الفصل السابع عشر
الشاشة هي الرسالة
في عام ١٩٦٤م، جادل مارشال ماكلوهان
McLuhan، في
كتابه الأسطوري المعنون «فهم وسائل الإعلام»، بأن
التكنولوجيا ليست قناة محايدة، لكنها في حد ذاتها
تؤثر في العمليات الذهنية: «الوسيلة هي الرسالة»
١ واستطرد ماكلوهان لإقامة التمييز بين
وسائل الإعلام فصنفها إلى: «ساخنة [غير محفزة
للحواس]» و«باردة [محفزة للحواس]». تقوم وسائل
الإعلام «الساخنة» بكل المجهود نيابة عنك؛ فأمام
التلفاز، أو الإذاعة، أو حتى صورة فوتوغرافية
بسيطة، أنت مجرد متلقٍّ سلبي. وفي المقابل، فإن
وسائل الإعلام «الباردة» مثل الرسوم المتحركة أو
الهاتف، تتطلب نوعًا من مشاركتك في الاستجابة لما
تعرضه هذه الوسائل بأكثر من الحد الأدنى. ومن
المثير للاهتمام أنه يمكن النظر إلى التجارِب التي
تجري عبر الإنترنت باعتبارها «ساخنة»؛ لأن ما
يُعرَض على الشاشة من مادة غريبة ومذهلة على نحو
متزايد لا يترك شيئًا للخيال، وتُعَد كذلك «باردة»
أيضًا حيث إن جاذبيتها الضخمة تأتي من التجرِبة
التفاعلية المبنية على المشاركة التي تقدمها. إن
وسط التقنيات الرقمية تحديدًا، أي الشاشة نفسها
وما يكمن وراءها، قد يوجِّه الآن عمليات تفكيرنا
في اتجاه غير مسبوق. إن الفرق المادي بين الشاشة
والكتاب، وتوافر النص التشعبي
hypertext،
والفرصة لأداء مهام متعددة أو الانخراط في أنظمة
لتدريب العقل لها جمعيها تأثير محتمل غير مسبوق
على عملياتنا الذهنية.
إن الخاصية المادية الأولى والأكثر وضوحًا
للشاشة هي أن النص يُضيء على سطح صُلب بدلًا من أن
يكون مطبوعًا على صفحة هشة رقيقة. في العام ٢٠٠١م
جادل كل من أبيغيل سيلين
Sellen
وريتشارد هاربر
Harper في
كتابهما المعنون «خرافة المكتب اللاورقي» بأن
الورق التقليدي العتيق الطراز سيستمر في ممارسة
دور مهم في الحياة المكتبية.
٢ كان الأساس المنطقي لأسبابهما هو
المفهوم الرائع حول إمكانيات الاستخدام
affordances،
وهي الفكرة القائلة بأن الخواص المادية لشيء
«تُمكِّن» أو «تسمح» بأنشطة معينة. تَمثَّل
تعليلهما في أن الورق، الذي يمكن أن يكون رقيقًا،
وخفيفًا، ومساميًّا يمكِّن من تنفيذ بعض الأنشطة
مثل الإمساك، والحمل، والطي، والكتابة، وهَلُمَّ
جرًّا. وبالتالي ستكون إمكانيات استخدام الحواسيب
المحمولة والهواتف النقالة مختلفة للغاية.
ومن جانبها، شرعت آن مانغن
Mangen من
جامعة أكرشوس للعلوم التطبيقية في أوسلو في
استكشاف أهمية إمكانية استخدام القيام بالفعل بلمس
الورقة من خلال مقارنة أداء قراء الكتب الورقية
بمن يقرءون على الشاشة.
٣ وقد توصلَتْ إلى نتيجة مفادها أن
القراءة الإلكترونية
e-reading
أسفرت عن فهمٍ أدنى نتيجةً للقيود المادية للنص
التي تُجبر القراء على التمرير صعودًا وهبوطًا،
وبالتالي تشويش قراءتهم نتيجة لعدم الاستقرار المكاني.
٤ وهذا عاملٌ مهم، لأن وجود تمثيل مكاني
ذهني جيد للتصميم المادي للنص يؤدي إلى فهم المادة
المقروءة بشكلٍ أفضل. ويكون من يفهمون جيدًا،
مقارنة مع أولئك الذين يفهمون على نحو رديء، أفضل
بكثير في تذكر وتغيير الترتيب المكاني للمعلومات
المتضمنة في النص، وبالتالي فقد تكون هناك صلة بين
الشكل المادي لما تقرأ ومدى فهمك له.
٥
ثمة اعتبار آخر متعلق بالقراءة من الشاشة، وهو
الاحتمال الأكبر لإجهاد العينين. إن الاختلافات
بين الصفحة المطبوعة والشاشة لها عواقب مهمة على
الهندسة البشرية للإبصار
visual
ergonomics. تعتمد العمليات
الإدراكية البصرية-المكانية للقراءة على وضوح
النص، والذي يعتمد بدوره على اكتشاف الحروف
والتعرف على الكلمات، وعلى مصدر الضوء، والإنارة
المحيطة، وحجم الحروف، وزمن العرض، والمباعدة بين
السطور، وهَلُمَّ جرًّا. تؤثر كل هذه العمليات على
أداء القراءة، والإجهاد البصري، ووقت البحث. وحتى
بين الأنواع المختلفة من وسائل الإعلام
الإلكترونية، تؤدي الإضاءة دورًا فارقًا.
٦
هدَفت أبحاث هانهو جيونغ
Jeong، من
جامعة تشونغ شين في سيول، إلى تقييم قابلية
استخدام الكتب الإلكترونية والمطبوعة من حيث
تلبيتُها معاييرَ موضوعيةً مثل إرهاق العينين،
وكذلك إدراك وفهم المادة المقروءة بالنسبة إلى
طلاب السنة السادسة من المدارس الحكومية.
٧ أظهرت النتائج أن «تأثير الكتاب» يؤثر
بدرجة كبيرة على درجات الاختبار: فبالمقارنة مع
قراءة الكتب الإلكترونية، أسفرت قراءة الكتب
المطبوعة عن فهمٍ أفضل للمادة المقروءة. وعلاوة
على ذلك، فقد عانى الطلاب إرهاق العينين بعد قراءة
الكتب الإلكترونية أكثر مما فعلوا بعد قراءة تلك
المطبوعة، وعلى الرغم من أنهم كانوا «راضين» عن
الكتاب الإلكتروني، فإنهم فضَّلوا الكتب المطبوعة
في الواقع. أصبح معظمهم تعِبًا من القراءة على
الشاشة. وفي المقابل، فقد يكون لهذا التعب تأثيرٌ
سلبي على كلٍّ من فهم المادة المقروءة وإدراك
الكتب الإلكترونية: أظهر مزيد من التحليل
لاستجابات المستخدمين أن العديد من ملاحظاتهم
الناقدة تركزت على حجم أو وضوح الشاشة أو النص،
وليس على الكتاب الإلكتروني نفسه.
أما السمة المميِّزة الثانية للتكنولوجيا
الرقمية فهي الإغراء والفرص التي تتيحها لأداء
مهام متعددة. لا يشك نيكولاس كار
Carr، في
كتابه المعنون «الأفكار السطحية»، في الآثار
الضارة المحتملة: «لا يستحوذ الإنترنت على
انتباهنا إلا لتشتتيه. نحن نركز بشكل مكثف على
الأداة نفسها، على الشاشة الوامضة، لكن انتباهنا
يتشتت بفعل توصيل تلك الأداة الرسائل والمحفزات
المتنافسة بشكل سريع ومتلاحق.»
