الفصل الثامن عشر
التفكير بشكل مختلف
عندما انتقد الفيزيائي نيلز بور
Bohr، الحائزُ
جائزةَ نوبل، زميله لمجرد أنه منطقيٌّ بدلًا من أن
يكون مفكرًا، ما الموهبة المعينة في مجموعة
الأدوات الإدراكية البشرية التي حذَّر المفكر
الرائد الكبير من تجاهلها؟ على ما يبدو، لا شيء
أقل من النشاط العقلي المثالي الذي مكَّن جنسنا
البشري من استقصاء معنى وجودنا والتعبير عن تلك
البصائر من خلال العلوم والفنون. ولكن في الثقافة
الرقمية اليوم، مع تركيزها المُنصبِّ على الحوسبة،
ثمة خطر من أن تتخذ أعداد متزايدة منَّا المسار
الأكثر استقامة وتفكر على نحو متزايد كحاسوب،
وتتفاعل مع وضعه اللوغاريتمي للتشغيل، وتتكيف معه.
١
وفي بعض الأحيان، يكون التفكير المنطقي هو
المطلوب تمامًا لحل مشكلة معينة، تأتي المشاكل
بجميع الأشكال والأحجام، بداية من اختبارات الذكاء
البسيطة، ولعبة السودوكو، وصولًا إلى حل أزمة
اقتصادية، أو محاولة إعادة إثارة لهيب الربيع
العربي المتداعي، أو التعامل مع الأزمات الشخصية
التي تبدو مستعصيةً على الحل. لكن الأسهل هو البدء
بأكثر ألعاب التفكير بساطة، حيث يكون للمعضلة حل
واضح ومقنع، بعكس الحياة الواقعية. وتتمثل
المهارات المطلوبة هنا في المعالجة الحسابية
السريعة التي تُقاس بواسطة اختبارات الذكاء
IQ tests.
٢
وعلى الرغم من اعتراف الكثير بأن الذكاء يمكن
تحديده والتعبير عنه بعدة طرق، يركز هواة
تكنولوجيا المعلومات، مثل الفيزيائي راي كرزويل،
Kurzweil على
تعريف ضيق للذكاء، الذي يرمزون إليه بالرمز «غ»
g، ويفترضون
أن تلك الظاهرة المتشعبة يمكن التعبير عنها
كعمليةٍ حسابية.
٣ وعلى عكس الاعتقاد السائد، فقد لا
يكون معدل الذكاء المرتفع أو المنخفض أمرًا وُلدتَ
به ببساطة. وقد أوضحَت أغلب الدراسات الوراثية
التي أُجريت على الأطفال أن نسبة ٢٠ و٤٠ في المائة
فقط من الذكاء «غ» موروثة.
٤ وبصرف النظر عن المسألة المتعلقة بمدى
دقة قياس حاصل الذكاء للمهارة العقلية، فمن الممكن
إثبات التأثير القوي للبيئة في الزيادة الواضحة
والمستمرة لفترة طويلة في حاصل الذكاء، والتي
لوحظت على مدى الخمسين إلى الستين سنة الماضية.
٥ ومن الممكن أن تتأثر تلك الزيادة،
والمعروفة باسم «تأثير فلين»
Flynn
effect بعدة عوامل، حيث يُشير
جيمس فلين، وهو الباحث المنسوب إليه هذا التأثير،
إلى أن هذا الارتفاع قد يكون راجعًا إلى البيئة
الأكثر إثارة السائدة في العصر الحديث.
٦
وربما تكون زيادة التدريب على المهارات النوعية
للاختبارات واحدة من التفسيرات الأخرى المحتملة
لزيادة كفاءة اختبار الذكاء. ومنذ بداية القرن
العشرين، أدى الانتشار الواسع للأفلام، والتلفاز،
وألعاب الفيديو، والإنترنت إلى تعريضنا للمزيد من
الوسائل البصرية، مما أتاح لنا أن نصبح بارعين
بشكلٍ متزايد في التحليل البصري. ويركِّز أحد
أنواع اختبارات الذكاء، وهو اختبار مصفوفات ريفن
المتتابعة لقياس حاصل الذكاء
Ravens Progressive Matrices
IQ Test، على المهارات
الإبصارية المكانية، وبشكلٍ واضح، كانت الزيادة في
تلك النسب مذهلة. توسع ستيفن جونسون
Johnson، وهو
مؤلف كتاب «كل شيءٍ سيئ هو أمرٌ جيد بالنسبة
إليك»، في شرح فكرة أن اللعب والكفاءة في اختبارات
الذكاء تعمل على تمرين العمليات العقلية ذاتها.
ونتيجة للتفاعل المتزايد مع الشاشة، يكتسب
المواطنون الرقميون مهارات معينة بشكل أفضل من
الأجيال السابقة التي نشأت على قراءة الكتب.
٧ يبدو هذا الرأي مقنعًا عند مقارنة
أنواع المهارات المطلوبة للحصول على نتائج جيدة في
اختبارات الذكاء مع تلك التي يجري التدريب عليها
في ألعاب الحاسوب. وكلتاهما عمليات مجردة، تتطلب
القدرة على ملاحظة الارتباطات والمفارقات، وقبل كل
شيء، اكتشاف القواعد المستقلة عن السياق الأوسع أو
أي معارف عامة. ويرى جونسون أيضًا أن ثقافة الشاشة
تعمل على بناء عقول أفضل تكيفًا مع التعقيدات
الأوسع، والتي تمتلك مهارة أكبر في تعدد المهمات.
