الفصل التاسع عشر

تغيُّر العقل فيما وراء الشاشة

في عصر شكسبير، كان من يبلغ من العمرِ أربعين سنة يُعدُّ مسنًّا. وفي تفاوت مدهش، فلدَى من يولَد الآن فرصةٌ من ثلاثٍ ليُعمَّر حتى يبلغ المائة، ولو في مجتمعنا المتقدم المحظوظ على الأقل.١ فبفضل التطورات الحديثة في مجال الطب، أصبحتْ بعض الأمراض مثل شلل الأطفال والخُناق محضَ ذكريات، بل أصبحت توقعات الشفاء أعلى من أي وقت مضى. وفي الوقت نفسه، تفتح لنا فروع طبية جديدة تمامًا آفاقًا مدهشة، ومنها المعالجة الجينية،٢ والطب التجددي.٣

كيف سيؤثر وجود تلك التقنيات الطبية الرائدة في عقلية القرن الحادي والعشرين؟ من المرجح أن تنظر الأجيال المقبلة إلى هذه التطورات باعتبارها أمورًا بديهية، كما كان حالنا ونحن صغار؛ إذ لم نعتبر شلل الأطفال والسل مخاطر صحية مثلما اعتبرهما آباؤنا من قبل. وقبل ذلك، وفي العقود الأولى من القرن العشرين، كان الناس يتقبلون عدم الراحة في أحسن الأحوال والألم في أسوئها باعتبارها أمورًا اعتيادية، سواء أكانت تلك ناجمة عن الأسنان النخرة، أم عتامة العين (السادِّ)، أم آلام المفاصل، أم العدوى. كانت الأمراض البسيطة المزعجة لتصبح أمرًا اعتياديًّا، وكان على الدماغ أن يتكيف بتأثير التطور مع ما يُفرض عليه من ظروف. ولكن، من الناحية الأخرى، لو كان الانزعاج الجسدي أمرًا اعتياديًّا، لما تمكن الناس حينها من تدبر أنفسهم وشئون حياتهم بالسهولة نفسِها المتاحة لنا الآن. وعلاوة على ذلك، فسيطغى على وجودِك اليومي احتمال وارد للغاية؛ وهو أن يدمر فجأة مرض عشوائي متقلب حياتك أو حياة شخص قريب منك. وفي الوقت الحالي، تنحسر مثل هذه المخاوف، وربما تشجع التقنيات الطبية في المستقبل الاعتقاد بأن العافية حق طبيعي للجنس البشري.

