الفصل الثالث عشر
الشيء المتعلق بألعاب الفيديو
لا غاية من وراء المتعة، ولكن من المؤكد أن
التركيز كليًّا على أي متعة في الوقت الحاضر
والمستقبل القريب وعلى المدى البعيد هو الغاية في
حد ذاتها. لكن يبدو الأمر أكبر من ذلك، حيث تقدِّر
المجتمعات البشرية أهمية البهجة والمرح منذ فجر
التاريخ، ويكثر ذلك في الفعاليات المؤطرة ثقافيًّا
مثل الحفلات والأعياد وما بها من نبيذ، ونساء،
وغناء، وما شابه ذلك من الأمور الأكثر حداثة من
جنس، ومخدِّرات، وموسيقى الروك آند رول التي
تحررنا لنحيا هذه اللحظات، وتحفز حواسنا الخام
تحفيزًا مباشرًا، ولا تترك أي وقت للأفكار المجردة
والاستبطان الواعي للذات. ويمكن لجميع أنواع هذه
المتع أن تكون لها قيمة تطورية بالغة الأهمية. إن
من شأن التمتع بانغماس الحواس في هذه اللحظات أن
يعزز المشاركة في المتع المادية والبهجة الناتجة
من التكاثر والتغذية اللذَين لا غنى عنهما من أجل
البقاء.
لا يلزم أن تتوقف عند هذا الحد، حيث تُترجَم
مواهب التمرن على بطاقات الورق أو لعب التمثيليات
التحزيرية في ليلة شتاء ممطرة إلى براعة في تفسير
لغة الجسد، والتواصل بالعينين، وبشكل عام في تعلم
التجاوب مع عمليات التفكير والعواطف، وكذلك في
اكتساب المهارات المعرفية المهمة مثل الاستدلال
والذاكرة. إن اللعب بالدمى ينبئ بالقدرة على
الاعتناء بالأطفال، في حين أن ممارسة جميع أنواع
الرياضات تعمل على تعزيز العمل الجماعي والصحة
البدنية والمهارات التنافسية التي كانت تضمن
البقاء للأصلح في السافانا البُدائية. أما ألعاب
الفيديو فيمكنها، ولأول مرة، فصل المتعة المستمدة
من أي متطلبات قيِّمة للبقاء تمكنَت من تلبيتها
الألعاب التقليدية. وبدلًا من اعتبار تجرِبة
ممارسة الألعاب استجابة القرن الحادي والعشرين
للاحتياجات القديمة، يمكنها أن تمثل غاية في حد
ذاتها، وليس وسيلة للازدهار على أرض
الواقع.
وقد ساعد ظهور الهواتف الذكية في تحويل تلك
التجرِبة بشكل أكبر: يمارس ٣٦ في المائة من
اللاعبين الأمريكيين ألعابهم عبر هواتفهم الذكية،
١ ويبدو أن هذا التوجه سيزداد في
المستقبل حيث أصبحت الهواتف تلبي المتطلبات
المختلفة لكل شخص على نحو متزايد. ومن شأن تلك
التطورات التقنية الهائلة أن تجعل ألعاب الفيديو
أكثر ثراءً وتجعل منها تجارِب أكثر تنوعًا، كما
ساهمت في زيادة شعبية تلك الألعاب. ومن المثير
للاهتمام — وخلافًا للتوجهات السابقة — أن الألعاب
تكتسب بسرعةٍ شعبيةً هائلة لدى الأجيال الأكبر
سنًّا. يقدَّر متوسط عمر اللاعب حاليًّا بنحو
ثلاثين عامًا، ووفق التقديرات، فإن ٤٥ في المائة
من اللاعبين هم من النساء.
٢ ومع ذلك، فإن ألعاب الفيديو توفر ما
يروق للأفراد من جميع الأعمار، والخلفيات
والأُطُر، وهو أمرٌ نادر الحدوث على أرض الواقع
وفي الألعاب التقليدية.
نيكول لازارو هي مؤسِّسة ورئيسة شركة
XEO Design،
«الشركة صاحبة الخبرة الأعرق عالميًّا في مجال
استشارات التصميم»، وباحثة بارزة في مجال «العواطف
ومتعة الألعاب». ولكونها خبيرة في مجال الانفعالات
وألعاب الفيديو، فقد حددت لازارو أربعة أنواع
مختلفة من التسلية عن طريق ألعاب الفيديو، توفر
الألعاب الأكثر مبيعًا منها ثلاثة أنواع على
الأقل.
التسلية
الشاقة التي تمنحك التحدي الممزوج
بوعد الوصول للإجادة في النهاية؛ و
التسلية السلسة التي
تضفي بهجة مطلقة نابعة من تجرِبة اللعبة في حد
ذاتها، و
التسلية
الجادة التي تبعث الحياة في المهام
المملة، في حين أن
التسلية
الجماعية هي النتيجة الحتمية لقضاء
الوقت مع أصدقائك.
٣ نادرًا ما تمنح الحياة الواقعية نوعًا
أو اثنين من تلك الفرص في وقت واحد، وبالتأكيد ليس
حينما نطلبها، أما ألعاب الفيديو فهي مصممةٌ بدقة
شديدة لتلبية هذا الغرض بالتحديد.
لكن لا تتساوى جميع الألعاب، فهي قد تتفاوت ليس
فقط من حيث مِنصة اللعب (مثل ألعاب الحاسوب،
والألعاب ذات وحدات التحكم، وألعاب الهواتف
النقالة)، ولكن أيضًا في طريقة اللعب (مثل اللعب
الفردي، واللعب الجماعي، واللعب غير المتصل
بالإنترنت والمتصل به). وتظل ألعاب القنص هي
الأكثر شهرة بينها، سواء المتصلة أو غير المتصلة
بالإنترنت. وتُعَد النسخة الأخيرة من سلسلة
Call of Duty
أو «نداء الواجب» واحدةً من أكثر الأسماء المتهافت
عليها، حيث بِيع منها أكثر من سبع وعشرين مليون
نسخة خلال الستة أشهر الأولى لإطلاقها.
٤ وفي حين تتباين محفِّزات اللعب وَفقًا
لنوع الجنس، والعمر، والصفات الشخصية، والحالة
المزاجية للاعب، فإن عددًا قليلًا من العناصر
المشتركة في جاذبية ألعاب الفيديو يحتل مرتبة
عالية على الدوام باعتبارها عوامل مساهمة. كثيرًا
ما يَستشهد اللاعبون بالفرص المتاحة «للإنجاز»، أو
«الهروب»، أو «التواصل الاجتماعي» كأسباب لدخول
هذه العوالم غير الواقعية.
٥
توجد ألعاب الفيديو منذ أكثر من نصف قرن، لكنها
في العَقدين الماضيين فقط أصبحت تجارِب وخبرات
تشاركية لا نهاية لها عبر الإنترنت، مع آلاف من
اللاعبين الآخرين المتفاعلين في الوقت نفسه.