وتتعزز القدرة على حل المشكلات، وفي الوقت نفسه
أخذ الأحداث الطارئة والقواعد المتعددة (الذاكرة
العاملة) في الاعتبار، بفضل ألعاب الفيديو التي
تدربنا خلالها على حل المشكلات بشكلٍ أسرع أو
التنقل بين المشكلات بمعدل أسرع.
٨
وهذا، على الأرجح، هو نوع الذكاء الذي تساعدنا
ثقافة الإنترنت المتنامية على تنشئته، وهي قدرةٌ
حسابية تجاوزت بالفعل حدود المعقول، والتي تُثير
إعجاب كرزويل لدرجة أنه يتوقع أن تحل تلك الأجهزة
الرقمية محل الدماغ البشري. لكن كرزويل يُغفل
حقيقة أن المعالجة الحسابية تتطلب نقطة نهاية
محددة، أي إيجاد حل واضح لمشكلة معينة. ويتضمن هذا
النوع من الذكاء المعزز بواسطة التفاعل المطول مع
الشاشة، أنماطًا مميزة ومعالجة الارتباطات حتى
يُتوصل إلى الحل الصحيح ضمن فترة زمنية معينة.
وعلى النقيض من ذلك، تُعتبر مظاهر الذكاء الأخرى
مطلقة بلا حدود، كتأليف كتاب مثل «الحرب والسلام»
أو تخيُّل كيف يمكن للدماغ تكوين الوعي. وعندما
تتعلق المشكلة بإيجاد حل للغز معين أو بحث عن
حقيقة ما، فسيفيد الوصول إلى الشاشة. لكنها إذا
كانت تتعلق بتحليل معنى الحياة، فلن يكون للتنقل
بين المهمات والمهارات السمعية البصرية فائدة
تُذكر.
وقد اعترف جونسون بسرور بأن «ممارسي الألعاب لا
يستوعبون النصائح الأخلاقية، أو دروس الحياة، أو
الصور النفسية.»
٩ ما هي، إذن، القدرة التي تمكن العقل
البشري من التقدم بعيدًا عن مجرد التفكير، والهروب
من العقلية الحسابية التي أُعجب بها كرزويل وحذر
منها بور؟
على الرغم من ارتفاع حاصل الذكاء، فقد ظلت
القدرات الأخرى ثابتة على حالها. فلم يترافق ذلك
مع زيادة في استبصار الوضع الاقتصادي، ولم تحدث
زيادة ملحوظة حقًّا في الفنون الإبداعية، ولا حتى
في آفاق العلوم العصبية، مقارنة بالعقود السابقة.
ومن المهم الأخذ في الاعتبار أن تأثير فلين يقع
بشكلٍ رئيس في منتصف نطاق القدرة، ضمن مجموعة
الأشخاص الذين لا يفوزون في الأغلب بجائزة نوبل،
أو يؤلفون السيمفونيات، أو حتى يخوضون في السياسة،
أو يتفوقون في مجال الأبحاث الأكاديمية.
أما جون نيوتن
Newton، وهو
مدير مدرسة تونتون في سومرست، فيخشى أننا «سننشئ
جيلًا لا يحب التعليم ولكنه ببساطةٍ ينظر إلى
الشاشة كمصدر لتكوين الرأي، أو للحصول على كتل من
المعلومات غير المفهومة جيدًا، والتي تناسب وجهة
نظره بدون التحقق من صحتها.» وكما أن الحفظ
التَّكراري يختلف عن التعليم الحقيقي، يعتقد نيوتن
أن التفكير النقدي يتطلب «توازنًا وفهمًا راسخًا
للحقائق وسياقًا معينًا من أجل تجنب الضلال.»
١٠ لقد تعمدت اختيار هذا الاقتباس من بين
العديد من الاقتباسات المشابهة التي أعرب عنها
المعلمون حول العالم؛ لأن نيوتن ركز فيه على
مصطلحين غاية في الأهمية، وهما «الحقائق» و«السياق».
أما الآن، فما أريده هو الحقائق. لا
تعلِّم هؤلاء الأولاد والبنات شيئًا سوى
الحقائق. إن الحقائق وحدها هي المرغوبة في
الحياة. لا تقم بغرس شيء آخر، واقتلع كل
شيء آخر. لا يمكنك تشكيل عقول الحيوانات
العاقلة إلا وَفقًا للحقائق، فلن يفيدهم
أي شيء آخر. هذا هو المبدأ الذي أُربِّي
أطفالي عليه، وهذا هو المبدأ الذي أربي
عليه هؤلاء الأطفال. تمسَّكْ بالحقائق، يا سيدي.
١١
وعلى الرغم من أن الفكرة قد تبدو متطرفة، فإن ما
عبر عنه توماس غرادغريند
Gradgrind في
رواية «الأوقات العصبية» لتشارلز ديكنز
Dickens، قد
يقترب من الوجهة المحتملة للعقلية الحالية أكثر
مما نود الاعتراف به.
«بيتزر»، قال توماس غرادغريند. «ما هو تعريفك للحصان».