لكن هناك مرضًا واحدًا، أو بالأحرى مجموعة من الأمراض يجمع بينها عرَض معين مخيف، هو الأكثر تدميرًا مما سواه. إذا كنا مهتمين بتغيُّر العقل، فعلينا أن نفكر كذلك في خَسارته، التي لا تسببها أنشطة الشاشة الطائشة فقط، بل التي تحدث بصفة مستديمة بسبب أمراض الدماغ أو الخرف dementia، الذي يعني حرفيًّا: «فقدان العقل». وكما نعلم بالفعل، إذا أمكن اعتبار العقل «شخصنة الوصلات العصبونية»، فسيكون التفكك التدريجي لتلك الوصلات هو العملية الفيزيائية التي تكمن وراء الارتباك وفقدان الذاكرة اللذَين يميزان أمراضًا مثل داء ألزهايمر. بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين، سيعاني مليونَا شخص في المملكة المتحدة وحدها من داء ألزهايمر، وهو عدد يمثل نحو ٧٠ في المائة من حالات الخرف.٤ فكِّرْ في عددِ من يحبونك في تلك الحياة، ولْنسهل العملية الحسابية التالية: لنفترض أنهم عشَرة أشخاص؛ هذا يعني أن عِشرين مليون شخص سوف تنقلب حياتهم رأسًا على عقب، أي ثلث سكان بريطانيا. تشير التقديرات إلى أن ٣٥٫٦ مليون شخص من جميع أنحاء العالم كانوا مصابين بالخرف في عام ٢٠١٠م. ومع توقُّع تضاعُفِ العددِ كل ٢٠ عامًا؛ فسيبلغ عددهم نحو ٦٥٫٧ مليون شخص في العام ٢٠٣٠م، و١١٥٫٤ مليون في العام ٢٠٥٠م.٥ وفي دراسة أمريكية أُجريت في العام ٢٠١٣م، اتضح أن الخرف هو عبء اقتصادي أكثر تكلِفة للمجتمع من أمراض القلب والسرطان.٦
يمثل الخرف مرضًا قاسيًا بصفة استثنائية، لما يسببه من دمار لمثل هذا العدد الكبيرِ من الأرواح. وعلى الرغم من أن أمراض القلب أو السرطان، مثلًا، قد تكون أمراضًا مُهدِّدة للحياة، إلا أن مرضاهما يحتفظون بشخصياتهم كما هي؛ مدركين كونهم أزواجًا أو زوجات، أو آباء أو أمهات، أو أخوة أو أخوات؛ ولذلك يحتفظون بعَلاقتهم الهادفة معك على الرغم من مرضهم. أما الخرف فمختلف.٧ يُفضي الخرف إلى خسائر قاسية لما يسببه من فقدان بطيء ومستمر للخلايا الدماغية، وبالتالي يمكن للرعاية أن تسبب معاناة لا توصف حين ينكر زوج أو أم مريضة أي عَلاقات. يمكن للشعور بالخَسارة حينها أن يكون مؤلمًا كأن المريض قد مات أو قُتِل بالفعل. غالبًا ما يقاسِي مقدمو الرعاية كل مراحل الفقدان وعلاماته، ولكن من دون تلقي مراعاة المجتمع وتسامحِه اللذَين يمنحهما لمن يعانون خَسارة شخصية.
ولا يتوافر حاليًّا أي علاج لسلسلة الاضطرابات العصبية التنكسية التي يتسم بها الخرف.٨ ولكن لنفترضْ ولنأمل أن يتمكن شخص ما عاجلًا أو آجلًا من إتاحة إنجاز كهذا. تخيَّل ذَهابك إلى طبيبِ الرعاية الصحية الأولية الخاص بك لتُجري تحليل دمٍ روتينيًّا، لفحص مستويات الكوليسترول مثلًا، فينظر الطبيب بهدوء إلى عينيك مباشرة قائلًا: «حسنًا، هناك خبر سار، وآخر سيئ. الخبر السيئ هو أن دمك يظهر واسمات بيولوجية مرتفعة على وجودِ تنكس عصبي. ووَفقًا للجدول البياني المنشور هنا، فهذا يعني أنه في حالتك هذه ستظهر عليك أعراض معينة في غضون عاميْن، منها: تعثر في ذاكرةِ المدى القصير، وصعوبة في تذكرِ الاسم الصحيح لشيء يوميٍّ معتاد. أما الخبر السار فهو وجود دواء فموي سيوقف من الآن فصاعدًا موت خلايا دماغك؛ لذا فلتتناول هذه الأقراص يوميًّا، ستحتاج إلى تناولِها يوميًّا من الآن فصاعدًا، ولن تعاني أي أعراض ما دمت تتناولها؛ لأنها توقف عملية التنكس العصبي في مساراتها.» وفي نهاية المطاف، قد يصبح هذا السيناريو — الذي يتضمن تحليل الدم روتينيًّا وتناول علاج يومي — واقعًا فعليًّا بدلًا من كونه ضربًا من الخيال. ما زالت تنقصنا بعض المعلومات الحاسمة فيما يتعلق بالسبب الذي يجعل خلايا معينة في الدماغ تبدأ دورة موت الخلايا، المعروفة باسم التنكس العصبي.٩ إن تحديد هذه الآليةِ الأساسية المتسببةِ في داء ألزهايمر وما يتعلق به من أمراض سيكون بمنزلة الكأس المقدسة التي ستقود إلى التشخيصِ الوثيقِ (وقبل ظهور الأعراض) والعلاجاتِ البالغة الأهمية التي ستمنع موت أي مزيد من الخلايا.
لذا فلنفترض تحقق هذا الأمل الرائع وانضمام الخرف في نهاية المطاف إلى غيره من أمراض الماضي، التي كانت، أو بَدَتْ، كحكم بالإعدام، ثم أصبحت الآن قابلة للاحتواء بفضل الاستراتيجيات الطبية الحديثة. وبحلول النصف الثاني من هذا القرن، سيتطلع كثير منَّا نحو حياة طويلة مفعمة بالصحة. وسنبدو أكثر شبابًا نتيجة لكوننا أكثر صحة، وسنكون قادرين على التناسل لفترة أطول بكثير؛ وربما طَوال عمرِنا كله في نهاية المطاف. وبتقدمِ التقنيات أكثر فأكثر، قد يصبح اعتياديًّا أن تجمد المرأة بويضاتِها في عنفوان سِن إنجابها، لتذاب فيما بعد — ربما حتى لو كان طمثها قد انقطع — وتصبح قادرةً على الإنجاب، وإن كان ذلك عن طريق التخصيب في المختبر. ولنشطحْ في خيالنا إلى أبعد حد، على الرغم من أنه قد يبدو أمرًا غير مستساغ وبعيد المنال، فليس بعيدًا عن التوقع العلمي المنطقي أن يكون بمقدرة أي شخص في المستقبل — مهما كان جنسه أو عمره أو توجهه الجنسي — أن ينجب طفلًا مع أي شخص آخر. إذا أمكن استخلاص المادة الوراثية من أي خلية في الجسم، ومزج نصفها مع نصفِ مادةِ شخص آخر، فلن نحتاج بعد ذلك إلى الحيوانات المنوية أو البويضات.١٠ كل ما سنحتاج إليه هو بويضة مفرغة ورحم، واللذان يمكن أن يوفرهما شخصان مختلفان. ولذلك، مبدئيًّا، يمكن للطفل أن يكون له ستة آباء: مانِحو المادة الوراثية، ومانحة البويضة، ومانحة الرحم، والأبوان اللذان سيربيان الطفل. النقطة الرئيسة هي أنه سيمكنك بطريقة أو بأخرى أن تصبح أبًا جديدًا يرعى طفلًا صغيرًا طَوال فترة البلوغ.
وأخيرًا، لنتحدثْ عن العمل. عادة ما كان العمل ذو الأجرِ متوافرًا خارج المنزل، وغالبًا ما كان يستلزم لياقة بدنية. أما الآن، فقد أتاح اقتصاد المعرفة وعالم الإنترنت العمل من داخل المنزل، ولم تعد القوة البدنية ضرورية، وأصبح هناك جدلٌ دائر ومستمر ضد وجودِ سن محددة للتقاعد؛ وهذا بالفعل شأن العديد من المنظمات والجمعيات حاليًّا. وقد نجعل للقضية وزنًا إذا دعمناها بفكرة أفضلية تحفيز الدماغ بدلًا من الانفصال السلبي عن العالم الخارجي، وحينها سيشيع في المجتمع أن العمل مفيد للدماغ. ويكفي القول بأنه إذا كانتْ لدينا زيادة في نسبة المسنين ذوي الذكاء والصحة العقلييْن، فحينها سيكون التقاعد لِلعب الغولف والسودوكو هو الاستثناء وليس القاعدة.١١
حين تقابل شخصًا للمرة الأولى، فعادة ما تُلحِقه لا شعوريًّا بجيل معين بِناء على: (١) مدى صحته التي تنعكس على (٢) مظهرِه (٣) وقدرتِه الإنتاجية (٤) وما إذا كان لا يزال يعمل أم لا. وإذا كانت التوجهات التي تقودها التقنية الحيوية حاليًّا تحدث وَفقًا للاستنتاجات المنطقية في نواحي حياتِنا الأربع الحاسمة المذكورة أعلاه، فلن يكون التقسيم إلى جيل أو الآخر أمرًا سهلًا. تتغير أمور كثيرة في العالم من حولنا؛ بعضها في عالمنا الواقعي المادي العتيق ذي الأبعاد الثلاثة، وغيرها في العالم الإلكتروني ذي البعدين. تخيل الآن ما سيحدث لو دمجنا العالميْن معًا. ماذا لو أمكن للتقنياتِ الرقميةِ التي كانت سابقًا حبيسة الشاشة أن تؤثر في طريقةِ إدراكِنا للعالم الواقعي؟ لا يريد أحد حاليًّا أن يظل مقيدًا إلى لوحةِ مفاتيح عتيقة وشاشة منفصلة ثقيلة. إن الهواتف الذكية ليستْ بالفعل سوى حواسيب محمولة اتُّفق على امتلاكها لخاصية الاتصال الهاتفي، وهناك تفضيل متزايد للهواتف المحمولة بدلًا من الحواسيب المحمولة، لما فيها من جميع أنواع التطبيقات وألعاب الفيديو. وسيكون الجيل القادم من الهواتف الذكية مدركًا للسياق، مستغلًّا في ذلك التوافر المتزايد لأجهزة الاستشعار المادية وقدراتِ تبادل البيانات. ونتيجة لذلك، ستشْرع الهواتف في متابعةِ بياناتِك الشخصية، وستتكيف بِناء على أهدافِك وموْقِعك لتتوقع ما تحتاجه من معلومات.١٢ وبالإضافة إلى متابعته إياك، سيرصد هاتفك محيطك ليكشف المعلومات عن أي شيء أو أي مكان تُشير بهاتفِك نحوه.

