الفصل الخامس عشر
ألعاب الفيديو والعدوان والتهور
يبدو مما لا يُصدَّق أن لعبة الفيديو
الأُنموذجية بونغ
Pong قد ظهرت
للمرة الأولى في العام ١٩٧٥م. لكن توجَّب الانتظار
حتى تسعينيات القرن العشرين حتى أدخلَتْ ألعابٌ
مثل التنين المزدوِج ومورتال كومبات أفعالًا أكثر
عنفًا في اللعب. كان مَيْز
resolution
الصور في هذه الألعاب المبكرة يُقاس بعدد المضلعات
polygons في
الثانية الواحدة، ويمكن أن يكون مؤشرًا جيدًا على
السرعة التي تطورت بها هذه التكنولوجيا. وعلى سبيل
المثال، كان مَيْز الطراز الأول من بلاي ستيشن
PlayStation
٣٥٠٠ مضلع في الثانية، ولكن بحلول العام ٢٠٠١م،
بلغت جودة الرسومات في طراز إكس بوكس
Xbox الأصلي
١٢٥ مليون مضلع في الثانية الواحدة. أما الآن
فيبلغ مَيْز رسوم الألعاب الإلكترونية الحاليَّة
حدودًا مذهلة تتجاوز المليار مضلع في الثانية
الواحدة! نتيجة لذلك، أصبح تصوير الشاشة للعنف في
ألعاب الفيديو أكثر تفصيلًا وحيوية. يتعرض
اللاعبون الآن إلى طرق متعددة للقتل، ويشهدون
الموت في الفضاء الإلكتروني بصورة أكثر تواترًا
وبطريقة أوضح بكثير من أي وقت مضى.
إن مسألة العواقب السيئة المحتملة لألعاب
الفيديو التصويرية تعيدنا إلى المناقشة المألوفة
الآن بشأن أن الأنشطة المرتكزة على الإنترنت
عمومًا، والألعاب على وجه الخصوص، جارٍ تجريحُها
على نحو غير متناسب، في حين أن التقنيات القديمة،
مثل التلفاز، كانت دائمًا ضارَّة بالقدر نفسه. ليس
الأمر كذلك. استكشفت هانيكي بولمان
Polman
وفريقها في جامعة أوتريخت الفرق بين ممارسة إحدى
ألعاب الفيديو والتجرِبة الأقرب شبهًا بالتلفاز،
والمتمثلة في المشاهدة السلبية لألعاب الفيديو العنيفة.
١ بعد التعرض لألعاب الفيديو، حصَل
الطلاب على دورتين من اللعب الحر، وبعد ذلك أكملوا
استبيانًا عن السلوك العدواني. لم توصف الأفعال
بأنها عدوانية إلا إذا كانت النية تُعتبر عدائية.
وجد الفريق الهولندي أن الممارسة النشطة لِلُعبة
فيديو عنيفة أدت، خصوصًا بالنسبة إلى الفتيان، إلى
قدر أكبر من العدوان من مجرد المشاهدة السلبية
للعبة الفيديو العنيفة نفسها. إن الفرق الحاسم بين
المشاهدة السلبية للعنف في وسائل الإعلام ولَعِب
لُعبة فيديو عنيفة، كما هو واضح تمامًا، هو
التفاعلية.
في كثير من الألعاب، يمثل اللاعب «جزءًا لا
يتجزأ» من اللعبة ويستخدم وَحدة تحكم يدوية تعمل
على تعزيز التجرِبة، وبالتالي يمكنها أن تَزيد من
حدة المشاعر العدوانية. ولكن بعد ذلك مرة أخرى، لا
يمكن أن تؤثر ألعاب الفيديو العنيفة في السلوك في
العالم الحقيقي إلا إذا أنهى اللاعب اللبس بين
الاثنين. إذا كان الشخص لا يمارس سوى لعبة سوبر
ماريو بروس، فهل يعنينا أنه سيؤمن بقذائف السلاحف
التي يمكنها أن تصرع الناس والريش الذي يجعلك
تطير؟
تمثل هذه مجادلة عبثية؛ أولًا: لا أحد يدَّعي أن
ألعاب الفيديو العنيفة هي المؤثر الوحيد والحصري
في أفعال أي فرد. لا يوجد البشر في خواء. حتى أكثر
اللاعبين حماسًا يعيش حياةً ما خارج وَحَدات
المفاتيح الخاصةِ به: فهم يذهبون إلى المدرسة،
ويتعلمون من آبائهم وأقرانهم. ثانيًا: تمثل مقارنة
العنف المشاهَد في الرسوم المتحركة، والعنف
التصويري الفائق الواقعية توسعًا في التفسير. يكون
الناس أقلَّ عرضةً للتأثر بلعبة خالية تمامًا من
الواقع مثل سوبر ماريو بروس مقابلَ واحدةٍ تحاكي
الواقع، مثل لعبة الفيديو المعروفة باسم
Grand Theft Auto
V. تستغل ألعاب الفيديو تلك
المخططات العقلية التي ترسخت لدينا بالفعل حول
العدوان والعنف في العالم الحقيقي. إن قذائف
السلاحف، والريش، والقدرة على الطيران لا تمتلك
هذه المكانة الراسخة في عقولنا، في حين يمتلكها
الغرباء المعتدون المحتمَلون، وشعورنا اللاحق
بالعداء وعدم الثقة تجاههم. وبالإضافة إلى ذلك،
فقد شكَّك الباحثون الذين درسوا هذا الموضوع في
المستوى الحقيقي من العنف المتضمَّن في الألعاب
الشبيهة بالرسوم المتحركة والموجهة للأطفال، مثل
سوبر ماريو بروس.
٢ وقد ركزت أغلب الدراسات على العنف بين
الشخصيات البشرية التي يحارب بعضها بعضًا في سياق
من الرسوم الشديدة الواقعية، حيث تتميز الألعاب
الحديثة بأفعال تتسم بالوضوح الشديد وبالبشاعة،
مثل قطع الرأس. ومن النقاط البالغة الأهمية هنا أن
هذا النوع من العنف الواقعي يبدو أنه يؤثر في
مستويات العدوان اللاحق.
اختبرت إيلي كونين
Konijn
وفريقها في جامعة أمستردام الفرضية القائلة بأن
ألعاب الفيديو العنيفة يُرجَّح بصفة خاصة أن تَزيد
العدوان عند اللاعبين الذين يتقمصون شخصيات هذه الألعاب.
