ومن الممكن أن يُستبدل الوقت الذي نقضيه في المحافظة على العَلاقات، كما يؤدي إلى زيادة فرص التواصل مع الشركاء السابقين أو الشركاء المستقبليين المحتملين، وكلاهما يؤدي إلى الإغواء أو إلى الغَيرة في العَلاقات الحاليَّة. ووجدَتْ دراسة أُجريت في العام ٢٠١٣م أن المستويات المرتفعة من استخدام الفيسبوك ترتبط بنتائج سلبية في العَلاقات، مما يؤدي إلى مزيد من الخيانة، والانفصال، والطلاق. وقد تأثرت هذه النتيجة بمقدار الصراع الذي عايشه الزوجان فيما يتعلق بالفيسبوك.٢٩
وفي الوقت الحالي، تعرض مواقع التواصل الاجتماعي للمستخدمين معلومات لم يكن بوسعهم الوصول إليها بخلاف ذلك، مثل صور الشريك السابق مع شريك جديد. وبالتالي يمكن للفيسبوك أن يغذِّيَ الجانب غير الآمن والغيور من الطبيعة البشرية.٣٠ أخبرتني صديقة لي بأنها تركت الفيسبوك لأنه بدأ يجعلها تشعر بالجنون، على الرغم من أنها لم تكن من النوع الغيور بطبيعتها: «لكن فجأة ظهرت أمامي هذه المعلومات التي أمكنني معرفتها عن شريكي، والتي لم أكن أريد أن أعرفها، لكني لم أستطع منع نفسي من البحث عنها.» هناك دراسات رسمية لتقييم وملاحظة رد الفعل هذا فقط. وقد استندت إحدى الدراسات إلى نتيجة سابقة مفادها أن استمرار التواصل خارج الإنترنت مع شريك رومانسي سابق قد يعطل التعافي العاطفي من الانفصال.٣١ وكشفت النتائج المستقاة من ٤٦٤ مشاركًا أن أولئك الذين ظلوا أصدقاء على الفيسبوك مع شريك سابق، مقارنة بأولئك الذين لم يفعلوا ذلك، ذكروا شعورهم برغبة جنسية واشتياق إلى الشريك السابق، جنبًا إلى جنب مع مزيج سامٍّ من انخفاض وتيرة النمو الشخصي. وخلَص الباحثون إلى ما يلي: «بصفة عامة، تُشير هذه النتائج إلى أن التعرض للشريك السابق من خلال الفيسبوك قد يُعيق عملية التعافي والمضي قُدمًا من عَلاقة سابقة.»٣٢

وبطبيعة الحال، فهذا الأمر ينطبق على واقع الحياة كذلك؛ فمن الصعب أن تنسى الناس إذا كنت لا تزال تراهم بشكل روتيني. لكن الفيسبوك يجعل هذه المواظبة غير الصحية أسهل بكثير وأكثر صعوبة في مقاومتها. تاريخيًّا، كان يجري تشذيب عَلاقاتنا بصفة دورية، على سبيل المثال، من خلال نهاية عَلاقة حميمة، أو التشاجر مع صديق، أو تغيير الوظائف أو المدارس، أو محل الإقامة، أو مجرد فقدان التواصل مع شخص ما. أما الآن، وبفضل الفيسبوك، فيمكننا بسهولة أكبر بكثير أن ننقل إلى حاضرنا كل هذا الثقل العاطفي الذي ينتمي إلى الماضي.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد أدت سهولة الحصول على المعلومات الشخصية للآخرين إلى ثقافة صار فيها التطفل على الأفراد ليس مسموحًا به فحسب، بل متوقعًا. يُعرف هذا في اللغة العامية للفيسبوك باسم «المطاردة» stalking، لكن باحثي مواقع التواصل الاجتماعي خَفَّفوا المصطلح إلى «الترصد الاجتماعي» Social Surveillance. وبغض النظر عن دلالات الألفاظ، فإن القدرة على التطفل بحرية وبطريقة مجهولة على حياة الآخرين هي مسألةٌ خطيرة. ما عليك إلا إلقاء نظرة إلى شعبية المَجلات المتخصصة في نشر الإشاعات عن المشاهير لكي تدرك أن البشر فضوليون بطبيعتهم. لكن هذا الاتجاه يمكن الآن تضخيمه من خلال التواصل عبر الشبكات الاجتماعية، حيث يكون الترصد الشخصي ممارسة شائعة إلى حدٍّ ما: أفاد ٧٠٪ من طلاب الجامعات (يحدث هذا السلوك بغض النظر عن الجنس)٣٣ باستخدام الفيسبوك للتجسس على شريكهم الرومانسي، مع إبلاغ ١٤ في المائة عن أنهم يفعلون ذلك بواقع مرتين يوميًّا على الأقل.