تخيل ما ستكون عليه الحياة إذا أمكن لخاصيةِ المراسلةِ الآمنة بالغةِ القيمة أن تصبح شفوية بدلًا من كونها مكتوبة. سيمكنك تسجيل رسائلِك من تجنب حرج التواصلِ مع الشخصِ مباشرة — وعبر الهاتف كذلك — وصعوبته. ويمكن الوصول إلى تلك الرسائلِ بسرعة ويسر، كما هي حال الرسائل النصية حاليًّا. بل لن يلزمك حتى أن تكون متمكنًا من القراءة والكتابة.

سيخلق هذا الاختراع الجديد حاجزًا بينك وبين بؤس التواصل البشري الفوري في عالم الواقع، وكذلك سينهي الاستياء المتزايد من تعقيد مهارات القراءة والكتابة. مرحبًا بك في عالم نظارات غوغل.١٣
فيما يتعلق بالمظهر، فنظارة غوغل أشبه بنظارات عادية ذاتِ مستطيلٍ أسود صغير مستقِر أعلى أحد الجانبين، وهو ما يُظهر لك المعلومات ويمكِّنك من الولوج إلى الإنترنت من خلال أوامر صوتية بسيطة. سيمْكِنك قريبًا تسجيل كل ما تشاهده من دون استخدام يديْك، ومشاركته مع الآخرين لحظيًّا. وكذلك سيمْكنك معرفة الاتجاهات، والاطلاع على أي شيء يتعلق بموقعك الحالي، وترجمة ما تتفوه به، ومعرفة معلومات عن أي مكان توجد فيه من دون أن تطلب ذلك صراحة. في الوقت الحاضر، لا بد من أن تتوقف دورات الألعاب وتصفح الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في وقت ما. ودائمًا ما يمكنك إيقاف تشغيل جهازك، والعودة مجددًا إلى العالم الواقعي. أما نظارات غوغل وغيرها من التقنيات، فستجعل تلك الأنشطة متاحة في كل لحظاتِ استيقاظِك. وكما يشيع الآن أن نرى من المارة من يضعون أسلاكًا في آذانِهم ويحدثون أنفسهم — بينما كان يُنظر إليهم فيما مضى باعتبارهم معتوهين — فمن المحتمل أن يتحول هؤلاء الأشخاص أنفسهم إلى أشخاص يرتدون نظارات بلا إطار ولا تكاد تراها الأعين، ويعيشون في واقعِ نظاراتِ غوغل المعزز augmented reality.١٤ تؤدي هذه التقنية دورها من خلال تحسينِ الإدراك الحالي للواقع، لذا فلا ينبغي الخلط بينها وبين الواقع الافتراضي الذي يستبدل عالمًا محاكى بالعالم الحقيقي. وبدلًا من ذلك، يعتمد الواقع المعزز على النظرِ المستمر إلى البيئة الماديةِ في العالم الحقيقي، بحيث تعزز عناصرها بمدخلات حسية منتجة حاسوبيًّا، ومنها الصوت أو الفيديو أو الرسومات البيانية أو بيانات نظام تحديد المواقع العالم (GPS).١٥ وبهذه الطريقة، ستتراكب المعلومات «الاصطناعية» باستمرار على البيئة المحيطة في العالم الحقيقي وعلى ما تحتويه.
من المخططِ أن تُطرح نظارات غوغل في الأسواقِ عام ٢٠١٤م،١٦ لذا فربما أنت تقرأ بالفعل هذا الكلام الآن ممسكًا نظارتك الخاصة استعدادًا لارتدائها مرة أخرى. وعمومًا، فالآثار المترتبة على الاعتمادِ الشامل لهذا الأسلوب الجديد في رؤية العالم آثار متنوعة بقدر شموليتها. ومن المتوقع لتلك الأجهزةِ القابلةِ للارتداء، كنظارةِ غوغل أو ساعة iWatch التي طرحتْها شركة آبل، أن تصبح أمرًا اعتياديًّا لمعظمِنا في غضونِ خمسِ سنوات، بعد أن تصِل مبيعاتها بحلول العام ٢٠١٨م إلى ٤٨٥ مليون جهاز سنويًّا.١٧
بعد أن تعتاد على الواقع المعزز؛ تخيل كيف سيشق عليك أن تكون وحيدًا من دونه، ومدى صعوبة التخلي عن هذا البعد الجديد وإيقاف تشغيله. وبالفعل، فإن معظم مالكي الهواتفِ الذكية متعلقون بها عاطفيًّا. وفي دراسة أمريكية أُجريت في العام ٢٠١٢م؛ صرح ٧٣ في المائة من مستخدمي الهواتفِ بشعورِهم ﺑ «الذعر» عندما أضاعوا هواتفهم، بينما شعر ١٤ في المائة ﺑ «اليأس» و٧ في المائة ﺑ «المرض».١٨ وأعلن ٦٦ في المائة من مستخدمي الهواتفِ في المملكةِ المتحدة عن خوفِهم من فقدانِ هواتفِهم، وهو ما يُعرف الآن باسم «النوموفوبيا» nomophobia.١٩ وإذا كان هذا النوع من السلوك منتشرًا بالفعل، فمن المثير أن نضيف إلى هذا النوع من الارتباطِ العاطفي الذي نعانيه أجهزة أخرى كثيفة الاندماج، تمدنا بترفيه أكثر وأجوبة أسرع، وكذلك تواصل اجتماعي أكثر صحية، وكل ذلك من دون توقف.