٣ كُلفت مجموعة كبيرة من المراهقين بشكل
عشوائي لممارسة لعبة فيديو ذات عنف واقعي، أو لعبة
فيديو خيالية، أو لعبة فيديو غير عنيفة. وبعد ذلك،
طُلب منهم التنافس مع شريك غير حقيقي في مهمة
تعتمد على زمن رد الفعل، والتي يمكن فيها للفائز
نسف الخاسر بضجيج عالٍ من خلال سماعات الرأس،
والذي يعمل مقياسًا للعدوان. وقيل للمشاركين،
خطأً، إن مستويات الضوضاء العالية يمكن أن تسبب
تلفًا مستديمًا في السمع. وكما هو متوقع، فقد اتضح
أن أشد المشاركين عدوانية هم أولئك الذين مارسوا
لعبة عنيفة وتمنَّوا لو أنهم كانوا مثل إحدى
شخصياتها. استخدم المشاركون مستويات الضوضاء التي
ظنوا أنها صاخبةٌ بما يكفي لأن تسبب تلفًا
مستديمًا في السمع لدى شركائهم في اللعب، على
الرغم من أن شركاءهم لم يستفزوهم. وتُشير النتائج
إلى أن تقمص شخصيات ألعاب الفيديو العنيفة يجعل
اللاعبين أكثر عدوانية بصورةٍ استباقية، حتى بعد
ضبط التعرض المعتاد لألعاب الفيديو، وعدوانية
السمات الشخصية، والسعي وراء الأحاسيس. كان
اللاعبون أقرب احتمالًا بصفة خاصة لتقمص الشخصيات
العنيفة في الألعاب الواقعية والألعاب التي يشعرون
فيها بالانغماس. ولذلك يبدو أن الفتيان لم يكونوا
يتمرنون فحسب على الاستجابات العنيفة النمطية،
لكنهم يكتسبون عقلية أكثر عدائية بشكل عام.
ولكن، هناك من لا يزالون يتساءلون عما إذا كانت
ألعاب الفيديو قد تؤدي في الواقع إلى العنف في أي
وقت. وهم يجادلون بأن تجرِبة الألعاب لا يمكن أن
تكون ضارةً في الواقع لأن البشر يمتلكون قدرة
كامنة على التفريق بين الصواب والخطأ. غير أننا
رأينا مرارًا وتَكرارًا على هذه الصفحات كيف نتشكل
بفعل تجارِبنا الفردية وكيف أن الدماغ البشري
يتكيف دائمًا مع بيئته. فإذا كانت تلك البيئة التي
تستمر لعدة ساعات يوميًّا مفعمةً بالحروب بين
المَجرات أو تعجُّ بالأبطال الخارقين الذين
يمتلكون قوًى سحرية، فقد تُغذي تلك الخيالات على
نحو متزايد فهم الدماغ للواقع، وفي نهاية المطاف
لكلٍّ من الخير والشر. وهذه ما تبدو أنها الحال في
الواقع.
تُشير الأدلة الحديثة إلى أنه على الرغم من
إدراك اللاعب أن عالم اللعبة ليس حقيقيًّا، فلا
يزال يُظهر استجابات إنسانية حقيقية لأحداث
اللعبة. صمم أندرو ويفر
Weaver ونيكي
لويس
Lewis من
جامعة إنديانا مشروعًا لاكتشاف كيفية اتخاذ
اللاعبين للخيارات الأخلاقية في ألعاب الفيديو،
واستكشاف آثار هذه الخيارات على الاستجابات
العاطفية في أثناء اللعب.
٤ ملأ خمسة وسبعون مشاركًا «استبيان
الأسس الأخلاقية» ثم مارسوا أول شوط كامل من لعبة
الفيديو التفاعلية
Fallout
3. توصل معظم اللاعبين إلى
قرارات أخلاقية وتصرفوا تجاه شخصيات اللعبة من غير
اللاعبين الذين واجهوهم كأنهم سيفعلون في
التعاملات الشخصية الفعلية. شعر اللاعبون بالذنب
عندما شاركوا في عمل لا أخلاقي تجاه شخصية (غير
بشرية) في لعبة الفيديو، ولكن هذا الشعور بالذنب،
وبشكل مؤثر، لم يؤثر في مستوى استمتاعهم بها. ومن
الغريب بالتأكيد أن يشعر الناس بالذنب تجاه شخصية
يعرفون أنها ليست بشرية وغير موجودة في الواقع.
علاوة على ذلك، حتى لو كان كانت القرارات
«أخلاقية» للوقت الحالي، فإن التمتع جنبًا إلى جنب
مع الشعور باللوم يوحي بأنه في حين أن الشعور
بالذنب قد يدل بالفعل على وجود مستوًى معين من
التعاطف، في نهاية المطاف لا يزال هناك انفصال
مثير للاهتمام بين فهم معاناة شخص ما، والاهتمام
بشأنها بما فيه الكفاية لتعديل أفعالك.
ومع ذلك، من الممكن استخدام الحجة نفسها بخصوص
الكتب، كما قد يقول البعض. يمكننا أن نشعر
بارتباطٍ عاطفيٍّ تجاه تلك الشخصيات، بل نتعاطف
معها، لكن هذا لا يقلل بأي حال من الأحوال من
استمتاعنا بالرواية نفسها. فكيف تختلف ألعاب
الفيديو عن ذلك؟ حسنًا، فيما وراء فرصة الهروب من
الواقع في كلتا الحالتين، قد يكون الاستمتاع
بالكتب راجعًا إلى بصيرة يكتسبها القارئ من معايشة
حياة الآخرين في أزمنة وأماكن مختلفة، ما يمنحه
الفرصة لتعديل وجهات نظره، وربما تعمل كمحفز
للحصول على أفكار جديدة. وليس هناك ادعاءٌ بذلك
مطلقًا في حالة ألعاب الفيديو، حيث يأتي معظم
الاستمتاع، كما رأينا سابقًا، من إفراز الدوبامين
في تجرِبة تفاعلية مباشرة وسريعة الوتيرة، والتي
لا تحدث عند قراءة كتاب. والأكثر أهمية هنا هو أنه
مهما كانت الرواية مشوِّقةً ومثيرة، فلا يمكن لأحد
دمجها في العالم الحقيقي من حوله، كما قد يكون
ممكنًا مع ألعاب الفيديو. فمن خلال شخصيتك
المتجسدة (أفاتار)، يمكنك أن تعيش حياة أخرى. وعلى
الرغم من معرفتهم أن هذا العالم خيالي، يبدو أن
اللاعبين يدمُجون الخيال مع الواقع في ألعاب
الفيديو العنيفة.