٣٤ وفي الواقع أن زيادة مستوى استخدام الفيسبوك يتنبأ بالغَيرة المرتبطة بموقع التواصل الاجتماعي. ويرى الباحثون أن هذا التأثير قد يكون نتيجة لحلقة من التغذية المرتدة: من الممكن أن يعرِّض استخدام الفيسبوك الناس لمعلومات مبهمة عن شركائهم، والتي قد لا يمكنهم الوصول إليها بخلاف ذلك، وهذه المعلومات تحرِّض الغَيرة، ومن ثَم تدفع إلى المزيد من استخدام الفيسبوك.٣٥
زعمت إحدى شركات المحاماة المتخصصة في الطلاق أن ما يقرب من واحدة من كل خمس عرائض يعالجونها ذُكر فيها الفيسبوك.٣٦ ويزداد استخدام رسائل البريد الإلكتروني والرسائل الغرامية الموجودة على صفحات الفيسبوك كدليل على السلوك غير العقلاني. وَفقًا لشركة الخِدمات القانونية البريطانية الطلاق أون لاين Divorce-Online، كان الفيسبوك مكتنَفًا في ٣٣ في المائة من حالات انهيار الزواج في العام ٢٠١١م، ارتفاعًا من ١٣ في المائة في العام ٢٠٠٩م. وقد علَّق على الأمر مارك كينان Keenan، المدير التنفيذي للشركة، فقال:
لقد سمعت من موظفي شركتي أن كثيرًا من الناس يقولون إنهم اكتشفوا على الفيسبوك أمورًا عن شركائهم فقررت أن أرى مدى شيوعها. لقد اندهشت بالفعل عندما وجدت أن ٢٠ في المائة من جميع العرائض تحتوي على إشارات مرجعية إلى الفيسبوك. يبدو أن السبب الأكثر شيوعًا هو إجراء الناس لدردشات جنسية غير لائقةٍ مع أشخاص لم يكن من المفترض أن يفعلوا ذلك معهم.٣٧

إن الوقت الذي يُقضى في استخدام التكنولوجيا هو وقت نقضيه بعيدًا عن العالم الحقيقي، وعن الأشخاص الحقيقيين. ومن خلال رؤية الآخرين أو سماع صوتهم، يمكننا أن نحاول أن نفهم كيف يشعرون. وكذلك فإن قضاء كثير من الوقت في العالم الثنائي الأبعاد للشبكات الاجتماعية يمكنه، كما رأينا سابقًا، أن يؤثر على قدرة الشبان على التعاطف مع الآخرين، وبناء عَلاقات ذات مغزًى، وبالتالي الحصول على أفضل النتائج من عَلاقاتهم.

وفي مناظرة أُجريت في لندن في فبراير ٢٠١٢م، واجهت بِن هامرسلي Hammersley، رئيس تحرير مجلة «وايرد» Wired. كان العنوان هو «الفيسبوك ليس صديقك». سيكون من الظلم لِبِن، الذي ليس له رأيٌ في هذه الصفحات، أن نحاول تلخيص كامل تبادل وجهات النظر. وعلى أي حالٍ، فإن السبب في طرحي لهذا الموقف هنا هو أنه في موجزنا، اعترف بِن بأن الفيسبوك كان في الواقع صديقك لأنه كان «ممتعًا فقط»، ومن الواضح أنه لا بديل عن الصداقات الحقيقية. وفي خضم هذه اللحظة الانفعالية، بدأت ردًّا مطولًا، لكنني تمنيت لاحقًا لو كنت اعترفت بأن بِن لم يُثبت سوى وجهة نظري. يمكن لمواقع التواصل الاجتماعي أن توفر الكثير من المرح، الذي يتسم بالقدر نفسه من التفاهة والسوء الذي يمثله سَقْط الطعام. وعلى أي حال، فإن ما قد يبدو غير قابل للجدل هو أن لهذه المواقع تأثيرًا كبيرًا في التواصل بين الأشخاص، وبالتالي العَلاقات. وإذا كان الأمر كذلك، إذن، فكما هي الحال مع سَقْط الطعام، ستكون هناك حتمًا تداعيات أوسع على المجتمع ككل.