يصعب إدراك كيف سيستوعب العقل البشري كم معلومات هائلًا كهذا. فمع نظاراتِ غوغل، ستكون المعلومات أمام ناظريْك من دون الحاجةِ إلى محاولة معرفة الإجابة بنفسك. وبما أن محركاتِ البحثِ توفر الآن بالفعل خيارًا أسرع من الإعمالِ الضروري الحتمي لعقلك وأسهل منه، فستكون حينها عرضة لإضعافِ عقلِك بدرجة غير ممكنة حتى في الوقت الراهن؛ حيث لا يزال تصفح الهاتف أو الجهازِ اللوحي أو الحاسوبِ المحمول يتطلب بعض الكتابة أو اللمسِ المسبقيْن. فأنت لن تبقى حينها متحكمًا فيما تنظر إليه، بل الشاشة هي ما سيتحكم فيك. إن أكثر الخصائص فورية في نظاراتِ غوغل هي التفاعل، حيث تركز على اللحظةِ الراهنة المحدثة باستمرار. وسيوقِع هذا العالم الواقعي المتطور باستمرار المستخدمِين في شِباكِ حاضر مفرطِ التواصل. ولن يصبح هناك أي شيء خصوصي يمكن تذكره أو توقعه.

فنظارات غوغل يمكن أن تكون بمنزلة ناقوس الموت الأخير للخصوصيةِ، نهائيًّا وعلى نحو حاسم. وقد كان أندرو كِين Keen، الذي يصف نفسه بأنه رجل أعمال بريطاني-أمريكي، وشكوكي مِهني، ومؤلف كتاب «طائفة الهواة والدُّوار الرقمي» (The Cult of the Amateur and Digital Vertigo)، سريعًا في تلخيص هذه المسألة. إذ كتب: «تمثل هذه النظارات بديلًا رقميًّا لأعيننا إلى حدٍّ ما. وغرابتها أشبه بغرابة فيلم Rear Window الذي أخرجه هيتشكوك، أو أشبه بغرابةِ توزيعِ الأخ الأكبر للكاميرات في رواية جورج أورويل «١٩٨٤»، وبالغرابة نفسها التي يَلُوح بها الآن مستقبل يتضمن شركاتِ بيانات «بروميثيوسية» مثل «غوغل». وأضاف:
لكن نظارات غوغل تفتح آفاقًا جديدة تمامًا في الحرب الرقمية ضد الخصوصية. فهذه النظارات، التي صُممت خصوصًا لتسجل كل ما نراه، تمثل نقلة تطورية في تاريخ البيانات، شبيهة بالانتقال من الدراجة إلى السيارة. وقد ينتهي هذا النوع من التحولاتِ الجذرية بالفعل إلى التدميرِ الكامل لخصوصيتنا الفردية في القرن الحادي والعشرين الرقمي. وبمجرد أن نرتدي أجهزة المراقبة هذه، فسنصبح كالجواسيس بالنسبةِ إلى كل شيء وكل شخص من حولنا.٢٠

ولذا فهذه سِمة جديدة حقًّا لمستقبل يبدو كأنه قادم مباشرة من كتب الخيال العلمي، حيث تتحرر فيه أخيرًا هواجس مراقبةِ حياة الآخرين وبث كل لحظة من لحظاتِ وجودِنا، من لوحة مفاتيح وشاشة لمسية. وبدلًا من ذلك، فأنت تتفاعل مباشرة مع جهاز رقمي كأنه امتداد لجسدك. وبالنسبة إلى كين، فهو ليس قلقًا فقط بشأن أخلاقية فقدان الخصوصية المحتمل وقانونيته، بل يشعر بالقلق أيضًا بخصوص ما سيمثله لنا فقدان كهذا، باعتبارنا — كنا ولا نزال حتى الآن — كائنات فردية مستقلة.

ربما يشعر مرتدو نظارات غوغل بأنهم مجبرون طَوال الوقت على اختيار عالم الإنترنت المفرط التواصل، خوفًا من الإغفال والتخلف عن الركب. ونتائج ما يقومون به في كل دقيقة هي فقدان الخصوصية، كالمعتاد. لقد كانت الخصوصية ذات قيمة حتى الآن لأنها كانت من هُويتنا بمنزلةِ الوجهِ الآخر للعملة. نحن نعتبر أنفسنا كائنات فردية متصلة بالعالم الخارجي بالتأكيد، ولكنها في الوقت نفسه مستقلة عنه دائمًا. والإحساس بالخصوصية هو ما يفصل بين الاثنين. نحن لا نكشف خبايا أنفسنا؛ ليس لأنها تخجلنا وتشعرنا بالحرج، بل بالأحرى لأنه لا ينبغي للجميع أن يعلموا ما نشعر به ونفكر فيه. وبِتمهلِنا سنحتفظ لأنفسِنا بإحساسِ الاستقلالِ عن العالم الخارجي فالشفافية تخلق حدودًا تحول بيننا وبين الانكشاف. ولهذا يُسدِل معظمنا الستائر ليلًا لنمنع الغرباء من استراق النظر إلى بيوتنا. نحن نتفاعل بالفعل مع العالم الخارجي، ولكننا دائمًا ما نُحدِّث أنفسنا، في حوار لا يعلمه سوانا، وبالتالي فدائمًا ما يكون هناك سرد داخلي؛ عملية تفكير مستمرة لا يعلمها سوانا، حياة سرية، حتى الآن.

