الفصل الثالث

مسألة مثيرة للجدل

ذات مرة، علَّق الصحافي الأمريكي ﻫ. ل. مينكين Mencken ساخرًا: «لكل مشكلة معقدة هناك إجابة واضحة وبسيطة، وخطأ.» الصراع بشأن ما إذا كانت التكنولوجيا الرقمية «جيدة» أم «سيئة» للعقل البشري أمرٌ لا معنى له، بقدر المجادلة حول ما إذا كانت السيارة «جيدة» أم «سيئة». ومع ذلك، فإن المناقشات حول القضية المعقدة لتغيُّر العقل تُعدُّ أمرًا لا مفر منه، لأنها ستمحِّص الطريقة التي نعيش بها حياتنا، وذلك النوع من البشر الذي قد ينتهي بنا الأمر إليه. وبدلًا من تبنِّي مواقف ساذجة ومحصَّنة مثل «الجيد» أو «السيئ»، أو «الصواب» أو «الخطأ»، نحتاج أولًا إلى أن نرى المواضع الحقيقية التي رُسمت فيها مختلِف خطوط المعركة، وبعد ذلك النظر إلى كيف يمكننا حل أي نزاع ناتج عنها بخصوص الفهم والتوقع.
لا مناص من أن يدور أكبر جدل بشأن السؤال الأساس المتعلق بالأدلة: ما مدى قوَّتها وما الذي تُثبته حقًّا؟ وقد اقترح تقريران على وجه الخصوص، عكفا على دراسة الأدلة على مدى السنوات القليلة الماضية، وجودَ حالة من «نصف الكوب المملوء». كتبَتْ أحدَ التقريرين أستاذةُ علم النفس تانيا بايرون في العام ٢٠٠٨م، ويتناول المخاطر التي يواجهها الأطفال من الإنترنت وألعاب الفيديو.١ وقد خلَص تقريرها إلى الاستنتاج غير المفاجئ بأن «الإنترنت وألعاب الفيديو رائجة لدى الأطفال والشباب، وتوفر مجموعة من الفرص للمتعة، والتعلم والتطور.» ومع ذلك، كانت لدى بايرون مخاوف بشأن المواد المحتملِ كونُها غيرَ لائقةٍ، التي تتراوح بين المحتوى العنيف وبين سلوك الأطفال في العالم الرقمي. كما لفتت الانتباه إلى فكرة أن تفكيرنا ينبغي ألَّا يقتصر على طفل يستخدم الأجهزة الرقمية في عزلة، ولكننا يجب أن ندرك أن الصورة الأوسع لنمط الحياة هي وثيقة الصلة للغاية، وليس أقلها عَلاقة الطفل بوالديه.

إن الفجوة الرقمية بين الأجيال تعني أن الآباء لا يشعرون بالضرورة بقدرتهم على مساعدة أبنائهم في هذه المساحة غير المألوفة، وهو الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى الخوف والشعور بالعجز. ومن الممكن أن يتفاقم هذا الوضع المحزن بفعل ثقافة أوسع تتسم بالنفور من المخاطر، والتي تتوجه على نحو متزايد إلى إبقاء الأطفال داخل المنازل على الرغم من احتياجاتهم النَّمائية للاختلاط في المجتمع وتحمُّل المخاطر. وفي حين أن الثقافة التي تنفر من المخاطر لا يمكنها بأي حالٍ من الأحوال أن تَنتج حصريًّا عن الحياة في مواجهة الشاشة، فمن الواضح أنها توفر حافزًا جذابًا وبديلًا لإقناع الطفل بسهولة بعدم المغامرة في الخارج. ثمة نتيجة أخرى غير مثيرة للجدل توصَّل إليها تقرير بايرون، وهي أنه في حين أن الأطفال يتعاملون بثقة مع التكنولوجيا، فلا يزالون يطورون مهارات التقييم النقدي ويحتاجون إلى مساعدة الكبار على اتخاذ قراراتٍ حكيمة. وفيما يتعلق بالإنترنت، نحن في حاجة إلى «ثقافة مشتركة من المسئولية.»

وقد انصبَّ تركيز بايرون الحقيقي على الحماية، لكن تقريرها تناول أيضًا القضية الأوسع المتمثلة في تمكين الأطفال: «سيكون الأطفال أطفالًا يدفعون الحدود ويتحملون المخاطر. في بِركة السباحة العامة لدينا بوابات، ونضع لافتات، ونعيِّن منقذين ونوفر نهايات ضحلة، ولكن علينا أيضًا تعليم الأطفال كيفية السباحة.» ومع ذلك، فإن أي شخص يقرأ تقرير بايرون في الوقت الحالي، سيشعر بأنه ليست هناك حاجة ملحة إلى القيام بأي فعل ثوري، أو حتى مجرد اعتراضي.

