الفصل الثاني عشر

التواصل عبر الشبكات الاجتماعية والمجتمع

إن بيت القصيد من مصطلح «تغيُّر العقل» — على عكس المصطلح المحتمل الذي يبدو شبيهًا بكتابات الخيال العلمي «تغير العقول»، على سبيل المثال — هو أنه يتناول العديد من جوانب الكيفية التي يمكننا بها كأفراد أن نفكر، ونشعر، ونتفاعل بعضنا مع البعض كلما ازداد طول عيشنا في هذه البيئة الرقمية التي لم يسبق لها مثيل. من أجل الاطلاع على الصورة الأكبر، فمن المهم أن نفكر ليس فقط في العلوم العصبية التي ترتكز عليها هذه التحولات، ولكن أيضًا في علم النفس والعلوم الاجتماعية، وحتى الفلسفة الكامنة وراءها. واعتبارًا من القرن السابع عشر فصاعدًا، روَّج كبار المفكرين مثل توماس هوبز Hobbes، وجون لوك Locke، وجان جاك روسو Rousseau لفكرة العَقد الاجتماعي، التي ترى أن الأفراد قد تراضوا، إما صراحة أو ضمنًا، على التنازل عن بعض حرياتهم أو حقوقهم الفردية من أجل حمايتهم وعافيتهم الشخصية القصوى. ولذلك دعُونا ننظر الآن في تأثير مواقع شبكات التواصل الاجتماعي على القيم الأخلاقية المقبولة في مجتمع ما.
كانت ميغان ماير Meier فتاة تبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، وتعيش في ولاية ميزوري عندما بدأت، في العام ٢٠٠٦م، تتواصل عبر الإنترنت مع صبي يُدعى جوش إيفانز Evans.١ في البداية، بدا جوش لطيفًا، ولكنه بعد ذلك أصبح منتقدًا ومهينًا على نحو متزايدٍ؛ فأخبر ميغان بأنها شخص من السوء بحيث ينبغي عليها أن تقتل نفسها. وفي الواقع أن «جوش» هذا لم يكن سوى والدة صديق ميغان السابق. تدل هذه القصة ليس فقط على مدى سهولة تبني شخصية مختلفة تمامًا، ولكنها، وهو الأمر الأكثر أهمية بكثير، توضح كذلك الآثار التي يمكن أن يسببها مثل هذا التنمر: لقد فعلت ميغان كما قيل لها وشنقت نفسها. ومن المثير للقلق أن هذا النوع من القصص المأساوية قد صار شائعًا على نحو متزايدٍ.
إن عرضة المراهقين إلى الأشكال المصححة sanitized على الرغم من كونها أقل ثراء وأقل تعددية في الأبعاد من التواصل، وميلهم المرتبط بالعمر نحو المخاطر، وتوافر التواصل عبر شبكات التواصل الاجتماعي على مدار الساعة، واللقطة غير المحررة وغير الواقعية التي تعرضها مواقع التواصل الاجتماعي الحاليَّة عما يمكن أن يخطط له الجميع، تمثل جميعها عوامل قد يثبت كونها مزيجًا مسكرًا لبعض الأفراد، الذين يمكنهم بعد ذلك التصرف بطرق مختلة تؤثر في المجتمع ككل في نهاية المطاف. وفي العام ٢٠١٢م، أظهر استطلاع للرأي أُجري في الولايات المتحدة، وكندا، والمملكة المتحدة، وأستراليا، زيادة صارخة في عدد حالات الانتحار الناتجة عن التنمر عبر الإنترنت cyber-bullying، حيث وقع ٥٦ في المائة من الحالات خلال السنوات السبع السابقة، و٤٤ في المائة من الحالات خلال الخمسة عشر شهرًا السابقة.٢