«رباعي الأرجل. يقتات على الأعشاب. لديه
أربعون سنًّا، أربع وعشرون منهم طواحن،
لديه أربع أسنان أمامية، واثنتا عشرة
سنًّا حادة. يفقد شعره في فصل الربيع،
وكذلك يفقد أظلافه في البلدان المستنقعية.
أظلافه صُلبة، ولكنه يحتاج إلى حَدوات
حديدية. يُعرف عمره عن طريق علامات معينة
في الفم.»
ذُكرت جميع الحقائق هنا بالفعل، وبدقة. غير أن
النقاط غير متصلة هنا على أي مستوًى، من المستوى
الحرفي وحتى المجازي. يخلط نهج غراندغريند بين
المعالجة الفعالة للمعلومات والفهم الحقيقي: تتضمن
المعرفة والبصيرة التي تميز العقل الموهوب أكثر من
مجرد ارتجاع للحقائق. يمكنك تمرين الدماغ (حتى عقل
الببغاء في حالات معينة) للحصول على الاستجابات
الصحيحة لمدخول معين، أو على حفظ أبيات الشعر، أو
الإجابة عن أسئلة واقعية بإجابات واقعية. لكن
الذكاء الحقيقي يتطلب تركيب الحقائق، والسياق،
والمعنى الذي يشمل أكثر بكثير من الاستجابة
الدقيقة.
وعلى الرغم من أنه يمكننا الوصول إلى المعلومات
بكفاءة، بل وحتى استعادتها عند الطلب، فإن أغلب
المشجعين المتحمسين لا ينظرون إلى النجاح في أنشطة
مثل سباق المعلومات أو مسابقات الحانات على أنه
قمة المسعى الفكري. الحقائق وحدها لا تكفي! وفي
حين يعني جمع المعلومات تجميع النقاط، فالمعرفة
تتمثل في ربطها معًا، وملاحظة أمرٍ ما في ضوء أمر
آخر، وبالتالي فهم كل عنصر كجزء من كُل. كلما زادت
الارتباطات التي تبنيها عبر نطاق معرفي أوسع وأكثر
اختلافًا، ازداد عمق فهمك لأمر ما. لا توفر محركات
البحث وألعاب الفيديو تلك المهارة، ولا شيء
يوفرها، بخلاف دماغك.
وحتى عندما تقرأ فكرة قديمة لشخص آخر، سواء كانت
مكتوبة في كتاب أو معروضة بصورة موجزة على موقع
غوغل، فالأمر لا يتم إلا من خلال دمج تلك الفكرة
في إطارك المفاهيمي الشخصي، والذي تستمد منه
إدراكك لأي شيء مهما يكن. ومن ثَم فإن تفسيرك،
وتقييمك، وفهمك ستصبح بالضرورة خاصة بك ومختلفة عن
نظيرها لدى الآخرين. ويعتبر هذا الإطار المفاهيمي
أمرًا يتطور منذ الصغر. لقد تراكمت جميع تجارِبك،
والقصص التي سمعتها من الآخرين وتلك التي قرأتها
بنفسك، والحقائق التي تعلمتها لتُكوِّن نظامًا
أكثر تعقيدًا بكثير من الإحالة المرجعية.
١٢ وقد يمثل هذا الارتباط، الذي تحقق
بفعل لُدونة الروابط العصبونية خلال النماء،
الميزة الرئيسة التي تحدد التعلم الحقيقي، والتي
تضع الدماغ البشري في مصافَّ أعلى من مجرد معالجة
المعلومات التي يقوم بها الحاسوب. ولهذا السبب
يعتبر مفهوم السياق، فيما يتجاوز الحقائق المجردة،
من الأهمية بمكان.
عندما نسعى إلى قياس نوع الذكاء الذي يأتي دوره
عندما تتطلب المشكلة التي نحتاج إلى حلها أخذ
السياق في الاعتبار — أي عندما تتطلب المسألة
ذكاءً «متبلورًا»، على النحو المشار إليه في الفصل
السابع — حينئذٍ تبدأ الزيادة في حاصل الذكاء،
والتي أطلقنا عليها اسم «تأثير فلين»، في التلاشي.
يكون تأثير فلين أكثر وضوحًا في اختبارات الذكاء
التي تركز أكثر على قياس مدى البراعة العقلية من
الناحية الحسابية، أي الذكاء «السائل» الذي
ناقشناه سابقًا.
١٣ صُممت جميع الاختبارات من نوع مصفوفات
ريفن
Ravens،
والمصفوفات النرويجية
Norwegian
matrices، والأشكال البلجيكية
Belgian
Shapes، وجينكينز
Jenkins،
وهورن
Horn لقياس
مدى الذكاء السائل. تركز تلك الاختبارات على حل
المشكلات، وتقليل الاعتماد على مهارات معينة أو
الإلمام بالكلمات والرموز. وقد أظهرت تلك
الاختبارات زيادة تبلغ نحو خمسين نقطة لكل جيلٍ في المتوسط.
١٤ غير أن اختباراتٍ مثل اختبارات وكسلر
Wechsler،
وستانفورد-بينت
Stanford-Binet،
والتي تقيس القدراتِ اللفظيةَ فضلًا عن مهارات حل
المشكلات المباشرة، أظهرت وجود زيادة أقل في حاصل
الذكاء، وأنها تتحسن بصورة أقل مباشرة بفضل
المهارة في ألعاب الفيديو.
