الفصل العشرون
صنع الارتباطات
عدْ بذاكرتك إلى عشرِ سنوات مضتْ، حينما لم يكن
هناك فيسبوك أو تويتر، وحينما كانت موسوعة
ويكيبيديا تحوي أقل من ٥٠ ألف مقال فقط، قبل أن
يزيد عددها ويبلغ الأربعة ملايين ونصف المليون
مقال المتاحة الآن. هل تخيل أي شخص في الثمانينيات
أنه في غضون بضعة عقود سيحمل ستة مليارات شخص حول
العالم هواتف نقالة، بينما لا يملك مرحاضًا صالحًا
سوى أربعةِ مليارات شخص فقط؟
١ لقد كان الماضي عالمًا مختلِفًا، وكما
قال ل. ب. هارتلي
Hartley:
كانوا يفعلون الأمور فيه بطريقة مختلفة. كيف
سيبدو، إذن، عالم القرن الحادي والعشرين الجديد؟
والأهم، كيف نريده أن يكون؟
يسخر البعض من أي محاولة للتنبؤ بالمستقبل، ولكن
ها نحن أدركنا متأخرًا سخافة وسذاجة غطرسة
الأجيالِ السابقة. من أكثر الأمثلة اقتباسًا
وتلفيقًا ما يُنسب إلى توماس ج. واطسون
Watson —
الرئيس السابق لشركة
IBM — من أنه
تكهن بأنه سيكون في العالمِ سوق لخمسةِ حواسيب في
أحسن الأحوال.
٢ وعلى الرغم مما يدل عليه هذا من أن
توقعاتِ النتائج الطويلة الأمدِ بشأن اختراعات
تقنية معينة ليستْ مؤكدة، فإن تطور المفاهيم
العلمية الأساسية يمكنه أن يثير تساؤلات مثيرة
للاهتمام بخصوص العالم الذي نخلقه. وعلى الرغم من
احتمالِ عدم قدرتنا على التنبؤ بسلوكِ المستخدمين،
فبإمكاننا التفكير مليًّا فيما ستقودنا التقنيات
إليه، إذا ما استغللْنا خيالنا إلى أقصى حد. لقد
تخيل جورج أورويل في روايتِه «١٩٨٤» عالمًا تغلب
عليه المراقبة والتلاعب بالأفكار، ووُجد فيه «الأخ
الأكبر» في كل مكان وحكم حكمًا مطلقًا. لا يزال
هذا الكتاب فريدًا من نوعه لما فيه مِن تشابه غريب
مع عالمنا الآن.
«[هل يمكن أن يصبح الإنسان] مجرد آلة طفيلية، أو
لاحقة في جهاز تناسلي لآلات ضخمة معقدة تستولي على
أنشطتِه واحدة تلو الأخرى؟» ربما تظن أن هذا
اقتباس من كتابات ريتشارد واتسون أو نيكولاس كار
Carr، أو لاري
روزِن
Rosen، أو
غيرهم من المفكرين المشهورين المقتبس منهم في هذه
الصفحات. لكنه في الحقيقة اقتباس من مقالة نشرها
عالم البيولوجيا اللامع ج. ب. هالدين
Haldane في
العام ١٩٢٣م، وسلَّمها إلى رابطة المهرطقين بجامعة كامبريدج.
٣ كتب هالدين مقالته تحت عنوان
«ديدالوس»
Daedalus، على
اسم والد إيكاروس في الميثولوجيا اليونانية، وأشار
إليه باعتباره صانع المتاهة التي يسكنها وحش
المينوتور
Minotaur. كان
هدف هالدين هو التركيز على العواقبِ الوخيمة
لذكائِنا نفسه.
فبينما كنا لا نزال نعاني ويلاتِ المجزرة
الممكنة التي وقعت في الحرب العالمية الأولى، كان
قد تنبأ هو بمستقبلِ العلْم، ووصفه بأنه «النشاط
الحر لملكاتِ الإنسان الإلهية مِن عقل وخيال.» لم
يكن العديد من تنبؤات «ديدالوس» صحيحًا على نحو
مخيف فقط، بل عبر كذلك عن مخاوف يتردد صداها بين
مخاوفِنا التي عرضناها في الفصول السابقة. على
الرغم من أن هالدين قد تنبأ باستمرارِ الكيمياءِ
في تغيير الحياة بما نخترعه بها من متفجرات وأصباغ
ومخدِّرات، فإنه كذلك كان من تنبأ بحدوث تحولات
كبيرة يفضي إليها تطبيق البيولوجيا (علم الأحياء).
فبعْد أن بحث في حركة اليوجينيا
(
eugenics:
علم تحسينِ النسل) الناشئة آنذاك، تساءل عما إن
كان ذلك سيؤدي إلى وجودِ «مسئولي اليوجينيا»
و«الزواجِ بواسطة الأرقام».
