تغيُّر العقل فيما وراء الشاشة
كيف سيؤثر وجود تلك التقنيات الطبية الرائدة في عقلية القرن الحادي والعشرين؟ من المرجح أن تنظر الأجيال المقبلة إلى هذه التطورات باعتبارها أمورًا بديهية، كما كان حالنا ونحن صغار؛ إذ لم نعتبر شلل الأطفال والسل مخاطر صحية مثلما اعتبرهما آباؤنا من قبل. وقبل ذلك، وفي العقود الأولى من القرن العشرين، كان الناس يتقبلون عدم الراحة في أحسن الأحوال والألم في أسوئها باعتبارها أمورًا اعتيادية، سواء أكانت تلك ناجمة عن الأسنان النخرة، أم عتامة العين (السادِّ)، أم آلام المفاصل، أم العدوى. كانت الأمراض البسيطة المزعجة لتصبح أمرًا اعتياديًّا، وكان على الدماغ أن يتكيف بتأثير التطور مع ما يُفرض عليه من ظروف. ولكن، من الناحية الأخرى، لو كان الانزعاج الجسدي أمرًا اعتياديًّا، لما تمكن الناس حينها من تدبر أنفسهم وشئون حياتهم بالسهولة نفسِها المتاحة لنا الآن. وعلاوة على ذلك، فسيطغى على وجودِك اليومي احتمال وارد للغاية؛ وهو أن يدمر فجأة مرض عشوائي متقلب حياتك أو حياة شخص قريب منك. وفي الوقت الحالي، تنحسر مثل هذه المخاوف، وربما تشجع التقنيات الطبية في المستقبل الاعتقاد بأن العافية حق طبيعي للجنس البشري.
تخيل ما ستكون عليه الحياة إذا أمكن لخاصيةِ المراسلةِ الآمنة بالغةِ القيمة أن تصبح شفوية بدلًا من كونها مكتوبة. سيمكنك تسجيل رسائلِك من تجنب حرج التواصلِ مع الشخصِ مباشرة — وعبر الهاتف كذلك — وصعوبته. ويمكن الوصول إلى تلك الرسائلِ بسرعة ويسر، كما هي حال الرسائل النصية حاليًّا. بل لن يلزمك حتى أن تكون متمكنًا من القراءة والكتابة.
يصعب إدراك كيف سيستوعب العقل البشري كم معلومات هائلًا كهذا. فمع نظاراتِ غوغل، ستكون المعلومات أمام ناظريْك من دون الحاجةِ إلى محاولة معرفة الإجابة بنفسك. وبما أن محركاتِ البحثِ توفر الآن بالفعل خيارًا أسرع من الإعمالِ الضروري الحتمي لعقلك وأسهل منه، فستكون حينها عرضة لإضعافِ عقلِك بدرجة غير ممكنة حتى في الوقت الراهن؛ حيث لا يزال تصفح الهاتف أو الجهازِ اللوحي أو الحاسوبِ المحمول يتطلب بعض الكتابة أو اللمسِ المسبقيْن. فأنت لن تبقى حينها متحكمًا فيما تنظر إليه، بل الشاشة هي ما سيتحكم فيك. إن أكثر الخصائص فورية في نظاراتِ غوغل هي التفاعل، حيث تركز على اللحظةِ الراهنة المحدثة باستمرار. وسيوقِع هذا العالم الواقعي المتطور باستمرار المستخدمِين في شِباكِ حاضر مفرطِ التواصل. ولن يصبح هناك أي شيء خصوصي يمكن تذكره أو توقعه.
ولذا فهذه سِمة جديدة حقًّا لمستقبل يبدو كأنه قادم مباشرة من كتب الخيال العلمي، حيث تتحرر فيه أخيرًا هواجس مراقبةِ حياة الآخرين وبث كل لحظة من لحظاتِ وجودِنا، من لوحة مفاتيح وشاشة لمسية. وبدلًا من ذلك، فأنت تتفاعل مباشرة مع جهاز رقمي كأنه امتداد لجسدك. وبالنسبة إلى كين، فهو ليس قلقًا فقط بشأن أخلاقية فقدان الخصوصية المحتمل وقانونيته، بل يشعر بالقلق أيضًا بخصوص ما سيمثله لنا فقدان كهذا، باعتبارنا — كنا ولا نزال حتى الآن — كائنات فردية مستقلة.