ونظرًا إلى أنه يطلَق عليها ألعاب تقمص الأدوار المتعددة
اللاعبين بشكل واسع عبر الإنترنت
MMORPGs، فهي
تركز على مدى تقدم الشخصية التي يتحكم فيها
اللاعب، وهي شخصيةٌ متجسدة (أفاتار)، في عالم
خيالي. وعلى عكس الألعاب النمطية التي تُطلِق فيها
النار على أول شخص تقابله، يتحكم ممارسو الألعاب
MMORPGs بشكل
كامل في المواصفات الفيزيائية للأفاتار، وكذلك في
تطوره وسماته. ويُتعرف على مدى تقدم الأفاتار من
خلال المعارك، والانفجارات، واقتناء الأدوات،
وتطوير المهارات، والتواصل الاجتماعي وسرد
الروايات. ويُعَد عالم الألعاب
MMORPGs الذي
تنتشر فيه هذه الحركات أكبر في نطاقه من عوالم
الألعاب التي تُطلِق فيها النار على أول شخص
تقابله، مع أعداد كبيرة من اللاعبين القادرين على
التفاعل معًا في العالم الافتراضي نفسه. وبالإضافة
إلى ذلك، تتسم هذه اللعبة العالمية بكونها
متواصلة، من حيث إن العالم يستمر في التوغل في
عالم الإنترنت المتواصل التحديث والتطور، سواء قام
اللاعب بتسجيل دخوله أم لا. وعلى العكس من ذلك،
تنطوي ألعاب القنص بتقمص شخصية بطل اللعبة على
سيناريوهات «لحظية» بشكل بحت، ففي هذه الألعاب
تجري الأحداث على مدار فترة اللعبة فقط، ويمكن
بدؤها من جديد من النقطة نفسها لعدد لانهائي من
المرات.
يُعَد هذا فارقًا مهمًّا، فعند مراجعة
الاكتشافات الحاليَّة حول ممارسة الألعاب، خلَصَ
الكاتبان داريا كوس
Kuss ومارك
غريفيث
Griffiths
إلى أنه نظرًا إلى الاحتمالات اللامحدودة للعوالم
الجديدة من الألعاب
MMORPGs،
وطبيعتها الاجتماعية، واحتمال أن ينشأ ارتباط بين
اللاعب وشخصيته المستعارة، تُعَد الألعاب
MMORPGs من
أكثر ألعاب الفيديو التي تلقى رواجًا.
٦ حاول صديقي، الذي لديه ابن متعلق بشدة
بألعاب الفيديو دون غيرها، والذي بإمكانه ملاحظة
جاذبية ممارسة هذه الألعاب والضعف تجاهها، أن يشرح
لي الأمر قائلًا: «لقد صُمِّمت هذه الألعاب خصوصًا
لجذب اللاعب إلى عالمها، فكلما نجحتَ في تخطي أحد
المستويات فإنك تُكافأ بالانتقال إلى المستوى الذي
يليه، فهي لا تتوقف من تلقاء نفسها مطلقًا، وإن
أخذت استراحة فإنك إما ستتعرض لمعاناة في ممارسة
اللعبة لاحقًا، وإما ستشعر بالوحشة لافتقادك
الإثارة والمتعة التي تمنحك إياها ممارسة
اللعبة.»
ويَزيد من التشويق هذا التعلق الشخصي واستثمار
مشاعرك في شخصية بديلة عنك تمارس الألعاب.
وتُصمَّم التجارِب لإضفاء إثارة ومغزًى كوسيلة
للتلاعب بالسلوك. استطاع جون هوبسون
Hopson، بصفته
مصمم الموقع
Gamasutra —
وهو موقع إلكتروني تأسس في العام ١٩٩٧م ويركز على
جميع جوانب تطوير ألعاب الفيديو — أن يحلل تلك
الجاذبية في ضوء النظرية السلوكية المثبتة، حيث
يُستخدم الإشراط
conditioning
لتعليم البشر والحيوانات على حد سواء معلومات
وسلوكيات جديدة. فعلى سبيل المثال، يمكن التحكم في
الجرذان من خلال مكافأتها بكرات الطعام، أو
معاقبتها بتعريضها للصدمات نتيجة لسلوك بسيط
كالضغط على قضيب معدِني. ويصف هوبسون كيف يمكن
الضغط على اللاعب، مثل الجرذ، من أجل الاستمرار في
اللعب عند الحصول على المكافأة تحت ظروف معينة.
وفي ظل ظروف معينة، لا تكتفي الجرذان بتجنب الأمور
المزعجة فقط، ولكن أيضًا يساورها الشك في عدم
معرفة موعد المكافأة؛ فهي لا تعرف إلا أنها ستحصل
على مكافأة في نهاية المطاف.
٧ وبالنسبة إلى اللاعبين من البشر، قد
تكون هناك مكافأة بعد إنهاء عدد من الإجراءات
(الجدول الثابت المعدل)، أو بعد عدد محدد من
الإجراءات مع تغير العدد في كل مرة بدلًا من ذلك
(الجدول المتغير المعدل). وبالتالي هناك ما هو
معروف بالجداول المتسلسلة، التي تنطوي على مراحل
متعددة للوصول إلى الهدف، حيث يحتاج اللاعب إلى
الاستجابة سريعًا؛ ولذلك تعتبر الألعاب وسيلة
ممتازة للتأثير في المعالجة الدماغية عند مستوًى
أساسي إلى حدٍّ بعيد.
وفي العام ٢٠٠٢م، أجرى عالم الاجتماع نيك يي
Yee بحثًا
مهمًّا على ما يقرب من أربعة آلاف لاعب كي يتسنى
له اكتساب نظرة ثاقبة حول سلوكيات اللعب.
٨ وقد توصل يي إلى أن أكثر من نصف
اللاعبين اعترفوا بأنهم يمارسون الألعاب
MMORPGs بشكل
مستمر لمدة ١٠ ساعات أو أكثر في الجلسة الواحدة،
وذكر ١٥ في المائة منهم أنهم يشعرون بالقلق، أو
العصبية، أو الغضب حينما لا يستطيعون اللعب. وأقر
ما يقرب من ٣٠ في المائة من اللاعبين بأنهم
يستمرون في اللعب حتى عندما ينتابهم الشعور
بالإحباط أو القلق، أو حينما يملون اللعب ولا
يشعرون بالاستمتاع به، في حين يدَّعي ١٨ في المائة
منهم أن الألعاب سببت لهم مشكلات أكاديمية، أو
صحية، أو مالية، أو مشكلات في العَلاقات.