٤ وقد وقعتْ هذه التنبؤات بالفعل بعد
ظهورِ التحري الجيني والمواعدة عبر الإنترنت، على
الترتيب.
وبالإضافة إلى تكهن هالدين بقدرتنا على علاجِ
العديد من الأمراض المعدِية، فقد توقع أيضًا وجود
نباتات «مثبِّتة للنيتروجين»، وهو ما استبق وجود
الأغذية المعدلة وراثيًّا. بل ربما كان الأمر
الأكثر إثارة للإعجاب هو أنه تنبأ بالفعل بتطور
التلقيح الاصطناعي والفصل الكامل بين الجنس
والتناسل. ولِفرط ما كانتْ عليه تلك الأفكار من
روْعة وإثارة للقلق؛ ألهمتْ ألدوس هاكسلي
Huxley تأليف
روايته الشهيرة «عالم جديد شجاع»، التي تنبأت
بوجود مفْرخِ أطفال مركزي في لندن، كما تنبأتْ
بأسوأ عواقب التلاعب الجيني. كما كان هالدين
مصيبًا على نحو غريب حين تنبأ بالعلاج باستعاضة
الهُرمونات: «يبدو أن هذا التغير يرجع سببه إلى
فشل مفاجئ في مادة كيميائية معينة ينتجها المبيض.
وإذا تمكنا من عزل هذا الشيء وتصنيعه، فسنتمكن من
إطالة شباب المرأة، وإتاحة الفرصة لها لتكبر في
السن تدريجيًّا بمعدل يماثل الرجل المتوسط.» وكذلك
كانت العقاقير المعدِّلة للمزاج من بين تنبؤاته:
«لكي نسيطر على عواطفنا بطرق أكثر مباشرة، بدلًا
من الصيام أو الجلد». وقد طرح هاكسلي أيضًا هذه
الفكرة في كتابه؛ فالمواطنون في مدينته الفاسدة
dystopia
يتناولون حبوب «السوما» ليصبحوا منتشين فورًا ومن
دون قيود.
أدرج هالدين في «ديدالوس» أكبر تساؤلات العلم
التي لا تزال مطروحةً حتى الآن: «بدْء الزمان
والمكان» (أي الانفجار الكبير بمصطلحاتنا نحن)،
«ذلك الحين الخاص بالمادة بحد ذاتها» (الذي يتمثل
بالنسبة إلينا في الغرابةِ المستمرة التي نراها في
نظرية الكم، وحُلمِ علوم النانو)، ثم «ذلك الحين
الخاص بالإنسان نفسه وغيره من الكائنات الحية»
(والذي يتمثل بالتأكيد في مختلِف فروع علوم الطب
الأحيائي)، بالإضافة إلى التساؤل الكبير بشأن
كيفية توليدِ الدماغِ للتجارِب الشخصانية الواعية،
«وأخيرًا إخضاع قوى الظلام والشر في رُوح النفس
البشرية ذاتها». وكذلك التساؤل الأكبر عن الكيفية
التي سنستخدم بها تلك المعرفة لحل مشكلةِ الحتميةِ
البيولوجية biological
determinism، والتساؤل
الجوهري بشأن الإرادة الحرة في العصر
الرقمي.
يجب أن نعترف بأننا قد لا نستطيع التنبؤ
بالتقنيات الدقيقة والمنتجاتِ الاستهلاكية
المستقبلية؛ ولكن يمكننا أن نتحدث عن الفكرة
العلمية الأساسية، كما بيَّن هالدين وهاكسلي
وأورويل، وأن نراقب تجلياتِها الحاليَّة، ونتنبأ
بمصيرِ تلك التقنيات وتأثيرِها المحتمل في وجود
الإنسان، ومجتمعه، وطريقة تفكيره. ضربتُ في الفصول
السابقة أمثلة من واقعنا الحالي، بيد أن السؤال
الأهم على الإطلاق هو: إلى أين ستقودنا هذه
التطورات الجديدة إذا كانت ستستمر هكذا بلا هوادة
أو تركيز؟ أن نسير نِيامًا نحو المجهول، فخورين
بعدم استعدادنا، آملين في الأفضل، لهو أفضل
خياراتنا وأكثرها خطورة كذلك. وبإطلاقِنا العنان
لخيالنا وتطلعِنا نحو آفاق أبْعد، فنحن نخاطر
حقًّا بالتوهانِ في بحيرة من التكهنات، غير أن
التفكير الاستباقي يوفر لنا تقييمًا حاسمًا
لعالمِنا الحالي، ويضعنا في أفضل وضع ممكن لإعداد
خطة لمستقبل أمثل.