حدثت قصة مشابهة بعد ذلك بقليل، وبالتحديد في العام ٢٠١١م، عندما جرى تكليف عالم الأعصاب الدكتور بول هوارد-جونز Howard-Jones من جامعة بريستول بإجراء مراجعة عن تأثير التقنيات الرقمية في رفاهية البشر. وبناء على ذلك، شرع هوارد-جونز في مناقشة ما عمِل مجال علم الأعصاب على توطيده بشأن آثار التقنيات التفاعلية في السلوك والدماغ والمواقف، مع التركيز بشكل خاص على الأطفال والمراهقين. وفي نهاية المطاف، فإن «طليعة تقدمنا في هذا العالم الجديد هي أطفالنا، خصوصًا مراهقينا. نحن نعلم أن الدماغ النامي يتسم بأنه أكثر مرونة، كما يستجيب بصورةٍ مطواعة أكثر للتجرِبة من دماغ البالغين.»٢

ومن الجدير بالثناء أن هوارد-جونز أبرز الحاجة إلى فهم استخدامات التقنيات في سياقٍ محدد بدلًا من تصنيف تقنيات معينة، أو التكنولوجيا بشكل عام، ضمن وصف عام باعتبارها «جيدة» أو «سيئة». وكذلك فقد ألقى الضوء على النتائج التي تُشير إلى أن بعض التدريب المرتكز على التكنولوجيا يمكنه تحسين الذاكرة العاملة أو توفير تحفيز ذهني يؤدي إلى إبطاء التدهور المعرفي، في حين يمكن لبعض أنواع الألعاب أن تحسِّن المعالجة البصرية ومهارات الاستجابة الحركية. ومع ذلك، فقد حددَت هذه المراجعة أيضًا ثلاثة مخاطر محتملة يتعرض لها الأطفال: ألعاب الفيديو العنيفة، واستخدام الألعاب وغيرها من التقنيات بما يؤدي إلى مشكلات في النوم، وأن الإفراط في استخدام التكنولوجيا له تأثيرٌ جسدي أو عقلي سلبي أو يتداخل في الحياة اليومية. وتابع التقرير مشيرًا إلى أن أي تغيرات في عقلية الأجيال المقبلة ستُنذر، وهو أمر بالغ الأهمية، بحدوث تغيرات في المجتمع ككل، وبالتالي فإن هذه القضايا وثيقة الصلة بنا جميعًا، أيًّا كان عمرنا.

ترسم هذه اللمحات السريعة لتقريرَي بايرون وهوارد-جونز صورة للمواطن الرقمي لا تزال في الوقت الحالي غير واضحة وغير مؤكدة، لكنها متفائلة على نحو حذر. يترك كلا التقريرين، في أحسن الأحوال، شعورًا عامًّا بالتفاؤل المتحفظ، وفي أسوأ الأحوال يدعنا مع الاستنتاج المعتاد من النمط الأكاديمي، والذي مفاده أن الحكم لم يصدر بعد بسبب «وجود حاجة إلى مزيد من الأبحاث». يرسم كل من بايرون وهوارد-جونز صورة ملتبسة، ولكنها إيجابية عمومًا، عن عمل قيد التنفيذ، ما دمنا منتبهين باستمرار للمخاطر الموجودة في كل مكان مثل التنمر bullying، والاستمالة الجنسية، والألعاب العنيفة. وتتعلق أي مخاوف طرحها كلا الباحثَين بصورة أكبر بالتنظيم. وعلى العموم، فقد كانت الاستنتاجات في كلتا الحالتين تهفو نحو الجانب المتوسط الإيجابية فيما يتعلق بالتعلم، والمخالطة الاجتماعية، وتحسين الوظائف العقلية. يظل الكوب نصف ممتلئ، ما دام الجميع يتصرفون بحكمة.

لكن مثل هذه التقييمات المطمئنة تبدو أقل عددًا بكثير من الأصوات الصادرة عن مختلِف المهنيين في مختلِف أنحاء العالم، والذين لم يُكلَّفوا بتقديم لمحة سريعة معمَّمة عن اللحظة الراهنة، لكنهم يتعاملون بدلًا من ذلك مع ما يحدث عندما لا يكون استخدام التقنيات الرقمية حكيمًا. وفي هذه الحالة، يبدو الكوب نصف فارغ.