العديد منا لديه مزيد من القصص التي يرويها. فقد
أخبرني أحد الآباء قائلًا:
على الرغم من أن ابني قد أضاع سنة
جامعية في ممارسة لعبة ورلد أوف وركرافت
(World of
Warcraft)، فإنني أرى
أن تجاوزه لهذا الأمر وكونه يحظى الآن
بحياة مهنية ناجحة (اللهم لا حسد!) لا
يعني أنه قد عوفي من إدمان الألعاب
الإلكترونية؛ فهو في رأيي لم يتعافَ منها
وأشك في أنه قد يتعافى منها في يومٍ
ما.
لقد كان هذا الأب، وهو صديقٌ شخصيٌّ لي، على وشك
البكاء حينما أخبرني لأول مرة عن محنة ابنه.
ولبضعة أشهر، كان هذا الموضوع هو محور حديثنا كلما
رأيته. كان يشعر بالذنب وقلة الحيلة هو ووالدة
الفتى، ويتساءلان: متى وكيف حدث هذا؟
قد يُصاحب أيَّ سلوك ينتهجه الفرد ضرْبٌ من ضروب
الإدمان. وبعبارة أخرى، قد يقترن أي سلوك بشعورٍ
قهريٍّ يدفع الفرد إلى ممارسة فعل معين مرارًا
وتَكرارًا إلى أن ينتج من ذلك الفعل أثر سلبي خطير
يأخذ طابع الاستدامة ويضر بصحة الفرد البدنية، أو
العقلية، أو بمصالحه الاجتماعية، أو المالية، أو
جميع ما سبق في وقتٍ واحد. ومن هذا المنطلق، يجدر
بالذكر أنه قد أُدرجت حالة «اضطراب استخدام
الإنترنت» في الطبعة الخامسة من الدليل التشخيصي
والإحصائي للاضطرابات العقلية
DSM-5، وفي
القسم الثالث تحديدًا، وذلك اعتبارًا من شهر مايو
٢٠١٣م، كحالةٍ مرضية «يوصَى بإجراء المزيد من
الدراسات عليها». لقد أدت هذه الخطوة إلى تأجيل
الاعتراف بهذا الاضطراب وإدراجه بشكلٍ نهائيٍّ إلى
أن يُتفق على المعايير الموحدة المطلوبة للتوصل
إلى تشخيصٍ نفسيٍّ مؤكد.
٩ ولكن، وعلى مدار أكثر من عَقد من
الزمان، أظهرت دراسات عديدة أدلة تُشير إلى أنه
يمكن اعتبار الإفراط في استعمال الإنترنت إدمانًا
سلوكيًّا شبيهًا بالمقامرة المَرَضية،
١٠ كذلك الحال بالنسبة إلى الإفراط في
استعمال العناصر المرتبطة بالإنترنت، مثل الألعاب.
ويتعين علينا هنا أن ننتبه إلى نقطة مهمة، وهي عدم
ارتباط جميع الأنشطة التي تُمارس على الإنترنت
بممارسة الألعاب، والعكس صحيح.
١١
ولكن مرة أخرى، نجد أن ممارسة الألعاب على
الإنترنت هي أكثر النقاط المعنية بالدراسة من جانب
الباحثين عندما يعكفون على تقصِّي جوانب محددة لها
عَلاقة بالإفراط في استعمال الإنترنت. وعلى الرغم
من تعدد الطرق التي قد نسلكها لوضع تصور محدد عن
الإفراط في ممارسة الألعاب وقياس هذا السلوك، فإن
هناك عَرَضين يتسق ظهورهما مع ذلك السلوك، وهما:
حدوث مشكلات خطيرة نتيجة للإفراط في ممارسة
الألعاب، والعجز عن التحكم في معدل ممارسة
الألعاب. إن بعض الأعراض المميَّزة لإدمان ألعاب
الفيديو تتضمن الكذب بشأن الوقت الذي يُقضَى في
اللعب، والشعور الشديد بالسعادة أو بالذنب مع قضاء
مزيد ومزيد من الوقت للحصول على القدر نفسه من
الاستمتاع، إلى جانب الابتعاد عن الأصدقاء، أو
الأسرة أو شريك الحياة، والتعرض لمشاعر الغضب،
والحزن، وتقلب المزاج، والقلق أو الشعور بعدم
الارتياح عند عدم اللعب، بالإضافة إلى إنفاق مبالغ
مالية معتبرة على خِدمات الإنترنت وتحديث الحاسوب
أو أنظمة اللعب، واستحواذ اللعب على التفكير حتى
عند عمل أشياء أخرى.
١٢
يقول البعض إن تلك التجارِب المرتكزة على الشاشة
هي مجرد وسيلة للوصول إلى إدمان نشاط معين.
١٣ وبمعنًى آخر، فإن المقامر الذي يقود
سيارته كل يوم للوصول إلى الكازينو ليس مدمنًا على
القيادة بل مدمن على لعب القِمار، وبالمثل فإن
الشخص الذي يستخدم الإنترنت للعب القِمار هو مدمن
لعب القِمار وليس للإنترنت.
لكن بينما للعب القِمار عبر الإنترنت بديل في
العالم الواقعي، فإن ألعاب الفيديو، كما هو واضح
من اسمها، ليس لها بديل، فهي — على عكس ألعاب
القِمار — تُعد ظاهرة مرتبطة بالتكنولوجيا
الرقمية، وبالتالي فإن أي سلوك شاذ مرتبط بألعاب
الفيديو لا يمكن انتزاعه بعيدًا عن الشاشة
والتجرِبة الفريدة التي تمنحها. وعلى الرغم من أن
استخدام الإنترنت يمكن أن يتعدى ممارسة الألعاب،
فإننا نحتاج إلى أن نتذكر أن إدمان ألعاب الفيديو
سيبقى إدمانًا على ممارسة ألعاب الفيديو وليس على
أي شيء
آخر.
تتباين الإحصائيات المتعلقة بإدمان استخدام
الإنترنت كثيرًا في مُختلِف الثقافات، وتَعتمد على
شكل التقييم المُتَّبع في تقدير هذه الإحصائيات.
١٤ لكن الإحصائيات
تُظهر أن عدد
مُدمني ألعاب الفيديو يبدو متماثلًا على وجه
الخصوص. وبالاستعانة بمثال مستمد من إحصائيات
الولايات المتحدة، وَجَد دوغلاس جِنتايل أن نسبة ٨
في المائة من ممارسي ألعاب الفيديو الذين تتراوح
أعمارهم ما بين ٨ و١٨ سنة، يُصنَّفون باعتبارهم مدمنين،
١٥ فيما يُظهر مَسحٌ آخرُ أُجرِيَ
مؤخَّرًا تقديرًا لعددهم بنسبة من ٢ إلى ١٢ في المائة.
١٦ ليس ذلك فَقط، بل تُشير التقديرات
الأولية إلى وجود نسبة تقل عن ١٠ في المائة مشتركة
عبر القارات المختلفة، وفي دراسة طولية استمرت
لعامين وأُجرِيَت على طلاب المراحل الابتدائية
والثانوية بسنغافورة، بما في ذلك ما يُقارب ٣ آلاف
طفل في الصف الثالث، اتضح أن نسبة انتشار «مُمارسة
الألعاب بشكل مَرَضِي» كانت مشابهة لنسبة انتشارها
في الدول الأخرى، وهي ٩ في المائة.