٨ يتحدد تعدد المهام في وسائل الإعلام
عمليًّا بفعل السيناريوهات المعتادة تمامًا
والمزعجة للغاية، مثل التحول من التحقق من رسائل
البريد الإلكتروني إلى إجراء محادثات عبر الرسائل
الفورية مع شخص ما، وكتابة الرسائل النصية أثناء
مشاهدة التلفاز، أو التنقل من موقع إلكتروني إلى
آخر. وفي استطلاعٍ شمِل ألفَي طفل تتراوح أعمارهم
بين الثامنة والثامنة عشرة، بلغ معدل الوقت الذي
قضَوه في تعدد المهام بين أكثر من أداة تكنولوجية
في العام ١٩٩٩م نحو ١٦ في المائة، لكنه تضاعف
تقريبًا إلى ٢٩ في المائة بعد مرور عشر سنوات.
٩ وفي استطلاع أُجري على طلاب الجامعات
الأمريكية، ذكر ٣٨ في المائة منهم أنهم لم يتمكنوا
من الاستمرار في الاستذكار لأكثر من عشر دقائق من
دون فحص الحاسوب المحمول، أو الهاتف الذكي أو
الحاسوب اللوحي، أو القارئ الإلكتروني الخاص بهم.
١٠
وباعتبار أن تنفيذ مهام متعددة على الأجهزة
الإلكترونية، بحكم التعريف، يشتت الانتباه بين
المصادر المتعددة، فقد ركَّز كثير من الأبحاث على
كم المعلومات التي يمكن الاحتفاظ بها، ومدى
كفاءتها، عندما يقوم الأفراد بمهام متعددة بين
الأجهزة المختلفة. صنَّفت إحدى الدراسات الطلابَ
من خلال سلسلة مؤلفة من ثلاثة اختبارات؛ قُسِّم
المشاركون إلى مجموعتين: من ينخرطون بانتظام في
تنفيذ مهام متعددة عبر الأجهزة المختلفة بشكل
متكرر، وأولئك الذين لا يفعلون ذلك. تضمنت
الاختبارات الثلاثة المتضمنة في الدراسة نظر
المشاركين إلى عدد من الأشكال والأرقام، أو
الحروف، لكن المهمة المطلوبة تمثلت في أن يتذكروا
بعضًا فقط من الصور التي تظهر على الشاشة وتجاهل
الأخرى.
في جميع الاختبارات الثلاثة، بدا أن من يُفرِطون
في تنفيذ المهام المتعددة غير قادرين على تجاهل
الأشكال التي طُلب منهم تجاهلها، وغير قادرين على
استبعاد ما لم يكن مطلوبًا في هذه المهمة تحديدًا.
وفي جميع الحالات، فاق أداء من ينفذون قليلًا من
المهام المتعددة نظراءهم ممن يُفرِطون في تنفيذ
المهام المتعددة. كان الباحثون قد شرحوا لهم في
البداية فوائد المهام المتعددة المسندة إليهم. لكن
إيال أوفير
Ophir
— وهو المؤلف الرئيسي للدراسة والباحث في مختبر
ستانفورد للتواصل بين البشر والوسائط المتعددة
التفاعلية — خلَص إلى ما يلي: «ظلِلنا نبحث عما هم
أفضل فيه ولم نجده.» وقد تمثَّل تفسير أوفير في أن
«من يُفرِطون في تنفيذ المهام المتعددة يستقون على
الدوام المعلومات من جميع المعلومات المتاحة
أمامهم، فهم لا يستطيعون إبقاء الأمور منفصلة في عقولهم.»
١١ وقد أسهب أنتوني واغنر
Anthony
Wagner، وهو باحثٌ نفسي، في
وصف هذه الفكرة على نحو أعمق: «عندما يكون [من
يُفرِطون في تنفيذ المهام المتعددة] في مواقف تكون
فيها مصادر متعددة للمعلومات واردة من العالم
الخارجي أو ناشئة من الذاكرة، يكونون غير قادرين
على استبعاد ما لا صلة له بهدفهم الحالي. ويعني
عدم القدرة على الاستبعاد أن أداءهم يتباطأ بفعل
تلك المعلومات غير ذات الصلة.»
١٢
كذلك ذُكِر تعدد المهام بوصفه سببًا لكون الوقت
المنقضي في قراءة كتاب دراسي إلكتروني أطول مما
يحدث عند قراءة الكتاب المطبوع.
١٣ وتُبين البحوث أيضًا أن طلبة الجامعة
ينفذون مهام متعددة فيما يقرب من ٤٢ في المائة من
وقت الصف.
١٤ وجدَتْ دراسة تجريبية حول تنفيذ
المهام المتعددة وفهم المحاضرات أن الفهم قد يتضرر
بشكلٍ كبير عندما كُلف الطلاب بمهام البحث البسيطة
في مواقع غوغل، أو يوتيوب، أو فيسبوك، والتي شغلت
٣٣ في المائة فقط من وقت الصف.
١٥ وعمومًا، فقد أظهر الطلاب الذين قضَوا
ثلث المحاضرة في تنفيذ المهام المتعددة انخفاضًا
بلغ ١١ في المائة في اختبار الفهم بعد المحاضرة.
ثمة إجابة بسيطة لهذه الظروف المحزنة على ما يبدو،
وهي أن من يرغب من الطلاب في التعلم فسيفعل ذلك،
وسينصرف انتباه من يصابون بالملل ونقص الدوافع
خلال المحاضرات. وعلى أي حالٍ، فقد اتخذ الباحثون
خطوة إضافية، فوجدوا أنه بالنسبة إلى الطلاب الذين
لم يشغلوا أنفسهم بالمهام المتعددة، فحتى رؤية
الطلاب الآخرين المستخدمين للمهام المتعددة في
أثناء المحاضرة كان لها تأثيرٌ سلبي كبير على
فهمهم. تعرَّض الطلاب الذين رأوا مباشرة الطالب
المستخدم للمهام المتعددة وهو يتصفح الفيسبوك، أو
غوغل، أو يوتيوب لانخفاض أدائهم بنسبة ١٧ في
المائة في اختبار الفهم التالي، مما يدل على أن
التأثير المشتت للانتباه لتكنولوجيا الحواسيب
الشخصية في الفصول الدراسية لم يؤثر فقط في الطلاب
الذين يشعرون بالملل، ولكن أيضًا في الطلاب أصحاب
العزيمة.
ولكن خارج الفصل الدراسي، هل تؤثر المهام
المتعددة في أثناء فترات الاستذكار بدورها في
الأداء الأكاديمي؟ راقب الباحثون طلاب المدارس
المتوسطة، والثانوية، والجامعات في أثناء انهماكهم
في تنفيذ مهام أكاديمية في منازلهم لمدة خمس عشرة
دقيقة فقط.
١٦ وقد أخذوا في اعتبارهم وجود التقنيات
الأخرى، والنوافذ المفتوحة على حواسيبهم في بيئة
التعلم قبل الاستذكار، قبل إجراء تقييمٍ دقيقةً
بدقيقة لسلوكهم في أثناء تنفيذ المهمة وخلال
استخدام التكنولوجيا بعيدًا عن المهمة. ومن المثير
للدهشة أن متوسط الوقت الذي قضاه الطلاب في أداء
المهمة قبل التحول عنها كان أقل من ست دقائق،
والذي كان راجعًا في معظم الأحيان إلى وسائل
التشتيت التكنولوجية (بما في ذلك وسائل الإعلام
الاجتماعية والرسائل النصية)، كما ذكروا تفضيلهم
للتنقل بين المهام. لم يؤثر اتخاذ موقف إيجابي
تجاه التكنولوجيا في المهمة خلال الاستذكار؛ وعلى
أي حال، فقد كان لدى من فضَّلوا التنقل بين المهام
عدد أكبر من التقنيات المشتِّتة للانتباه، وكانوا
أكثر عرضة من غيرهم للخروج من المهمة. وليس من
المستغرب في الحقيقة أن يكون التركيز هو العامل
الرئيسي، وأن تنفيذ المهام المتعددة قد يأتي
بنتائج عكسية.