لقد أشرت إلى أن المعنى هو الربط بين عنصرين على
الأقل، سواء كانت تلك أشياء، أو أشخاصًا، أو
أحداثًا، أو مشاعر. فخاتم الزواج قد يكون له معنًى
خاص إذا كان خاتمك، على الرغم من أنه يبدو عاديًّا
جدًّا. تلك الترابطات التي تثير هذا الشيء المعين
من دون غيره تعمل على ربطه بترابط خاص بك وغير
واضح لأي شخص آخر، وغير متأصل في الخواص المادية
للخاتم.
وكلما زادت قدرتنا على تشكيل تلك الروابط، ازداد
فهمنا عمقًا. وخلال قيامنا ببناء تلك الترابطات،
فإننا نجمع بين عنصرين مختلفين ومستقلين سابقًا،
يمكننا ملاحظة شيء ما في ضوء شيء آخر؛ فعلى سبيل
المثال، يُشير إطفاء الشمعة إلى إخماد حياة ما.
وبينما نعيش وجودنا الفردي، سيعمل الربط بين
أشياء، وأشخاص، وأفعال معينة بأشياء، وأشخاص،
وأفعال ومشاعر سابقة على صبغها بسمة إدراكية بدلًا
من مجرد سمة حسية تميزك أنت، ولا يتشاركها أي شخص
آخر. عندما نواجه شخصًا أو شيئًا ما، فإننا ننشئ
معنًى شخصيًّا، وعندما نربط هذا الشخص أو الشيء
بإطار أوسع، سيصبح فهمنا أغنى وأكثر عمقًا. وفي
النهاية، فمن خلال قيامنا بمرور الوقت ببناء تسلسل
يربط بين تلك الأمور ذات المغزى ضمن متوالية سببية
خطية، فإن الفهم والمعنى الأصلي يتغيران ويتكيفان.
وهذا النوع من عمليات التفكير هو ما يميز العقل
البشري الناضج.
تقدم أبحاث عالم الأعصاب التعليمي الراحل جون
غيك
Geake دليلًا
قويًّا على هذا الرأي. كشفت الدراسات التصويرية
التي أجراها غيك على أطفال موهوبين عن أن أدمغتهم
تُظهر ترابطًا بينيًّا أكثر من أدمغة ذوي القدرات
الإدراكية المتوسطة.
١٥ وعلى وجه التحديد، أدت تلك النتائج
إلى نشوء فكرة ارتباط الموهبة ﺑ «المنطق القياسي»
(مثل تشبيه الشمعة الذاوية بالموت)، وهو نوع من
المنطق يحدد أوجه التشابه بين المفاهيم الثابتة
ويقارن بينها، ثم يستخدم تلك المتشابهات لاكتساب
فهم لمفاهيم جديدة. يمكن للقدرة على إنشاء
الارتباطات التي لم تكن موجودة من قبل، أي الربط
بين النقاط، أن تفسر وجود المواهب في عدد من
المجالات الأكاديمية، بما في ذلك الفلسفة،
والرياضيات، والعلوم، والموسيقى.
١٦
يبدو أن أنماطًا مماثلةً تنطبق على البالغين. في
بكين، أوضح البروفيسور مينغ سونغ
Song وزملاؤه
في الأكاديمية الصينية للعلوم أن التصوير الدماغي
يمكنه إثبات الارتباطات بين الذكاء المرتفع وقوة
الارتباط الوظيفي الموزع بشكلٍ واسعٍ في جميع
أنحاء القشرة المخية.
١٧ وقد توصل المؤلفون إلى أن تلك
الملاحظات كانت دليلًا إضافيًّا على «الرؤية
الشبكية للذكاء»، وأن هذا الارتباط كان فاعلًا حتى
في وضع الراحة، وفي غياب أي مهمات إدراكية
صريحة.
ولذلك فإذا كانت الارتباطات تمكِّن من اكتساب
فهم أعمق، فمن الممكن أن يُطلَق على عملية بناء
تلك الارتباطات اسم «التفكير» بصورة عامة. وفي
الفصل الأول، أشرت إلى أن الفرق الأساسي بين
الشعور البُدائي والفكر هو وجود إطار زمني. إن
مجرد كونك واعيًا يستلزم وجود نوع من الحس
الشخصاني، وهو الأمر الذي يمكن لأي طفل رضيعٍ أو
حيوان تحقيقه، كما يتجلى في تحريك الذيل، أو
الخرخرة، أو الغرغرة، أو الابتسام. ولكن لا يمكن
مطلقًا أن يتحول الحيوان المعني فجأة إلى إنسان
آلي أو إلى زومبي (جثة أعيدت إلى الحياة). من
المستحيل فصل الوعي عن تلك الحالة الشخصانية من
الشعور. إنني أرى، في الواقع، أنهما مترادفان إلى
حدٍّ كبيرٍ.
وعلى النقيض من ذلك، فعلى الرغم من أن جميع
الحيوانات تمتلك درجاتٍ معينةً من الوعي، وبالتالي
الشعور، فليست جميع الحيوانات قادرة على أداء ما
نُدركه كعمليات فكرية. إنها مهارةٌ يتعين حتى على
البشر تطويرها على مر السنين. ما المشترك، إذن،
بين خيال، وحجة عقلانية، وذكرى، وأمل، وشكوى، وخطة
عمل، ومزحة؟ إنك تبدأ في مكان ما وتنتهي في مكانٍ
آخر. وتتكشف تلك المتوالية من الخطوات الخطية
بمرور الوقت، مع وجود بداية، ووسط، ونهاية واضحة.