١٧ ولكن بعيدًا عن الأسئلة القياسية،
والخلط مع أنشطة الإنترنت الأخرى، والإحصائيات،
والجاذبية الإضافية التي يتمتع بها التفاعل عبر
الإنترنت، فهل يُمكننا الجزم بأن ممارسة ألعاب
الفيديو هي نوع من الإدمان؟
يَرى أفيف واينشتاين
Weinstein
الذي يعمل في مركز هَدَاسَا الطبي بالقُدس أن
الرغبة في ممارسة الألعاب عبر الإنترنت والرغبة في
إدمان المخدِّرات تشتركان في الطبيعة العصبية
البيولوجية نفسها،
١٨ كما يزعُم واينشتاين أن المُراهقين قد
يقضون وقتًا أطول في ممارسة الألعاب، ويَسبِق
تفكيرُهم في هذه الألعاب تفكيرَهم في أمورهم
المهمة الأخرى، وأنهم يُمارسون هذه الألعاب بهدف
الهَرَب من مشكلاتهم العاطفية، ويواجهون صعوبة في
العمل الأكاديمي والانخراط
في المجتمع،
فضلًا عن أنهم يُخفون ممارستهم لهذه الألعاب عن
أُسَرِهم. إن الأفراد المنتمين إلى هذا النمط
السلوكي، الذين يتعرضون لتهيج لا يُطاق عندما
يتوقفون عن اللعب، يُظهرون العلامات المميزة
النمطية للاستحواذ
obsession،
وحتى الإدمان. ولكن هل يمكن أن تكون القواسم
السلوكية المشتركة للإدمان التقليدي وممارسة
الألعاب المكثفة مرتبطة بالحالة الدماغية
نفسها؟
في دراسة معينة للتصوير الدماغي، أظهر المشاركون
الأصحاء في المجموعة الضابطة انخفاضًا في عدد
الأهداف الجزيئية (المستقبلات) الخاصة بالناقل
العصبي «الدوبامين» في منطقة رئيسة من الدماغ
(المخطط البطني) بعد ممارسة لعبة حاسوبية تنطوي
على قيادة دراجة نارية. وفي تناقض صارخ، فلم يُظهر
المتعاطون المزمنون السابقون لعقَّار النشوة
Ecstasy أي
تغيير في حالة مستقبلاتهم بعد ممارسة هذه اللعبة.
١٩ أما بالنسبة إلى غير المدمنين الذين
خبروا التشويق المتمثل في ممارسة اللعبة، فقد كانت
هناك زيادة في إفراز الدوبامين، أدت إلى «إزالة
تحسيس» مستقبلاتهم (تذكَّر مثال المصافحة في الفصل
السابع، وكيف تُصاب اليد بالخدر عند الضغط عليها
بقوة شديدة أو لفترة طويلة للغاية). لكن أدمغة
المدمنين على عقَّار النشوة تحكي قصة مختلفة: ففي
هذه الحالة، أدى التعاطي المزمنُ للعقَّار إلى
تعويد الدماغ على كَميات هائلة من الدوبامين،
وبالتالي فلم تُضف ألعاب الفيديو أي إثارة؛ لأنها
تعمل من خلال الآلية المشتركة نفسها. ويبدو أنه
بقدر ما كان الدماغ معنيًّا، فإن تعاطي عقَّار
النشوة وممارسة الألعاب كانا تجرِبتين
متشابهتين.
ومن الطرق الأخرى التي توضح أن ممارسة الألعاب
تؤدي إلى إفراز مستويات عالية من الدوبامين في
الدماغ، نجد النظر إلى التغيرات الحادثة في الحجم
الفعلي للدماغ. هل تتذكر كيف كان الحُصين أكبر
حجمًا عند سائقي سيارات الأجرة في لندن بسبب
اعتمادهم الدائم على ذاكرتهم العاملة أثناء
القيادة؟ يبدو أن المبدأ نفسه يسري على اللاعبين
وأنظمة الدوبامين لديهم؛ ففي صغار اللاعبين، يُظهر
تصوير الدماغ كبر مساحة الدماغ
(المخطط البطني)
٢٠ في المكان الذي يُفرَز فيه الناقل
العصبي، الدوبامين.
٢١ ومن المثير للاهتمام وجود سمة مشابهة
في أدمغة المقامرين المَرَضيين، الذين يعانون
إدمانًا سلوكيًّا آخر.
٢٢ ولذا يبدو أننا سواء كنا نتحدث عن
إدمان المخدِّرات أو القِمار أو ممارسة الألعاب،
فإن هذه الحالات الثلاث ترتبط بزيادة إفراز
الدوبامين في المخطط البطني. والسؤال التالي هو:
هل الأشخاص الذين يعانون كبر المخطط البطني لديهم
ميول نحو ممارسة الألعاب أم أن الإفراط في ممارسة
الألعاب قد ترك بصمته في الدماغ؟ يُثير هذا معضلة
اللغز التقليدي بشأن الدجاجة والبيضة، والذي يؤدي
في العموم إلى تعقيد أبحاث الدماغ: هل يسبب وجود
سمة شاذة في الدماغ حدوث سلوك شاذ أم أن السلوك
الشاذ يؤدي إلى تغير في الدماغ، وذلك بفضل
لُدُونته؟
دعونا نبدأ بالدجاجة: أي أن ممارسة الألعاب، كما
هي الحال مع جميع تجارِب الحياة، تترك بصماتها على
الدماغ السريع التأثر واللَّدْن. تشير أبحاث فريق
سيمون كوهن
Kühn
في جامعة غنت في بلجيكا إلى أن هذه هي الحال. أظهر
الباحثون أن ممارسة الألعاب قد تكون مرتبطة بزيادة
حجم المخطط البطني، مما يعكس اللدونة العصبية
التكيفية من خلال الإفراز المستديم للدوبامين.
٢٣ وبعبارة أخرى، فكلما زاد الوقت الذي
يُقضى في اللعب، زاد وضوح تضخم المخطط البطني.
وهذا يشير إلى أن السابق قد تسبب في حدوث
الأخير.
نأتي الآن إلى البيضة: أي فكرة أن ثمة حالة
دماغية موجودة مسبقًا قد تؤهب الأفراد للممارسة
القهرية للألعاب. وجد كيرك إريكسون
Erickson من
جامعة إلينوي عَلاقة بين حجم منطقة رئيسة في
الدماغ، وهي المخطط الظهري
dorsal
striatum، والنجاح اللاحق
للتدريب على ممارسة إحدى ألعاب الفيديو.