أصبح تبادل الرسائل الفورية واحدًا من أكثر
أشكال الاتصالات الحاسوبية شعبية بين طلاب
الجامعات، من خلال برامج مثل سكايب ودردشة
الفيسبوك. ولم يكن من المستغرب، في استطلاعٍ شمِل
عينة كبيرة من طلاب الجامعات، والذي أُجري عبر
الإنترنت، أن يذكر أكثر من نصفهم أن تبادل الرسائل
الفورية في أثناء الاستذكار كان له تأثير ضار على
أدائهم الأكاديمي.
١٧ وبالمثل، فقد وجدَتْ دراستان أن هناك
عَلاقةً عكسية بين كم الوقت المنقضي على الفيسبوك
والمعدل التراكمي للدرجات.
١٨ وقد ذكر مستخدمو الفيسبوك أيضًا أنهم
يقضون ساعات أقل في كل أسبوع في الاستذكار
بالمقارنة مع غير المستخدمين للفيسبوك.
١٩
وفي حين قد يكون الطلابُ واعِين بالتأثير الضار
لتنفيذ المهام المتعددة، فقد شرع استقصاءٌ أكثر
رسميةً في قياس مدى الجودة المحتملة لأداء الطلاب
في اختبارٍ ما عند القيام بمهام متعددة أثناء
الاستذكار. وفي أحدى الدراسات، كان من المتوقع من
الطلاب المنهمكين في تبادل الرسائل الفورية أثناء
قراءة نص عن علم النفس على الإنترنت أن يستغرقوا
وقتًا أطول في قراءة النص، وأن يكون أداؤهم سيئًا
في اختبار الفهم.
٢٠ قُسِّم المشاركون عشوائيًّا إلى واحد
من بين ثلاثة اختيارات: تبادل الرسائل الفورية قبل
القراءة، وتبادل الرسائل الفورية أثناء القراءة،
أو عدم تبادل أي رسائل فورية. استغرق الطلاب فترة
أطول بكثير في قراءة النص عندما كانوا يتبادلون
الرسائل الفورية أثناء القراءة، من دون احتساب
الوقت الفعلي المستغرق في بعث الرسالة. حذَّر
الباحثون من أن الطلاب قد يشعرون بأنهم يُنجزون
مزيدًا في فترة أقصر من الوقت في أثناء تنفيذ
المهام المتعددة، والواضح أن الأمر ليس كذلك.
٢١
وباختصار، فعلى الرغم من أن القدرة على إنجاز
العديد من الأمور في وقت واحد قد تبدو شيئًا
رائعًا لمواكبة سرعة الحياة في القرن الحادي
والعشرين، فإن الثمن قد يكون باهظًا. تتزايد
الأدلة بشأن الآثار السلبية لمحاولة معالجة تيارات
مختلفة من المعلومات في وقت واحد، فتشير النتائج
المتوفرة حتى الآن إلى أن تعدد المهام يؤدي إلى
زيادة الوقت اللازم لتحقيق المستوى نفسه من
التعلم، وكذلك زيادة الأخطاء أثناء معالجة
المعلومات، مقارنة بمن يقومون بمعالجة المعلومات
نفسها بالتعاقب أو بشكل متسلسل.
وتتمثل السمة الأساسية الثالثة للشاشة في أن
الكتاب المطبوع لا يمكنه أبدًا أن يعرض نصًّا
تشعبيًّا. وعلى الرغم من الفروق الفردية بين
القراء، مثل سعة الذاكرة العاملة والمعرفة
السابقة، والتي تلعب جميعها دورًا في الأداء
النهائي للقراءة، فمن الممكن لزيادة متطلبات النص
التشعبي على عملية صنع القرار والمعالجة البصرية
أن يكون لها تأثيرٌ ضار على كفاءة الطلاب.
٢٢ فالنص التشعبي، في نهاية المطاف، وهو
انحراف عن مسار الفكر الخطي، قد يصرف انتباهك عن
الفكرة أو لا يصرفه، لكنك لن تكتشف ذلك إلا عندما
يتشتت انتباهك بالفعل. يمكن القول إن التفاف النص
التشعبي الذي يمكن أن يؤدي إلى مزيد من التعرجات
بعيدًا عن الرحلة الفكرية الأولية هو أقرب من كونه
إلهاءً عن مسار الفكر الخطي من الحاشية التقليدية،
والتي تتسم بكونها محدودة ولا تؤدي إلى ما هو أبعد
منها. وعلاوة على ذلك، فإن ارتباط النص التشعبي
ليس ارتباطًا صنعته بنفسك، كما أنه ليس بالضرورة
مهمًّا في المسار الفريد لتعليلك المنطقي والإطار
المفاهيمي الذي تبلغه في نهاية المطاف. وبالتالي
فهو لن يساعدك بالضرورة على القراءة بوتيرة تسمح
لك بفهم واستيعاب ما تقرؤه.
يمثل هذا المفهوم حول القراءة بوتيرتك الخاصة بك
جزءًا مهمًّا لما يُعرف بما وراء المعرفة
metacognition،
أو القدرة على مراقبة أدائك المعرفي الخاص بك
والوعي به. يتفق ما وراء المعرفة ويتقارب مع الفهم
الجيد للمادة المقروءة. قارَن كلٌّ من راكفيت
أكرمان
Ackerman
وموريس غولدسميث
Goldsmith من
معهد التكنيون الإسرائيلي للتكنولوجيا وجامعة
حيفا، أداء القراءة لكلٍّ من التعلم عبر الشاشة
والتعلم عبر النصوص المطبوعة ورقيًّا، فوجدا أن
الأداء لا يختلف بدرجة كبيرة في ظل ظروف الاختبار
الثابتة. وعلى أي حال، فعندما جرى تنظيم وقت
الاستذكار ذاتيًّا، جاءت نتيجة القراءة من الشاشة
أسوأ من القراءة من الورق. وترافق الأداء المتدني
لأولئك الذين يقرءون من الشاشة مع قدر كبير من
الثقة المفرطة فيما يتعلق بالأداء المتوقع، في حين
أظهر المشاركون الذين تعلموا من الورق مراقبةً أدق
لأدائهم. توصل أكرمان وغولدسميث إلى استنتاج مفاده
أن الناس يبدو أنهم يدركون الوسيلة المطبوعة
باعتبارها أكثر ملاءمة للتعلم النافع، في حين أن
الوسائط الإلكترونية، أي جهاز الحاسوب كمثال في
هذه الحالة، هي أكثر ملاءمةً للقراءة السريعة وغير
المتعمقة للنصوص القصيرة مثل الأخبار، ورسائل
البريد الإلكتروني، وتعليقات المنتديات … والإدراك
الشائع لما يُعرض على الشاشة باعتباره مصدرًا
للمعلومات المخصصة لبث الرسائل السطحية قد يقلل من
حشد الموارد المعرفية الضرورية للتنظيم الذاتي الفعال.
٢٣
يقودنا هذا إلى المسألة الرابعة، وهي الأكثر
أهمية على الإطلاق: أي سبب انتقائك لكتاب أو
التحول منه إلى كتاب إلكتروني في المقام الأول.
كشفت الأبحاث التي أُجريت مؤخَّرًا، والتي انطوت
على تحليل سلوك القراءة في البيئة الرقمية على مدى
السنوات العشر الماضية، أن الانخفاض في الانتباه
المستمر أصبح يميز وبشكل متزايد مهارات القراءة
والكتابة وعاداتها لدى الناس.
٢٤ ومع الكم المتزايد من الوقت الذي
يُقضى في قراءة الوثائق الإلكترونية، يبزغ شكل
سلوكي للقراءة من الشاشة يتميز بقضاء مزيد من
الوقت في التصفح والقراءة السريعة، واكتشاف
الكلمات الرئيسية، والقراءة لمرة واحدة، والقراءة
غير الخطية، والقراءة بصورةٍ أكثر انتقائية، في
حين يقل الوقت الذي يُقضى في القراءة المتعمقة
والقراءة المركزة. قد تستغرق القراءة من الشاشة
وقتًا أطول من قراءة كتاب مطبوع (بسبب احتمال وجود
مشتتات للانتباه، مثل روابط النصوص التشعبية) أو
أنها قد تشجع على استراتيجية أكثر توجهًا نحو
التصفح. فأيٌّ من الاثنين، الكتاب أم الشاشة، قد
يكون تنفيذه أكثر صعوبة؟
في جامعة غوتنبرغ، قاس فريق فرانشيسكا كيرتزشمر
Kretzschmar
(عن طريق تخطيط كهربية الدماغ
EEG) الموجات
الدماغية وتتبع العين لتقييم الجهد المعرفي
المكتنف في القراءة في كل نوع من الوسائط.