ربما يشعر مرتدو نظارات غوغل بأنهم مجبرون طَوال الوقت على اختيار عالم الإنترنت المفرط التواصل، خوفًا من الإغفال والتخلف عن الركب. ونتائج ما يقومون به في كل دقيقة هي فقدان الخصوصية، كالمعتاد. لقد كانت الخصوصية ذات قيمة حتى الآن لأنها كانت من هُويتنا بمنزلةِ الوجهِ الآخر للعملة. نحن نعتبر أنفسنا كائنات فردية متصلة بالعالم الخارجي بالتأكيد، ولكنها في الوقت نفسه مستقلة عنه دائمًا. والإحساس بالخصوصية هو ما يفصل بين الاثنين. نحن لا نكشف خبايا أنفسنا؛ ليس لأنها تخجلنا وتشعرنا بالحرج، بل بالأحرى لأنه لا ينبغي للجميع أن يعلموا ما نشعر به ونفكر فيه. وبِتمهلِنا سنحتفظ لأنفسِنا بإحساسِ الاستقلالِ عن العالم الخارجي فالشفافية تخلق حدودًا تحول بيننا وبين الانكشاف. ولهذا يُسدِل معظمنا الستائر ليلًا لنمنع الغرباء من استراق النظر إلى بيوتنا. نحن نتفاعل بالفعل مع العالم الخارجي، ولكننا دائمًا ما نُحدِّث أنفسنا، في حوار لا يعلمه سوانا، وبالتالي فدائمًا ما يكون هناك سرد داخلي؛ عملية تفكير مستمرة لا يعلمها سوانا، حياة سرية، حتى الآن.
وإذا أصبحت محصورًا في الحاضرِ محاولًا إشباع مطالب العالم الخارجي باستمرار، فربما سيصعب الإبقاء على هذا السرد الداخلي. ستقِل أهمية وغاية شعورك السري بهُويتِك رويدًا رويدًا بعد أن يتلاشى السياق الحيوي؛ أي الإطار المفاهيمي الداخلي حيث ترتبط الأحداث والعناصر والأشخاص بعضها ببعض وَفقًا لارتباطية إطارك الداخلي الفريد. وقد لا يوفر الواقع الخارجي الذي أنشأَتْه نظارات غوغل ما يكفي من الوقت والفرص لتطور تلك الذكريات الداخلية والأفكار السرية وازدهارها بالكامل. ولكن إذا كانت الخصوصية ضروريةً للحفاظ على ذلك الوعي الداخلي، فإن انعدام هذه الحياة السرية بأي طريقة سيجعل الخصوصية أمرًا بِلا مغزًى. وفي المقابل، إذا كان مقدار ما تتلقاه مِن اهتمامِ الآخرين هو ما يحدد شخصيتك، فسيكون فقدان الخصوصية موضع ترحيب من أجل إتاحة الفرصة لتكوين هُوية جديدة تمامًا؛ وهي هُويةٌ متصلة.
ولننتقل إلى الخطوة التالية. ماذا لو كنا مندمجين مع العالم الخارجي طوال الوقت؟ ربما سيفضي هذا إلى نوع من الحياة تكون فيها الإثارة الثانوية الناتجة من التبليغ الشخصي وإبداءِ ردودِ الفعل وتلقيها أكثر أهمية من التجرِبةِ نفسِها. تتأرجح هُويتك الآن بين نقيضيْن؛ فهي متصلة بالعالم الإلكتروني لحظة تلو الأخرى وغارقة في إحساسِها بالأهمية الناتجة من التبليغ، ولكنها في الحقيقة ليست متصلة. لا تنتج الإثارة التي تستشعرها من الممارسة المباشرة الخام، بل من ردودِ أفعال الآخرين المتواصلة، وغيرِ المباشرة والمتأخرةِ بعض الشيء.