أولًا: هناك وجهة النظر التي طُرحت في كتب مثل «الاضطراب الإلكتروني» iDisorder لمؤلفه الطبيب لاري روزين Rosen٣ أو «وحدنا معًا» من تأليف عالمة النفس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا شيري تاركل،٤ والذي يُشير إلى أنه كلما ازداد تواصل الناس عبر الإنترنت، ازداد شعورهم بالعزلة. وفي كلتا الحالتين، تتركز المخاوف على الوقت الذي يصبح فيه استخدام الإنترنت ضربًا من الهوس. ولعل من المدهش أن أساطين الصناعات الرقمية أنفسهم يشعرون بدورهم بالقلق. احتل بيز ستون Stone، وهو أحد مؤسسي موقع تويتر، عناوين الأخبار عندما صرح في أحد المؤتمرات قائلًا: «إنني أحب هذا النوع من المشاركة حيث يمكنك الذَّهاب إلى الموقع الإلكتروني ومن ثَم تغادره لأنك وجدت ما كنت تبحث عنه، أو أنك عثَرت على شيءٍ مثير للاهتمام للغاية، ومن ثَم فقد تعلمت شيئًا.»٥ والفكرة هي أن تستخدم تويتر لتحسين جودة حياتك الحقيقية. ولكن حتى هو يعتقد أن استخدام تويتر ساعات في كل مرة «يبدو غير صحي»، ولعل سبب ذلك هو أن اختراعه قد صار نمطًا للحياة في حد ذاته. ثم هناك إريك شميدت Schmidt، الرئيس التنفيذي سابقًا ورئيس مجلس إدارة غوغل حاليًّا، والذي قال: «أشعر بالقلق من أن مستوى المقاطعة، أي ذلك النوع من السرعة الساحقة للمعلومات … يؤثر في الواقع في الإدراك، فهو يؤثر في التفكير الأعمق. وما زلت أعتقد أن الجلوس وقراءة كتاب هو أفضل وسيلة لتعلُّم شيء ما في الواقع. وأخشى أننا في سبيلنا لأن نفقد ذلك.»٦
تتسم هذه المخاوف بأنها مستبصرة في ضوء ما يعبِّر عنه كثير من علماء الأعصاب والخبراء الطبيين.٧ وعلى سبيل المثال، فقد خلَص عالم الأعصاب مايكل ميرزينِك Merzenich، وهو أحد الرواد في إثبات قدرة الجهاز العصبي المذهلة على التكيف، باللغة المتحفظة تقليديًّا، والتي عادة ما تكون مطلوبة من تخصصه، إلى أنه: «وبالتالي، يُوجد فارقٌ هائلٌ وغير مسبوق في الكيفية التي تشارك بها أدمغة [المواطنين الرقميين] بصورة مطواعة في الحياة مقارنة بأدمغة الأفراد العاديين الذين ينتمون إلى الأجيال السابقة، وليس هناك شكٌّ في أن الخصائص التشغيلية للدماغ المتوسط الحديث تختلف بصورةٍ جوهرية.»٨
ويُعرب المعلمون عن القلق أيضًا: في تقرير صدر عام ٢٠١٢م، والذي استطلع آراء أربعمائة مدرس بريطاني، ذكر ثلاثة أرباع المشاركين حدوث انخفاضٍ كبير في سعة انتباه طلابهم الصغار.٩ وفي العام نفسه، أظهر مسح شمِل أكثر من ألفين من معلمي المدارس الثانوية في الولايات المتحدة أن ٨٧ في المائة من المعلمين يعتقدون أن التقنيات الرقمية تخلق «جيلًا يتشتت انتباهه بسهولة مع سعات انتباه قصيرة.» في حين وافق ٦٤ في المائة على أن هذه التقنيات لديها تأثير أكثر تشتيتًا للانتباه من كونه مفيدًا للطلاب من الناحية الأكاديمية.١٠ وقد ظهر تنوع المهن المختلفة التي عبَّرت عن عيوب الأجهزة الرقمية بشكلٍ جيد في رسالةٍ مفتوحة جرى توجيهها في سبتمبر ٢٠١١م إلى الصحيفة البريطانية المحترمة، ديلي تلغراف، ووقَّع عليها مئتان من المعلمين والأطباء النفسيين وعلماء الأعصاب، وغيرهم من الخبراء الذين أعربوا عن مخاوفهم بشأن «تآكل الطفولة».١١
وعلى أي حال، ربما كان واحدًا من أكثر استطلاعات الرأي تعبيرًا ذلك الذي استهدف الهواة المتحمسين للفضاء الإلكتروني أنفسهم. عمَد مركز بيو للأبحاث في الولايات المتحدة، جنبًا إلى جنب مع جامعة إيلون، إلى سؤال أكثر من ألف من خبراء التكنولوجيا عن الكيفية التي ستتغير بها أدمغة «جيل الألفية» (وهو مصطلح كثيرًا ما يُستخدم بالتبادل مع مصطلح «المواطنين الرقميين») بحلول عام ٢٠٢٠م نتيجة للتواصل المكثَّف مع التقنيات الرقمية على الإنترنت.١٢ وقد طُلب من أولئك المهنيين تحديدُ أيٍّ من نبوءتين اثنتين هي الأقرب احتمالًا للحدوث في المستقبل القريب، كما ورد في بيانين متناقضين، كان أحدهما إيجابيًّا للغاية:

لن يُعاني جيل الألفية في عام ٢٠٢٠م من أوجه قصور معرفية بارزة خلال ممارستهم مهامَّ متعددة ودورانِهم بسرعةٍ عبر المهام الشخصية والمتعلقة بالعمل. وهم يتعلمون أمورًا أكثر، ويبرعون في إيجاد أجوبة عن الأسئلة العميقة، الأمر الذي يرجع في جزء منه إلى أنهم يستطيعون البحث بطريقة فعَّالة والوصول إلى الذكاء الجمعي عبر الإنترنت. إن التغيرات الحادثة في سلوك التعلم والإدراك عادةً ما تُنتج نتائج إيجابية.

أما الآخر فقد كان أكثر سلبية:

لن يتمكن جيل الألفية في عام ٢٠٢٠م من الاحتفاظ بالمعلومات؛ فهم يقضون معظم طاقتهم في تبادل الرسائل الاجتماعية القصيرة، والاستمتاع بالترفيه، كما يتشتت انتباههم بعيدًا عن الانخراط العميق مع الناس والمعرفة. وهم يفتقرون إلى ملكات التفكير العميق، ويفتقرون إلى المهارات الاجتماعية المباشرة، ويعتمدون بطرق غير صحيةٍ على الإنترنت والأجهزة النقَّالة من أجل أداء مهامهم.

وقد انقسمت مجموعة الخبراء الرقميين بالتساوي تقريبًا بشأن توقعاتهم بالنسبة إلى المستقبل. ولكن ربما كان الأمر الأكثر إنباء هو أن كثيرًا ممن انحازوا إلى جانب التنبؤ الإيجابي أشاروا إلى أن ذلك يمثل أملهم أكثر من كونه أفضل تخميناتهم. وبالتالي فحتى الخمسون في المائة أو نحوها من المهنيين الذين ينظرون إلى ثقافة الشاشة في ضوء إيجابي عمومًا، يقومون بذلك، في كثير من الحالات، من موقف التمني وليس من منطلق اليقين أو امتلاك حُجة عقلانية.

كما أن الأدلة الإضافية التي تُشير إلى حدوث شيء خطأ ربما كانت في نفس درجة إقناع رأي الخبراء أو البحوث الوبائية والتجريبية: التطبيقات والمواقع ذاتها التي تُشير إلى اتجاهاتٍ واضحة في أذواق وميول المجتمع الحالي. أحد التطبيقات، والذي يُطلق عليه للمفارقة اسم «الحرية» Freedom، يمنع وصولك إلى الإنترنت خلال فترة من الوقت يحددها المستخدم في كل ساعةٍ، في حين يمكِّنك تطبيق «ضبط النفس» Self Control من منع نفسك من زيارة المواقع التي تشعر بأنك تتبعها على نحو خانعٍ للغاية ولكنك عاجزٌ عن المقاومة. وعلى سبيل المثال، فإن زيدي سميث Smith، وهي مؤلفة الكتاب الأكثر مبيعًا «الأسنان البيضاء»، قد استشهدت بهذين التطبيقين على الإنترنت في قسم الشكر والتقدير في أحدث مؤلفاتها.١٣ يبدو أنها كانت تكافح من أجل الحفاظ على تركيزها في أثناء تأليف كتابها الجديد بسبب سبل تشتيت الانتباه المتاحة على بُعد نقرةٍ واحدةٍ على شبكة الإنترنت؛ ولذلك فقد كانت ممتنَّةً لهذين التطبيقين من حيث «إتاحة الوقت» الذي يمكنها الكتابة فيه.