وبخلاف الشعور البُدائي، تتجاوز عملية التفكير
نطاق «هنا والآن»؛ وينبغي عليها ذلك، إذ إنها تربط
الماضي بالمستقبل.
ومن منظور الدماغ، تصبح القشرة المخية أمام
الجبهية محوريةً مرة أخرى. لقد لاحظنا بالفعل كيف
ترتبط القشرة المخية أمام الجبهية غير المكتملة
النمو بفهم غير متطور لكلٍّ من اللغة الرمزية
فضلًا عن القدرة على ربط الأحداث الحاليَّة
بالنتائج المستقبلية. ولذلك، قد لا يكون مدهشًا،
أن يؤدي هذا الجزء من الدماغ، عندما يعمل بكامل
طاقته، دورًا في التجرِبة الإنسانية المتعلقة
بالأطر الزمنية. وبمرور الوقت، من الممكن أن يؤدي
التلف في القشرة المخية أمام الجبهية، بالإضافة
إلى العديد من النقائص الأخرى، إلى الإصابة ﺑ
«نسيان المصدر»
source
amnesia، والتي لا تتعلق
بفقدان الذاكرة بقدر تعلقها بنسيان متى وكيف
أُنشئت ذكرى بعينها.
١٨ ستصبح الذكريات الآن حرةً طليقة، فلم
تعد مرتبطة بأي سياق شخصي. إذا كنت تعاني نسيان
المصدر، فستنطمس جميع ذكرياتك معًا بدلًا من
تجزئتها إلى حوادث معينة. فقد تتذكر حقيقة بعينها،
ولكنك لا تتذكر متى وكيف تعلمتها. ستكون ذكرياتك
أشبه كثيرًا بذكريات طفل صغير أو حيوان، حيث تُدرك
الماضي على نحو مبهمٍ بقدر تأثيره في الوقت
الحالي، مفتقرًا إلى أي نوع من أنواع الترتيب أو
التسلسل الزمني، وبالتالي فاقدًا أي معنًى. لن
يكون لقصة حياتك التفصيلية أي معنًى، ولا حتى
بالنسبة إليك.
تُعتبر فكرة قصة الحياة، أو بالأحرى أي قصة،
مقنعةً لأغلب الأشخاص، ربما لأنها تمثل توسيعًا
لعملية التفكير البشرية الأساسية. وقد كان العرف
التقليدي لقراءة القصص عند النوم هو أفضل طريقة
ممكنة لمساعدة الأطفال على تنمية المهارات
الإدراكية للتخيل، ومدى الانتباه، والتعاطف
(
empathy:
الإحساس بمشاعر الآخرين)، والتبصر في عقول
الآخرين. أُجري بحث في جامعة بافالو، نيويورك،
لقياس تأثير تعاطف الطلاب الجامعيين عند قراءة
فقرات من كتب هاري بوتر للكاتبة ج. ك. رولينغ
Rowling، أو
سلسلة توايلايت للكاتبة ستيفاني ماير
Meyer. وبعد
ذلك، أجاب المشاركون عن الأسئلة المخصصة لقياس مدى
توافقهم مع العالم الذي قرءوا عنه. أوضحت النتائج
أن المشاركين الذين قرءوا فصولًا من رواية هاري
بوتر عرَّفوا أنفسهم بأنهم سحرةٌ، أما المشاركون
الذين قرءوا فصولًا من سلسلة توايلايت فقد عرَّفوا
أنفسهم بأنهم مصاصو دماء. والأروع من ذلك هو أن
الانتماء إلى تلك المجتمعات الخيالية يوفر بالفعل
الحالة المزاجية والرضا عن الحياة ذاتهما اللذَين
يستمدهما الناس من الانتماء للمجموعات الواقعية.
واختتمت مؤلفتا الدراسة، شيرا غابرييل
Gabriel
وأريانا يونغ
Young،
بالقول: «توفر الكتب فرصة للارتباط الاجتماعي
والسكينة الهانئة التي تنتج عن كونك جزءًا من شيء
ما أكبر من ذاتك للحظة عابرة وثمينة.»
١٩ وعلى الرغم من تركيز تلك الدراسة
بعينها على طلاب الكليات، فمن الممكن تمديد قوة
القصص وروايتها بشكلٍ متساوٍ لتشمل البالغين. ومن
جانبه، فإن كيث أوتلي
Oatley — وهو
أستاذ النماء البشري وعلم النفس التطبيقي في جامعة
تورنتو، بالإضافة إلى أنه كاتبٌ له روايات منشورة
— يتحدث بشيء من التفصيل عن تلك الفكرة:
أعتقد أن السبب وراء تمتع الأدب القصصي،
وليس اللاقصصي، بتأثير تحسين التعاطف، هو
أن الأدب القصصي يتعلق بشكلٍ رئيس بأنفُس
تتفاعل مع أنفُس أخرى ضمن عالم اجتماعي.