يحدث التنمر عبر الإنترنت عندما يستخدم شخص ما شبكة الإنترنت، أو هاتفه المحمول، أو أي جهاز آخر، للتهديد أو التحرش، أو المضايقة، أو لإحراج شخص آخر. وقد أشارت دراسات مختلفة إلى أن ٢٠ إلى ٤٠ في المائة من الشبان كانوا ضحايا للتنمر عبر الإنترنت.٣ وفي استطلاع أُجري في العام ٢٠١١م على المراهقين في الولايات المتحدة، ذكر ٣٣ في المائة من الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين الثانية عشرة والثالثة عشرة، واللاتي يستخدمن مواقع التواصل الاجتماعي، أن تفاعلات الأقران على مواقع التواصل الاجتماعي هي «قاسية في معظمها»، كما ذكر الشيء نفسه ٢٠ في المائة من الفتيات اللاتي تراوحت أعمارهن بين ١٤ و١٧ عامًا.٤ في كثير من الأحيان، يقوم هؤلاء المتنمرون بإنشاء موقع على شبكة الإنترنت أو تشكيل مجموعة على الفيسبوك ويشجعون الآخرين على الانضمام إليهم والإدلاء بتعليقات عن شخص آخر. ولكن ليس من العدل إلقاء اللوم على الإنترنت في هذا. لقد ألقى التنمر بظلاله القاتمة منذ فترة طويلةٍ على ساحات اللعب وأماكن العمل، ويبدو أنه متأصلٌ بعمق في نفوسنا.
«ربما تنطوي الطبيعة البشرية ذاتها على إلحاق المعاناة بأي شيء يمكنه تحمل المعاناة، سواء بسبب الخنوع الأصيل، أو اللامبالاة، أو العجز المحض.» جاء هذا الاقتراح من أونوريه دي بلزاك Balzac في روايته الصادرة عام ١٨٣٥م بعنوان «الأب غوريو».٥ وقد جرت حتى المخاطرة بالقول بأن التنمر له قيمة تطورية كعامل يبعث على الاستقرار في الصراعات التحويلية للحصول على مكانة هرمية في مستعمرات الرئيسات.٦ ولكن في حين ظل المتنمرون يمثلون عيبًا في المجتمع منذ أن عرض فلاشمان Flashman، على سبيل المثال، أشياءه بتفاخر في رواية «أيام دراسة توم براون»، فقد تغيرت الوسيلة المتاحة أمامهم للتعبير عن ميولهم الخبيثة. ولأن التواصل عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي قد أزال معظم القيود المفروضة على المساءلة، فمن المحتمل أن هذه التكنولوجيا قد تؤدي إلى سلوكيات ومواقف لم تكن ممكنة في السابق.
يجادل البعض بأن آثار الثقافة الرقمية للتنمر عبر الإنترنت ليست مدعاة للقلق، لأن الوسط نفسه غير ذي صلةٍ. وعلى سبيل المثال، فإن دان أولويوس Olweus، الذي يدير برنامج منع التنمر في جامعة كليمسون، وجد في عينة كبيرة من صغار المراهقين أن هناك درجة عالية من التداخل بين أولئك الذين يتنمرون بالطرق التقليدية وأولئك الذين ينخرطون في التنمر عبر الإنترنت. وعلى أي حال، كان ١٢ في المائة من الضحايا أو المتنمرين الجدد في عينة من الولايات المتحدة يمارسون التنمر عبر الإنترنت فقط، بحيث لم يكونوا ضحايا أو متنمرين بالطريقة التقليدية. يقول أولويوس إن هذا يمثل «نسبة ضئيلة للغاية»، ويذهب إلى القول بأن:
هذه النتائج تُشير إلى أن وسائل الإعلام الإلكترونية الجديدة قد أفرزت بالفعل عددًا قليلًا من الضحايا والمتنمرين «الجدد». إن التعرض للتنمر عبر الإنترنت أو ممارسته على الطلاب الآخرين يبدو إلى حدٍّ كبير أنه يمثل جزءًا من نمط عامٍّ للتنمر، حيث استخدام وسائل الإعلام الإلكترونية هو مجرد واحد فقط من الأنماط الممكنة، بالإضافة إلى كونه نمطًا منخفض الانتشار للغاية.٧