٢٥ كررت النتائج ما أظهرته النتائج
السابقة من حيث إن المشاركين اختاروا بأغلبية
ساحقة الورق المطبوع أكثر من الإلكتروني أو
الحاسوب اللوحي بوصفه وسيلة القراءة المفضلة. وعلى
أي حال، فلم يفرِّق الجهد المعرفي الفعلي بين
الوسائل، مما يشير إلى أنه على الرغم من أن القراء
صنَّفوا الأجهزة الرقمية باعتبار أنها تتطلب
مزيدًا من الجهد، فلم يكن بالإمكان تفريق النتائج
الموضوعية من حيث الفهم أو الإدراك. قد يُفسر هذا
التصور الشخصي سبب عدم انتشار الكتب الإلكترونية
على نطاق واسع بين طلاب الجامعات. تُقرأ الكتب
الدراسية لأسباب مختلفة وباستراتيجيات مختلفة عن
الروايات مثلًا.
٢٦
من المؤكد أن المهارات التي تتجاوز الفهم
والإدراك قد تزدهر بسهولة أكبر نتيجة لقراءة الكتب
الدراسية المطبوعة. وعلى سبيل المثال، فقد تتبعَتْ
دراسة أُجريت في جامعة شيفيلد الطلاب وهم يتعرفون
على حشرات قمل الخشب
woodlice، حيث
استخدمت مجموعة منهم دليلًا تقليديًّا مطبوعًا
للتعرف على تلك الحشرات، فيما استخدمت مجموعة أخرى
الدليل نفسه محمَّلًا على أحد الحواسيب.
٢٧ وقد اتضح أن المجموعة التي استخدمت
الكتب المدرسية التقليدية كانت أكثر فضولًا
وتشكيكًا في المعلومات. ولعل الكتاب يوفر إحساسًا
بالديمومة وبنية مباشرة تمكِّن الطلاب من الشعور
بأنهم أكثر أمنًا وثقة عند طرح الأسئلة. وبدلًا من
ذلك، فقد يشعرون بأن لديهم مزيدًا من الوقت
للتأمل، وبأنه ليس هناك دافع مُلحٌّ للضغط على زر
للاطلاع على المدخول التالي على الشاشة. ولذلك فقد
يكون هذا الإحساس بالاستكشاف الشخصي وَفقًا
لوتيرتهم الخاصة هو ما يكمن وراء التفضيل الشخصي
للطلاب، كما لوحظ في دراسات أخرى.
وهنا يكمن التناقض: على الرغم من جاذبية الكتب
الورقية، فإن القراءة أصبحت تجرِبة رقمية على نحو
متزايد. تتزايد مبيعات الكتب الإلكترونية بوتيرة
متسارعة، في حين تراجعت مبيعات الكتب التقليدية.
٢٨ وقد تجاوزت مبيعات الكتب الإلكترونية
مبيعات الكتب المطبوعة لأول مرة في الولايات
المتحدة في العام ٢٠١٢م.
٢٩ كان للنمو البطيء في بيع الكتب
المطبوعة حتمًا آثار على تجار التجزئة. أغلقت
متاجر الكتب المستقلة في المملكة المتحدة واحدًا
تلو الآخر؛ فقد انخفضت أعدادها الآن لتبلغ ثلث ما
كانت عليه في العام ٢٠٠٥م.
٣٠ من الواضح أن العوامل الاجتماعية
والاقتصادية ونمط الحياة الغالبة مثل الحداثة،
ورخص الثمن، وسهولة الوصول إلى الكتب الإلكترونية
كانت العوامل الرئيسية التي تجاوزت الاعتبارات
الأخرى، بما في ذلك تلك الفكرية. توفر الكتب
والشاشات أنواعًا مختلفة للغاية، من الخبرات،
وبالتالي تستحضر أنواعًا مختلفة من الأداء،
والاستجابات والأولويات.
ولعل الجاذبية الرئيسية للكتاب المطبوع هي
الرمزية الثقافية، على الرغم من أنها لن تحظى
بقيمة أعلى عند أخذ الاعتبارات الدنيوية كالسعر
وسهولة الاستخدام في الحسبان. تتسم الكتب المطبوعة
بوجودها في وقت ومكان محددَين، وتُوفر ديمومتُها
أمانًا مُطمئِنًا لن يتمكن الكتاب الإلكتروني من
توفيره مطلقًا. وأنا أُمعن النظر في مكتبي، حيث
تغطي أرفف الكتب ثلاثة من الجدران الأربعة من
حولي، حاولت أن أتخيل هذه الجدران عارية في مقابل
التخزين في كُومة من ذاكرات التخزين. إن مجرد رؤية
ولمس الكتب — التي طُبع بعضها بغِلاف مقوَّى،
وبعضها بغِلاف ورقي، والتي تتسم بألوان وأحجام
مختلفة، وبدرجات متفاوتة من البلى — يشبه جلوسك
وسط مجموعة من الأصدقاء القدامى. وفي كثير من
الحالات، أتذكر المرات التي حصَلت فيها على كتاب
معين في حياتي، والتهمت الحقائق الواردة فيه، أو
كيف اندهشت من الأفكار المطروحة فيه. وعلى الرغم
من أن محتويات بعضها قد عفا عليها الزمن، فإن
احتمال التخلص من أحد هذه الكتب، أو في الواقع أي
كتاب منها على الإطلاق، قد يبدو تقريبًا كنوع من
القتل.
فيما وراء القيمة الوظيفية التي توفرها الخصائص
المعينة للصفحة المطبوعة، وفيما وراء الذكريات
الشخصية، هناك أيضًا الأيقونوغرافية
iconography
القوية للكتب المادية. في العاشر من مايو ١٩٣٣م،
أحرق الطلاب النازيون ما يقرب من ٢٥ ألف مجلدٍ من
الكتب «غير الألمانية»، بما في ذلك كتابات
آينشتاين، وكذلك لمؤلفين غير ألمان مثل إرنست
هيمنغواي. أما اليوم، وفي الموقع نفسه من برلين،
توجد فتحة كبيرة مغطاة بالزجاج في الساحة المرصوفة
بالحصى، والتي تكشف عن منطقة محفورة تحت الجدران
الواسعة وهي تبدو فارغة الأرفف في شهادة بسيطة
ولكنها مرعبة … على ماذا؟ ترمز الكتب إلى المعرفة،
والأفكار الجديدة، وإبداع الرُّوح والخيال
الإنسانييَن. هل سيقدِّر المواطنون الرقميون في
المستقبل القيمة الكامنة في هذه الأشياء غير
التفاعلية مع وقتها وزمانها المحددَين، وذات القصة
غير القابلة للتغيير والمحتبَسة في صفحاتها
الرقيقة؟
قد تتمتع الأعمال المطبوعة دائمًا بشيء خاص بها،
على الرغم من تغير أنماط حياتنا، وجدول أعمالنا،
وعقلياتنا. قد تتحول الكتب والشاشات إلى أشياء
متكاملة بدلًا من كونها متنافسة، تمامًا مثل
الكتاب والفيلم، أو الإذاعة والتلفاز، أو الدراجة
والسيارة؛ حيث يؤدي كل منها أدوارًا مختلفة ولكنها
متكاملة في حياة كثير منا. يكمن الجزء الجديد في
حياتنا الآن في الحصول على الحقائق من خلال
الأجهزة الرقمية. هل يغير هذا التحول في الوسيلة
من مدى فعالية معالجتنا لتلك الحقائق، والكيفية
التي نتعلم، ونتذكر، ونفكر بها؟
وبغض النظر عن الأنشطة العامة للنص التشعبي
وتعدد المهام، يمكن للتقنيات الرقمية أن توفر
فرصًا تعليمية رسمية فريدة من نوعها. يتوفر العديد
من منتجات التدريب الذهني التي تدَّعي تحسين
الوظيفة الإدراكية من خلال الاستخدام المنتظم
للتمارين المرتكزة على الشاشة، وقد ذكرت بعض
الدراسات التي أُجريت على المسنين والأطفال في سن
ما قبل المدرسة أن آثار استخدامها متواضعة ولكنها إيجابية.