١  Plato. (1925). Plato in Twelve Volumes. (H. N. Fowler, Trans.). Cambridge, MA: Harvard University Press; London: William Heinemann Ltd.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.perseus.tufts.edu/hopper/text?doc=Perseus%3Atext%3A1999:01.0174%3Atext%3DPhaedrus%3Apage%3D275
٣  Ofcom. (July 18, 2012). The communications market report 2012.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://media.ofcom.org.uk/files/2012/07/CMR_analyst_briefing_180712.pdf
٤  Ofcom, 2012.
٥  Seltzer, L. J., Prososki, A. R., Ziegler, T. E., and Pollak, S. D. (2012). Instant messages vs. speech: Hormones and why we still need to hear each other. Evolution and Human Behavior 33, 42–45. doi: 10.1016/j.evolhumbehav.2011.05.004.
٦  Lord, L. (January 14, 2013). Generation Y, dating and technology: Digital natives struggle to connect online.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.huffingtonpost.ca/2013/01/14/generation-y-online-dating-technology-relationships_n_2457722.html
٧  Turkle, S. (2012). Alone together: Why we expect more from technology and less from each other. New York: Basic Books, p. 1.
٨  Howard-Jones, P. (2011). The impact of digital technologies on human wellbeing: Evidence from the sciences of mind and brain.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.nominettrust.org.uk/sites/default/files/NT%20SoA%20%20The%20impact%20of%20digital%20technologies%20on%20human%20wellbeing.pdf, p. 17.
٩  Burke, M., Kraut, R., and Marlow, C. (2011). Social capital on Facebook: Differentiating uses and users. Proceedings of the SIGCHI Conference on Human Factors in Computing Systems, 573–580. doi: 10.1145/1978942.1979023.
١٠  Bessière, K., Kiesler, S., Kraut, R., and Boneva, B. S. (2008). Effects of Internet use and social resources on changes in depression. Information, Communication, and Society 11, no. 1, 47–70. doi: 10.1080/13691180701858851.
١١  Valkenburg, P. M., and Peter, J. (2007). Preadolescents’ and adolescents’ online communication and their closeness to friends. Developmental Psychology 43, no. 2, 267–277. doi: 10.1037/0012-1649.43.2.267.
١٢  Grieve, R., Indian, M., Witteveen, K., Tolan, G. A., and Marrington, J. (2013). Face-to-face or Facebook: Can social connectedness be derived online? Computers in Human Behavior 29, no. 3, 604–609. doi: 10.1016/j.chb.2012.11.017.
١٣  Pollet, T. V., Roberts, S. G. B., and Dunbar, R. I. M. (2011).
لا يؤدي استخدام مواقع الشبكات الاجتماعية وتبادل الرسائل الفورية إلى زيادة حجم الشبكة الاجتماعية على الإنترنت، أو إلى عَلاقات أوثق عاطفيًّا مع أعضاء الشبكة الإلكترونية.
Cyberpsychology, Behavior, and Social Networking 14, no. 4, 253–258. doi: 10.1089/cyber.2010.0161.
١٤  على أي حال، الشمبانزي، مثل البشر، لديها «عصبونات مرآتية» فاعلة في أدمغتها، وهي خلايا مثل تلك المتعلقة بالأكل، والتي يمكن تفعيلها بمجرد مراقبة شمبانزي آخر وهو يتناول طعامه. ويبدو أن الشمبانزي المراقِب «يتعاطف» مع نظيره الأوفر حظًّا الذي يستمتع فعلًا بتناول العنب الحقيقي. وبالتالي فإن القدرة على التعاطف تمثل عنصرًا أساسيًّا من مجموعة الأدوات في دماغ الرئيسات.
Di Pellegrino, G., Fadiga, L., Fogassi, L., Gallese, V., and Rizzolatti, G. (1992). Understanding motor events: A neurophysiological study. Experimental Brain Research 91, 176–180.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.fulminiesaette.it/_uploads/foto/legame/DiPellegrinoEBR92.pdf
١٥  Sagi, A., and Hoffman, M. L. (1976). Empathic distress in the newborn. Developmental Psychology 12, no. 2, 175-176. doi: 10.1037/0012-1649.12.2.175.
١٦  Knafo, A., Zahn-Waxler, C., Van Hulle, C., Robinson, J. L., and Rhee, S. H. (2008). The developmental origins of a disposition toward empathy: Genetic and environmental contributions. Emotion 8, no. 6, 737–752. doi: 10.1037/a001417.
١٧  Ioannidou, F., and Konstantikaki, V. (2008). Empathy and emotional intelligence: What is it really about? International Journal of Caring Science 1, no. 3, 118–123.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.caringsciences.org/volume001/issue3/Vol1_Issue3_03_Ioannidou_Abstract.pdf, p. 118.
١٨  Konrath, S. H., O’Brien, E. H., and Hsing, C. (2011). Changes in dispositional empathy in American college students over time: A meta-analysis. Personality and Social Psychology Review 15, no. 2, 180–198. doi: 10.1177/1088868310377395.