لطالما حَوتِ الإنسانية عَلاقات «متطورة» تجمع
بين الحب والكراهية، فكما انتهجت بالراحة التي
يجلبها كل اختراع جديد فقد خافتْ أن يحرمنا هذا
الاختراع من بعض خصالِنا الجوهرية. كان سقراط
Socrates، قبل
أربعة قرون من ميلاد المسيح، قلِقًا من أن تدمر
الكتابة براعتنا العقلية. وهو ما يشبه على نحو
غريب ذلك النقاش الذي أجريناه هنا بخصوص الإنترنت.
فقد جادل بأن:
الكتابة ستولد النسيان في نفوس
المتعلمين؛ لأنهم لن يستخدموا ذاكراتهم،
بل سيتَّكِلون على الحروف الخارجية
وينسَون أنفسهم. إن ما اكتشفناه ليس وسيلة
مساعِدة للذاكرة، بل للاستغراق في
الذكريات. وما تمنح تلاميذك إياه ليس
الحقيقة، بل ما يشبه الحقيقة فقط؛ سيسمعون
الكثير ولن يتعلموا شيئًا؛ سيبدون
كُلِّيِّي العلم، وهم لا يفقهون في العموم
شيئًا؛ سيصبحون رِفقة مملة، ترى فيهم
حِكمة بلا واقعية.»
٥
وقد زادت هذه المخاوف بشكل كبير في مطلع القرن
العشرين، حينما أصبح الاعتماد الشامل على الأتمتة
— بجانب الكهرباء التي تديرها — قوة معترفًا بها
في حياتنا. قد تكون الحبكة الضمنية واضحة وقد تبدو
رومانسية: فعلى الرغم مما تحققه الميكنة من فوائد،
فإنها تحرمنا بطريقة أو بأخرى من ميزتنا — التي قد
تكون غير ملموسة، ولكنها الأكثر أساسة — التي نعتز
بها كجنس بشري، ألا وهي عواطفنا. ومن الأمثلة
المبكرة التي صورتْ خوفنا من أن تجردنا التقنية من
إنسانيتنا؛ فيلم «ميتروبولس» التعبيري الألماني
الذي أخرجه فريتز لانغ
Lang في العام
١٩٢٧م، والذي يصور الخوف من الروبوت الذي لا يعرف
الرحمة. وفي هذا الفيلم (وهو تحفة بصرية تجمع بين
أسلوب «آرت ديكو» والتصوير الصناعي) نرى أهوال
الميكنةِ بِعينَي فريدر
Freder، وهو
الابن المدلل لصاحب المدينة الصناعية الكبيرة،
الذي يكتشف كيف يُعامَل العمال كالآلات.
كما كانت قصيدة إدوين موير
Muir،
«الخيول»، والمنشورة في العام ١٩٥٢م، إحدى الرؤى
القاتمة للمستقبل، إذ يصِف فيها أعقاب عالم دمرتْه
التقنية، وكيف تبنَّى الناجون أسلوب الحياة
التقليدي القديم. يرفض المتحدثون العودة
إلى:
ذلك العالم القديم السيئ الذي سرعان ما
ابتلع ذراريه
في بلعة واحدة كبيرة.
تربض الجرارات حول حقولِنا، وفي
المساء
تبدو كوحوش بحرية رطبة، رابضة
ومنتظرة.
نهجرها حيث هي ونتركها لتصدأ:
«ستبلى وتصبح هباء كغيرها».
٦
وهناك سيناريو خيالي ثالث — والذي
قد يكون أكثرها ألفة — تُشكِّل فيه التقنية
تهديدًا للبشرية، ألا وهو الروبوت «هال»
HAL في فيلم
ستانلي كوبريك
Kubrick
الكلاسيكي الذي عُرض في العام ١٩٦٨م: «٢٠٠١:
أوديسة الفضاء». يمتلك هال القدرة على الكلام
وتمييزه، وتمييز الوجه، ومعالجة اللغاتِ الطبيعية،
وقراءة الشفتيْن، والتذوق الفني، والتفكير ولعب
الشطرنج. والأكثر إثارة للقلق من كل تلك القدرات
هو تفسير العواطف وإعادة إنتاجها. وفي نهاية
المطاف، عندما بدأ رائد الفضاء ديف يزيل وحداتِه
واحدة تلو الأخرى، تَحلَّل وعي هال بطريقة بدتْ
بشرية مؤلمة، وبدأ يسترجع أغاني طفولته:
أنا خائف. أنا خائف يا ديف. ديف، إنني
أفقد عقلي. يمكنني أن أشعر بذلك. يمكنني
أن أشعر بذلك. إنني أفقد عقلي. ليس هناك
شكٌّ في ذلك. يمكنني أن أشعر بذلك. يمكنني
أن أشعر بذلك. يمكنني أن أشعر بذلك. أنا …
خائف. مساء الخير، أيها السادة. أنا
الحاسوب هال ٩٠٠٠. لقد بدأت العمل في مصنع
H.A.L.