٥
ومن جانبه، فإن كريغ أندرسون
Anderson —
وهو أستاذ ورئيس قسم علم النفس في جامعة ولاية
أيوا، وأحد كبار الباحثين في مجال العنف المتضمَّن
في ألعاب الفيديو — يشعر بالقلق من أنه في حين أن
الألعاب العنيفة لا تسبب سلوكًا عنيفًا متطرفًا
يرقى إلى المستوى الجنائي، فإنها تعزز العدوان
المنخفض المستوى. وهو مقتنعٌ بأنه هو وغيره من
الباحثين في هذا المجال:
يمتلكون الآن صورةً واضحة عن الكيفية
التي يَزيد بها العنف في وسائل الإعلام من
العدوان في السياقات القصيرة والطويلة
الأجل. فبعد التعرض مباشرة للعنف في وسائل
الإعلام، تحدث زيادة في الميل تجاه
السلوكيات العدوانية بسبب عدة عوامل: (١)
زيادة الأفكار العدوانية، والتي تَزيد
بدورها من احتمال أن يُفسَّر أي استفزاز
خفيف أو مبهم بطريقة عدائية. (٢) زيادة
المشاعر العدوانية. (٣) زيادة الاستثارة
العامة (معدل ضربات القلب، على سبيل
المثال)، مما ينزع إلى زيادة الميل
السلوكي السائد. (٤) يحدث في بعض الأحيان
تقليد مباشر للسلوكيات العدوانية
المشاهَدة أخيرًا.
٦
يرى أندرسون أن الارتباط بين العدوان والألعاب
هو ارتباطٌ غير مباشر وعام. وفي الواقع أنه من
المعقول تمامًا أن الميول اللاواعية تجاه العنف قد
تتحول إلى صراعات واعية بوضوح عن طريق ممارسة
الألعاب، وأنها قد تصبح تلقائية من خلال
التَّكرار، وهو الوضع الافتراضي. إن الإعادة،
والتَّكرار، هما الأمر البالغ الأهمية هنا، إذ
ينغمس اللاعب في رواية خيالية تُمثَّل مرارًا
وتَكرارًا. ومقارنة بمجرد مشاهدة مشهد عنيف، فأنت
في سياق ممارسة لعبة فعلية تمتلك شخصية تُكافأ
أفعالُها العدوانية من قِبل اللعبة، مما يؤدي إلى
تدفق الدوبامين في دماغك؛ وبالتالي تصبح عقليتك
العدوانية هي القاعدة. من الممكن للفرد الذي يندمج
في الألعاب العنيفة أن يفقد الوعي الذاتي
والبصيرة؛ لأن الميل إلى التصرف العدواني يصير
عادة قوية.
لقد رأينا بالفعل كيف ذكر عالم النفس المتبصر،
دونالد هب
Hebb،
منذ أكثر من سبعة عقود أن العصبونات التي «تطلق
إشاراتها معًا ترتبط معًا.» وفي الآونة الأخيرة،
ردَّد الباحث في ألعاب الفيديو دوغلاس جنتايل هذا
الموضوع، مشيرًا إلى أن «كل ما نمارسه بشكلٍ متكرر
يؤثر في الدماغ، فإذا مارسنا طرقًا عدوانية في
التفكير، والشعور والاستجابة، فسوف نتحسن في تلك المجالات.»
٧ ومن الممكن للمحتوى العنيف في ألعاب
الحاسوب أن يزيل تحسُّس اللاعبين تجاه السلوك
العنيف تجاه الآخرين، الأمر الذي يعود جزئيًّا إلى
انخفاض عتبة الاستجابة للاستفزاز وتضاؤل التعاطف
مع الآخرين. وعلى سبيل المثال، إذا اصطدم بك شخص
ما في الممر، فقد تبالغ في رد فعلك العدائي «مع من
تعتقد أنك تتزاحم!»
وفي دراسة حديثة، أظهر يوسف حسن وفريقه في جامعة
بيير منديس فرانس أن الألعاب العنيفة تَزيد بالفعل
من توقعاتٍ بأن الآخر سيتصرف بعدائية أو بعدوان،
وربما كان ذلك ناتجًا عن الخبرة المتكررة في
اللعبة بالشخصيات المعادية.
٨ مارس طلاب الجامعة الفرنسية إما لعبة
عنيفة وإما لعبة غير عنيفة لمدة عشرين دقيقة فقط.
وبعد ذلك، كان عليهم قراءة حبكة قصة غامضة مفعمة
بالصراعات الشخصية المحتملة، وذكروا ما ظنوا أن
الشخصيات الرئيسة ستفعله، أو تفكر فيه، أو تشعر به
مع توالي أحداث القصة. وقد جرى قياس العدوان
باستخدام لعبة حاسوبية تنافسية يمكن للفائز فيها
على ما يبدو أن ينسف الخاسر بضجة عالية من خلال
سماعات الرأس. وأظهرت النتائج أن لاعبي ألعاب
الفيديو العنيفة توقعوا استجابات أكثر عدوانية من
الشخصيات الرئيسة الواردة في القصة. وعلاوة على
ذلك، فقد اختاروا أصواتًا ذات ضوضاء أعلى وأطول
مدة بكثير لمنافسيهم في اللعبة. وكما كان متوقعًا،
فقد زادت ألعاب الفيديو العنيفة من تحيز التوقع
العدائي، والذي زاد بدوره من العدوان الفعلي. ماذا
ستكون الآثار الطويلة المدى لهذا الوضع؟
ثمة اقتراح يقول إنه قد تكون هناك بعض
الإيجابيات بالفعل. وعلى سبيل المثال، يمكن أن
توفر ألعاب الفيديو العنيفة مخرجًا آمنًا للعدوان والإحباط.
٩ ومن هذا المنطلق، فإن البحوث التي
تقودها حاليًّا شيريل أولسون
Olson وفريقها
في مركز مستشفى ماساتشوستس العام للصحة العقلية
ووسائل الإعلام، تُشير إلى أن الألعاب العنيفة
تساعد الطلاب على التغلب على التوتر والعدوان.
يبدو أن أكثر من ٤٥ في المائة من الفتيان و٢٩ في
المائة من الفتيات يستخدمون ألعابًا عنيفة مثل
Grand Theft Auto
IV كصمام أمان لغضبهم.
١٠ لكن هناك القليل من الأدلة على أن
العنف يمثل حتمية بيولوجية مولَّدة داخليًّا
شبيهةً بالجوع أو النوم، أي محفز يتراكم في الجسم،
مهما كانت النتيجة، كحاجة فطرية تجِب تلبيتُها إن
عاجلًا أو آجلًا. وعلاوة على ذلك، فليس الغضب
كالعدوان، على الرغم من أن الأول قد يؤدي في بعض
الأحيان إلى الأخير. ومهما يكن، فقد يكون الأمر هو
أن هناك طرقًا أكثر فاعلية لمساعدة الشخص على
التعامل مع الغضب من توفير فرصة للعنف، مهما كان
صوريًّا.