١٩  McPherson, M., Smith-Lovin, L., and Brashears, M. E. (2006). Social isolation in America: Changes in core discussion networks over two decades. American Sociological Review 71, no. 3, 353–375. doi: 10.1177/000312240607100301.
٢٠  Rosen, L. D. (2012). iDisorder: Understanding our obsession with technology and overcoming its hold on us. New York: Palgrave Macmillan.
٢١  Engelberg, E., and Sjöberg, L. (2004). Internet use, social skills, and adjustment. CyberPsychology & Behavior 7, no. 1, 41–47. doi: 10.1089/109493104322820101.
٢٢  He, J. B., Liu, C. J., Guo, Y. Y., and Zhao, L. (2011). Deficits in early stage face perception in excessive Internet users. Cyberpsychology, Behavior, and Social Networking 14, no. 5, 303–308. doi: 10.1089/cyber.2009.0333.
٢٣  McDowell, M. J. (2004). Autism, early narcissistic injury and self-organization: A role for the image of the mother’s eyes? Journal of Analytical Psychology 49, no. 4, 495–520. doi: 10.1111/j.0021-8774.2004.00481.x.
٢٤  Waldman, M., Nicholson, S., and Adilov, N. (2006). Does television cause autism? Working Paper No. 12632. Cambridge, MA: National Bureau of Economic Research. Waldman, M., Nicholson, S., and Adilov, N. (2012). Positive and negative mental health consequences of early childhood television watching. Working Paper No. 17786. Cambridge, MA: National Bureau of Economic Research.
٢٥  Hertz-Picciotto, I., and Delwiche, L. (2009). The rise in autism and the role of age at diagnosis. Epidemiology 20, no. 1, 84–90. doi: 10.1097/EDE.0b013e3181902d15.
٢٦  Amodio, D. M., and Frith, C. D. (2006). Meeting of minds: The medial frontal cortex and social cognition. Nature Reviews Neuroscience 7, 268–277. doi: 10.1038/nrn1884.
٢٧  Finkenauer, C., Pollman, M. M. H., Begeer, S., and Kerkhof, P. (2012). Examining the link between autistic traits and compulsive Internet use in a nonclinical sample. Journal of Autism and Developmental Disorders 42, 2252–2256. doi: 10.1007/s10803-012-1465-4.
٢٨  About ECHOES. (n.d.).
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://echoes2.org/?q=node/2
٢٩  Clayton, R. B., Nagurney, A., and Smith, J. R. (2013). Cheating, breakup, and divorce: Is Facebook use to blame? Cyberpsychology, Behavior, and Social Networking 16, no. 10, 717–720. doi: 10.1089/cyber.2012.0424.
٣٠  Anderson, B., Fagan, P., Woodnutt, T., and Chamorro-Prezumic, T. (2012). Facebook psychology: Popular questions answered by research. Psychology of Popular Media Culture 1, no. 1, 23–37. doi: 10.1037/a0026452.
٣١  Marshall, T. C. (2012). Facebook surveillance of former romantic partners: Associations with post-breakup recovery and personal growth. Cyberpsychology, Behavior, and Social Networking 15, no. 10, 521–526. doi: 10.1089/cyber.2012.0125.
٣٢  Marshall, 2012, p. 521.
٣٣  Tokunaga, R. S. (2011). Social networking site or social surveillance site? Understanding the use of interpersonal electronic surveillance in romantic relationships. Computers in Human Behavior 27, no. 2, 705–713. doi: 10.1016/j.chb.2010.08.014.
٣٤  Stern, L. A., and Taylor, K. (2007). Social networking on Facebook. Journal of the Communication, Speech & Theatre Association of North Dakota 20, 9–20.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.cstand.org/userfiles/file/journal/2007.pdf#page=9
٣٥  Muise, A., Christofides, E., and Desmarais, S. (2009). More information than you ever wanted: Does Facebook bring out the green-eyed monster of jealousy? CyberPsychology & Behavior 12, no. 4, 441–444. doi: 10.1089/cpb.2008.0263. Muscanell, N. L., Guadagno, R. E., Rice, L., and Murphy S. (2013). Don’t it make my brown eyes green? An analysis of Facebook use and romantic jealousy. Cyberpsychology, Behavior and Social Networking 16, no. 4, 237–242. doi: 10.1089/cyber.2012.0411.
٣٦  Facebook fuelling divorce, research claims (December 21, 2009).
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.telegraph.co.uk/technology/facebook/6857918/Facebook-fuelling-divorce-research-claims.html
٣٧  Facebook fuelling divorce, research claims, 2009.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