في أوربانا بإلينوي، في ١٢ يناير ١٩٩٢.
وكان معلمي هو السيد لانغلي، الذي علمني
أن أشدو بأغنية. إذا ودِدْتم سماعها،
يمكنني أنْ أغنيها لكم.
يمكن للسيناريو العكسي في الحياة الحقيقية أن
يبعث القشعريرة في عظامنا: فليست هناك آلات كثيرة
تحاول أن تصبح بشرية وتفشل في محاولاتها، لكن
البشر هم من يحاولون الهرب من ويلاتِ عواطفِهم
بسعيِهِم إلى أن يكونوا آلات. في العام ١٩٥٩م نشر
عالم نفس الأطفال برونو باتلهايم
Bettelheim
مقالًا بعنوان «جوِي: الفتى الآلي»، وهو تاريخٌ
مرضي لحالة فتًى صغير شديدِ الاضطراب، إذ حوَّل
نفسه إلى كائن شبه آلي كوسيلة للدفاعِ ضد العالم.
وفي نهاية المقال، بعْد أن تعالج جوي بنجاح، صنع
لافتة لموْكب يومِ الشهداء وكتب عليها: «المشاعر
أكثر أهمية من أي شيء في هذا العالم». واختتم
باتلهايم بقوله: «باستيعاب جوِي لهذا الأمر، كان
قد استرجع طبيعته البشرية.»
٧
ولكن أيمكن أن يكون هذا هو مصيرنا الذي نتجه
نحوه؛ نحو مستقبل مؤتمت خالٍ مما نعتز به من صفات
بشرية؟ إذا كانت مخاوف الأجيال السابقة من أن تصبح
التقنية مجردة من الإنسانية قد خففتْ من الحماسة
تجاه تلك التقنيات، فيبدو أن المواطنين الرقميين
لا يعانون مثل تلك الهواجس. يتمثل ملخص الفصول
السابقة في أنه يمكن للتواصل عبر الشبكاتِ
الاجتماعية أن يَزيد مهاراتِ التواصل الاجتماعي
سوءًا وأن يقلل التعاطف بين الناس؛ فالهُويات
الشخصية ربما تكون قد تأسستْ خارجيًّا وأُصقِلتْ
إلى حد الكمالِ بِناء على أولويةِ الاستحسانِ
الجمهوري. وهو مسلك يقود إلى فن الأداء أكثر مما
يقود إلى النمو الجسدي النشيط؛ فالممارسة المفرطة
للألعاب قد تؤدي إلى مزيد من التهور، وإلى تقليص
مدى الانتباه، وإلى تزايد التصرفات العدوانية؛
ويمكن للاعتماد الكثيف على محركاتِ البحثِ وتفضيل
التصفح على البحث أن يَزيد من سرعة المعالجة
العقلية، ولكن على حساب المعرفة والفهْم
العميقيْن.
ربما تبدو هذه الأمثلة ظالمة قليلًا، فاقتضابها
يختزل اختلافات معقدة بين الثقافات والأجيال
والأفراد، ليحولها إلى رسوم كاريكاتورية مفرطة
التبسيط، لكنها قد تكون مفيدة في تأملنا لما يمكن
أن تقودنا إليه. ومن المثير للاهتمام أن ما ينشأ
عن تلك القائمة ليس روبوتًا قاسيًا، بل عقلية
بشرية متضخمة بكل ما فيها من ضعف وهشاشة؛ فالمرء
يتوق إلى الاهتمامِ باعتبارِه فردًا متميزًا، وفي
الوقت نفسِه يحتاج إلى الشعورِ بالانتماءِ
والاحتضانِ داخل هُوية وعقلية جماعية. وعندما
تتضخم المشاعر والعواطف ويبالَغ في تقدير قيمتها
على نحو مستمر، فلا عجب إذن أن المواطنين الرقميين
لا تستبد بهم المخاوف القديمة من أن تسلبنا
المكننة بشريتنا. إذن فما هي بالضبط إشكالية ثقافة
تستنفع من احتياجات بيولوجية متأصلة كهذه؟
تنشأ الإشكالية حين يبالَغ في تلك الميول
الطبيعية كما لم يحدث من قبل، بفضل الطبيعة غير
المسبوقة لنمطِ الحياةِ الرقمي. تتمثل حاجة
الإنسانِ الأولى في أن يُنظر إليه باعتبارِه
فريدًا من نوعه. وها قد رأينا كيف تتزايد النرجسية
بسببِ مواقعِ التواصل الاجتماعي. وبالفعل فقد
أشارت التقارير إلى أنه في الآونة الأخيرة زاد
استخدام كلمة «سيلفي»
selfie، أي أن
تلتقط صورك الشخصية بنفسك،
٨ بنحو ١٧٠٠٠ في المائة منذ أن ظهرتْ
لأول مرة في العام ٢٠٠٢م. فمِن دون أي كبح للغةِ
الجسد، التي عادة ما تحُدُّ من التواصل بين
الأشخاص، ومع إمكانيةِ وصولٍ غيرِ مسبوقة إلى
مجتمع أكبر من أي مجموعة من الأصدقاء في الحياة
الحقيقية؛ يمكن لغريزةِ حب التميز أن تخرج عن نطاق
السيطرة، لتصبح هوسًا.