«إن الدليل» الوحيد على أن الألعاب العنيفة قد
تكون لها آثار إيجابية، وَفقًا لأولسون والعديد من
المتابعين المتحمسين للألعاب، هو على ما يبدو أن
معدل جرائم العنف قد تراجع في الوقت نفسه الذي
زادت فيه شعبية ألعاب الفيديو العنيفة. لكن انخفاض
معدلات الجريمة يرجَّح أن يكون ناتجًا عن مجموعة
متنوعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية
المعقدة. والأهم من ذلك أن أحدًا لم يتمكن مطلقًا
في الواقع من إثبات وجود صلة مباشرة بين ألعاب
الفيديو العنيفة والانخفاض في معدلات جرائم العنف
الفعلية، أو حتى أشار إلى العكس، أي أن هذه
الألعاب تدفع اللاعبين مباشرة إلى الخروج من حالة
الهياج.
وعلى أي حال، فإن التغير نحو نزعة أكثر عدوانية
نتيجة لألعاب الفيديو لا يبدو أنه ظاهرة عالمية
محددة عبر مختلِف الثقافات. وقد أظهرت دراسة طولية
أُجريت مؤخَّرًا، والتي صُمِّمت لاستكشاف الآثار
الطويلة الأجل للألعاب العنيفة على طريقة تفكير
الشبان الأمريكيين واليابانيين في سن المدرسة، أنه
خلال فترة قصيرة لا تزيد على ثلاثة أشهر، أدى
التعرض المكثف لألعاب الفيديو العنيفة إلى زيادة
العدوان الجسدي، مثل لَكْم أو رَكْل شخص ما أو
الدخول في معارك فعلية.
١١ وقد أظهر عدد من الدراسات المماثلة
الأخرى التي أُجريت مؤخَّرًا في ألمانيا
١٢ وفنلندا
١٣ آثارًا مماثلة.
وعلى الرغم من أن الدراسة المنهجية لألعاب
الفيديو تمثل مجالًا جديدًا نسبيًّا، يبدو أن هناك
أدلةً قوية على وجود صلة بين ممارسة ألعاب الفيديو
وبين امتلاك عقلية عدوانية. وقد اعتمد التحليل
التَّلَوي الأكثر شمولًا حتى الآن على ١٣٦ ورقة
بحثية تسرد تفاصيل ٣٨١ اختبارًا مستقلًّا حول
الارتباط، والتي أُجريت على ما مجموعه ١٣٠٢٩٦ من
المشاركين البحثيين، فوجد أن ممارسة الألعاب
العنيفة تؤدي إلى زيادات كبيرة في إزالة التحسس،
والاستثارة الفسيولوجية، والإدراك العدواني،
والسلوك العدواني، في حين انخفض السلوك الاجتماعي الإيجابي.
١٤
وكما هي الحال بالنسبة إلى الأدبيات العلمية
التي تخضع لمراجعة الأقران، فقد تعرَّض هذا
التقرير للانتقاد على الفور بسبب وجود عدد من
العيوب المنهجية، لا سيما التحيز في اختيار
الدراسات المدرجة، وكذلك الحجم الضئيل المزعوم
لحجم العينة.
١٥ تمكَّن المؤلفون الأصليون، وهم براد
بوشمان
Bushman
وزملاؤه، من دحض هذا الاتهام وأنكروا وجود أي
دليلٍ على التحيز في اختيارهم للبيانات.
١٦ وردُّوا أيضًا بأن الآثار الملاحظة،
بعيدًا عن كونها ضئيلة الحجم، كانت أكبر من العديد
من الآثار التي تُعتبر كبيرة بما فيه الكفاية
لتبرير اتخاذ فعلٍ ما في المجالات الطبية.
وبالتالي فإن الحجة الرئيسة ضد الآثار الضارة
المحتملة للألعاب العنيفة قد اختُزلت إلى واحدة
متعلقة بالتفاصيل (الآثار الواقعية لتلك الآثار،
وحجمها، ومنهجية تقييمها)، ولكن ليس بما إذا كان
أيها موجودًا في المقام الأول.
١٧
وباستثناء السلوك العدواني تجاه الآخرين، فمن
الواضح أن ألعاب الفيديو العنيفة ليس لها تأثير
واضح على الدماغ والجسم. ربطت الأبحاث بين ألعاب
الفيديو العنيفة وحدوث تغيرات في منظومة «القتال
أو الهرب»، والتي تطورت لتحضير الجسم للعمل عن
طريق ضخ الدم في جميع أنحاء الجسم بسرعة أكبر،
وتعطيل عملية الهضم مؤقتًا، وتبريد الجلد بواسطة
العَرَق، وهَلُمَّ جرًّا. يبدو أن اللاعبين يمكنهم
الاعتياد على هذا الاندفاع الكظري
adrenal rush،
بحيث إن عيش تجرِبة عنيفة واقعية لا يحفِّز
استجابة قوية.
١٨
أثبت نيكولاس كارناغي
Carnagey، وهو
طبيبٌ نفسانيٌّ في جامعة ولاية أيوا، أن التعرض
الموجز لألعاب الفيديو العنيفة يؤثر على تفعيل ذلك
الجزء من الجهاز العصبي الذي عادة ما يَزيد من
ضربات قلبك تلقائيًّا.
١٩ مارس المشاركون لعبة فيديو عنيفةً أو
غير عنيفة لمدة عشرين دقيقةً، وشاهدوا بعد ممارسة
اللعبة على الفور مقطع فيديو مدته عشر دقائق من
العنف في العالم الحقيقي الفعلي (وليس كما تُصوره
هوليوود) — مثل مشاجرة وقعت في سجن ما، والتي
تعرَّض فيها أحد السجناء للطعن مرارًا وتَكرارًا —
في أثناء قياس معدل ضربات القلب ومواصلة
conductance
الجلَد. أظهر مَن مارسوا لعبة الفيديو العنيفةَ
تغيرًا أقل في معدل ضربات القلب، مع تعرُّق أقلَّ
في راحتَي اليدين في أثناء مشاهدة الفيديو، مقارنة
بمن مارسوا لعبة الفيديو غير العنيفة. أدت لعبة
الفيديو العنيفة إلى جعل المشاركين أقل تأثرًا
وانزعاجًا بفعل العدوان في العالم الحقيقي.
من الممكن أن تكون عواقب إزالة التحسيس
الفسيولوجية هذه بالغة الأهمية: عندما يُزال تحسيس
الأفراد بفعل ألعاب الفيديو العنيفة، سيكونون أقل
عرضة لمساعدة ضحايا العنف.
٢٠ وفي دراسة بعينها أجراها براد بوشمان
وكريغ أندرسون في جامعة ولاية أيوا، مارس
المشاركون واحدة من ألعاب الفيديو قبل ترتيب
مشاجرة وهميةٍ خارج المختبر قرب نهاية الدراسة.