وإذا أصبحت محصورًا في الحاضرِ محاولًا إشباع مطالب العالم الخارجي باستمرار، فربما سيصعب الإبقاء على هذا السرد الداخلي. ستقِل أهمية وغاية شعورك السري بهُويتِك رويدًا رويدًا بعد أن يتلاشى السياق الحيوي؛ أي الإطار المفاهيمي الداخلي حيث ترتبط الأحداث والعناصر والأشخاص بعضها ببعض وَفقًا لارتباطية إطارك الداخلي الفريد. وقد لا يوفر الواقع الخارجي الذي أنشأَتْه نظارات غوغل ما يكفي من الوقت والفرص لتطور تلك الذكريات الداخلية والأفكار السرية وازدهارها بالكامل. ولكن إذا كانت الخصوصية ضروريةً للحفاظ على ذلك الوعي الداخلي، فإن انعدام هذه الحياة السرية بأي طريقة سيجعل الخصوصية أمرًا بِلا مغزًى. وفي المقابل، إذا كان مقدار ما تتلقاه مِن اهتمامِ الآخرين هو ما يحدد شخصيتك، فسيكون فقدان الخصوصية موضع ترحيب من أجل إتاحة الفرصة لتكوين هُوية جديدة تمامًا؛ وهي هُويةٌ متصلة.

ولننتقل إلى الخطوة التالية. ماذا لو كنا مندمجين مع العالم الخارجي طوال الوقت؟ ربما سيفضي هذا إلى نوع من الحياة تكون فيها الإثارة الثانوية الناتجة من التبليغ الشخصي وإبداءِ ردودِ الفعل وتلقيها أكثر أهمية من التجرِبةِ نفسِها. تتأرجح هُويتك الآن بين نقيضيْن؛ فهي متصلة بالعالم الإلكتروني لحظة تلو الأخرى وغارقة في إحساسِها بالأهمية الناتجة من التبليغ، ولكنها في الحقيقة ليست متصلة. لا تنتج الإثارة التي تستشعرها من الممارسة المباشرة الخام، بل من ردودِ أفعال الآخرين المتواصلة، وغيرِ المباشرة والمتأخرةِ بعض الشيء.

إذا أصبحنا نعيش في عالم بات التواصل فيه وجهًا لوجه أمرًا مزعجًا، وصار استحسان الجمهور الافتراضي هو ما يحدد شخصيتك، فستتغير كذلك معظم العَلاقات الشخصية. إن الفرد المعتاد على جمهور مكون من ٥٠٠ صديق يتشاركون فيضًا جماعيًّا من الوعي سيصعب عليه أن ينتقل إلى عَلاقة فردية طويلةِ الأمد تتسم بالحصرية والخصوصية الكاملة. ومن المثير للاهتمام أن دولتيْن من أكثر الدول تطورًا من حيث التقنية والتفكير الجماعي (اليابان وكوريا الجنوبية) تواجهان حاليًّا مشاكل جسيمة في انخفاض معدل المواليد.٢١ من المؤكد أن أي انخفاض في مهاراتِ التعامل مع الآخرين — الذي يفضي إلى شراكات عميقة جادة — لا يعني بالضرورة انخفاضًا مماثلًا في الجنس؛ فاستنباط المغامرات الجنسية المدمجة حِسيًّا في ألعاب الفيديو وتطبيقها في الحياة الحقيقية قد يكون عملية سهلة نسبيًّا: سيكون الجنس حينها أكثر عفوية وأقل جِدية وعابرًا للغاية.٢٢ ومن ناحية أخرى، فالجنس في حد ذاته، بما ينطوي عليه — على صعيد الممارسة الفعلية — من مشاكل متعلقة بالثقة بالنفس، والثقة بالآخرين، وسرعة التأثر، قد يتغير كذلك فيصبح مكروهًا. ومرة أخرى: تشير البيانات في اليابان وكوريا الجنوبية إلى عدم وجودِ اهتمام بالجنسِ أو بالمواعدةِ بين الأجيال الأصغر سِنًّا. ومما يلفت النظر أن ما يقرب من نصف النساء اليابانيات ممن تتراوح أعمارهن بين السادسة عشرة والرابعة والعشرين «لسْن مهتمات بالتواصل الجنسي، أو يكرهْنه»، ويمتلك ما يقرب من ربع الرجال الشعور نفسه.٢٣
وهناك أثر آخر من آثار التقنيات؛ والذي سيتمثل في التخلي عن نمطِ الحياة الإلكترونية الساكن. فمن الأمور الشائعة التي بدأنا نشهدها بالفعل أن الحياة خلف الشاشات قد تؤدي إلى نقصِ التحفيز؛ ليس فيما يتعلق بحاسة اللمس فقط، بل التذوق والشم كذلك، وهو ما يمكن بدوره أن يكون من عواملِ الإفراط المتزايد دومًا في الأكل والشرب. فقد تضاعف انتشار السمنة في إنجلترا بنحو ثلاث مرات في السنوات الخمس والعشرين الماضية. إذ تُظهِر آخر الإحصائياتِ الصحيةِ في إنجلترا أن ٦٢٫٨ في المائة من بالغيها (مِن سِن السادسة عشرة فما فوق) كانوا يعانون السمنة أو زيادة الوزن في العام ٢٠١٠م، و٣٠٫٣ في المائة من أطفالها (من سِن السنتيْن وحتى الخامسة عشرة) كانوا زائدي الوزن، كما أن ٢٦٫١ في المائة من البالغين و١٦ في المائة من الأطفال قد تجاوزوا حد السمنة.٢٤ وعلى الرغم من تعدد الأسباب المعقدة لهذه الزيادة المخيفة، ومنها الأنظمة الغذائية الرديئة المليئة بالوجباتِ السريعةِ الكثيفةِ السعرات والسكريات، فإن هناك سببًا حاسمًا آخر وهو: قِلة ممارسة الرياضة البدنية، وهو ما يمكن ربْطه بالحياة المستهلكة جلوسًا أمام الشاشات. ومن المؤكد أن التقنيات النقالة ستكون نافعةً في هذا الصدد، بتقليلها للبدانة من خلال زيادة الحركة. ومن ناحية أخرى، فالحاجة إلى تحفيز حواس اللمس والتذوق والشم — التي لا تلبيها تلك التقنيات، وقد يكون نيلها من عَلاقة جسدية حميمة أمرًا محرجًا — يمكن تلبيتها من خلال مزيد من الأكل، وهو ما سيعوض أي انخفاض في نسبة السمنة.