وعلى أي حال، فإن نسبة ١٢ في المائة من صغار المراهقين الذين انخرطوا في التنمر أو كانوا ضحاياه تمثل بالكاد «نسبة ضئيلة للغاية». وعلاوة على ذلك، ينبغي علينا ألا نكتفي بالسؤال عما إذا كان الإنترنت يشجع هذا السلوك، ولكن أيضًا، وهو الأهم من ذلك، عما إذا كان التنمر عبر الإنترنت يمكن أن يؤثر في الضحية على نحو أكثر خطورة من التنمر التقليدي. وفي نهاية المطاف، فإن حجم الجمهور الذي يمكن أن يتعرض للتنمر هو الآن أكبر بكثير مما كانت عليه الحال مع التنمر التقليدي، حيث يمكن أن توجد الأدلة عليه بصفة مستمرة على الإنترنت. وَجدَت دراسة حديثة أن كلًّا من المتنمرين عبر الإنترنت وضحاياهم كانوا أقرب احتمالًا بكثير لاستبطان internalize المشاكل، كما يتضح من الأعراض الاكتئابية والسلوك الانتحاري، بالمقارنة مع المنخرطين في التنمر التقليدي. ولذلك فمن الممكن أن يؤثر الوسط في كل من الضحية والمتنمر بصورة أكثر خطورة بكثير.٨
جادل بعض الخبراء بأن الإنترنت يخلق عالمًا فريدًا من نوعه يُضيف قدرًا إضافيًّا من «الانفصال» عن الأفعال اللاأخلاقية.٩ تصف عملية الانفصال الأخلاقي كيف يتمكن الفرد من إلغاء الضوابط الأخلاقية الداخلية التي تحول دون قيامه بذلك السلوك.١٠ قد يكون هذا الانفصال شرطًا أساسيًّا للتنمر عبر الإنترنت: تغيب التلميحات البصرية مثل استغاثة الضحية، في حين أن المسافة التي يخلقها وجود الشاشة تثبط أي مشاعر بالذنب والعار. وعلاوة على ذلك، لأن الشباب يربطون بين استخدام التكنولوجيا وبين الألعاب التي تُمارَس عبر الإنترنت، والدردشة مع الأصدقاء، وتبادل الصور، فغالبًا ما يكون التنمر عبر الإنترنت مرتبطًا بشكل وثيق مع وسيلة أخرى من وسائل الترفيه.١١ تتوافق هذه النتيجة مع البحوث التي تبين أن المتنمرين عبر الإنترنت يشعرون بقدر أقل من الندم، والذي قد يكون راجعًا جزئيًّا إلى عدم وجود اتصال مباشر بين المتنمر والضحية. لم تجد الباحثتان سونيا بيرين Perren وإيفلين غوتزفيلر-هيلفينفينغر Gutzwiller-Helfenfinger من جامعة زيوريخ أي عَلاقة بين الانفصال الأخلاقي والتنمر عبر الإنترنت.١٢ وهذا يعني أن الشاشة قد تجرد الضحايا من إنسانيتهم لدرجة أن المتنمرين لا يحتاجون حتى إلى قمع أي قيم أخلاقية، وبالتالي فإنهم لا يحتاجون إلى الانفصال أولًا من أجل إيذاء الآخرين عبر الإنترنت.
كما أن تشتيت المسئولية والتخفيف منها يمثلان موجِّهَين آخرَين لسلوك التنمر عبر الإنترنت.١٣ وكما أن التنمر في وجود عصابة يسمح بتخفيف المسئولية عن فعلٍ ما، فإن التنمر عبر الإنترنت يحدث في كثير من الأحيان ضمن حشد افتراضي. توفر الإنترنت للغوغاء فرصة عدم الكشف عن الهُوية، ومن ثَم الفرصة للتصرف بطريقةٍ مخزية أكثر مما قد يفعل المرء عند التعامل شخصيًّا. ذكر الدكتور غراهام بارنفيلد Barnfield، وهو باحثٌ في وسائل الإعلام ومحاضر في جامعة إيست لندن، في البرنامج التلفازي البريطاني «الليلة مع تريفور ماكدونالد» أن «الصفع السعيد» — وهو ما يحدث عندما يقوم المتنمرون بتصوير مقاطع للتنمر على هواتفهم وتحميلها على شبكة الإنترنت — يمكن أن يُنظَر إليه من قِبل «الصافعين» slappers كطريق مختصرة «للشهرة والسمعة السيئة.» يُعدُّ هذا مثالًا على نوع جديد تمامًا من العقلية التي لم تكن ممكنة إلا عن طريق الإنترنت.