٢٤ وقد وصف إريكسون أيضًا وجود صلة،
لوحظت بدورها بالتصوير الشعاعي، بين تفعيل المخطط
قبل التدريب والاكتساب اللاحق للمهارات خلال
ممارسة الألعاب. تُسلِّط هذه النتائج الضوء على
أهمية هذا المخطط باعتباره مصدرًا غنيًّا
للدوبامين، وكيف أن هذا قد يكون متسقًا مع فكرة أن
بعض الأدمغة تكون أكثر عرضة للاستجابة لإغراء
الألعاب. إن الأفراد الذين يتصادف أن يكون المخطط
لديهم أكبر حجمًا قد يَخبُرون بممارسة الألعاب
باعتبارها مُجزية أكثر في المقام الأول. ويمكن
لهذه البنية العصبية، في المقابل، أن تسهل اكتساب
المهارات وتؤديَ إلى الحصول على قدر أكبر من
المكافآت من اللعب.
وبالتالي، فمَن الذي جاء أولًا، الدجاجة أم
البيضة؟ هل أدت تجرِبة قوية ومستدامة إلى تشكيل
الدماغ، أم أن نوعًا معينًا من الدماغ كان ميالًا
بالفعل إلى الاستجابة بسهولة لتلك التجرِبة؟ ثمة
تلميح مهم هنا إلى الإجابة الصحيحة، وهو البنية
التشريحية للمخطط نفسه. يمكن تقسيم هذه البنية إلى
قسمين، وهما المنطقة العلوية (الظهرية) والسفلية
(البطنية). وقد اتضح أن تلك الأخيرة تُفرز قدرًا
أكبر من الدوبامين من الأولى.
٢٥ ولذلك فقد لا يكون من المستغرب أن
ترتبط المنطقتان بأنواع مختلفة من الوظائف: ينسق
المخطط الظهري المهمات الحسية لتحقيق هدف ما، في
حين أن الدوبامين الذي يفرزه الجزء البطني يعزز
أثر المكافأة الفعلية التي تستتبعه.
٢٦ وبالتالي فمن بين الطرق المحتملة لحل
مشكلة الدجاجة والبيضة، يمكننا القول إن الدماغ
الميال إلى التنسيق الحسي الحركي الفعال، مع مخطط
ظهري نشط، سيكون ميالًا إلى ممارسة الألعاب، في
حين أن الألعاب نفسها هي ما يغير طريقة استجابة
المخطط البطني للمكافأة. ومع ذلك فنادرًا ما تكون
العلوم العصبية بهذا القدر المبسط من التحديد
المسبق، ومن المؤكد أن البحوث الجارية في هذا
المجال لا تزال في مراحلها الأولى.
وعلى أي حال، فإن سيناريو الدجاجة، والذي يؤثر
فيه الهوس بالألعاب بصورة مباشرة في الحالات
الدماغية، لا يتعارض بالضرورة مع سيناريو البيضة،
والذي يقول بوجود نوع من الدماغ لديه استعداد خاص.
وتتمثل القضية الأكثر أهمية هنا في مساهمة
الدوبامين. أثبت علماء الأعصاب في مستشفى هامر
سميث في لندن أن ممارسة ألعاب الفيديو تؤدي بصورة
مباشرة إلى إفراز هذا الناقل العصبي.
٢٧ وعلى أي حال، فمثلما يستحيل إثبات
وجود عَلاقة سببية بين الأفعال البيوكيميائية
المعروفة لعقَّار البروزاك في تعزيز توافر
السيروتونين وتخفيف حدة الاكتئاب، على سبيل
المثال، فإن ترجمة الإفراز الملاحَظ بموضوعية
للدوبامين في الدماغ إلى التأثيرات الذاتية للشعور
بالسعادة الغامرة هو أمرٌ يصعب تصوره
تمامًا.
لا يوجد شيءٌ سحريٌّ محتجز بداخل جزيء
الدوبامين. وبدلًا من ذلك، فإن الموقع المحدد في
الدماغ، جنبًا إلى جنب مع السياق البيئي الذي يعمل
فيه، هو الذي يحدد الأثر الصافي النهائي. ويكفي أن
نقول إن زيادة مستويات الدوبامين ترتبط باستمرار
بمختلِف الحالات الدماغية المتعلقة بالاستثارة،
والمكافأة، والإدمان. وعلاوة على ذلك، فإن فكرة أن
سيناريوهَي الدجاجة والبيضة ليسا متعارضَين
ولكنهما قد يعزز أحدُهما الآخر في الواقع ستكون
مثالًا رائعًا على كيفية عمل الدماغ والبيئة ضمن
حوار مكثف ومتواصل في الاتجاهين.
فلماذا يصبح بعض الأشخاص دون غيرهم مدمنين على
ألعاب الفيديو؟ إن قدرة الفرد على الشعور بالإثارة
قد تؤدي دورًا حاسمًا هنا. وباعتبار أن الدوبامين
يرتبط بالاستثارة العالية، كما يُلاحظ عند تعاطي
عقَّار الأمفيتامين (الذي يؤدي إلى إفراز
الدوبامين في الدماغ)، تبدو هذه الفكرة منطقية
تمامًا. وَجدَت دراسة أنماطًا مختلفة من الاستثارة
في الأنواع المختلفة من اللاعبين. أظهر من يلعبون
لفترات مطولة ألعاب الفيديو التي يُطلَق فيها
النار على أول شخص تراه، مستويات أعلى بكثير من
الاستثارة خلال ممارسة اللعبة، والتي انخفضت على
الفور بعد ممارسة اللعبة.
٢٨ وعلى النقيض من ذلك، فقد ظل اللاعبون
الذين لم يلعبوا بشكل مفرط «في حالة عالية» حتى
بعد أن انتهت ممارسة اللعبة. أظهر الممارسون
المفرطون للألعاب
MMORPGs
انخفاضات كبيرة في الاستثارة الفسيولوجية، والتي
ارتفعت مرة أخرى بعد ممارسة اللعبة مباشرة. وفي
الوقت نفسه، فقد أظهر الممارسون المعتدلون للألعاب
MMORPGs زيادة
طبيعية في الاستثارة خلال ممارسة اللعبة، والتي
وصلت بعد ذلك إلى مستوًى مستقر بعد انتهاء
اللعب.
تتسم هذه الاختلافات في مستوى الاستثارة لدى
اللاعبين من مختلِف الأنواع بكونها مماثلة لتلك
المذكورة في الأدبيات العلمية حول المقامرة
المرضية. هناك المدمنون المندفعون الباحثون عن
الإثارة، الذين يتناولون المواد المنبهة أو
ينخرطون في سلوكيات عالية المخاطر؛ وعلى النقيض من
ذلك، هناك الهروبيون
escapists،
وهم المدمنون المكتئبون في كثير من الأحيان، الذين
لا يسعون إلى الاستثارة العالية.