مقارنةً بالمشاركين الذين مارسوا لعبة الفيديو غير
العنيفة، كان المشاركون الذين مارسوا لعبة الفيديو
العنيفة أقل عرضة للإبلاغ عن سماع المشاجرة، كما
حكموا على الحدث بأنه أقل خطورة، وكانوا أبطأ في
الاستجابة عندما قدموا بالفعل يد المساعدة.
ربما ليس من المستغرب أن تكون لممارسة ألعاب
الفيديو العنيفة آثار مقابلة يمكن ملاحظتها في
الدماغ نفسه. يُظهر النشاط الدماغي المسجَّل في
أثناء اللعب وجود ارتباطات عصبونية مؤكدة مع سلوك
الحياة الحقيقية. سجَّل الباحثون النشاط الدماغي
للاعبين المحنَّكين، الذين يلعبون في المتوسط أربع
عشرة ساعة في الأسبوع، في أثناء ممارستهم لِلُعبة
تُطلِق فيها النار على أول شخص تراه.
٢١ تسببت مشاهدة المقاطع العنيفة في
إحداث تغير نشاط مناطق معينة من أدمغتهم،
وبالتحديد في منطقة بعينها، وهي [التلفيف] الحزامي
المِنقاري الأمامي. تنشط هذه المنطقة بشكلٍ
طبيعيٍّ خلال الكشف عن وجود تناقضات في المعلومات
الواردة، كما هي الحال في اختبار ستروب
Stroop test،
عندما يكون وقت الاستجابة أبطأ لأن اسم اللون
(الأزرق، على سبيل المثال) قد طُبع بلون لا يرمز
إليه هذا الاسم، مثل الأحمر. وكذلك فقد رُبطت
ممارسة الألعاب بتعطيل اللوزة
amygdala، وهي
منطقة في الدماغ ترتبط عادة بالذاكرة المشحونة
عاطفيًّا، بحيث يؤدي انخفاض النشاط في هذه المنطقة
إلى كبت الخوف وخمودٍ عامٍّ في العاطفة. وبالتالي
كانت أدمغة اللاعبين أقل حساسيَّةً وأقل استجابةً
من الناحية العاطفية للأفعال المتناقضة، مثل العنف
المفاجئ. ومن المهم أن نلاحظ أن نمط التفعيل يعكس
تسلسل التفاعل بين دماغ وبيئة الفرد وليس فقط مجرد
تسجيل ما يجري هناك.
وفي تجرِبة ثانية للتصوير الشعاعي، مارس لاعبون
عاديون لعبة تُطلِق فيها النار على أول شخص تصادفه
وحُللت أفعالهم في اللعبة والصور الدماغية
المقابلة لها.
٢٢ أظهرت النتائج أن المناطق الدماغية
التي ترتبط بالعاطفة والتعاطف (القشرة الحزامية
واللوزة، مرة أخرى) كانت أقل نشاطًا خلال ممارسة
الألعاب العنيفة. يقترح المؤلفون أن هذه المناطق
لا بد أن تُثبَّط خلال ممارسة الألعاب العنيفة،
كما هي الحال في واقع الحياة، من أجل التصرف بعنف
من دون تردد. وعلاوة على ذلك، فقد فُعِّلت المناطق
المرتبطة بالعدوان والإدراك، بصورة مشابهة للتفعيل
الذي يحدث في أثناء العنف في واقع الحياة.
هل يعني هذا أن الدماغ لا يمكنه معرفة الفرق بين
فعل العنف الافتراضي وفعل العنف في العالم
الحقيقي؟ يشبه هذا أن تسأل عما إذا كان الأفراد
(الذين، بعد كل شيء، هم نواتج أدمغتهم) يمكنهم
التعرف على هذا الفرق؟ لقد رأينا بالفعل أن
اللاعبين يمكنهم الخلط بين الواقع والعالم
الافتراضي. وإذا كان العكس هو الصحيح، أي إذا كان
هناك نوع من اختبار الواقع العصبوني، فمن الصعب أن
نرى موقع وكيفية عمله في الدماغ المادي باعتباره
آلية قادرة على منح موضوعية مستقلة لكل العمليات
الدماغية الأخرى. فإذا كان العقل، كما أشرت إليه،
هو تجسيد للدماغ من خلال ارتباطات عصبونية شخصية،
فسيمتلك كل واحد منا، على كل حال، منظورًا فريدًا
من نوعه وشديد الاختلاف عن الواقع الخارجي. سيكون
من المجازفة أن نفترض أن الدماغ البشري يعرف
دائمًا الفرق بين الخيال والواقع. وقد ذهب عالم
الأعصاب رودولفو ليناس
Llinás من
مركز جامعة نيويورك الطبي إلى حد القول بأن وعينا
الافتراضي يُولد داخليًّا، ولا يُعدل بالزيادة أو
النقصان إلا بفعل مدخول متقطع من واقع خارجي.
٢٣ وفي الوقت نفسه، فإن الفكرة المتطرفة
القائلة بأن الواقع بأسره هو كائناتٌ وهمية
وخارجية لا توجد إلا عندما تُدرَك، تعود إلى قرون،
منذ أن طرحها الفيلسوف جورج بيركلي
Berkeley. ليس
هذا هو المكان المناسب لمناقشة طبيعة الواقع
المادي، ولكن يكفينا القول بأنه لا يوجد محول
تلقائي في الدماغ لاكتشافه، ولا لافتراض أنه هو
مفهومٌ بسيط في المقام الأول، والذي يمكن تفريقه
بسهولة عن الخيال، والذي يمكننا اعتباره أمرًا
مفروغًا منه، ناهيك عن تحديده.
وعلى الرغم من أننا قد ركزنا هنا على ممارسي
الألعاب المفرطين، الذين قد يكونون استحواذيين إن
لم يكونوا مدمنين بالفعل، فإن الصورة البازغة
تُظهر وجود عَلاقة واضحة بين ممارسة الألعاب
العنيفة وزيادة الأفكار، والمشاعر، والسلوكيات
العدوانية. ولكن ماذا يعني هذا في الواقع بالنسبة
للحياة خارج الشاشة؟ نحن نعلم من العديد من
الدراسات المختبرية ذات التصميم الجيد أن ممارسة
ألعاب الفيديو العنيفة قد تجعلنا نستجيب بقوة
أكبر. لكن مدى طول هذه الآثار، وما إذا كانت
تُترجَم حتمًا إلى مواقف في العالم الحقيقي لا
يزال غير واضحٍ.