٣١ وعلى الرغم من ذلك فلم يكن أدريان
أوين
Owen وزملاؤه
في كامبريدج ولندن مقتنعين بوجود أدلة تجريبية
دامغة بما يكفي لإثبات فاعليتها.
٣٢ وقد بحثوا السؤال الرئيسي بشأن ما إذا
كانت الفوائد الناتجة خلال التدريب تنتقل إلى
المهام الأخرى التي لم يحدث التدريب عليها، أو
أنها تؤدي في الواقع إلى أي تحسن عام في مستوى
الأداء الإدراكي. وخلال الدراسة التي أُجريت على
الإنترنت لمدة ستة أسابيع، راقبوا تدريب نحو أحد
عشر ألف مشارك عدة مرات كل أسبوع في المهام
الإدراكية التي تهدف إلى تحسين التعليل المنطقي،
والذاكرة، والتخطيط، والمهارات البصرية المكانية،
والانتباه. كان التحسن واضحًا في كل واحدة من
المهام المعرفية موضع الدراسة، كما كان متوقعًا،
لكن الملاحظة الحاسمة كانت غياب أي دليل على
انتقال هذه الآثار إلى المهام التي لم يحدث
التدريب عليها، حتى عندما كانت تلك المهام مرتبطة
على نحو وثيق بما يخص عمليات التفكير
المطلوبة.
لكن توقفْ للحظة. ألم نلاحظ في المناقشة السابقة
حول ألعاب الفيديو عكس ذلك تمامًا: أن هناك بالفعل
أدلةً قوية على أن المهاراتِ المستفادةَ يمكن
نقلها أثناء ممارسة الألعاب إلى سياقات أكثر
عمومية؟ وبالتالي، فوَفق القيمة الظاهرة ومن دون
التعمق وراء المزايا النسبية للألعاب المحددة
ونظام التدريب، أين يكمن الفارق المميز الحاسم؟
ثمة فارق مهم، مع كل التحذيرات المعتادة للقولبة
النمطية، قد توفر ألعاب الفيديو — بحكم التعريف —
تجرِبة أكثر إثارة وتحفيزًا مما يمكن أن يقدمه
العالم الثلاثي الأبعاد الذي هو ممل وغير مشوِّق.
وفي المقابل، فنادرًا ما يُروَّج لتدريب العقل
باعتباره مشوِّقًا. وأخيرًا، فإذا كنا نفكر من حيث
الاكتساب الجاد للمعرفة وبيعها بوصفها منتجًا،
فهناك حاجة إلى أن يركز الاكتساب الطويل المدى على
المستهلك وليس على تلك اللحظة القصيرة الأجل من
المرح الذي لا طائل وراءه. إن الدافع لشراء برنامج
تدريب العقل هو تحسين الذات. ومن ناحية أخرى، فليس
السبب الرئيسي لاختيار ممارسة إحدى ألعاب الفيديو
هو التعلم بل تسلية نفسك وإمتاعها.
يتحدد الفرق بين الإحساس القصير المدى والتحسن
المعرفي طويل المدى في الدماغ، بشكلٍ جزئي على
الأقل، مرة أخرى، بمشاركة صديقنا القديم المخلص،
أي الناقل العصبي الدوبامين. هل وجود أو غياب
مستويات الدوبامين العالية هو ما يصنع الفرق، على
الأقل من الناحية النظرية، بين ما إذا كان يمكنك
تطبيق المهارات المستفادة من مهمة بعينها على بقية
المهام والأنشطة الأخرى؟ على الرغم من أن ذلك قد
يبدو مفرطًا في التبسيط، ثمة احتمال ينبع من حقيقة
أن الدوبامين يعمل مثل نافورة في الدماغ، تنبثق من
الأجزاء التطورية الأساسية بشكل أكبر للوصول إلى
الروافد الواسعة للمناطق المخية «العليا». يمكن أن
يعمل الدوبامين أيضًا بمنزلة الصمام، بصفته عاملًا
يمكنه تهيئة الخلايا الدماغية لأن تكون أكثر
حساسيَّة للتنبيه عند وصوله. يجري إفراز الدوبامين
خلال سيناريوهات معينة، مثل ممارسة الألعاب، نتيجة
لزيادة الاستثارة والمكافأة، مما يمكِّن من تسخير
مزيد من الدوائر الدماغية، وبالتالي جعل التعلم
أكثر تعميمًا.
يجب علينا ألا نقلل أبدًا من أهمية الاستمتاع.
يكمن جزء من الرغبة في الدراسة في القدرة على
التفاعل الاجتماعي والشعور الذي تمنحنا إيَّاه
بالانتماء، وبأننا جزء من الحشد ولا يمكن
استبعادنا. تمثل التفاعلية الشبكية
networked
interactivity واحدًا من
العوامل الأساسية التي تميز أحدث الألعاب
التعليمية على الإنترنت عن الألعاب التقليدية
المخزنة على الأقراص المدمجة، والقائمة بذاتها.
حدد كوان مين لي
Lee وزملاؤه
من جامعة جنوب كاليفورنيا كيفية تأثير التفاعلية
الشبكية في نتائج التعلم لدى مستخدمي الألعاب في
مسابقات الألعاب التعليمية عبر الإنترنت، ومسابقات
الألعاب التعليمية غير المتصلة بالإنترنت،
والمحاضرات التقليدية في الفصول الدراسية.
٣٣ وجد الباحثون أن التفاعلية الشبكية في
مسابقة الألعاب التعليمية عبر الإنترنت تعزز
التقييم الإيجابي لمستخدمي اللعبة في التعلم،
وأداء الاختبار، ومشاعر الحضور الاجتماعي. وتُشير
تحليلات أخرى إلى أن مشاعر الحضور الاجتماعي ضمن
شبكة تفاعلية هي ما يهم في مخرجات التعلم
المختلفة. ولذلك فمن خلال تعزيز الشعور بالاتصال
مع الآخرين، تعمل تقنيات الشاشة كحافز إيجابي.
وليس من المستغرب أن يتضح أن أفضل بيئة للتعلم هي
بيئة تستمتع فيها وتتفاعل مع الآخرين، بغض النظر
عما إذا كان يجري توفير هذه المكونات الرئيسة عبر
شاشة أو من خلال سيناريو أكثر تقليدية.
وفي حين يمكن للشاشة أن تقدم بسهولة نظامًا
للمراجعة في العمليات العقلية أشد صرامة مما يمكن
أن يقدمه الناس أو الورق، فهل يعني هذا أننا نتعلم
بفعالية أكثر من خلال الشاشة؟ بطبيعة الحال،
وُظِّفت التقنيات المساعدة بالحاسوب في الفصول
الدراسية منذ عقود، واستمر استخدامها المعتدل في
تعزيز تجرِبة التعلم لدى الطلاب. تبدو حالات
التعلم من أجهزة الشاشات أكثر حسمًا بالنسبة إلى
الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة، سواء أكانوا يعانون
إعاقة بصرية، أم عسر القراءة
dyslexia، أم
صعوبات أخرى في التعلم. ثبت حتى الآن أن استخدام
البرمجيات «عديمة الأخطاء»
errorless،
حيث لا توجد إجابات صحيحة أو خطأ هو واحد من أفضل
المقاربات. وباستخدام هذه البرمجيات، تجري مكافأة
التجرِبة والخطأ، فضلًا عن الاستكشاف، بسماع صوت
ضوضاء مرحة، ورسوم متحركة هزلية، ورسومات مفعمة
بالحيوية، والموسيقى، والكلام بأصوات تبدو طبيعية.