وبالتالي، فبالنسبة إلى النوع الثاني من
اللاعبين، وهو النوع الذي يتعرض لمستويات منخفضة
من الاستثارة، فإن الوقت الذي يقضيه في ممارسة
الألعاب MMORPGs
والطبيعة الخرقاء للنشاط قد تكون لهما آثار طويلة
الأجل في الحالة العقلية. وبطبيعة الحال، فسينطبق
تعقيد الدجاجة والبيضة مرة أخرى: فهذه الاضطرابات
في تنظيم الاستثارة قد تكون إما سببًا لإدمان
ممارسة الألعاب وإما نتيجة له. ومع ذلك، فإن
اكتشاف أن النشاط يؤثر فسيولوجيًّا في اللاعبين
المفرطين بصورةٍ مختلفةٍ عن اللاعبين المعتدلين
يمثل اعتبارًا مهمًّا يجب أخذه بعين
الاعتبار.
ولكن في نهاية المطاف، ما الذي يحدد في النهاية
مستوى الفرد من الاستثارة، وما إذا كان سيصبح
مدمنًا على نوع أو آخر من ألعاب الفيديو؟ من
المستحيل الإجابة عن هذا السؤال، وكذلك يستحيل
معرفة سبب استعداد بعض الأفراد دون غيرهم لأن
يكونوا خجولين أو مرحين. قد تكون هناك بعض النزعات
غير مباشرة تمامًا، والتي تتحدد وراثيًّا. وعلى
سبيل المثال، فقد ذُكر وجود حساسيَّة محتملة
موروثة للإدمان على ألعاب الفيديو في الدراسات
التي أُجريت على الجينات المرمزة لنوع فرعي من
مستقبلات الدوبامين.
٢٩ وقد يؤثر هذا بدوره في تأثيرات
الدوبامين الذي يُفرز في الدماغ، ولكن حتى هنا
يستحيل إثبات وجود عَلاقة سببية. تذكَّر أنه من
غير المحتمل تمامًا أن يوجد جين واحد فقط لأي سمةٍ
معرفية معقدة.
من المستحيل استخلاص تسلسل سبب ونتيجة الأحداث
خلال تفاعل الدماغ مع البيئة، وبالتالي فمن الصعب
التنبؤ بأي قدرٍ من الدقة بما إن كان شخص ما سيصبح
مدمنًا على ألعاب الفيديو. من المحتمل أن تكون
هناك آثار تراكمية ناجمة عن عوامل الخطر مثل: تدني
الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والاكتئاب الوالدي،
وإجرام الوالدين، والعنف المنزلي، وتعاطي الوالدين
للكحول والمخدِّرات، والتي يمكن معاوضتها بدرجة
تزيد أو تقل بالعوامل الوقائية. ولكن في حالة
صديقي الذي ينتمي إلى الطبقة المتوسطة وابنه الذي
تلقى تعليمًا باهظ التكلِفة، فلا ينطبق عليها أيٌّ
من عوامل الخطر تلك.
تتمثل وجهة النظر الأكثر قبولًا في أن ما يجري
في أدمغة المدمنين على ألعاب الفيديو لا يختلف
نوعيًّا بل يختلف من الناحية الكَمِّية عما يحدث
في أدمغة من هم أقل هوسًا بتلك الألعاب. وإلا
لماذا ستكون ألعاب الفيديو مجزية، بحكم التعريف،
لكل شخص منفرد يمارسها؟ يبدو أن ممارسة الألعاب
يمكنها تحريض إفراز ما يكفي من الدوبامين للحفاظ
على شعور جيد لدى المستخدم، ولكن ليس بما يكفي
لإزالة تحسس المستخدم تمامًا لتأثيرها. لكن إغراء
الألعاب لا يعمل على المستوى البيوكيميائي
التلقائي للدوبامين في الدماغ فقط، بل أيضًا على
المستوى المعرفي المتعلق بالعَلاقات الاجتماعية.
لا بد أن الدافع الذي لا يُقاوم للعب القِمار
ينطوي ليس فقط على الحيل الداخلية للدماغ ولكن
أيضًا على تفاعل الدماغ في عَلاقة مستمرة ذات
اتجاهين مع الشاشة. تتسم الطبيعة ذاتها لبيئة
الشاشة هذه بأهميتها البالغة لاستمرار الفرد في
اللعب. تتميز الألعاب بصخبها واحتوائها على مشاهد
غنية بصريًّا، تمامًا مثل فيلم يعتمد على الحركة
والاثارة. ولكن ذلك بالإضافة إلى كونها غامرة، إذ
إنها لا تقدم مجرد تحفيز حسيٍّ قوي فقط، بل
«تدفق»، أو قدرة اللاعب على نسيان نفسه في عالم
اللعبة والانهماك فيها تمامًا.
«إن ممارسة اللعبة [
World of
Warcraft] تجعلني أشعر بأنني
رباني … فلدي سيطرة مطلقة، ويمكنني أن أفعل ما
أريد مع عدد قليل من التداعيات الحقيقية. أما
العالم الحقيقي فيجعلني أشعر بالعجز … حاسوب معطل،
أو طفل يبكي بحرقة، أو بطارية هاتف نقال تموت فجأة
— تلك العقبات الصغيرة في الحياة اليومية تشعرني
بأني منزوع القوة على نحو عميق.»
٣٠ هذا ما قاله أستاذ اللغة الإنجليزية
ريان فان كليف
Van
Cleave، وهو يتذكر الوقت الذي
كان يمارس فيه ألعاب الفيديو لنحو ستين ساعة
أسبوعيًّا. لاحِظ أن ريان لم يذكر حتى أنه
«استمتع» بذلك وأن عقليته تدل على شيء أعمق من ذلك
بكثير. كانت لعبة
World of
Warcraft، بالنسبة إليه، ملجأ
من العالم الحقيقي الذي كان يشعر فيه بعدم
كفايته.
أما أوليفيا ميتكالف
Metcalf من
الجامعة الوطنية الأسترالية، التي درست سيكولوجية
الإفراط في ممارسة الألعاب، فتحدد العلامة الفارقة
بأن الجاذبية قد لا تكون نتيجة إيجابية لألعاب
الفيديو ذاتها، بل إن الألعاب توفر فرصة للهروب من
الحياة الواقعية التي تفتقر إلى أي غرض أو اتجاه:
ربما كانت ألعاب الفيديو تمثل أكثر من
مجرد متعة للهروب من الواقع؛ فهي تمنح
الشباب المحبطين الفرصة لتلبية تلك
الاحتياجات الجوهرية لوجودهم كبشر:
الكفاءة، والهدف، والنجاح، والإنجاز،
وهَلُمَّ جرًّا. تشير الأبحاث في الواقع
إلى أن هذه تمثل بعضًا من الدوافع لممارسة
ألعاب الفيديو: الفرصة لأن تكون متميزًا
في حين أنك غالبًا شخص عادي في الحياة الواقعية.