هناك ظاهرةٌ أخرى، والتي يبدو أنها، مثل التنمر، تُبرز أسوأ ما في الطبيعة البشرية، والتي — مثل الصفع — لا يمكنها أن تحدث بالفعل إلا على شبكة الإنترنت. يشيع التصيد في غرف الدردشة، وتحديثات تويتر، والمدونات. يصف مفهوم «التصيد» trolling عمومًا الشخص الذي يتبنى موقفًا هجوميًّا أو مثيرًا للجدل من أجل إزعاج الآخرين أو إثارة ردود فعل عاطفية.١٤ يمكن لمستخدمي الإنترنت الناضجين والمحنكين أخذ تعليقات المتصيدين بالقدر الملائم من الشك، لا سيما إذا كانت التعليقات ذكية أكثر من كونها شريرة، لكن المستخدمين الأشد حساسيَّة أو الضحايا من الشبان السريعي التأثر قد يشعرون بالإهانة أو بتقويض احترامهم للذات ولثقتهم بأنفسهم.
وبطبيعة الحال، فقد يكون الأمر هو أن نوعًا مزعجًا بعينه من الأشخاص يستمتع بطبيعته بإهانة الآخرين بأي ثمن، وربما وجد في الإنترنت مجرد منفذ آخر. لكن من الصعب أن نتصور كيف يمكن للمتصيدين أن يعبِّروا بصدق عن أنفسهم وجهًا لوجه مع ضحاياهم في العالم الحقيقي. وعلى سبيل المثال، في واحدة من الحالات المؤسفة، اتصل متصيدو الإنترنت بأمٍّ ثكلى، وتظاهروا بأن ابنتها الصغيرة الميتة تتصل بها من الجحيم.١٥ وعلى الرغم من أن هذا المثال قد يكون متطرفًا، فإنه يوضح كيف أدت بيئة ذات وصول عالمي واسع النطاق، والتي تتسم بتضاؤل المسئولية، وإخفاء الهُوية، جنبًا إلى جنب مع غياب تجرِبة العَلاقات الشخصية، إلى دفع التصيد إلى آفاق جديدة، أو بشكل أكثر دقة إلى مستويات أدنى.
كتب جون نيوتن Newton، وهو ناظر مدرسة في ديفون، عن مخاوفه في صحيفة بريطانية وطنية، وهي الديلي تلغراف، مشيرًا إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي تشكل تهديدًا خطيرًا لأنها تطمس الخطوط الفاصلة بين الثرثرة وبين الحقيقة قبل أن يتعلم التلاميذ إدراك الفرق بينهما.١٦ حذر نيوتن من أن مواقع التواصل الاجتماعي هي «سلاح أقوى بكثير مما ندرك في أيدي أطفالنا». وهو يتساءل حول الفيسبوك على وجه الخصوص قائلًا:

هل هو خلية اجتماعية ذات مغزًى تولِّد حسن النية وتجمع شمل الأصدقاء القدامى، أم جنة للثرثرة تغزو العالم بالغمز واللمز، وأنصاف الحقائق والإهانات؟ إذا نشروا باستخفاف التعليقات على الإنترنت، فإن الشباب بصفة خاصة قد لا يدركون العواقب التي لا رجعة فيها لذلك على سمعة شخص ما … ولا يفهمون بالضرورة ما يمثل القيل والقال، ولا يقدِّرون الرنة العدائية لكلمة جارحة؛ فالرأي غير المكتمل هو كل ما يهم.