فالحياة عبر الإنترنت تتيح بسهولة وسائل غير
مسبوقة لنيْلِ مكانة متميزة؛ ولأول مرة لا تقاس
هذه المكانة بِناء على الممتلكات، أو المواهبِ، أو
الوظيفة. ويمكن للتباهي المفرط بهذه المكانة، ذات
السماتِ التقليدية المقبولةِ ثقافيًّا، أن يكون
ضارًّا ومؤذيًا من دون شك، وهو ما قاله أوليفر
جيمس بشكل مقنِع في كتابِه المعنون
Affluenza،
٩ فلمْ تعد المكانة تُقاس بقدراتِ
المرءِ وإنجازاته، بل بمدى جاذبيتِه وعددِ من
يمكنه اجتذابهم من متابعين وأصدقاء. أضفْ إلى ذلك
الفرصة غير المسبوقة لإخفاء الذات الحقيقية، وكذلك
زيادة احتمالاتِ حرمانِ المرءِ من أن يشعر بالراحة
في عَلاقات شخصية جادة. فقد أصبح الحل البديل هو
اللوْذ إلى عالمِ الشاشةِ الآمنِ سعيًا وراء
الاستحسان، من دون فعل شيء يُذكر لاستحقاقه، بل من
دون الوجودِ بالطريقة نفسِها التي يوجد بها الناس
في العالم الحقيقي.
أما الحاجة الإنسانية الثانية فتتمثل في أن يكون
المرء مقبولًا باعتباره فردًا في القبيلة؛ أن يكون
جزءًا صغيرًا ضمن هُوية جماعية أكبر. وهنا أيضًا
يمكن للعالم الإلكتروني أن يلبي تلك الحاجة على
نحو غير مسبوق؛ إذ يمكنك الانضمام إلى الآخرين من
دون بذْلِ الجهد أو امتلاكِ المهارات التي تحتاجها
في العالم الحقيقي لتنضم إلى جوقة للمنشدين أو إلى
فريق لكرة قدم، بل لا يلزمك أن تبذل أي جهد بدني
للتوجه إلى مباراة كرة القدم لتصبح أحد المشجعين.
ولكن في حينِ تفضي فِرق كرةِ القدم والجوقات إلى
منتج ونهاية ملموسة، وكذلك تفعل أي عاهرةٍ لعوب أو
حفلات توديعِ العزوبية؛ فإن عالم الإنترنت لا حدود
لوقتِه أو أرقامِه، ويفتقر إلى المسئولية التي
تجعلك تستعيد رشدك وتكتسب أي هُوية جماعية، سواء
كانت تلك هُوية جيدة أمْ لا. وقد ذكر برتراند راسل
Russell في
كتابِه «إيكاروس»، ردًّا على هالدين: «إن مشاعر
البشرِ الجماعية شريرة في معظمها.»
١٠ وقد شبه أحد متابعي موقع
chan4 السلوك
المتبع فيه بالتلاميذِ الذين تحولوا إلى همج في
روايةِ «أمير الذباب» لويليام غولدينغ
Golding. ومن
الأمثلةِ الحديثة على التوجهِ الجماعي العنيفِ على
الإنترنت تلك المرأة التي هُددتْ بالاغتصاب على
موقع تويتر، ولم يهددْها رجل مختل واحد، بل العديد
من المتابعين. فما جريمتها؟ لقد اقترحت وضع صورة
الكاتبة الشهيرة عالميًّا جين أوستن
Austen على
أحدث إصدار من ورقةِ النقد من فئة العشرة جنيهات
إسترلينية، نظرًا إلى عدمِ وجودِ صورة امرأة على
أي ورقة نقدية بريطانية. وبمجرد أن نشأ احتجاج
واسع النطاق، فشتْ في الناسِ عقلية غوغائية.
١١
أما الجانب الثالث والأخير من الطبيعة
الإنسانية، والذي يظهر أيضًا في الفضاء الإلكتروني
بصورة مبالغ فيها، فهو اندفاعيتنا، أي الرغبة في
الإشباع الفوري. لقد رأينا أن سبب جاذبيةِ ألعابِ
الفيديو الرئيس هو أن الأفعال فيها ليست لها عواقب
طويلة الأمد، لكن هذا ليس سوى غيْض من فيْضِ
المتعة. فتلك المتعة الطاغية، التي لا تشعرنا بها
الألعاب فحسب، بل مشاهدة اليوتيوب كذلك ونشر
معلوماتِك الشخصية على الفيسبوك، تفوق أي نتائج
طويلةِ المدى. وإرضاءً لذلك، وعلى سبيل تقديمِ عذر
بعد أي سلوك طائش أو فعل متهور، شاع استخدام
مصطلحِ
YOLO (لن
تحيا سوى مرة واحدة)، باعتباره تبريرًا أو
توضيحًا، بعْد أي توصيف لسلوك شائن أو متهور مثلًا.