٣١
وربما يخلق التحدي «الإنساني» المتمثل في
التفاعل مع اللاعبين الآخرين الذين يبرزون في
الفضاء الإلكتروني إلزامًا
compulsion
أكبر بالنسبة إلى كثير من اللاعبين. وعلى هذا
النحو، فإن ألعاب الفيديو التي تمارَس على
الإنترنت لديها احتمالات إدمانية أعلى من الألعاب
التي تمارَس بعيدًا عن الإنترنت. وعلى وجه
التحديد، من المعتقد أن الألعاب
MMORPGs تمتلك
عددًا من الخصائص الفريدة التي توفر لها احتمالات
إدمانية أعلى من الأنواع الأخرى. أجرى الدكتور
دانيال كينغ
King،
الذي يعمل باحثًا في كلية علم النفس في جامعة
أديلايد، مراجعة شاملة للبحوث التي أُجريت في جميع
أنحاء العالم حول السلوك «المَرَضي» أو الضار
لممارسة ألعاب الفيديو، ووجد أن التفاعل الاجتماعي
يؤدي دورًا مهمًّا في تطور الممارسة المفرطة
للألعاب. إن الألعاب التي تتم مع الصور المجسدة
(الأفاتار)، والتي يمكن للاعبين فيها التحكم في
تلك الشخصيات وتقمصها، ترتبط باحتمالية إدمانية
أعلى. وتفسر هذه الصفات سبب كون الممارسة المفرطة
للألعاب أكثر شيوعًا في الألعاب
MMORPGs. وجد
كينغ أيضًا أن اللاعبين المفرطين يقيِّمون
الإنجازات المكتسبة من خلال ممارسة الألعاب، كما
اقترح أن هيكلية المكافأة المتضمَّنة في اللعبة
تؤثر في تطور الممارسة المفرطة للألعاب.
٣٢
وفي حين تمتلك الألعاب
MMORPGs أنظمة
معقدة للمكافأة متضمَّنة في صلب الألعاب، مع
محاولة اللاعبين باستمرار للوصول إلى المستوى
التالي، يبدو أن التفاعل الاجتماعي مع اللاعبين
الآخرين هو مسبب الإدمان الإضافي الحقيقي. وربما
تكمن الجاذبية في أن اللاعب الآن لا يمارس اللعبة
فقط، لكنه يمثل حياة مثالية تتسم بكونها مثيرة
وآمنة في الوقت نفسه، سواء جسديًّا أو عقليًّا. إن
العالم الحقيقي فوضوي وغامض: فالأشخاص الحقيقيون
ليسوا خيِّرِين تمامًا أو أشرارًا مطلقًا، فلديهم
دائمًا أفكار داخلية أو أسرار، وللأفعال دائمًا
عواقب، مهما كانت غير مباشرة، مع تداعيات طويلة
الأجل يتعذر عكسها. وعلاوة على ذلك، فإن ردود
الفعل التي تتم في العالم الحقيقي، وخصوصًا ردود
الفعل الإيجابية على إنجازاتك، يصعب الحصول عليها.
أما بالنسبة إلى أهداف الحياة، فهي بالنسبة إلى
معظمنا أبعد ما تكون عن الوضوح، كما أنها عادةً
أكثر تعقيدًا وشرطيةً من أن تُحدَّد على نحو قاطع.
وَفقًا لنيكول لازارو (ومن الواضح أنها تفضل
القوائم ذات الأربعة بنود)، فإن ألعاب الفيديو
تزيل الكثير مما هو صعب ومُربك حول الحياة
الواقعية، حيث إن الألعاب: (١) تُبسِّط العالم،
(٢) تُعلِّق العواقب، (٣) تُضخِّم ردود الفعل، (٤)
تضع أهدافًا واضحة.
٣٣ ويمكن إضافة هذا المخزون إلى الشيء
الحاسم المتعلق بألعاب الفيديو، الذي يجعلها مثل
هروب قسري من إبهام وتعقيد العالم الحقيقي.
وبصورة أكثر عمومية، ففي بعض الأحيان لا يكون
العالم الحقيقي أفضل مكان للوجود فيه. وفي بعض
الحالات، يمكن للألعاب أن توفر إجراءات روتينية
لتهدئة الأشخاص غير القادرين على التعامل مع حالة
عدم اليقين المحموم للحياة خارج الشاشة. وعلى عكس
الألعاب التقليدية التي تُمارَس في العالم
الحقيقي، فإن ألعاب الفيديو توفر هروبًا كليًّا من
ذلك العالم المُضجِر والجامد إلى عالم ليس فقط
أكثر إثارة وحسيَّة (أي يناشد الحواسَّ)، بل حيث
توجد نتائج محددة وقابلة للتنبؤ على نحو مطمئن،
والتي يمكن للاعب المشاركة فيها باعتباره ذاتًا
أفضل. وتبين البحوث أنه عندما يكون الناس غير
سعداءَ بحياتهم أو غير راضين عنها، فهم يصنعون
صورًا مجسدة (أفاتار) مختلفة تمامًا عن أنفسهم.
٣٤ أما الشخص السعيد فيصنع الأفاتار مثل
نفسه تمامًا. إن الاستمتاع باللعبة يرتبط عكسيًّا
بالتشابه بين الشخص وصورته المجسدة (الأفاتار)، أي
إن الأفراد الذين يشعرون بعدم الرضا، والذين
يصنعون صورًا مجسدة شديدة الاختلاف عن أنفسهم،
ينتهي بهم المطاف إلى الاستمتاع أكثر بعالم
الألعاب. وهم يقومون حرفيًّا باستكشاف هُوية جديدة
لأنفسهم في عالم الألعاب هذا، واختيار صورة مجسدة
أفضل وأسرع، وأكثر لياقة، وأقوى، وأنحف، وأطول،
وأجمل، أو أكثر ذكاء مما هم عليه، أو ربما مما
يمكنهم الوصول إليه على وجه الإطلاق. ربما كانت
هذه هي النقطة الرئيسة لإمكان أن تكون ألعاب
الفيديو بمثل هذا الخبث. بالنسبة إلى معظم الناس،
لا تزال تلك الألعاب تمثل شكلًا من أشكال الترفيه،
لكنها تفتح عالمًا جديدًا بالكامل حيث كل شيء هو
أفضل من الحياة الحقيقية، وهو أمرٌ يتمتع بجاذبية
خاصة للفئات السريعة التأثر نفسيًّا. وهي الفئة
التي ربما تشملنا جميعًا.