إن هذه الصورة لمجتمع أكثر خبثًا وأقل أخلاقًا، والذي توجهه مواقع التواصل الاجتماعي، قد لا تنطبق على جميع المجتمعات بسبب الاختلافات في الطريقة التي تستخدم بها الثقافات مثل هذه المواقع. قارنَتْ دراسةٌ استخدام مواقع شبكات التواصل الاجتماعي في ثقافة شمولية collectivistic، وهي الصين، وفي ثقافة تعتمد الفردية individualistic، وهي الولايات المتحدة.١٧ جرى إشراك أكثر من أربعمائة طالب جامعي من إحدى الجامعات الجنوبية الغربية في الصين، وعدد مماثل من إحدى جامعات الغرب الأوسط في الولايات المتحدة. ملأ المشاركون استبيانًا حول استخدامهم لمواقع شبكات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك الوقت الذي يقضونه عليها، وأهميتها بالنسبة إليهم، ودوافعهم لاستخدامها. كانت هناك اختلافاتٌ ثقافية واضحة. كان المستخدمون الأمريكيون يقضون وقتًا أطول على مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، التي كانت أكثر أهمية بالنسبة إليهم، كما كان لديهم عدد أكبر من الأصدقاء الافتراضيين من نظرائهم الصينيين. تُشير هذه النتائج إلى أنه في الثقافات الشمولية، فإن أهمية العائلة والأصدقاء قد تكون مسئولة جزئيًّا عن الروابط الأضعف بين المستخدمين الصينيين وشبكات التواصل الاجتماعي. وفي المقابل، فإن الثقافات الفردية ربما كانت تقدم دعمًا أقل للصداقات الوثيقة والدائمة، مما يؤدي إلى زيادة استخدام الفيسبوك والمواقع الشبيهة به. وبالنظر إلى الأدلة المتوفرة حتى الآن على أن شبكات التواصل الاجتماعي تعزز التركيز الفردي، فمن غير المستغرب بالتأكيد أن العالم الغربي يبدو أنه يستخدم شبكات التواصل الاجتماعي بطرق لا نظير لها في الثقافات الشرقية.
وعلى الرغم من تراكم الأدلة على الجانب المظلم من شبكات التواصل الاجتماعي،١٨ فإن قدرتها على نشر المعلومات بسرعةٍ فائقةٍ في البلدان التي يمكن فيها قمع المعلومات أو التحكم فيها تمثل أداة بالغة الأهمية. لقد أدى استخدام الفيسبوك وتويتر بين النشطاء دورًا رئيسًا في ثورات الربيع العربي للعام ٢٠١١م.١٩ وعلاوة على ذلك، فقد تُمثل شبكات التواصل الاجتماعي وسيلة فعَّالة لزيادة الوعي العالمي بين المستخدمين، على سبيل المثال، لتشجيع الشبان في الولايات المتحدة على التصويت ونشر الوعي بالمحن الإنسانية. وبالتالي، يمكن جمع مبالغ كبيرة من المال — كما حدث بالفعل — من خلال تمويل الحشود crowd funding، وهو جهدٌ جماعيٌّ من قِبل الأفراد الذين يتواصلون عبر الشبكة ويجمعون أموالهم عبر الإنترنت لتعزيز الجهود التي بدأها آخرون لدعم طائفة واسعة من الأنشطة، من الإغاثة في حالات الكوارث إلى الشركات الناشئة.