لقد بدأ استكشافنا لألعاب الفيديو بفكرة مفادها
أننا، في أثناء ممارسة الألعاب، نكرر العديد من
المهارات المفيدة للبقاء على قيد الحياة في العالم
الحقيقي. لا يزال الباحثون يناقشون احتمال وجود
صلة بين العدوان والألعاب حتى بعد خمسة وعشرين
عامًا من الأبحاث، لأن مصطلحات مثل «العدوان»،
و«السلوك العدواني»، و«الغضب»، و«العداء»، وحتى
«الإدراك العدواني» غير محددة بشكلٍ واضح في كثير
من الأحيان، وتُقاس بشكل عشوائي، كما تُستخدم
بالتبادل. ولكن قبل كل شيء، نحن بحاجة إلى التمييز
بين «الغضب»، و«العدوان»، و«العنف». لا يوجد أي
دليلٍ على أن ألعاب الفيديو تؤدي مباشرة إلى العنف
ذي المستوى الجنائي، لكن مجموعة كبيرة من البيانات
تُشير بقوة إلى أنها تحرض على اتخاذ نزعة عدوانية
في الحياة اليومية. وهذا أمر مقلق، وخصوصًا في ضوء
الإحصاءات الأخيرة التي تُشير إلى أن ألعاب
الفيديو العنيفة تشكل ما يقرب من ٦٠ في المائة من
مبيعات ألعاب الفيديو.
٢٤ وعلاوة على ذلك، ففي وقت كتابة هذا
التقرير، كانت ألعاب الفيديو الخمس الأكثر شعبية
(
Grand Theft Auto
V، و
Batman:
Arkham Origins،
و
Assassin’s Creed IV: Black
Flag، و
Call
of Duty: Ghosts, Battlefield
4) كلها عنيفة للغاية في
محتواها.
وكما رأينا عبر صفحات هذا الكتاب، فقد فرض
التطور على البشر أن يتكيفوا مع البيئة. وقد
تعلَّم الأطفال أفضل من خلال مراقبة سلوكٍ ما ثم
تجرِبته بأنفسهم. وتؤثر عواقب هذه الغزوات
التجريبية على ما إن كانوا سيكررون السلوك المعني
أم لن يفعلوه مرة أخرى. تمتلك جميع وسائل الإعلام
العنيفة، بغض النظر عن نوعها، القدرة على تعليم
سلوكيات عنيفة محددة، وكذلك على تلوين الظروف
عندما تبدو هذه السلوكيات مناسبة ومفيدة. وبهذه
الطريقة، يجري تعلُّم السيناريوهات السلوكية
العنيفة وتخزينها في الذاكرة. توفِّر ألعاب
الفيديو بيئة مثالية يجري فيها تعلم العنف لأنها
تضع اللاعبين في دور المعتدي، وغالبًا ما يكافَئون
على السلوكيات العنيفة الناجحة. تسمح الألعاب
للاعبين بتَكرار السرد بأكمله، من الاستفزاز إلى
اختيار الرد بعنف إلى حل النزاع. يُحفَّز اللاعبون
على إعادة تمثيل هذه السيناريوهات مرارًا ولفترات
طويلة من الزمن من أجل تحسين نتائجهم والتقدم إلى
مستويات أعلى. ومن المحتم أن يَزيد هذا التَّكرار
من فعاليتهم ومن احتمالية تَكرار مثل هذا السلوك.
وبالتالي، ستُعتمد السلوكيات العدوانية. إن التحول
المحتمل إلى نمط وتوجه سلوكي أكثر عدوانية بمرور
الوقت يمكنه أن يؤثر في المجتمع وفي ما يتوقعه
بعضنا من بعض، وربما تقليل توقعاتنا بالحصول على
الاحترام والتسامح وزيادة عدم ثقتنا في الآخرين
وحاجتنا المدركة إلى الحفاظ على الذات.
إن أي زيادة في العداء تعني انخفاضًا في ضبط
النفس السوي وزيادة التهور من دون النظر إلى
العواقب. إذا طُلب من أحد علماء الأعصاب أن يقول
شيئًا عن الإفراط في خوض المجازفات، فسيقول إن ذلك
قد يبدأ بالإشارة إلى المتلازمات العصبية التي
يتميز فيها خلل وظائف الدماغ بتعريض النفس لعدد
كبير من المخاطر. تذكَّر الفصل الثامن وحالة فينيس
غيج، الذي كان متقلبًا للغاية، وصبيانيًّا، ونافد
الصبر عند تقييده. تذكَّر أيضًا أن هذا يمثل نمطًا
سلوكيًّا يُشاهَد في جمهرات سكانية أخرى، مثل
البُدَناء، والمقامرين، والفِصاميين، والأطفال
بطبيعة الحال. تتسم هذه المجموعات بتباينها
الشديد، ولكنها جميعًا تشترك في تفضيل «هنا
والآن»، والذي يتجاوز تدبر العواقب الطويلة المدى.
يعلم أي شخص يُفرط في تناول الطعام ماذا سيحدث،
لكن بالنسبة إلى من يمتلكون مؤشرًا مرتفعًا لكتلة
الجسم (الوزن بالنسبة إلى الطول) فإن لذة تذوق
الطعام تتجاوز عواقب الإفراط في تكديس السعرات
الحرارية. وبالمثل، فقد أظهرت الأبحاث أن الأشخاص
البدناء هم أكثر تهورًا في مهمات المقامرة، بل
تُمكِن مقارنتهم بالمقامرين الاستحواذيين الذين
يتجاوز لديهم التشويق الذي يمثله اجتياز حصان
السباق لآخر علامة، أو لفة النرد، العواقب التي قد
تصل إلى فقدانهم كل أموالهم.
٢٥ ومع ذلك، ماذا عن مرضى الفِصام الذين
قد لا يعانون السمنة المفرطة ولا هم من المقامرين
الاستحواذيين؟
إن دراسة الفِصام بالتفصيل تقع خارج نطاق
مناقشتنا الحاليَّة، لكن الخاصية الرئيسة التي أود
الإشارة إليها هنا هي أن مرضى الفِصام يركزون بشدة
على العالم الحسي الخارجي، الذي كثيرًا ما يظنون
أنه سينهار داخلهم. فهم يعتقدون أن الغرباء
يستطيعون رؤية وسماع أفكارهم، باعتبار أنه لا يوجد
جدار للحماية بين أدمغتهم، أو بالأحرى عقولهم،
وبين فيضانات التحفيز الحسي التي تقترب منهم. لقد
رأينا أن العالم الحسي، خلال نمائنا وتطورنا،
يتراجع أمام عالم معرفي أكثر، حيث تهيمن على
تفسيراتنا للعالم الارتباطات الشخصية، أو المغزى.
وفي الفِصام، يكون هذا التحول أقل وضوحًا بكثير،
إذ تظل الحواس مهيمنة على نحو مفرط، وبالتالي يمكن
تشتيت انتباه المصابين بالفِصام بسهولة أكبر بفعل
المحفزات الجديدة، كما يكون مدى انتباههم أقصر.