فالموضوع الرئيس للأدب القصصي يدور
باستمرار حول سبب فعل إحدى الشخصيات أمرًا
ما، أو إذا كانت تلك هي الحالة، فماذا
ينبغي له أن يفعل الآن، وما إلى ذلك. وفي
الأدب القصصي كذلك يمكننا فهم تصرفات
الأشخاص من وجهة نظرها الداخلية، من خلال
الدخول في مواقفهم وعقولهم، بدلًا من
الرؤية الأكثر سطحية التي غالبًا ما تكون لدينا.
٢٠
ومما لا يثير الدهشة أن الرواية يمكن أن تمثل
أداةَ تَعلُّم كالكتاب الدراسي. نحن بحاجة إلى
الأدب القصصي، أي إلى قصة شخص آخر، لكي نفهم
الحقائق الخاصة بنا. فالأشخاص المعنيون لديهم
مغزًى لأنه يمكن ربطهم ضمن إطار مفاهيمي، وسياق
معين، بالآخرين، وبالأحداث الماضية، تمامًا كما هي
الحال في حياتنا. عندما نقرأ الأدب القصصي، في
مقابل اللاقصصي، فنحن ننتقل إلى عالم من الأشخاص
ونبدأ في الارتباط بهم، وبالتجارِب التي يمرون
بها، وبالقرارات التي يتخذونها. قد نشعر بمشاعر
إيجابية أو سلبية تجاههم بوصفهم أشخاصًا، ونهتم
كثيرًا بما يحدث لهم بطريقة أقل احتمالًا بكثير
لأن تحدث مع شخصية في لعبة فيديو، والتي لا تعدو
كونها مجرد رمز. وقد لخَّص الصحافي بين ماكنتاير
Macintyre
الأمر بشكلٍ رائع:
منذ اللحظة التي نصبح فيها مدركين لوجود
الآخرين، فنحن نطالب بأن تُروى على
مسامعنا قصص تتيح لنا فهم العالم، بل
استيطان عقل شخص آخر. وفي سن الشيخوخة،
نروي القصص لإنشاء متاحف صغيرة للذكريات.
ولا يهم ما إذا كانت القصص حقيقية أم
خيالية. فالسرد، سواء كان مكتوبًا أو
شفهيًّا، هو العنصر الأساسي لكل ثقافة حول
العالم. لكن القصص تستلزم وقتًا وتركيزًا؛
فالروائي لا يكتفي بمجرد نقل المعلومات،
لكنه يدعو القارئ أو المستمع إلى أن يشهد
تكشُّف الأحداث.
٢١
ومن خلال ملاحظة ما يحدث، ومتابعة المسار الخطي
لقصة ما، يمكننا تحويل المعلومات إلى معرفة بطريقة
لا يمكن للتركيز على الإجابة السريعة والتحفيز
المستمر فعلها. ومن وجهة نظري، فإن القضية
الأساسية هي السرد، ففي السرد يوجد تسلسل، أي
متوالية من الأسباب والنتائج المنظمة بتسلسل صارم
وغير عشوائي، وبالتالي، فإن أي سرد سيقوم، بطريقةٍ
ما، بترديد قصة حياةٍ ما. تقوم القصص بترتيب
الأحداث ضمن سياق، وإطار مفاهيمي، ويعمل هذا
الترتيب على إنشاء المعنى. وفي حين يُنظر إلى
الحكايات السردية باعتبارها الشرط الأساس للكتب،
فهي أبعد ما تكون عن كونها مضمونة على الإنترنت،
حيث تكون الاختيارات المتوازية، والنصوص التشعبية،
والمشاركة العشوائية أكثر انتشارًا. وفي حين يمكن
اكتساب التعاطف
empathy عن
طريق قراءة الكتب، فلا يمكن ضمان ذلك تلقائيًّا في
نمط حياة رقمي يفضل السرعة، والسطحية، وعدم
الترابط.
لكنه يمكن بالتأكيد لمحركات البحث أن تتيح لنا
الوقت لتأمل الأسئلة الأكثر صعوبة، وللتفكير على
نحو أكثر عمقًا مما كنا نتصور، تمامًا مثلما منحت
الصحافة المطبوعة إمكانية الوصول إلى المعرفة لعدد
أكبر من الأشخاص. قد يكون الأمر كذلك، لكننا نحتاج
أولًا إلى وضع بعض الخطوط القصصية في مكانها
بالفعل. من دون وجود إطار مفاهيمي شخصي يمكِّننا
من استخدام الإنترنت لصياغة الأسئلة الصعبة وذات
النهاية المفتوحة والتفكير بشأنها، فنحن نتعرض
لخطر الاندفاع السلبي وراء الحقائق المعزولة حيث
ننتقل من تجرِبة معزولة ولكن مذهلة على الشاشة إلى
غيرها. وكما ذكرت سابقًا، فمن الجدير بالذكر أنه
حتى رئيس شركة غوغل، إريك شميدت
Schmidt، يرى
أن الجلوس وقراءة كتاب «هي حقًّا الطريقة الأمثل
لتعلم شيء ما».
٢٢ نحن في حاجة الى وقت للتفكير بشأن
العالم من حولنا وفهمه. وفي تسلسل الخطوات، لا
تحدث «حركة تنحصر في الدماغ» في لحظة ما، ولكن ضمن
إطار زمني كقطار، أو كخط من الأفكار. يبدو أن
ثقافة الإنترنت لا تشجع على اكتساب سعة الانتباه
اللازمة للتفكير العميق، وبالتالي فإذا اعتمدنا
على الثقافة الرقمية حصرًا، فسنفشل في بناء الإطار
المفاهيمي المناسب الذي يمنح مغزًى للعالم من
حولنا.