ما تأثير هذه «الفاعلية الشبكية» clicktivism؟ على سبيل المثال، هل أدى الإعجاب بالفيديو «كوني ٢٠١٢» Kony 2012 أو مشاركته إلى إيقاف قيام مجرم الحرب جوزيف كوني بتغيير أحد المستخدمين للأفضل؟ كان معدل مشاركة الأفراد في فعالية «تغطية الليلة» Cover the Night التي اقترحها كوني ٢٠١٢ أقل بكثير مما كان متوقعًا، بالنظر إلى الشعبية الساحقة للفيديو. ثمة قضية معلقة بخصوص الفاعلية الشبكية، وهي كيفية ترجمة ما يوجد على الشاشة إلى أفعال في العالم الحقيقي.٢٠ يمكن لمواقع التواصل الاجتماعي أن تزودنا بقدرٍ كبير من المعلومات عن قضايا العالم، ومن ثم تتطلب الفاعلية الشبكية جهدًا طفيفًا أو منعدمًا، وفي الوقت نفسه تمنح المستخدمين شعورًا جيدًا. وقد أطلق آخرون على هذا النوع من الاهتمام السلبي والسهل اسم «فاعلية التراخي» slacktivism. وفي الواقع أنه، بالنظر إلى الأبحاث التي ناقشناها والتي تبين أن الشاشة يمكنها تعقيم التواصل بين الأفراد وتجريد الأفراد من إنسانيتهم، فإن النظر إلى الأزمات الإنسانية عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي قد يُحدث تأثيرًا أقل مما سيحدث لو تعرض المستخدم للموقف نفسه خارج نطاق الإنترنت. وكذلك يمكن للفاعلية الشبكية أن تقلل الحافز لإحداث تأثير موثوق على القضايا الإنسانية، لأن المستخدم يشعر بأن الإعجاب بقضية ما ومشاركتها كان كافيًا.
استنادًا إلى مقابلات أُجريت مع عدد من المراهقين والشبان، استكشفت إحدى الدراسات مدى اشتمال نهج الشباب في الحياة على الإنترنت على اعتبارات معنوية أو أخلاقية.٢١ أظهرت البيانات أن التفكير الفردي كان هو التركيز الأساسي عند اتخاذ القرارات على الإنترنت؛ أما التفكير المرتكز على المجتمع فكان أقلها انتشارًا. وعلاوة على ذلك، فقد كان في وسع الأغلبية الساحقة من المشاركين في هذه الدراسة تحديد حالة واحدة على الأقل قللوا فيها من أهمية العناصر المعنوية للأنشطة التي تتم عبر الإنترنت، مما يُشير إلى أن الأفراد لديهم «قدر أكبر من التسامح تجاه السلوكيات غير الأخلاقية على الإنترنت.» ربما كنا نتعرض بالفعل لخطر نسيان أبيان جون دون Donne الشهيرة:
إن موت أي إنسان يهد من كِياني،
لأنني جزءٌ متشابك من الجنس البشري،
ومن ثم لا ترسل أحدًا لتسأل عمن تُقرع له الأجراس؛
فهي تقرع لك أنت.٢٢

إن الفيسبوك، وتويتر، والمواقع المشابهة لهما تقدم وعدا بأن تكون على الدوام متصلًا، ومرغوبًا، ومثيرًا للإعجاب، وحتى محبوبًا. لقد جلبت تلك المواقع إلى مجتمعنا تفسيرات للهُوية والعَلاقات تتحدى القيم والأخلاق الحاليَّة، وذلك بطريقة لم تكن متخيلة حتى قبل عَقد واحد من الزمان.

١  Maag, C. (November 2012). A hoax turned fatal draws anger but no charges.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.nytimes.com/2007/11/28/us/28hoax.htmR_r=0
٢  LeBlanc, J. C. (October 2012). Cyberbullying and suicide. A retrospective analysis of 22 cases. AAP Experience National Conference & Exhibition Council on School Health.
تم التنزيل من الموقع التالي:
https://aap.confex.com/aap/2012/webprogram/Paper18782.html
٣  Tokunaga, R. S. (2010). Following you home from school: A critical review and synthesis of research on cyberbullying victimization. Computers in Human Behavior 26, no. 3, 277–287. doi: 10.1016/j.chb.2009.11.014.
٤  Lenhart, L., Madden, M., Smith, A., Purcell, K., Zickuhr, K., and Rainie, L. (2011). Teens, kindness and cruelty on social network sites.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://pewinternet.org/Reports/2011/Teens-and-social-media.aspx, pp. 26-27.