وبالنسبة إلى الأطفال ذوي الاحتياجات التعليمية
الخاصة، فإن هذه البرمجيات التفاعلية غير المصدرة
للأحكام، مع شاشات العرض السريعة الوتيرة
والملونة، تصبح بسهولة أكثر تحفيزًا من كتاب مطبوع بسيط.
٣٤
تبدو الحواسيب اللوحية التي تعمل باللمس تحديدًا
مفيدة لطائفة من الطلاب المصابين بإعاقات نمائية.
وقد أُجريت مراجعة على خمس عشرة دراسة تغطي خمسة
مجالات هي: الدراسات الأكاديمية، والتواصل،
والعمل، والترفيه، والانتقال عبر السياقات المدرسية.
٣٥ ذكرت الدراسات موضع المناقشة نتائج
المشاركين الذين تراوحت أعمارهم بين ٤ سنوات و٢٧
سنة، والذين جرى تشخيصهم باضطراب طيف التوحد و/أو
إعاقة ذهنية أو كليهما. وشملت معظم الدراسات أجهزة
الآيبود
iPods أو
الآيباد
iPads
وهدَفت إما إلى تقديم الدعم التعليمي عبر الجهاز
أو إلى تعليم الفرد كيفية تشغيل الجهاز للوصول إلى
المحفزات المفضلة. يضمن الهدف الأخير أيضًا
استخدام الجهاز لإنتاج الكلام كوسيلة لطلب
المحفزات المفضلة. وبأخذها معًا، كانت النتائج
إيجابية في معظمها، مما يوحي بأن أجهزة الآيبود،
والآيبود باللمس، والآيباد، والأجهزة الأخرى ذات
الصلة هي وسائل مساعدة تقنية صالحة لاستخدام
المصابين بإعاقات نمائية.
تتضح فوائد تكنولوجيا الشاشة أيضًا في الاتجاه
السائد للتعلم. وعلى سبيل المثال، أظهر تحليل
تَلَوي لِستٍّ وأربعين دراسةً أصلية مختلفة، والتي
شملت ما مجموعه ٣٦٧٩٣ طالبًا وطالبة، وجود آثار
إيجابية مهمة لاستخدام الحاسوب فيما يتعلق بتحصيل
فهم الرياضيات.
٣٦ وبالمثل، فقد راجع تحليل واسع النطاق
أُجري مؤخَّرًا الكيفية التي تؤثر بها البرمجيات
التعليمية في محصلة القراءة في ما مجموعه أربع
وثمانون دراسة شملت أكثر من ٦٠ ألف طالب وطالبة.
٣٧ تشير النتائج إلى أن برامج القراءة
المختلفة، التي تجري غالبًا عبر الحاسوب، تنتج
عادة تأثيرات إيجابية، حتى إن كانت صغيرة، في
مهارات القراءة. وعلى أي حال، فإن أي تطبيق
تكنولوجي مبتكر أو تدخل متكامل لمعرفة القراءة
والكتابة سيُظهر نتائج إيجابية أكثر في وجود دعم
من المعلم. وبالتالي فإن أكبر وعد للأجهزة الرقمية
لا يكمن في البرمجيات والشاشة في حد ذاتها، ولكن
في استخدامها الوثيق الصلة بجهود المعلمين.
لم تكن هذه رؤية جديدة لأي شخص قرأ روايتَي
«نجاح الآنسة جين برودي» أو «وداعًا مستر شبس». لا
شيء يقف في طريق معلم ملهم ومتحمس، غير أن
التعليمات المباشرة وجهًا لوجه آخذة في الانخفاض
في التعليم العالي، فقد لاحظ المحاضرون أيضًا
اتجاهًا آخر في المقررات الجامعية: ذكر مؤخَّرًا
٥٥ في المائة من أعضاء هيئة التدريس أن معدلات
حضور المحاضرات قد انخفضت نتيجة لإدخال التسجيلات
الصوتية الرقمية في عروضهم التقديمية.
٣٨ وفي العام ٢٠٠٦م، كان من بين الأسباب
الرئيسة التي ذكرها طلاب الجامعات لتبرير عدم
حضورهم المحاضرات توفُّر المواد على شبكة الإنترنت.
٣٩ وبنفس المعنى، فعند سؤالهم عن سبب
غيابهم عن المحاضرات، ذكر ما يقرب من ٧٠ في المائة
من الطلاب الذين شملهم استطلاع أجرته إحدى جامعات
النخبة الأسترالية أنهم يستطيعون التعلم باستخدام
التسجيلات الصوتية الرقمية بنفس فعالية حضورهم
للمحاضرة المقابلة شخصيًّا.
وتوصل أحد التقارير إلى أن أداء طلاب مادة
الاقتصاد الذين استذكروا مواد المقرر عن طريق
التلقين من الشاشات كان أسوأ بكثير مقارنة مع
أولئك الذين حضروا المحاضرات التقليدية.
٤٠ وفي حين لم تختلف المجموعتان فيما
يتعلق باستيعاب الطلاب للمفاهيم الأساسية، فقد
فشلت المجموعة التي تعلمت افتراضيًّا فشلًا ذريعًا
في استيعاب المواد المعقدة. وهذا يدل على أن
الأفكار المعقدة لا يمكن نقلها عبر الشاشة على نحو
فعال، كما هي الحال عند نقلها من شخص إلى آخر. وقد
توصلت دراسة أخرى إلى نتائج مماثلة حول أفضلية
التدريس من شخص إلى شخص بالنسبة إلى الأداء الأكاديمي.
٤١ وفي الواقع أنه عند تكليف طلاب
الكليات الذين يدرسون مقررًا تمهيديًّا في
الاقتصاد الجزئي عشوائيًّا إما بحضور المحاضرات
وجهًا لوجه وإما من خلال عروض تقديمية منقولة
بالفيديو، حصل الطلاب الذين حضروا المحاضرات وجهًا
لوجه على متوسط درجات أعلى في الاختبار.
ويبدو أن فوائد الحوار، والمناقشات التي تحدث
وجهًا لوجه، وحل المشكلات مع شخص آخر لا تزال
تتجاوز فوائد التواصل الافتراضي. وعندما يتعلق
الأمر بالتعليم، من المؤكد أن هناك دائمًا حجةً
قوية للفصول الدراسية الحقيقية ذات المعلمين
الحقيقيين الذين يقومون بالإشراف على المحادثات
التي تحدث في الحياة الواقعية، بغض النظر عن عدد
الشاشات في الفصول، والوقت الذي يقضيه الطلاب
أمامها. وتُشير الدراسات التي أُجريت مؤخَّرًا إلى
أن الكتب والألواح الرقمية قد تكون أدوات تعليمية
مفيدة، لكن الأهم من ذلك هو استخدامها جنبًا إلى
جنب مع الإشراف من قِبل شخص بالغ. فحص أوفرا كورات
Korat وأدينا
شامير
Shamir، من
كلية التربية في جامعة بار إيلان، آثار قراءة
الكتب الإلكترونية على مهارات القراءة لدى الأطفال
الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والسادسة.
٤٢ قرأت إحدى المجموعات كتابًا
إلكترونيًّا بشكل مستقل، والمجموعة الثانية قرأت
الكتاب الإلكتروني بمساعدة أحد البالغين، وقرأت
الثالثة كتابًا مطبوعًا بمساعدة أحد البالغين،
والرابعة قرأت كتابًا مطبوعًا من دون تدخل
البالغين. أظهرت النتائج أن النشاط المتمثل في
قراءة الكتاب الإلكتروني بمساعدة البالغين أحرز
تقدمًا أكبر في معرفة أسماء الحروف، وكذلك تقدم
مستوى القراءة عمومًا مقارنة بجميع المجموعات
الأخرى. وهنا قد يتفوق الكتاب الإلكتروني على
الكتاب التقليدي، بشرط مساعدة أحد
البالغين.