وها أنت ذا تتحرك بين الناس وأنت غافلٌ عنهم، تحمل في إحدى يديْك على الأقل شيئًا صالحًا للأكل بسهولة، وفي أذنيْك تدفق لا ينقطع من الموسيقى، أو من المحتمل أن تكون رسائل نصية مسجلة مسبقًا، أو ربما معلومات عن الأماكن التي يمكنك فيها شراء أحدث السلع التي أظهرها سِجل تصفحك الشخصي المعدُّ من أجلك خصوصًا. لم يعُدِ الفضاء الإلكتروني مقتصِرًا على الشاشة ذات البعديْن، بل تطور ليشمل الأبعاد الثلاثة، مغيرًا بذلك واقعنا. لقد بات عالمك أشبه بفقَّاعة؛ من خارجها يمر الناس من حولك، أما أنت فيحميك ذلك الحائل الشفاف الذي يحوي فضاءك الافتراضي الخاص … بُعدك الجديد. بإمكانك لمس الأشياء وشمها، وكذلك سماعها ورؤيتها، لكنك لن تكون وحيدًا مستقلًّا أبدًا. فدائمًا ما ستسمع بأذنِك صوتًا يعمل كوسيط — كأنه صديقك المفضل — لكنه في الوقت نفسه، وعلى نحو متناقض، يفصِل بينك وبين كل شخص أو شيء آخر يتواصل معك. ضعْ في حسبانِك أنك ستفقد إحساسك بماهيتِك وماضيك ومستقبلِك، ولن تعيش سوى لحظات مجزأة. ستكون في حالة مستمرة من الإثارة المفرطة طمعًا في كل ما هو جديد ومحفز، فتقييم كل مدخول يكون (بالفعل) وَفقًا لمعايير حِسية بحتة، ومن ثَم يصبح مملًا بعد حين. ستكون عرضة للتلاعب، سواء في كيفية رؤيتك العالم أو استجابتك له. ستكون مثل طفل صغير؛ تمتثل وتطيع، بعد أن تكون قد اعتدْت انتظار استحسانِ الآخرين وإعطاءه الأولوية. وسيمنحك التعبير شعورًا بالامتنان، لأنك قد تكون حائرًا بعض الشيء. وفي نهاية المطاف، لن يكون لديك إطار مفاهيمي يساعدك على استيعاب ما يحدث من حولك. يُضاف إلى ذلك انطماس الذات، وانطماس العالم الخارجي بين الواقع والخيال. وبما أنك لم تعدْ تستخدم حواسك وأصبح صديقك المفضل الإلكتروني هو من يساعدك، فستنطمس حدود الواقع على نحو متزايد. وهذه هي الحال الجِيلية المتناقضة وجدانيًّا التي سببها التقدم في مجال التقنية الحيوية. وربما تكون الاختلافات القديمة الثلاثة التي شكلت بِنى حياتِنا الأساسية — ذواتنا الداخلية الشخصية مقابل الآخرين في الخارج، والواقع مقابل الخيال، والطفل مقابل الآباء والأجداد — قد بدأتْ تتلاشى بالفعل.
أتظن ذلك السيناريو متكلفًا ومبالغًا فيه؟ بالتأكيد. لكن أيًّا من هذه التطوراتِ المستقبليةِ ليس خيالًا عِلميًّا، كالسفر عبر الزمن أو الآلات ذات الحركة الدائمة، فهذه التطورات بدأت تحدث الآن بالفعل. ستكون لهذه التقنيات ومثيلاتها تداعيات هائلة شاملة على سلوك الأجيال القادمة، والأهم من ذلك: على نهجِ تفكيرِهم خلال حياتهم الطويلة والصحية. وكما ذكرت، فالقضية الحاسمة التي تواجهنا هي قضية تحوُّل. كيف أصبحنا نعقْلن، بل نزكي، تلك العاصفة التقنية المفتقِرة إلى الأسئلة الغنية بالأجوبة؟ بالنسبة إلى أولئك المولودين في النصف الثاني من القرن العشرين، فقد رفعتْ التطورات المدهشة في المواردِ والصحة والثقافة من متوسطِ أعمارِنا، مقارنة بالمولودين قبلهم بنحو جيل أو أكثر. ونتيجة لذلك، أصبح لدى أكثر من مجال في العالم المتطور مزيد من الخيارات والامتيازات، ومزيد من الوقت يمْكِنهم فيه استكشاف إمكانياتهم بأكملها. فكيف لنا أن نضمن مستقبلًا لا تثبط فيه التقنيات التفكير العميق والإبداع والإنجاز الحقيقي، بل تعززها على نحوٍ فعال؟
تم التنزيل من الموقع التالي: http://www.ons.gov.uk/ons/dcp171776_260525.pdf
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://ghr.nlm.nih.gov/handbook/genomicresearch/pharmacogenomics
Pera, R. A. R., and Gleeson, J. G. [2008]. Stem cells and regeneration [special review issue]. Human Molecular Genetics, 17(R1), R1-R2. doi: 10.1093/hmg/ddn186.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.alzheimers.org.uk/site/scripts/download.php?fileID=1
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.Sciencedirect.com/Science/article/pii/S1552526012025319
Bartus, R. T., Dean, R. L., Pontecorvo, M. J., and Flicker, C. [1985]. The cholinergic hypothesis: A historical overview, current perspective, and future directions. Annals of the New York Academy of Sciences 444, no. 1, 332–358. doi: 10.1111/j.1749-6632.1985.tb37600.x. Terry, A. V., and Buccafusco, J. J. [2003]. The cholinergic hypothesis of age and Alzheimer’s disease-related cognitive deficits: Recent challenges and their implications for novel drug development. Journal of Pharmacology and Experimental Therapeutics 306, no. 3, 821–827.