١٢ إذا ركزْنا على ما يحدث الآن فسنرى
أننا قد «أطلقْنا العِنان لأنفسنا»؛ بأن جعلنا من
أنفسِنا متلقين سلبيين للحظات مثيرة. الفارق
الكبير بين المتع الحاضرة والإفراط الترفيهي لدى
الأجيال السابقة هو أن الأولى يمكنك نيْلها في
أحيان أكثر ووقتما شئت، بل يمكنك ذلك طَوال الوقت
إذا أردْت.
ربما يكون الفارق أن ثقافة الإنترنت تتيح لك
تلبية الحاجات الإنسانيةِ الثلاث مجتمِعة، على نحو
أكثر شمولية وسهولة مِن أي وقت آخر في التاريخ البشري.
١٣ استرجعْ ذلك السيناريو المتخيَّل،
الذي عرضناه في الفصل التاسع عشر، بخصوصِ
التقنياتِ النقالة. أولًا: هناك استثارةٌ حسية
قوية للمدخلاتِ السمعيةِ البصريةِ التي تصْرِفك عن
التفكيرِ في المستقبل أو الماضي، فأنت «لن تحيا
سوى مرة واحدة». ثانيًا: ستكون في الوقت نفسِه
مفرِط التواصلِ بشكل متزايدٍ، بواسطة نظارات غوغل
مثلًا، وبالتالي ستكون دائمًا فردًا من القبيلة.
ثالثًا: ستكون بالنسبة إلى جمهورك الشخص الذي يصدر
الأفعال وردود الأفعالِ باستمرار، وكذلك ستحتاج
منهم إلى استجابات مستمرة، وستحيا بشكل متناقض
حياة غير مباشرة، تارة في العالم الواقعي وأخرى في
العالم الثانوي، ولكنك ستحياها في وضع متصل —
بالإنترنت — ذي عرض مستمر، يجلب لك، إذا كنت
«جذابًا»، مكانة مشهورة باعتبارك شخصًا
متميزًا.
وبالتالي، فبدلًا من أن يُثير العصر الرقمي،
مثله كمثل التقنيات السابقة، المخاوف القديمة مِن
أن يجردنا من إنسانيتنا، أو أن يحولنا التقدم
العلمي التقني إلى كائنات نِصفِ آلية شبيهة بالجثث
التي أعيدت إلى الحياة، أظن أن ما حدث هو العكس
تمامًا. إن بعض أسوأ جوانبِ المبالغةِ في
الإنسانية، أي الرغبة في الحصول على مكانة من دون
النظر إلى المواهب، والعقلية الغوغائية، والتهور
اللامبالي، قد أُطلِق لها العِنان الآن في كل مكان
مجهول عبر الفضاء الإلكتروني. ما الذي يمكننا، أو
ينبغي علينا، فعله؟
في كتاب دوغلاس آدامز
Adams المعنون
«دليل المسافر المتطفل إلى المَجرة»، طلبتْ مجموعة
من الكائناتِ الشديدةِ الذكاء الشاملةِ الأبعاد أن
تتعلم «إجابة السؤال الجوهري للحياة وللكون ولكل
شيء»، عبْر الحاسوب الفائق الذي يُدعى «التفكير
العميق» Deep
Thought. احتاج حاسوب
«التفكير العميق» حينها إلى سبعة ملايين سنة ونصف
المليون سنة ليحسب الإجابة ويتحقق منها، والتي
اتضح أنها ٤٢. ولكن لاحِظْ أن السؤال الجوهري نفسه
ليس محددًا هنا. وعلى الرغم من أن كثيرًا من الناس
عبْر التاريخِ قد عبَّروا عن أفكار طموحة نسبيًّا
فيما يتعلق بمعنى الحياة، فلا يزالون يمثلون أقلية
كانتْ تتميز بامتلاكِها أوقات فراغ تمكنها من
مواصلةِ التفكيرِ بشأن أهميةِ ماهيتِهم وأهميةِ ما
يفعلونه، في حين نال عدد أقل منهم فرصة التعبير عن
أفكاره فيما يتعلق بالأدبِ، أو الموسيقى، أو الفن،
أو العلوم. لكننا الآن على مشارفِ عصْر يحتمل أن
يتميز بإتاحة الفرصة لنا لنعبر عن أنفسنا بشكل
جماعي، حيث يدرِك كل منا إمكانياتِه الفردية
الحقيقية، ويطرح أسئلة كبرى ويقدم لها حلولًا
مبدعة ومثيرة.