لا يحدث التعليم داخل فقَّاعة، بل هو جزء لا
يتجزأ من حياة الفرد وعَلاقاته، وبالتالي، فإن
أنماط الحياة المختلفة ستؤدي دورها أيضًا في تحديد
ما إذا كان يمكن للشاشة أن تحدث فرقًا في التعلم
وإلى أي مدًى. وثمة عامل آخر يرتبط بارتفاع درجات
الاختبار في الرياضيات والقراءة، وهو وجود حاسوب
منزلي، حتى مع أخذ دخل الأسرة ورأس المال الثقافي
والاجتماعي بعين الاعتبار.
٤٣ وعلى أي حال، فقد يُحدث امتلاك حاسوب
منزلي «تأثير شارع سمسم»، حيث يؤدي اختراع كان
يحمل وعدًا كبيرًا بجعل الأطفال الفقراء يلحقون
تعليميًّا بركب الأطفال الأغنى إلى زيادة الفجوة
التعليمية بين الأغنياء والفقراء، وبين البنين
والبنات، وبين الأقليات العرقية والبيض. يمكن لهذه
الفجوة أن تتزايد مع ظهور الأجهزة الرقمية التي
يتعين امتلاكها (أي الباهظة التكلِفة) بمعدل أسرع
من أي وقت مضى.
يُعَد الآيباد الآن ركيزة أساسية في التعليم
والترفيه بالنسبة إلى كثير من الأطفال. وفي حين أن
معظم المدارس في الولايات المتحدة لا تمتلك القوة
الشرائية لتزويد طلابها بأجهزة الآيباد، فإن
الأطفال الذين لا يملكونه يحصلون عليه من أسرهم
وغيرهم من البالغين، الذين يفترض أنهم يستخدمونه
أيضًا. يؤدي الآيباد دورًا متزايد الأهمية في
النظام التعليمي الأمريكي. وفي قائمة حديثة لأكبر
مائة مؤسسة تستخدم الآيباد في جميع أنحاء العالم،
تمثل مدارس الولايات المتحدة ما يقرب من ٧٠ في
المائة من القائمة.
٤٤ وقَّعت شركة آبل
Apple في
العام ٢٠١٣م صفقة بقيمة ٣٠ مليون دولار مع مجلس
المدارس الموحدة في لوس أنجلوس، وهو ثاني أكبر
مجالس المدارس العامة في الولايات المتحدة، لتوفر
جهاز آيباد لكل طالب بحلول العام ٢٠١٤م.
٤٥ أدخلت الدول الغربية الأخرى أيضًا
بحماس تكنولوجيا الآيباد في نظام التعليم
الرسمي.
تعتمد المدارس في جميع أنحاء العالم فصولًا
دراسية مرتكزة إلى الحواسيب اللوحية فقط (المعروفة
باسم «الفصول الدراسية المتوفر بها جهاز لكل
طالب»، والتي تدعمها بالكامل شركة آبل، ولا يمكن
إنكار آثارها التجارية) للطلاب من سن الروضة
فصاعدًا. جهزت إحدى المدارس الابتدائية في ولاية
أريزونا أحد فصولها الدراسية بأجهزة الآيباد،
ووصفته بأنه «فصل التخيل الإلكتروني»
iMaginarium.
٤٦ إذا حاولنا تقييم الكيفية التي تؤثر
بها ثقافة الإنترنت السائدة حديثًا في الطريقة
التي يتكيف بها العقل على الأنماط المختلفة من
التعلم، فإن إدخال الآيباد على نطاق واسع في
الفصول الدراسية قد يمثل مكانًا جيدًا للبدء
بذلك.
فكِّر، على سبيل المثال، في رسالة تلقيتها عبر
البريد الإلكتروني من أم قلقة، اتُفق أن كانت
طبيبة أيضًا:
تتبنى مدرسة ابنتي في أستراليا التعليم
الرقمي بحماس اعتبارًا من الصف الخامس …
ولا تستخدم سوى حاسوب لوحي من سن التاسعة
أو العاشرة والذي يمكنه أيضًا الاتصال
بالإنترنت. باعتباري أعمل في مجال الصحة
المهنية، فقد أجريت بنفسي عمليات بحث
واسعة على الإنترنت، فلم أعثر حتى الآن
على أي دليل على الفوائد باستثناء «رأي
الخبراء» والأخبار السردية. هل لديك علم
بأي أدلة علمية بشأن الآثار الفسيولوجية
العصبية لعدم استخدام أي شيء آخر بخلاف
استخدام الحواسيب في التعلم؟
تُعَد ليزا رايت
Wright شخصًا
نموذجيًّا متحمسًا لاستخدام الآيباد، وهي مديرة
مدرسة في مقاطعة إسيكس في المملكة المتحدة، وهي
تدَّعي أن مرونة المنهج تعني أنه يمكن استخدام
الآيباد في كل صفوف المدرسة الابتدائية. تمثل رايت
نموذجًا واضحًا على تغير المنظور:
لقد استخدم طلاب الصف الرابع [أي الذين
يبلغون نحو ثماني أو تسع سنوات] الآيباد
في دروس الرياضيات، ولعب أطفال السنة
الأولى بعض ألعاب الرياضيات وتعليم
القراءة من خلال سماع الصوتيات …
ويستخدمها تلاميذ العام الأول [أي من
يبلغون من العمر نحو أربع أو خمس سنوات]
في دروس التعليم الديني، بينما يستخدمها
طلاب الصفين الخامس والسادس [الذين تتراوح
أعمارهم بين ٩ سنوات و١١ سنة] في
موضوعاتهم، مثل التعلم عن السفينة تيتانيك
عن طريق الولوج إلى شبكة الإنترنت. لقد
اشترينا أجهزة الآيباد لأنها مرنة ومتعددة
الاستعمالات. لدينا هنا مساحة جميلة في
الهواء الطلق، بحيث يمكن للأطفال أخذ
أجهزة الآيباد إلى الخارج وحتى استخدامها
لالتقاط الصور. نريد أن نجعل التعلم
ممتعًا للأطفال. تُستخدَم أجهزة الآيباد
في كل الأوقات. وإذا تجولت في أنحاء
المدرسة، فستجد طفلًا في مكانٍ ما أو
مجموعة من الأطفال تستخدم أجهزة الآيباد،
وهذا ما أريد أن أراه.
٤٧
وعلى الرغم من أن السيدة رايت تصر أيضًا على أن
الكتب وطرق التدريس التقليدية، مثل القلم والورق،
لا تقل أهمية، ففي كثير من الفصول الدراسية التي
يتوفر فيها جهاز لكل طالب، حلَّ الحاسوب اللوحي
محل كل طرق التدريس التقليدية.
وعلى النقيض من هذا التصويت بالثقة، والذي جرى
بأغلبية ساحقة، ادعى تقرير صدر مؤخَّرًا أن حواسيب
لوحية تبلغ قيمتها ملايين الدولارات تقبع في خزائن
المدارس البريطانية نتيجة لفرط إقبال المعلمين على
شراء التكنولوجيا الجديدة من دون أي دليل على أنها
تحسِّن من مخرجات التعليم بالفعل.
٤٨ كثيرًا ما نفترض أن أي تكنولوجيا
جديدة تتفوق تلقائيًّا على ما سبقها، ويُعزى
التقدم في المعرفة والفهم إلى الأداة نفسها. يستند
هذا الرأي في كثير من الأحيان إلى التوافر
والحداثة، ولكن ليس على عوامل أخرى مثل نوع
الرقابة التي تتوفر أو قدرة المعلم على إلهام
الطلاب. وعلى أي حال، فمن الأقرب لصميم الموضوع،
إذا أخذنا السؤال الذي طرحته الأم الأسترالية
الطبيبة، فما الدليل على أن أجهزة الآيباد وغيرها
من المساعِدات الرقمية تحدث فرقًا كبيرًا
بالفعل؟
ثمة عامل حاسم ومربك علينا أن نأخذه في
الاعتبار، وهو الجاذبية الهائلة لامتلاك أجهزة
الآيفون والآيباد. شرع ديفيد فوريو
Furió وفريقه
في جامعة البوليتكنيك في فالنسيا في مقارنة نتائج
التعلم وتفضيلات الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين
ثمانية وعشرة أعوام، والذين مارسوا لعبة تعليمية
سواء في شكلها التقليدي أو على جهاز الآيفون.