وها أنت ذا تتحرك بين الناس وأنت غافلٌ عنهم، تحمل في إحدى يديْك على الأقل شيئًا صالحًا للأكل بسهولة، وفي أذنيْك تدفق لا ينقطع من الموسيقى، أو من المحتمل أن تكون رسائل نصية مسجلة مسبقًا، أو ربما معلومات عن الأماكن التي يمكنك فيها شراء أحدث السلع التي أظهرها سِجل تصفحك الشخصي المعدُّ من أجلك خصوصًا. لم يعُدِ الفضاء الإلكتروني مقتصِرًا على الشاشة ذات البعديْن، بل تطور ليشمل الأبعاد الثلاثة، مغيرًا بذلك واقعنا. لقد بات عالمك أشبه بفقَّاعة؛ من خارجها يمر الناس من حولك، أما أنت فيحميك ذلك الحائل الشفاف الذي يحوي فضاءك الافتراضي الخاص … بُعدك الجديد. بإمكانك لمس الأشياء وشمها، وكذلك سماعها ورؤيتها، لكنك لن تكون وحيدًا مستقلًّا أبدًا. فدائمًا ما ستسمع بأذنِك صوتًا يعمل كوسيط — كأنه صديقك المفضل — لكنه في الوقت نفسه، وعلى نحو متناقض، يفصِل بينك وبين كل شخص أو شيء آخر يتواصل معك. ضعْ في حسبانِك أنك ستفقد إحساسك بماهيتِك وماضيك ومستقبلِك، ولن تعيش سوى لحظات مجزأة. ستكون في حالة مستمرة من الإثارة المفرطة طمعًا في كل ما هو جديد ومحفز، فتقييم كل مدخول يكون (بالفعل) وَفقًا لمعايير حِسية بحتة، ومن ثَم يصبح مملًا بعد حين. ستكون عرضة للتلاعب، سواء في كيفية رؤيتك العالم أو استجابتك له. ستكون مثل طفل صغير؛ تمتثل وتطيع، بعد أن تكون قد اعتدْت انتظار استحسانِ الآخرين وإعطاءه الأولوية. وسيمنحك التعبير شعورًا بالامتنان، لأنك قد تكون حائرًا بعض الشيء. وفي نهاية المطاف، لن يكون لديك إطار مفاهيمي يساعدك على استيعاب ما يحدث من حولك. يُضاف إلى ذلك انطماس الذات، وانطماس العالم الخارجي بين الواقع والخيال. وبما أنك لم تعدْ تستخدم حواسك وأصبح صديقك المفضل الإلكتروني هو من يساعدك، فستنطمس حدود الواقع على نحو متزايد. وهذه هي الحال الجِيلية المتناقضة وجدانيًّا التي سببها التقدم في مجال التقنية الحيوية. وربما تكون الاختلافات القديمة الثلاثة التي شكلت بِنى حياتِنا الأساسية — ذواتنا الداخلية الشخصية مقابل الآخرين في الخارج، والواقع مقابل الخيال، والطفل مقابل الآباء والأجداد — قد بدأتْ تتلاشى بالفعل.

أتظن ذلك السيناريو متكلفًا ومبالغًا فيه؟ بالتأكيد. لكن أيًّا من هذه التطوراتِ المستقبليةِ ليس خيالًا عِلميًّا، كالسفر عبر الزمن أو الآلات ذات الحركة الدائمة، فهذه التطورات بدأت تحدث الآن بالفعل. ستكون لهذه التقنيات ومثيلاتها تداعيات هائلة شاملة على سلوك الأجيال القادمة، والأهم من ذلك: على نهجِ تفكيرِهم خلال حياتهم الطويلة والصحية. وكما ذكرت، فالقضية الحاسمة التي تواجهنا هي قضية تحوُّل. كيف أصبحنا نعقْلن، بل نزكي، تلك العاصفة التقنية المفتقِرة إلى الأسئلة الغنية بالأجوبة؟ بالنسبة إلى أولئك المولودين في النصف الثاني من القرن العشرين، فقد رفعتْ التطورات المدهشة في المواردِ والصحة والثقافة من متوسطِ أعمارِنا، مقارنة بالمولودين قبلهم بنحو جيل أو أكثر. ونتيجة لذلك، أصبح لدى أكثر من مجال في العالم المتطور مزيد من الخيارات والامتيازات، ومزيد من الوقت يمْكِنهم فيه استكشاف إمكانياتهم بأكملها. فكيف لنا أن نضمن مستقبلًا لا تثبط فيه التقنيات التفكير العميق والإبداع والإنجاز الحقيقي، بل تعززها على نحوٍ فعال؟