ولكن قبل أن نبالغ في حماسنا بشأن هذا المستقبل
الوردي، علينا أولًا أن نحدد أولوياتِنا، ونوع
المجتمع الذي نرغب فيه، ونوع الصفات الفردية التي
نقدرها. وتحقيقًا لهذه الغاية، يمكن لوسائل
الإعلام التقليدية — المطبوعة منها والمذاعة — أن
تشرع في ذلك، حيث يمكنها الوصول إلى أوسع نطاق من
جميع أنواع الناس، وليس المدونات الشائعةِ فحسب؛
بالإضافة إلى أن عليها التزامًا قانونيًّا بتحري
الدقة، على عكس هؤلاءِ المتشدقِين الموجودين في
الفضاء الإلكتروني. كما أن الحوارات التفصيلية
والمناظرات بين مجموعة من المتخصصين ستتيح لِكل
فرد أكبر كمٍّ ممكن من وجهاتِ النظرِ
والتبَصُّرات. وربما سيفكر أحدهم في إخراج فيلم.
فمهما كان، كان «الحقيقة المزعجة»
١٤ هو ما نبَّه الأغلبية الصامتة منا إلى
مشكلةِ تغير المناخ.
أما الخطوة الثانية، فستكون جس نبضِ المجتمعات
في جميع أنحاء العالم. سيكون مفيدًا حقًّا أن نجري
استطلاعات رسمية حول وجهاتِ نظرِ أصحابِ المصلحة،
كالآباء والمعلمين، والأطباءِ النفسيين وعلماءِ
الأعصاب، وكذلك المواطنون الرقميون أنفسهم. فكما
علِمْنا من الفصل الأول؛ فهذه الاستطلاعات
المنشورة حتى الآن لم تَزد عن كونها مجرد أرقام،
وإحصائيات، ورسوم بيانية بسيطة. ونحن الآن في حاجة
إلى استطلاعات تتجاوز الإحصائيات الأولية لتسْتطلع
آراء جميعِ قطاعاتِ المجتمع. تكتنف موضوع تغيُّر
العقل أسئلةٌ قد تكون بمِثْل تعقيدِ وتنوع
الأسئلةِ المحيطةِ بتغيرِ المناخ. لكن الفارق
بينهما هو أن الناس قد يفضلون ألا تزيد حرارة
الكوكب، أما فيما يتعلق بتغيُّر العقل؛ فقد تختلف
بشأنه نتائج الاستطلاعات الممْكنة والمنشودة،
تبعًا لاختلاف الأذواق والميول، وبالتالي نحن
بحاجة إلى أنْ نأخذ في اعتبارنا جميع وجهاتِ النظر
الموجودة.
أما المشكلة الرئيسة الأخرى فهي شائكةٌ وتتعلق
بالأدلة؛ فعلى الرغم من أن ما أُجري من تجارِب
مختبرية محددة قد صُمِّم للإجابة عن تساؤلات
محددة، فإننا لا نزال بحاجة إلى مزيد من الأموالِ
والموارد من القطاعيْن الخاص والعام، من أجلِ
إجراء مزيد من البحوثِ المختبرية، والدراساتِ
الوبائية، والمقاربات النفسية والاجتماعية؛ وهو ما
يمثل الخطوة الثالثة. وكما علِمنا في الفصول
السابقة، يمكن للمنهج العلمي أن يكون شائكًا، إذْ
تصبح الأسئلة المطروحة أكثر من الأجوبةِ التي
تقدمها النتائج. لا نزال بحاجة إلى مزيد من
التوضيحِ والتفصيل، وإلى مزيد من البيانات بكل
بساطة. إن البحث على جميع المستويات، من المستوى
الجزيئي إلى المستوى المجتمعي، بشأن كيفية تطور
الدماغِ البشري على مدى الأشهر والسنوات، هو ما
سيمكِّننا من تقيِيم ما للتقنياتِ الجديدةِ مِن
آثار طويلةِ الأمدِ على طريقةِ تفكيرِ الفرد
وشعورِه. وكلما طال انتظارنا قبْل بدءِ هذا النوع
من الأبحاث، قلَّتْ خياراتنا وفرصنا التي قد
نملكها في المستقبل. لا بد من أن نبدأ مِن
الآن.
وكذلك لا يوجد في النقاش الذي طرحناه سبب يمنع
التقنياتِ مِن أن تكون جزءًا من الحل. أما الخطوة
الرابعة فستتمثل في اختراع برمجيات جديدة تمامًا
تعوض أي قصور قد ينجم عن الإفراطِ في الوجودِ أمام
الشاشات وتوازِنه.