لا بد أن تكون قراءة القصص هي أفضل طريقة ممكنة
لاكتساب المهارات الإدراكية للتخيل، وسعة
الانتباه، والتبصر، والتعاطف مع عقول الآخرين،
فضلًا عن منحنا إدراكًا للمفاهيم المجردة. فبعد كل
شيء، كيف يمكننا أن نعبر عن الشرف، على سبيل
المثال، كرمز؟ ومع ذلك، أي شخص قرأ رواية «موت
آرثر» للكاتب مالوري
Malory،
ستتولد لديه فكرةٌ عما يعنيه الشرف. ومن ثَم، يمكن
أن تكون الرواية أداةَ تعلُّم مثلها مثل الكتاب
الدراسي. نحن بحاجة إلى الأدب القصصي لفهم
الحقائق. وإذا كانت هذه هي الحال، فبالتالي لا
تُعتبر محركات البحث الوسيلة الأفضل لكسب الفهم أو
اكتساب المعرفة. المسألة الحساسة التي تواجهنا هي
كيفية التفاوض على الانتقال من بيئة القرن العشرين
القديمة التي تتميز بكثرة الأسئلة وقلة الأجوبة
إلى فهم، بل والبقاء في، وتحقيق الاستفادة القصوى
من، البيئة الحاليَّة التي تتميز بقلة الأسئلة
وكثرة الأجوبة بفضل تكنولوجيا سريعة الخطى. في
رأيي، ثمة ثلاثة عوامل رئيسة غالبًا ما تُغفَل في
نظام التعليم الحالي، وهي بالطبع غير مستوحاة
بالضرورة من نمط الحياة الرقمي الحالي: أولها
امتلاك المرء شعورًا قويًّا بهُويته الفردية
(واحترامها في الآخرين). والثاني هو امتلاك شعور
بالإنجاز الفردي. والثالث هو أن تكون مفيدًا
للمجتمع. كيف يمكن أن تتحقق هذه الأهداف المجردة
إلى حد ما؟
هناك شيء يضع علامة على تلك العوامل الثلاثة،
وهو الإبداع
creativity.
وبالإبداع لا أعني بالضرورة تأليف سيمفونية
موسيقية أو الكشف عن رؤية جديدة عظيمة في العلوم
أو الحالة الإنسانية، على الرغم من أن تلك الأنشطة
تعتبر إبداعية بطبيعة الحال. على مستوًى أساسي
بدرجة أكبر، من المؤكد أن جوهر الإبداع يكمن
ببساطة في النظر إلى شيء ما بطريقة جديدة، سواء
تمثل ذلك في إعادة ترتيب أثاث غرفة النوم، أو
تفسير موقف اجتماعي بعينه من زاوية مختلفة. لنتحدث
عن الفكرة بشكل أوسع.
كثيرًا ما يرتبط الإبداع بالأطفال الصغار على
وجه الخصوص. ويتعلق الأمر أيضًا بالفِصام بالنسبة
إلى البعض،
٢٣ مثل الطبيب النفساني لويس ساس
Sass من جامعة
روتجرز، وبالنسبة إلى آخرين (الأفراد أنفسهم
عادة)، يتعلق الأمر بتعاطي المخدِّرات الترويحية.
ولكن ليس جميع الأطفال، أو مرضى الفِصام، أو
معاقري المخدِّرات يتصفون بالإبداعية المفرطة، كما
لا يلزم أن يكون المبدعون صغارًا في السن، أو مرضى
نفسيين، أو مخدَّرين. قد تكمن الفكرة هنا وراء
حقيقة أن بعض السمات الموجودة في الأطفال، أو مرضى
الفِصام، أو معاقري المخدِّرات قد تمثل شرطًا
ضروريًّا، ولكنه غير كافٍ، للإبداع. وفي الوقت
نفسه، فمن الممكن أن يبلغ حالةَ الإبداع ذاتها
أشخاصٌ لم يُصنَّفوا ضمن تلك الفئات الثلاث. ماذا
عساه أن يكون هذا الشرط الأول؟
يمتلك الأطفال الصغار، كما رأينا، قدرًا ضئيلًا
من الارتباط الدماغي، ولذلك لا يمكنهم بسهولة
ملاحظة شيء معين في ضوء شيء آخر. ويشبه الفِصاميون
الأطفال في إدراك العالم بمعناه الحرفي وفي عدم
القدرة على تفسير الأقوال المأثورة؛ وفي كلتا
الحالتين هم يفهمون ما يرون. وفي النهاية، ونتيجة
للمواد النفسية التأثير التي تضعف ارتباطيتهم
العصبونية، يمتلك مدمنو المخدِّرات قوًى ترابطية
ضعيفة. وبالنسبة إليهم، يكون المعنى هشًّا
ومتفردًا. هل يمكن، إذن، أن تتمثل الخطوة الأولى
المهمة في عملية الإبداع — ولكن ليست الخطوة
الأولى فحسب — في القدرة على فصل العناصر المرتبطة
بشكلٍ تقليدي سابقًا؟ يشيع هذا النوع من التفكيك
في الفن، حيث يكمن مغزاه في تقليص الإدراك المعرفي
للصورة، مثل مَزهرية، إلى خلط حسي تجريدي للألوان،
والأشكال، والقوام التي تحاول حينئذٍ نسخها.