١  Office for National Statistics. (2012). What are the chances of surviving to age 100?.
تم التنزيل من الموقع التالي: http://www.ons.gov.uk/ons/dcp171776_260525.pdf
٢  في حين قد لا تكون هناك جينات منفردة للصفات الذهنية المعقدة، هناك جينات معينة وشواكل جينية لبعض الأمراض مثل التليف الكيسي، والاضطرابات العصبية التنكسية، ومرض هنتنغتون. وكما رأينا في الفصل الخامس، لا تعمل الجينات في عزلة ولكنها تحتاج إلى سياق الدماغ والجسم والبيئة لكي تظهر، ولكن تظل الحقيقة أن الجينات المعيبة ستؤدي في بعض الأحيان بشكل مباشر، أو غير مباشر في معظم الأحيان، إلى نوع من النتائج الخاطئة على نحو متوافق. وبالتالي، فعلى الرغم من أن الجينات لا تمثل القصة كلها في العادة، فإن اكتشاف الجينات المعطوبة قد تكون له فوائد صحية كبيرة. ولذلك فإن التقنيات ذات المرتكز الوراثي تحمل الوعد الحقيقي للأدوية الشخصية، المتوافقة مع الصفات الوراثية المحددة للفرد بحيث يمكن تقليل الآثار الجانبية (علم الصيدلة الجيني). والأفضل من ذلك أن عوامل الخطر المعينة لإصابة الفرد بأمراض معينة يمكن التنبؤ بها عن طريق فحص جينوم الشخص لاتخاذ تدابير وقائية (نمط الحياة، أو النظام الغذائي، أو العلاج)، والتي يمكن تنفيذها بعد ذلك في أقرب وقت ممكن. What is pharmacogenomics? (August 12, 2013).
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://ghr.nlm.nih.gov/handbook/genomicresearch/pharmacogenomics
٣  الطب التجديدي Regenerative هو نوع من العلاج الذي يقدم بديلًا مثيرًا وواقعيًّا آخر، فضلًا عن توفير أداة قيمة للغاية للحصول على فهم أفضل للأمراض نفسها. لكن أساسه المنطقي يختلف تمامًا عن العلاجات التقليدية. لا تتمثل الفكرة هنا في علاج الأعراض ولكن تسخير الآليات البيولوجية التي تحول الخلايا الجذعية الأساسية التي تصلح لجميع الأغراض إلى خلايا متخصصة. تُحقن هذه الخلايا الجذعية في تلك المنطقة من الجسم التي تعاني نقصًا في أنواع متخصصة من الخلايا. تتسم الخلايا الجذعية، المستمدة من الكرة المجهرية المؤلفة من نحو مئتي خلية تشكل الجنين المبكر، بكونها غير عادية لأنها تمتلك القدرة على إنتاج كل نوع واحد من الخلايا في الجسم، سواء كانت خلايا القلب، أو العظام، أو حتى الدماغ. لا تحاول هذه الاستراتيجية التجددية أن تعوض الآثار الشاذة لمرضٍ ما نتيجة لموت الخلايا، ولكنها منذ البداية توفر بدائل، ومن ثَم توليد خلايا جديدة ودعم الخلايا المعتلة بالمواد الكيميائية الطبيعية التي تنتجها الخلايا الجديدة. وبهذه الطريقة، فإن العلاج بالخلايا الجذعية يقربنا كثيرًا إلى علاج حقيقي لطائفة كاملة من الأمراض، مثل مرض اضطراب الحركة التنكسي، داء باركنسون، ولكن ليس لمرض ألزهايمر، حيث تتوزع مواقع الضرر على نطاق واسع للغاية.
Pera, R. A. R., and Gleeson, J. G. [2008]. Stem cells and regeneration [special review issue]. Human Molecular Genetics, 17(R1), R1-R2. doi: 10.1093/hmg/ddn186.
٤  Knapp, M., and Prince, M. (2007). Dementia UK.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.alzheimers.org.uk/site/scripts/download.php?fileID=1
٥  Prince, M., Bryce, R., Albanese, E., Wimo, A., Ribeiro, W., and Ferri, C. P. (2013). The global prevalence of dementia: A systematic review and meta-analysis. Alzheimer’s & Dementia 9, no. 1, 63–75.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.Sciencedirect.com/Science/article/pii/S1552526012025319
٦  Hurd, M. D., Martorell, P., Delavande, A., Mullen, K. J., and Langa, K. M. (2013). Monetary costs of dementia in the United States. New England Journal of Medicine 368, no. 14, 1326–1334. doi: 10.1056/NEJMsa1204629.
٧  Atkins, S. (2013). First steps in living with dementia. Oxford: Lion Hudson.
٨  في الوقت الحالي، يعتمد تشخيص مرض ألزهايمر مؤقتًا على الأعراض، وفي نهاية المطاف على التحقق النسيجي بعد الوفاة. وبحلول الوقت الذي يستعلن فيه المريض باعتلالات إدراكية مميزة، فعادة ما يكون قد حدث بالفعل ضمور واسع النطاق في مناطق الدماغ المتضررة منذ نحو عشَرة أعوام أو حتى عشرين عامًا. يمكن القول إنه لم يكن هناك أي دواء جديد مختلِف جذريًّا، والذي طُرح لمكافحة مرض ألزهايمر على وجه التحديد، أو الاضطرابات العصبية بشكل عام منذ العام ١٩٩٦م، عندما منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) موافقتها على دواء دونيبيزيل donepezil تحت الاسم التجاري آريسبت. ويتمثل السبب في أنه لا توجد حتى الآن آلية أساسية مقبولة أو مثبتة يمكن بالتالي أن تستهدفها الأدوية. من بين الأفكار الراسخة، نجد أن المشكلة الرئيسة هي اعتلال مرسال كيميائي معين، هو الناقل العصبي أستيل كولين، نتيجة لموت عصبونات محددة حيث تعمل.
Bartus, R. T., Dean, R. L., Pontecorvo, M. J., and Flicker, C. [1985]. The cholinergic hypothesis: A historical overview, current perspective, and future directions. Annals of the New York Academy of Sciences 444, no. 1, 332–358. doi: 10.1111/j.1749-6632.1985.tb37600.x. Terry, A. V., and Buccafusco, J. J. [2003]. The cholinergic hypothesis of age and Alzheimer’s disease-related cognitive deficits: Recent challenges and their implications for novel drug development. Journal of Pharmacology and Experimental Therapeutics 306, no. 3, 821–827.
وبالتالي فإن العلاج المختار في الوقت الحالي هو عقَّار آريسبت (أو ما يقابله مثل غالانتامين galantamine، على سبيل المثال، الذي يُباع تحت اسم ريمينيل)، وهو دواء يعزز المستويات المتناقصة للناقل العصبي أستيل كولين بشكل مؤقت عن طريق حمايته من التدرُّك degradation الإنزيمي العادي. على أي حال، تفشل هذه النظرية في تفسير تناقضية معروفة: ليست كل مناطق الدماغ المصابة بمرض ألزهايمر تستهلك الأستيل كولين، ولا كل المناطق التي تستهلك الأستيل في الدماغ متضررة من هذا المرض. ولذلك فليس من المستغرب معرفة أن عقَّار آريسبت لا يمنع الموت المستمر للخلايا، إذ إنه لا يتعلق إلا بعرَض بيوكيميائي وحيد.