١٥
من المؤكد أن هذه الخطوات الأربع لا تعد خطوات
من الأساس، إذ لا تتوقف فيها خطوة على الخطوات
الأخرى. وبدلًا من ذلك، يمكن اعتبارها استراتيجيات
مختلفة قابلة للتطبيق في الوقتِ نفسِه. وسنكرر
اقتباس هنري لويس مينكِن
Mencken
الشهير: «لِكل مشكلة معقدة إجابة واضحة وبسيطة …
وخطأ». لمْ ينطبقْ هذا القول على شيء قدر انطباقِه
على الموقفِ المعقد الذي أحدثتْه ثقافة الإنترنت
الواسعة الانتشار في القرن الحادي والعشرين. تلخص
الأمثلة الموضحة في هذه الصفحات، والتي تشكل في
مجموعها تغيُّر العقل، ظاهرة مشابهة لظاهرةِ تغير
المناخ، لما لها من حجم وتأثير هائليْن. وفيما
يتعلق بما نناقشه حول ظاهرتيْ «تغير المناخ»
و«تغيُّر العقل»؛ ففي مقدورنا أن نكون استباقيين
وأن نفعل شيئًا حيالهما.
ولكن لا يزال هناك فرق آخر حاسم تمامًا. ففيما
يتعلق بتغير العقل؛ لا توجد إجابة بحد ذاتِها،
لأنه لا يوجد سؤال أو هدف واضح. وخلافًا للمِنهاجِ
البين المخصصِ لتغير المناخ، فإن تغيُّر العقل
يعتمد على ما يريده كل منا والمطافِ الذي نريد أن
ننتهي إليه كأفراد. وعلاوة على ذلك، تشتمل قضية
تغير المناخ في أحسنِ الأحوال على حصر للأضرار،
لكن الشيء نفسه لا ينطبق على تغيُّر العقل. ففي
حالة تغيُّر العقل، لدينا الفرصة لنستفيد بإيجابية
من تقنياتِها القوية، ولأجْلِ غايات جديدة، وإن لم
تُحدَّدْ بعْد. ومما قاله عالم المستقبلياتِ
الراحل جيم مارتن
Martin: إذا
لمْ نرغبْ حقًّا في معرفةِ ما سيحدث في المستقبل،
وأردْنا بدلًا من ذلك أن نصنع هذا المستقبل
استباقيًّا، فلا ينبغي لنا أن نتوقع إجابات مانوية
Manichaean
سريعة، أو شعارات أو بيانات قصيرة، أو معتقدات
جماعية سهلة. لا يمكننا التنبؤ بما سيظهر من
تقنيات جديدة عجيبة، ولا التنبؤ بمدى تطور
التقنيات الموجودةِ حاليًّا — ومنها التقنيات
النقالة — ولا بمعدلِ تقدمها. ولكن يمكننا احتذاء
التوجهاتِ العاقلة لهالدين وراسل وهاكسلي وأورويل،
فيما يتعلق بكيف سنتأقلم — نحن البشر — مع تلك
التقنيات، وكيف ستغير التقنيات طريقة رؤيتِنا
للعالم.
قد يمثل موضوع الارتباطية نهاية جيدة لرحلةِ
نقاشِنا الحالية. نحن نعلم أنه من خلال توصيل
العصبونات في ترتيب فريدٍ من نوعِه، يكتسب الدماغ
المادي طابعه الشخصي ويشكل عقلًا فرديًّا. وفيما
يتعلق بالاتصال الشخصي بين البشرِ وأشياء بعينها؛
فهذه الاتصالات هي ما يُضفي على هؤلاء البشرِ وتلك
الأشياءِ أهمية خاصة. إن خبراتِنا التي نكتسبها مع
مرورِ الوقت هي ما يمنح كلًّا مِنا أحداثًا ذات
مغزًى، تساهم بدورِها في السرد الخطي — قصة شخصية
شديدة الانفتاحِ، والتي تردد صدى عمليةِ التفكيرِ
نفسِها. ولكن بما أننا أصبحْنا مفرِطي التواصلِ
على نحوٍ متزايد في الفضاء الإلكتروني، فهل يُحتمل
ألا تُظهر بيئتنا العالمية أثر الشبكات أو تعكسه
على دماغِنا المادي الفردي؟ وكما تتيح ارتباطية
العصبونات توليد تعبيراتِ العقلِ البشري الفريدِ
وتطويرها، فإن الارتباطية المفرطة في الفضاءِ
الإلكتروني يمكِنها أن تصبح عاملًا قويًّا في
تغيِير هذا العقل، سواء أكان تغييرًا للأفضل أم
للأسوأ. إن معرفة ما قد تعنِيه تلك الارتباطية،
وحسم ما سنفعله حيالها، سيكون بالتأكيد أكبر
تحدياتِ عصرِنا وأكثرها إثارة.