ومثلما يحدث في مجال العلوم، تتمثل الخطوة الرئيسة
الأولى في تحدي المبادئ، كما فعل باري مارشال بشأن
الفكرة القائلة أن قرحة المعدة تنشأ عن التوتر
وليس بفعل نوع من البكتريا.
ولكن ليس من المهم تحدي المبادئ وحسب، بل أن
يُستبدَل بها بديل جديد، أو ثمة ترابط جديد لم
يجرَّب من قبل: توليف كلمات بشكلٍ معين، أو تجميع
معين للألوان والأشكال، أو وضع شيء أو شخص مألوف
في سياق غير متوقع، أو إنشاء ارتباط بين خاصيتين
للعالم المادي غير مرتبطتين سابقًا، مثل التشابه
بين الجهاز المناعي وفكرة البقاء للأصلح التي
وضعها داروين
Darwin، والتي
أشار إليها لأول مرة اختصاصي المناعيات الأسترالي
الألمعي فرانك بيرنت
Burnet.
٢٤
لكن عملية كالتفكيك وإعادة البناء لا تضمن إنتاج
عمل إبداعي، كما يتضح عند قيام أي شخص يجرب مكونات
غريبة في وصفة طبخ جديدة. ثمة مثال آخر على ذلك،
وهو رسوم الأطفال، حيث قد توجد ألوان أو أشكال غير
عادية تصور حيوانًا أو شخصًا ما، لكن العمل
النهائي لا يتأهل للعرض في معرض الفنون. ومن وجهة
نظري، تتمثل الخطوة النهائية الحاسمة نحو الإبداع
في أن العمل أو الفكرة يجب أن تعني شيئًا ما، ويجب
أن تساعدك على رؤية العالم بطريقة جديدة. وسواء من
خلال العلوم، أو الفنون، أو الأدب، أو أي محيط
آخر، تنشأ ارتباطات جديدة في الدماغ، والتي تمنح
بدورها العالم معنًى جديدًا. ولكي يصبح للارتباطات
معنًى، كما لاحظنا، لا يمكنها أن تكون عشوائية
فحسب: فهي بحاجة إلى أن ترتبط بأطر مفاهيمية أوسع
تمنح بدورها معنًى أعمق.
لا يمكن شراء التفكير الإبداعي، أو تنزيله من
الإنترنت، أو ضمانه، ولكن من الممكن تنشئته من
خلال توفير البيئة الملائمة. وكذلك فإن بناء الأطر
المفاهيمية الفردية لفهم وتفسير العالم يعني تشجيع
الأفراد على امتلاك الثقة في التشكك في المبادئ
والآراء التقليدية وتفكيكها، وامتلاك الشجاعة
لإنشاء ارتباطات جديدة من دون الخوف من آراء
الآخرين أو سخريتهم. وليس من المبهج أن نتخيل
العالم مأهولًا بأفراد يمتلكون تنسيقًا حسيًّا
حركيًّا ذكيًّا، والذين يمكنهم أداء مهمات عدة على
نحو جيد، ولديهم حاصل ذكاء مرتفع، ولكنهم غير
قادرين على الفهم والتفكير التأملي، ناهيك عن طرح
أفكار أصلية.
وفي العام ١٩٦٤م، في معرض العالم الذي أقيم
بمدينة نيويورك، توصل كاتب الخيال العلمي إيزاك
أسيموف
Asimov إلى
هذا التنبؤ المناسب، والشديد التبصر بحيث تحقق بعد
خمسين عامًا:
على الرغم من ذلك، ستعاني البشرية بشدة
من مرض الملل، وهو مرض ينتشر بشكل أوسع
وتزداد حدته في كل سنة. وستكون لذلك عواقب
عقلية، وعاطفية، واجتماعية خطيرة، ويمكنني
القول بأن الطب النفسي سيكون أهم التخصصات
الطبية على الإطلاق بحلول العام ٢٠١٤م.
أما القلة المحظوظة ممن يمكنهم الانخراط
في عمل إبداعي من أي نوع فسيمثلون الصفوة
الحقيقية للبشر، حيث إنهم وحدهم سيقومون
بأعمال أكثر من مجرد خدمة آلة ما.
٢٥
ثم مرة أخرى، ربما بالنسبة إلى الأشخاص في
المستقبل، فإن أولويات المفكرين القدامى،
والمنظرين مثل أسيموف، وبالطبع تلك الخاصة
بالمهاجرين الرقميين النَّموذجيين من أمثالي،
ستبدو قديمة، ومضحكة، وغير ملائمة لجدول أعمال
منتصف القرن الحادي والعشرين، تمامًا مثلما كانت
عقلية العصر الفيكتوري بالنسبة إلى القرن العشرين.
ومع ذلك، فلا يمكننا أن نتجاهل العالم الحقيقي.
وعلى الرغم من أن التقنيات الرقمية تسحبنا إلى
قاعة المرايا المنقطة والمحمومة الخاصة بها، فلا
يزال هذا العالم يعتبر شبيه البيئة الضخمة
والثلاثية الأبعاد الحالية، التي لا يزال يتحتم
الوجود فيها حتى على أشد المولعين بالتكنولوجيا
الحديثة حماسًا.