المنافس الرئيس الآخر للمسئولية عن عملية التنكس العصبي هي فرضية الداء النشواني، حيث يُعزى موت العصبونات إلى اختلال هيكل الخلية بفعل الترسبات السامة لمادة تُدعَى النشواني amyloid (مشتقة من كلمة يونانية بمعنى «النشا»)، الذي هو سمة مميزة لتشريح دماغ مرضى ألزهايمر بعد الوفاة.
Hardy, J., and Allsop, D. [1991]. Amyloid deposition as the central event in the etiology of Alzheimer’s disease. Trends in Pharmacological Sciences 12, 383–388. doi: 10.1016/0165-6147(91)90609-V. Hardy, J. A., and Higgins, G. A. [1992]. Alzheimer’s disease: The amyloid cascade hypothesis. Science 256, no. 5054, 184-185. doi: 10.1126/Science.1566067. Pákáski, M., and Kálmán, J. [2008]. Interactions between the amyloid and cholinergic mechanisms in Alzheimer’s disease. Neurochemistry International 53, no. 5, 103–111. doi: 10.1016/j.neuint.2008.06.005.
على أي حال، فإن فرضية النشواني لا تفسر حقيقة أن بعض الخلايا فقط تكون معرضة للخطر في الأمراض التنكسية العصبية، أو غياب ترسبات النشواني في بعض النماذج الحيوانية الموثوقة للخرف، أو بالأحرى وجود النشواني بعد الوفاة في الدماغ الصحيح غير المصاب بمرض ألزهايمر. ومرة أخرى، فلا عجب أنه على الرغم من شعبية التشكيل النشواني كهدف صيدلاني منذ تسعينيات القرن العشرين، فلم تثبت الفعالية السريرية للعلاج بناء على هذه النظرية حتى الآن.
٩  وبطبيعة الحال، فإن العديد من علماء الأعصاب، بمن في ذلك مجموعتي البحثية، لديهم أفكارهم الخاصة بشأن ماهية تلك العملية التنكسية العصبية الحاسمة. لمراجعةٍ تقنيةٍ لأبحاث مجموعتنا حول الخرف، انظر:
Greenfield, S. (2013). Discovering and targeting the basic mechanism of neurodegeneration: The role of peptides from the C-terminus of acetylcholinesterase. Chemico-biological Interactions 203, no. 3, 543–546. doi: 10.1016/j.cbi.2013.03.015.
١٠  Baker, R. (1999). Sex in the future: Ancient urges meet future technology. London: Macmillan.
١١  Rosegrant, S. (n.d). The new retirement: No retirement?.
[منشور على مدونة].
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://home.isr.umich.edu/sampler/the-new-retirement
١٢  Forecasts from The Futurist magazine. (n.d.).
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.wfs.org/Forecasts_From_The_Futurist_Magazine
١٣  Glass. (n.d.).
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.google.com/glass/start
١٤  من المعتقد أن مصطلح «الواقع المعزز» augmented reality قد صاغه البروفيسور توم كوديل Caudell، حيث كان يعمل لدى شركة بوينغ، واستُخدم لأول مرة في العام ١٩٩٠م. ومنذ ذلك الحين تم تطوير مجموعة متنوعة من التطبيقات المتزايدة التطور والتعقيد، وبلغت ذروتها في نظارات غوغل Google Glass.
Sung, D. (March 1, 2011). The history of augmented reality.
[منشور على مدونة].
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.pocket-lint.com/news/108888-the-history-of-augmented-reality
١٥  Graham, M., Zook, M., and Boulton, A. (2012). Augmented reality in urban places: Contested content and the duplicity of code. Transactions of the Institute of British Geographers 38, no. 3, 464–479. doi: 10.1111/j.1475-5661.2012.00539.x.
١٦  نظارات جوجل طُرحت في الأسواق الأمريكية وغيرها في العام ٢٠١٣م، أي قبل صدور هذا الكتاب، وربما أثناء كتابته. [المحررة]
١٧  ABI Research. (February 21, 2013). Wearable computing devices, like Apple’s iWatch, will exceed 485 million annual shipments by 2018.
تم التنزيل من الموقع التالي:
https://www.abiresearch.com/press/wearable-computing-devices-like-apples-iwatch-will
١٨  Lookout. (2012). Mobile mindset study.
تم التنزيل من الموقع التالي:
https://www.lookout.com/resources/reports/mobile-mindset
١٩  Securenvoy (February 16, 2012). 66 percent of the population suffer from nomophobia: The fear of being without their phone.
[منشور على مدونة].
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.securenvoy.com/blog/2012/02/16/66-of-the-population-suffer-from-nomophobia-the-fear-of-being-without-their-phone
٢٠  Keen, A. (February 26, 2013). Why life through Google Glass should be for our eyes only.
[منشور على مدونة].
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://edition.cnn.com/2013/02/25/tech/innovation/google-glass-privacy-andrew-keen
٢١  Haworth, A. (October 20, 2013). Why have young people in Japan stopped having sex?.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.theguardian.com/world/2013/oct/20/young-people-japan-stopped-having-sex
Low birthrate could slash South Korea’s youth population in half by 2060: Report. (January 8, 2013).
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.japantimes.co.jp/news/2013/01/08/asia-pacific/low-birthrate-could-slash-south-koreas-youth-population-in-half-by-2060-report
٢٢  Haworth, 2013.
٢٣  Haworth, 2013.
٢٤  Trends in obesity prevalence. (n.d.).
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.noo.org.uk/NOO_about_obesity/trends

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