٢٦ وكذلك يجد الفِصاميون صعوبة في فهم
الأمثال والتفكير المجازي، كما رأينا سابقًا في
التفسير الحرفي الصرف لمقولة «إن من يعيشون في
بيوت من زجاج يجب ألا يقذفوا الناس بالحجارة»،
باعتباره يدل على أنك «إذا كنت تعيش في بيت من
زجاج وألقيت عليه حجرًا، فسوف يتحطم منزلك». يجد
مرضى الفِصام صعوبة في فهم شيء ما من حيث عَلاقته
بشيء آخر، لأن القدرة على تكوين هذه الارتباطات
ترتكز عادة إلى وجود ارتباطية وظيفية قوية بين
شبكات العصبونات، وهي ارتباطيةٌ تنمو وتصير شخصية
في جميع مراحل الحياة.
٢٧
هناك مجموعة أخرى من الناس الذين يرون العالم
حرفيًّا، وينظرون إليه بقيمته الاسمية الحسية، وهم
الأطفال. إن الفتاة الصغيرة أو الصبي الذي يُؤمر
بعدم البكاء على اللبن المسكوب قد ينظر حوله
مستغربًا من عدم وجود كوب مقلوب. يمكن مقارنة
الأطفال الصغار بالبالغين المصابين بالفِصام في أن
لديهم مدى انتباه قصيرًا، ويمكن تشتيت انتباههم
بسهولة أكبر، والأمر المهم أنهم أكثر تهورًا
أيضًا. وكذلك يكون نشاط القشرة المخية أمام مقدم
الجبهية لديهم منخفضًا، إذ إنها لا تنضج بالكامل
إلا في سنوات المراهقة المتأخرة أو حتى في أوائل العشرينيات.
٢٨
وكما رأينا سابقًا، فإن القاسم المشترك المستبطن
لكل من السمنة، والفِصام، وطيش القمار والطفولة هو
كيف ينسخ الحاضر الحسي العواقب الطويلة المدى:
فإلحاح بيئة «هنا والآن» يكون بالغ الأهمية على
نحو غير عاديٍّ. يبدو أن هذا الكبت للماضي
والمستقبل لمصلحة اللحظة الراهنة لا بد أن يكون
متعلقًا بانخفاض نشاط القشرة المخية أمام الجبهية.
فهل يعني هذا أنه على الرغم من كل التحذيرات
الصحية في الفصول السابقة ضد النظر إلى مناطق
محددة في الدماغ كعقول مستقلة مصغرة، فإن القشرة
المخية أمام الجبهية تمثل في الواقع نوعًا من
المقر الرئيس للإدراك وللأفكار السامية التي
تتجاوز اللحظة الراهنة؟ مطلقًا. بعيدًا عن كونها
ضربًا من الدماغ المصغر الفائق ذي الحكم الذاتي،
فإن القشرة المخية أمام الجبهية توجه عددًا أكبر
من المدخلات إلى جميع المناطق القشرية الأخرى
مقارنة بأي منطقة أخرى من القشرة المخية، وبالتالي
فهي تؤدي دورًا رئيسًا في التماسك التشغيلي
للدماغ. ولذلك فإذا انخفضت معدلات نشاط هذه
المنطقة المحورية لأي سبب من الأسباب، فقد يكون
لذلك تأثير عميق في عمليات الدماغ الشاملة، والتي
عادة ما تكون فعَّالة في الوصول إلى الذكريات
والتخطيط للمستقبل. ومن بين الآثار المثيرة
للاهتمام لتلف القشرة المخية أمام الجبهية، نجد
«فقدان الذاكرة المصدرية»، حيث تظل الذاكرة سليمة،
لكنها تصبح أكثر عمومية كما تنفصل عن أي سياق محدد
أو حلقة بعينها.
٢٩ لا يرتبط المريض بالسرد المستمر
لأحداث معينة، لكنه ينغمس أكثر في حاضر ضبابي مبهم
المعالم.
وعندما يصل الدوبامين إلى القشرة المخية مقدم
الجبهية، فهو يُثبط نشاط العصبونات هناك،
٣٠ وبالتالي يُعيد بطريقة ما تلك الحالة
غير الناضجة لدماغ الطفل، أو بالأحرى تلك المميزة
للمقامر المتهور، أو الفِصامي المشتت الانتباه، أو
من يفرط في تناول الطعام. وبالمثل كما يكون
الأطفال عاطفيين للغاية وسريعي الانفعال، يكون
البالغون في هذه الحالة أيضًا أكثر تفاعلًا
للأحاسيس بدلًا من التصرف على نحو استباقي هادئ.
لا عجب في أن هذا المرسال الكيميائي الذي كثيرًا
ما يُستشهد به يَزيد الاستثارة، وكثيرًا ما تُربط
الاستثارة بالمتعة سواء كان ذلك في الرياضات
المتطرفة، أو المخدِّرات، أو الجنس، أو موسيقى
الروك آند رول. إنها حالةٌ دماغية تسيطر عليها تلك
اللحظة الحسية المضاعفة للمتلقي السلبي. ولذلك،
فعندما «تفقد عقلك»، فأنت توقف مؤقتًا الوصول إلى
الوصلات العصبونية الشخصية التي تطورت على مدى
فترة حياة الفرد، والتي تميز تفردك الاستباقي
الخاص. أما الآن، وفي الوقت الراهن على الأقل، فلا
يتحقق الوصول إلى تلك الاتصالات بشكل كامل، وذلك
بفضل العقاقير النفسية التأثير، أو لأن البيئة تضم
محتوًى معرفيًّا قليلًا لأنه تُحفَّز الحواس بسرعة
وبقوة، كما يحدث في سياق ممارسة الرياضة، أو
الجنس، أو نوبات الهذيان.
كيف يمكن تطبيق هذا السيناريو على ألعاب
الفيديو؟ إن الشخصية التي أطلقْتَ عليها النار من
فورك في إحدى ألعاب الفيديو يمكن إعادتها إلى
الحياة بسهولة في المرة القادمة. لعل الفرق الأكبر
بين ألعاب الفيديو والحياة الحقيقية هو أنه في
الألعاب لا تكون للأفعال عواقب يتعذر عكسها. يمكنك
تحمل أن تكون متهورًا بطريقة تكون لها نتائج وخيمة
في العالم الثلاثي الأبعاد. إن الطبيعة الخالية من
النتائج، والتي تتسم بها ممارسة الألعاب، هي جزء
أساس من رُوحها (تذكَّر أن واحدًا من المعايير
الضرورية التي وضعتها نيكول لازارو
Lazzaro للعبة
ناجحة هو «تعليق العواقب»).
٣١ واعتمادًا على اللعبة، فستُكافأ في
بعض الأحيان على التصرف بتهور في أثناء اللعب.