٤٩ أوضح ٩٦ في المائة من الأطفال أنهم
يودون ممارسة اللعبة على هاتف الآيفون مرة أخرى،
وأوضح ٩٠ في المائة أنهم يفضلون تجرِبة ألعاب
الآيفون على الألعاب التقليدية. كان التصميم
المادي للجهاز نفسه عاملًا مهمًّا بالفعل.
وقد ظهرت نتيجة مماثلة في دراسة أُجريت في العام
٢٠١٣م لمقارنة الحواسيب المكتبية مع أجهزة الآيباد.
٥٠ تلقى الطلاب درسًا عن الوسائط
المتعددة عبر الإنترنت إما على جهاز آيماك
iMac المكتبي
في المختبر وإما على جهاز الآيباد في الفناء
خارجًا. وبعد ذلك شهد الطلاب إما درسًا مستمرًّا
قياسيًّا بلا أي عناوين وإما درسًا معززًا تحتوي
كل شريحة فيه على عنوان مفيد، ويحتاج المتعلم إلى
النقر على زر للذَّهاب إلى الصفحة التالية. وفي
كلتا الحالتين، ربما ليس من المستغرب أن نجد أن
المجموعة التي تلقت الدرس المعزز تفوقت على
المجموعة التي تلقت الدرس القياسي. وبغض النظر عن
نوع الدرس الذي تلقَّوه، صنَّف أفراد مجموعة
الآيباد أنفسهم على أنهم أكثر استعدادًا لمواصلة
التعلم من المجموعة التي استخدمت أجهزة الآيماك.
وبالنظر إلى أن التحول إلى الفصول الدراسية
المرتكزة إلى الآيباد يفترض من دون دليل أن المواد
التعليمية التقليدية أقل شأنًا، فهذا الاتجاه
الحالي مقلق للغاية. وحتى نحصل على أدلة علمية
قوية على أن أجهزة الآيباد تمتلك بالفعل إمكانيات
تربوية عالية الجودة بدلًا من كونها أجمل شكلًا
فحسب، فإنه يبدو نوعًا من التهور أن تحل محل طرق
التدريس التقليدية، والتي قد تكون في الواقع أكثر
فعالية وإن كانت أقل بهرجة مقارنة مع هذه
الأجهزة.
ومن المثير للاهتمام حدوث رد الفعل العنيف ضد
الاعتماد السابق لأوانه للتكنولوجيا في الفصول
الدراسية، والذي يكتسب زخمًا في ولاية كاليفورنيا،
حيث يختار العديد من المدارس طرق تدريس منخفضة
التكنولوجيا. «إن المشاركة هي التواصل البشري، أي
التواصل مع المعلم والتواصل مع أقرانهم» كما يقول
والد لثلاثة أطفال وهو أيضًا موظف في إحدى شركات
التكنولوجيا المتقدمة. وفي الوقت نفسه، شدَّد بول
توماس
Thomas —
وهو مدرس سابق وأستاذ مساعد في التربية في جامعة
فورمان، والذي ألف اثني عشر كتابًا حول طرق
التعليم العامة — على أن «التعليم هو تجرِبة
إنسانية. تمثل التكنولوجيا تشتيتًا للانتباه عندما
نحتاج إلى معرفة القراءة والكتابة، والحساب،
والتفكير النقدي.»
٥١
يوجد في الولايات المتحدة ١٦٠ فرعًا لمدارس
والدورف
Waldorf،
والتي تتشارك فلسفة تعليمية تركز على النشاط
البدني والتعلم من خلال الإبداع والتدريب العملي
على المهمات. وفي الواقع أن هذه المدارس تحظر
استخدام جميع الأجهزة الرقمية، وتتمثل عقيدتها في
أن الحواسيب تمنع التفكير الإبداعي والحركة
والتفاعل الإنساني وتحد من سعة الانتباه. وما ينم
عن الكثير أن صحيفة نيويورك تايمز ذكرت أن مدرسة
والدورف في لوس ألتوس هي المفضلة لدى أولياء
الأمور في وادي السيليكون، الذين كانوا هم أنفسهم
منغمسين في الصناعات الرقمية.
٥٢ يبدو هذا الاتجاه جذابًا بشكل خاص،
ليس فقط بالنسبة إلى التعليم، ولكن بالنسبة إلى
تغيُّر العقل ككل. إذا كان أصحاب العقول الذكية
الذين اخترعوا ألعاب الفيديو، والشبكات
الاجتماعية، والألواح الرقمية يشعرون بالقلق حيال
غمر أطفالهم في هذه التقنيات، فمن المحتمل أن يكون
للشكوك المتنامية بشكل عام حول فوائدها التعليمية
ما يبررها.
تُعتبر النتيجة الوحيدة المبالغ فيها جدًّا
لاستخدام المنهجيات ذات التقنية العالية في الفصول
الدراسية هي التأثير المحتمل في معرفة القراءة
والكتابة. وإذا كانت المعلومات تُنقل على نحو
متزايد من خلال الكلمة المنطوقة والصور المرئية،
فقد نواجه احتمال أن تكون معرفة القراءة والكتابة
أقل أهمية على نحو متزايد في الحياة المستقبلية.
لماذا تتعلم القراءة والكتابة إذا أمكن إجراء
التواصل اليومي بسهولة من دون امتلاك أيٍّ من هذه
المهارات؟ إن معايير معرفة القراءة والكتابة آخذة
في الانخفاض بالفعل؛ وقد أظهرت الأبحاث أن كثيرًا
من الأطفال هم أقرب احتمالًا لامتلاك هاتف محمول
مقارنة بكتاب.
٥٣ توصلت دراسة أخرى أجراها الأكاديميون
في جامعة دندي أن المراهقين يفضلون الآن النصوص
الأسهل قراءة مثل سلسلتي هاري بوتر وتوايلايت.
٥٤ والمثير للدهشة أن كتاب إريك كارل
Carle
الكلاسيكي المصور، والمعنون «اليرقة المتضورة
جوعًا» الذي يرسم تحول يرقة إلى فراشة خلال مدة
أسبوع، قد برز باعتباره الكتاب الأكثر تفضيلًا بين
الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين الرابعة عشرة
والسادسة عشرة.
لا يزال النقاش قائمًا بشأن قيمة التكنولوجيا
الرقمية المنتشرة في التعليم من دون إجابة؛ لذا
سيتعين علينا أن ننتظر حتى يتولى مراهقو اليوم
أولى وظائفهم. حاليًّا، يبدو أن أي تأثير متوسط
المدى أو قصير المدى سيعتمد على السياق الذي تبرز
فيه الشاشات: ما يجري تدريسه، على يد مَن، وأين
يُدرَّس؟ وبشكل أكثر عمومية، فبالنسبة إلينا
جميعًا، فإن تقنيات الشاشة التفاعلية القوية تلك
ليست مجرد تجارِب مثيرة ولكنها أدوات مهمة أعادت
تشكيل عملياتنا المعرفية، وسوف تستمر في ذلك،
لتخلق كلًّا من المنافع والمشكلات. إن الفرق بين
رقاقات السيليكون والورق، وسبل تشتيت الانتباه
التي ينطوي عليها تعدد المهمات والنص التشعبي،
والميل إلى التصفح بدلًا من التفكير بعمق؛ تُشير
جميعها إلى حدوث تحولات جوهرية في الكيفية التي
يُطلب بها من عقولنا أن تعمل.