٥  de Balzac, H. (2010). Father Goriot. (E. Marriage, Trans). Project Gutenberg ebook.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.gutenberg.org/files/1237/1237-h/1237-h.htm
(تم نشر العمل الأصلي في العام ١٨٣٥م).
٦  Volk, A. A., Camilleri, J. A., Dane, A. V., and Marini, Z. A. (2012). Is adolescent bullying an evolutionary adaptation? Aggressive Behavior 38, no. 3, 222–238. doi: 10.1002/ab.21418.
٧  Olweus, D. (2012). Cyberbullying: An overrated phenomenon? European Journal of Developmental Psychology 9, no. 5, 520–538. doi: 10.1080/17405629.2012.682358, p. 529.
٨  Bonanno, R. A., and Hymel, S. (2013). Cyber bullying and internalizing difficulties: Above and beyond the impact of traditional forms of bullying. Journal of Youth and Adolescence 42, no. 5, 685–697. doi: 10.1007/s10964-013-9937-1.
٩  Pornari, C. D., and Wood, J. (2010). Peer and cyber aggression in secondary school students: The role of moral disengagement, hostile attribution bias, and outcome expectancies. Aggressive Behavior 36, no. 2, 81–94. doi: 10.1002/ab.20336.
١٠  Bandura, A. (1986). Social foundation of thought and action: A social cognitive theory. Englewood Cliffs, NJ: Prentice Hall.
١١  Pornari and Wood, 2010.
١٢  Perren, S., and Gutzwiller-Helfenfinger, E. (2012). Cyberbullying and traditional bullying in adolescence: Differential roles of moral disengagement, moral emotions, and moral values. European Journal of Developmental Psychology 9, no. 2, 195–209. doi: 10.1080/17405629.2011.643168.
١٣  Robson, C., and Witenberg, R. T. (2013). The influence of moral disengagement, morally based self-esteem, age, and gender on traditional and cyber bullying. Journal of School Violence 12, 211–231. doi: 10.1080/15388220.2012.762921.
١٤  Hardaker, C. (2010). Trolling in asynchronous computer-mediated communication: From user discussions to academic definitions. Journal of Politeness Research: Language, Behavior, Culture 6, no. 2, 215–242. doi: 10.1515/jplr.2010.011.
١٥  Carey, T. (September 24, 2011). “Help me, mummy. It’s hot here in hell”: A special investigation into the distress of grieving families caused by the sick Internet craze “trolling”.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.dailymail.co.uk/news/article-2041193/Internet-trolling-Investigation-distress-grieving-families-caused-trolls.html
١٦  Quoted in Paton, G. (October 2010). Facebook “encourages children to spread gossip and insults”.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.telegraph.co.uk/education/educationnews/8067093/Facebook-encourages-children-to-spread-gossip-and-insults.html
١٧  Jackson, L. A., and Wang, J. L. (2013). Cultural differences in social networking site use: A comparative study of China and the United States. Computers in Human Behavior 29, no. 3, 910–921. doi: 10.1016/j.chb.2012.11.024.
١٨  Anderson, B., Fagan, P., Woodnutt, T., and Chamorro-Prezumic, T. (2012). Facebook psychology: Popular questions answered by research. Psychology of Popular Media Culture 1, no. 1, 23–37. doi: 10.1037/a0026452.
١٩  Huang, C. (June 6, 2011). Facebook and Twitter key to Arab Spring uprisings: Report.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.thenational.ae/news/uae-news/facebook-and-twitter-key-to-arab-spring-uprisings-report
٢٠  Waldorf, L. (2012). White noise: Hearing the disaster. Journal of Human Rights Practice 4, no. 3, 469–474. doi: 10.1093/jhuman/hus025.
٢١  Flores, A., and James, C. (2013). Morality and ethics behind the screen: Young people’s perspectives on digital life. New Media & Society 15, 834–852. doi: 10.1177/1461444812462842.
٢٢  Donne, J. (1839). Devotions upon emergent occasions. In H. Alfred (Ed.), The works of John Donne, pp. 574-575.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.luminarium.org/sevenlit/donne/meditation17.php

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