يُسهِّل هذا العالم الموازي التهور فقط، ولكن
اعتمادًا على اللعبة، فهو يُكافئ عليه أحيانًا.
وهذا النوع من انعدام المسئولية المرتكز على
الإنترنت قد تكون له آثار خطيرة في العالم
الحقيقي. بعد ممارسة إحدى ألعاب الفيديو التي تمثل
فيها القيادة المتهورة — صَدم السيارات الأخرى،
والقيادة على الرصيف، والقيادة بسرعة عالية —
جزءًا من اللعبة، فمن المرجح أن يتصرف اللاعبون
بتهور وأن يتخذوا العديد من المخاطر في حالة القيادة.
٣٢ وجدت دراسة طولية أن ممارسة ألعاب
الفيديو العنيفة التي تشجع اتخاذ المخاطر، بما في
ذلك لعبة قيادة السيارات
Grand
Theft Auto، كانت مرتبطةً
بالتقارير الذاتية للقيادة الخطرة، حتى بعد ضبط
المتغيرات الأخرى التي تؤثر في هذا النوع من السلوك.
٣٣ وعلى وجه التحديد، فقد ارتبطت ممارسة
الألعاب بحوادث المركبات، والإيقاف من قِبل
الشرطة، وعادات القيادة غير الآمنة، بما في ذلك
السرعة، واتباع السيارات من الخلف مباشرة،
والاستعداد للقيادة تحت تأثير الكحول.
ومع ألعاب الفيديو الحديثة، فمن الممكن لمجرد
تجرِبة التهور في حد ذاتها أن تكون ممتعة. لقد
رأينا بالفعل أن الألعاب كثيرًا ما تقدم تجرِبة
مثيرة سريعة الوتيرة، والتي تقترن بإفراز مستويات
مرتفعة من الدوبامين في الدماغ.
٣٤ يشتهر الدوبامين بتثبيطه للقشرة
المخية أمام الجبهية، وبالتالي فهل تُظهر أدمغة
اللاعبين نشاطًا أقل في هذه المنطقة الحيوية من
الدماغ؟ ربط العديد من الدراسات بالفعل بين
الممارسة المفرطة للألعاب وانخفاض نشاط القشرة
المخية أمام الجبهية.
٣٥ ووجد تقرير صدر مؤخَّرًا في الصين
تشوهات هيكلية في القشرة المخية أمام الجبهية في
أدمغة مدمني الإنترنت (وكما رأينا في الفصل الرابع
عشر، فإن أغلب الدراسات التي تناولت إدمان
الإنترنت تتضمن أفرادًا يتمثل السلوك الإدماني
الرئيس لديهم في ممارسة الألعاب)، مما يوحي بأن
إدمان الإنترنت قد يؤدي إلى تغييرات بنيوية في الدماغ.
٣٦ تضمنت الدراسة مسح أدمغة المراهقين
الذين يمارسون ألعاب الفيديو على الإنترنت بمتوسط
عشر ساعات يوميًّا لمدة تقارب ثلاث سنوات، ومقارنة
النتائج بصور أدمغة المشاركين المشابهين الذين
يمارسون ألعاب الفيديو بوتيرة أقل. في اللاعبين
المفرطين، أظهرت عمليات المسح شذوذات في المادة
البيضاء في الدماغ، وهي الألياف التي تربط مناطق
الدماغ المكتنفة في المعالجة العاطفية، والانتباه،
وصنع القرار، والسيطرة الإدراكية.
٣٧
وقد لوحظت تشوهات مجهرية مماثلة في أدمغة
المدمنين على مواد مثل الكحول والكوكايين.
وبالإضافة إلى انخفاض تفعيل القشرة المخية أمام
الجبهية، أظهرت الأبحاث التي أُجريت مؤخَّرًا على
مدمني ألعاب الفيديو حدوث انخفاض كبير في نشاط
المناطق الدماغية المتعلقة بالعمليات البصرية والسمعية.
٣٨ ويُشير الباحثون إلى أن الإفراط في
ممارسة الألعاب قد يُضعف استجابة المناطق البصرية
والسمعية في الدماغ. ربما كان الأمر أن الإفراط في
ممارسة الألعاب ضمن عالم محفز بصريًّا وسمعيًّا
يقلل من استجابتنا للعالم الحقيقي المضجر نسبيًّا
لأن أدمغتنا قد أُعيد ضبطها على عالم ألعاب
الفيديو الذي يبدو الآن أنه القاعدة لا
الاستثناء.
تفكَّر في الدورة المحتملة التالية من الأحداث،
والتي تنطوي على شخص يمارس ألعاب الفيديو
التفاعلية. إن معايشة تجرِبة الشاشة التفاعلية
السريعة الوتيرة، والحية، لهي تجرِبة مثيرة،
وبالتالي تنطوي على إفراز الدوبامين. يُثبط
الدوبامين القشرة المخية مقدم الجبهية، وبالتالي
يضع الدماغ في عقلية يتجاوز فيها سيناريو «هنا
والآن» تدبر العواقب المستقبلية، ما يجعل الأحاسيس
السريعة الوتيرة التي توفرها الشاشة أكثر جاذبية
بالمقارنة مع العالم الحقيقي الذي يتسم بالبطء
والرتابة. ومع مواصلة اللاعب للَّعِب، يُفرز
المزيد من الدوبامين، مما يزيل تحسس مستقبلاته.
وفي هذه الحالة، تكون هناك حاجة إلى مزيد من
الدوبامين لإحداث المستوى نفسه من الإثارة الذي
استُشعر في البداية، وبالتالي يتواصل السلوك الذي
أدى إلى زيادة الدوبامين بصورة تزيد أو تقل. وفي
نحو ١٠ في المائة من الأفراد، تكون هذه الدورة
متطرفة بما يكفي لاعتبارها سلوكًا إدمانيًّا أو
استحواذيًّا.
ربما نعيش الآن في عصر غير مسبوق، يقوم فيه عدد
متزايد من الناس بالتدريب على، وتعلُّم، عقلية
افتراضية جديدة للتعامل مع العالم، والتي تتسم
بالعدوان المنخفض الدرجة، وقصر مدى الانتباه،
وهاجس متهور «بهنا والآن». ولكن على الرغم من أن
الممارسة المفرطة للألعاب قد تَزيد كثيرًا من
مستويات الإثارة ومشاعر المكافأة، فهي تفعل ذلك
ضمن السياق المعرفي للعبة الإنترنت. ومن المحتمل
أن يتحول هذا السياق التصوري إلى السرد الجديد
الذي، في الحالات القصوى، يحل محل حبكة القصة
الأقل بساطة، والأقل نجاحًا، والأقل إمتاعًا،
والتي تمثل الحياة الحقيقية للاعب.