وبالتالي فإن العلاج المختار في الوقت الحالي هو عقَّار آريسبت (أو ما يقابله مثل غالانتامين galantamine، على سبيل المثال، الذي يُباع تحت اسم ريمينيل)، وهو دواء يعزز المستويات المتناقصة للناقل العصبي أستيل كولين بشكل مؤقت عن طريق حمايته من التدرُّك degradation الإنزيمي العادي. على أي حال، تفشل هذه النظرية في تفسير تناقضية معروفة: ليست كل مناطق الدماغ المصابة بمرض ألزهايمر تستهلك الأستيل كولين، ولا كل المناطق التي تستهلك الأستيل في الدماغ متضررة من هذا المرض. ولذلك فليس من المستغرب معرفة أن عقَّار آريسبت لا يمنع الموت المستمر للخلايا، إذ إنه لا يتعلق إلا بعرَض بيوكيميائي وحيد.
المنافس الرئيس الآخر للمسئولية عن عملية التنكس العصبي هي فرضية الداء النشواني، حيث يُعزى موت العصبونات إلى اختلال هيكل الخلية بفعل الترسبات السامة لمادة تُدعَى النشواني amyloid (مشتقة من كلمة يونانية بمعنى «النشا»)، الذي هو سمة مميزة لتشريح دماغ مرضى ألزهايمر بعد الوفاة.
Hardy, J., and Allsop, D. [1991]. Amyloid deposition as the central event in the etiology of Alzheimer’s disease. Trends in Pharmacological Sciences 12, 383–388. doi: 10.1016/0165-6147(91)90609-V. Hardy, J. A., and Higgins, G. A. [1992]. Alzheimer’s disease: The amyloid cascade hypothesis. Science 256, no. 5054, 184-185. doi: 10.1126/Science.1566067. Pákáski, M., and Kálmán, J. [2008]. Interactions between the amyloid and cholinergic mechanisms in Alzheimer’s disease. Neurochemistry International 53, no. 5, 103–111. doi: 10.1016/j.neuint.2008.06.005.
على أي حال، فإن فرضية النشواني لا تفسر حقيقة أن بعض الخلايا فقط تكون معرضة للخطر في الأمراض التنكسية العصبية، أو غياب ترسبات النشواني في بعض النماذج الحيوانية الموثوقة للخرف، أو بالأحرى وجود النشواني بعد الوفاة في الدماغ الصحيح غير المصاب بمرض ألزهايمر. ومرة أخرى، فلا عجب أنه على الرغم من شعبية التشكيل النشواني كهدف صيدلاني منذ تسعينيات القرن العشرين، فلم تثبت الفعالية السريرية للعلاج بناء على هذه النظرية حتى الآن.
Greenfield, S. (2013). Discovering and targeting the basic mechanism of neurodegeneration: The role of peptides from the C-terminus of acetylcholinesterase. Chemico-biological Interactions 203, no. 3, 543–546. doi: 10.1016/j.cbi.2013.03.015.
[منشور على مدونة].
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://home.isr.umich.edu/sampler/the-new-retirement
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.wfs.org/Forecasts_From_The_Futurist_Magazine
Sung, D. (March 1, 2011). The history of augmented reality.
[منشور على مدونة].
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.pocket-lint.com/news/108888-the-history-of-augmented-reality
تم التنزيل من الموقع التالي:
https://www.abiresearch.com/press/wearable-computing-devices-like-apples-iwatch-will
تم التنزيل من الموقع التالي:
https://www.lookout.com/resources/reports/mobile-mindset
[منشور على مدونة].
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.securenvoy.com/blog/2012/02/16/66-of-the-population-suffer-from-nomophobia-the-fear-of-being-without-their-phone
[منشور على مدونة].
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://edition.cnn.com/2013/02/25/tech/innovation/google-glass-privacy-andrew-keen
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.theguardian.com/world/2013/oct/20/young-people-japan-stopped-having-sex
Low birthrate could slash South Korea’s youth population in half by 2060: Report. (January 8, 2013).
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.japantimes.co.jp/news/2013/01/08/asia-pacific/low-birthrate-could-slash-south-koreas-youth-population-in-half-by-2060-report
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.noo.org.uk/NOO_about_obesity/trends