شاهدنا في وقت سابق أن الهُوية لا تتعلق فقط
بوجود عقل ناضج، والذي يمكِّنك من فهم العالم،
لكنها تنطوي أيضًا على الخطوة الحاسمة التالية: رد
الفعل الذي ستُظهره، نتيجة لكيفية تفاعلك مع
العالم، في سياق محدد وفي وقت بعينه. وعلى أي حال،
ففي الألعاب، وبدلًا من عائلتك، فإن فريق كرة
القدم الذي تشجعه، أو الجوقة التي تنتمي إليها، أو
زملائك، أو السياق اللحظي البالغ الأهمية الذي
يتراكم عبر سلسلة السبب والنتيجة لقصة حياة فريدة
من نوعها، ستكون الآن أكثر توحيدًا. يصبح اللاعبون
معتمدين عاطفيًّا على نحو مفرط على صورهم المجسدة،
ومتعلقين بتلك الصورة المجسدة وبفرقهم، كما يمكن
للشخص في العالم الحقيقي أن يرتبط بعَلاقاته التي
تتم في عالمه الواقعي. وفي هذه الحالات، يتحول
السياق اللحظي على الإنترنت إلى عالم اصطناعي.
وماذا لو كان معظم أحداث قصة حياتك ليس قصة على
الإطلاق، وليس سلسلة من الأحداث، ولكنه، كما هي
الحال في الألعاب التي تُطلَق فيها النار على أول
شخص تصادفه، مجرد مجموعة مجزأة من الخبرات
المنفصلة التي ليست لها عواقب في العالم الحقيقي؟
في كلتا الحالين، قد تبدأ في الشعور بالتشكك حيال
من تكون في الواقع.
ومن الممكن أن يتفاقم انعدام الأمن هذا بفعل
شعور مستتر بأن ما تقوم به يفتقر إلى أي معنًى أو
مغزًى حقيقي. إن المعنى، كما أشرت إليه بالفعل،
يمكن تفسيره من خلال منظور علم الأعصاب باعتباره
يتعلق بصنع الاتصالات، أو رؤية شيء ما من منظور
شيء آخر. ومن الممكن أن ينطبق هذا أيضًا على
الاتصالات السببية بمرور الوقت. تمتلك هذه
الارتباطية، كما رأينا، شبيهًا مقابلًا في الدماغ
المادي في أثناء صياغة الوصلات العصبونية وتعزيزها
من خلال اللدونة الرائعة للدماغ البشري. وبالتالي،
فمثلما أن خاتم الزواج، وهو جسمٌ بسيط مصنوع من
الذهب، يمكنه اكتساب معنًى أو أهمية معقدة بفضل
الارتباطات التي تُبنى حوله، فمن الممكن إضفاء
أهمية على العَلاقة بين السبب والنتيجة.
إذا تسلقتَ شجرة ثم سقطتَ وانكسرَتْ ساقك، وهي
إصابة تستغرق وقتًا طويلًا للشفاء، فإن الحلقة
الكاملة ستكون ذات مغزًى، لأسباب ليس أقلها أنها
غير مرتجعةٍ. وبطبيعة الحال، فقد تصبح ساقك سليمة
تمامًا مرة أخرى، لكن حدث الكسر في حد ذاته لا
يمكن محوه؛ فله عواقب مستديمة ستغيِّر إلى الأبد،
بطريقة أو بأخرى، من نظرتك تجاه تسلق الأشجار.
وعلى النقيض من ذلك، فإذا أسقطتَ على الأرض قصاصة
صغيرة من الورق ثم التقطتَها مرة أخرى على الفور،
ربما كان هذا هو أقرب ما يمكنك الحصول عليه من حيث
إعادة الزمن إلى الوراء في العالم الحقيقي. وقد
يكون ذلك أيضًا شيئًا تفعله وليس له أي مغزًى على
الإطلاق.
وبالتالي فمن الممكن للمعنى أن يتعلق بصورةٍ
مباشرة بالعواقب التي تتكشف بمرور الزمن. ولكن إذا
لم تكن للألعاب، وَفقًا للازارو، أي عواقب، فمن
الممكن النظر إليها باعتبارها وسيلة لا معنى لها
لتمضية الوقت. وإذا كان هناك من سيقضي كل وقت
فراغه مشاركًا في نشاط لا معنى له، فقد يعرِّض ذلك
للخطر على المدى الطويل أي أهمية يوليها في نهاية
المطاف ليس فقط لهذا النشاط، لكن الأهم من ذلك،
لنفسه. ومع ذلك فبالنسبة إلى اللاعب الذي لا تزعجه
مثل هذه المخاوف الوجودية المحتملة على المدى
الطويل، هناك فرصة للتبسيط والتحسين الفوري للبيئة
المباشرة ولكيفية شعوره بداخلها. إن الشيء المتعلق
بألعاب الفيديو هو أنها تخلق عالمًا تشعر فيه بأنك
على ما يرام، ليس فقط لأنك تقضي وقتًا ممتعًا ولكن
أيضًا لأنك تغلق الباب في وجه تلك الأنواع من
التجارِب التي تجعلك عادة تشعر بالحزن، أو القلق،
أو انعدام القيمة. إنك تَدلِف إلى عالمٍ مصمَّم
لتلبية احتياجاتك النفسية الخاصة؛ وبالتالي ستكون
لذلك طائفة واسعة ومعقدة من الآثار على الطريقة
التي تفكر وتشعر بها على المدى الطويل. إن «ما
نعرفه»، كما تخلُص إليه دافني بافاليير
Bavalier، وهي
خبيرة في هذا المجال في جامعة روشستر، «هو أننا،
في مجال التكنولوجيا، نمتلك مجموعة من الأدوات
التي لديها القدرة على إحداث تعديل جذريٍّ في
السلوك البشري»، والذي يتم حتمًا عن طريق تعديل الدماغ.
٣٥ إن المطلوب، من وجهة نظرها، هو وسيلة
للتأكد من كون التكنولوجيا مصممةً خصوصًا لتحقيق
النتائج المرجوة. لكن هذا كلامٌ قولُه أيسر من
تنفيذه.
لقد رأينا هنا أن ألعاب الفيديو يمكنها أن تؤثر
في العمليات العقلية بطائفة معقدة ومتنوعة من
الطرق. هناك مجموعة من الأسئلة المختلفة التي
يتعين تفكيكها بشكل منفصل. وعلى سبيل المثال، إذا
حُصرت مخططات المكافأة التي تنطوي عليها الألعاب
ضمن تَكرار سريع من التحفيز والاستجابة، فماذا
عساه أن يكون تأثير ممارسة الألعاب لفترات مطولة
على الانتباه؟ وعلاوة على ذلك، فبالنظر إلى أن
الألعاب العنيفة تمثل ٥٠ في المائة أو أكثر من
إجمالي مبيعات ألعاب الفيديو، فهل ستؤدي ممارسة
هذه الألعاب إلى زيادة التصرفات العدوانية في
العالم الحقيقي؟
٣٦ وأخيرًا، فإذا لم يكن هناك، كما
رأينا، أي معنًى دائم في عالم الألعاب المبني على
الهروب من الواقع؛ لأن الأفعال ليست لها عواقب
دائمة، فهل سيؤدي ذلك إلى جعل الناس أكثر تهورًا
بصورة عامة في الحياة الحقيقية؟ دعونا نستكشف
كلًّا من هذه القضايا، واحدة تلو الأخرى.