بَيد أن زيدي سميث ليست وحدها في هذا. من الواضح أن نجاح هذه المؤسسات المزدهرة يطرح سؤالًا هو: لماذا تُبلي بلاءً حسنًا؟ لماذا تحتاج أعداد متزايدة من الناس إلى بعض الخِدمات الخارجية لمنعهم من استخدام شبكة الإنترنت، بدلًا من إغلاقها بأنفسهم؟

وكما هي الحال مع الوجبات السريعة أو السجائر، فقد أصبحنا مدمنين على الإلهاء الناجم عن المدخلات الخارجية التي تحدد وتشكِّل أعمالنا، وخياراتنا، وأفكارنا. بَيد أن وجود هذه التطبيقات لا يعني في حد ذاته أن هناك وباءً للإدمان على الشاشات، لكنه يُشير ضمنًا إلى أن هناك ما يكفي من العملاء الذين يعانون هذه المشكلات لجعل هذه التطبيقات مشروعات مُحقِّقةً للربح. لا يمكننا أن نتجاهل أنه حتى المِنصات والمستخدمون أنفسهم يعترفون ضمنًا بأن تقنيات الشاشة قد تكون شيئًا نستخدمه على نحو استحواذيٍّ.

ثمة خاصية أخرى لم يَسبق لها مثيل لمجتمعنا الحالي، وهي نشر المعلومات بسرعة البرق. إن فضاء المدونات المفرط الترابط يصل إلى عددٍ أكبر من الناس بسرعة أكبر من محطات الإذاعة والتلفزة العاملة بالأقمار الاصطناعية: فالمواطن الباكستاني الذي نشر عن غير قصدٍ عبر موقع تويتر تحديثات حيَّة بشأن دهْم منزل أسامة بن لادن، كان بوسعه الوصول إلى جمهورٍ واسع بسرعة أكبر من أي شكل آخر من وسائل الإعلام. ومع ذلك، ولهذا السبب بالتحديد، يمثل عالم المدونات وسيلةً مثالية لنشر معلومات مضللة بشأن القضايا المعقدة، أو حتى مجرد الإفراط في تبسيطها. هذا هو مصبُّ اهتمام شبكة الاستجابة للمخاطر التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، والتي توفر للقادة من القطاعين الخاصِّ والعامِّ مِنصةً مستقلة لتخطيط، ومراقبة، وتخفيف المخاطر العالمية.

حلل التقرير السنوي للمخاطر العالمية للعام ٢٠١٣م الأثر المدرَك واحتمال وقوع خمسين من المخاطر العالمية السائدة على مدى أفق زمني يمتد على مدى عشر سنوات؛ ومن بين تلك المذكورة كانت «حرائق الغابات الرقمية في عالم مفرط الاتصال.»١٤
شاركتُ لأول مرة في النزاع الدائر بشأن تأثير التقنيات الرقمية في فبراير ٢٠٠٩م مع خطابي إلى مجلس اللوردات (الموصوف في مقدمة هذا الكتاب) عن الآثار غير المتوقَّعة المحتمَلة على العقل البشري للشبكات الاجتماعية.١٥ كل ما فعلتُه هو إثبات حُجة العلوم العصبية للُدُونة الدماغ، والمقبولة على نطاق واسع، ومن ثَم الإشارة إلى أن الأنواع الجديدة من تجرِبة الشاشة يُرجَّح أن يكون لها نوعٌ جديد من التأثير في العمليات العقلية. كان رد الفعل، في جميع أنحاء العالم، غير متناسب مع القياس المنطقي المبدئي الذي طرحتُه. وفي حين بدا أن البعض يتفقون معي، اتخذ البعض الآخر موقفًا حاسمًا يتمثل في الإصرار على أنه «ليس هناك دليل» على ما أقول.

وفي حين قد يظن المرء أن هذه القضية المتعلقة بالأدلة هي مسألةٌ سهلة الحل، فالمشكلة مع الحجة السلبية البسيطة هي أنه حتى لو لم تكن هناك نتائج علمية على الإطلاق تعضِّد هذا الأمر، فإن عدم وجود أدلة ليس دليلًا على غيابها. وفي العلم، لا يمكنك أن تُثبت على نحوٍ قاطع بالتجارِب سوى أن نتيجة ما موجودة على نحوٍ إيجابي، وليس العكس مطلقًا. وبعد كل شيء، قد يتمثل الأمر ببساطةٍ في أن الاختبار الذي تستخدمه ليس هو الأنسب، أو أن أدوات القياس ليست حساسة بما فيه الكفاية، أو أن الآثار ستظهر بصورةٍ متأخرة أو آنيَّة لدرجة لا تُناسب فترة المراقبة المحددةَ لديك. والمغزى هنا هو أنك لا تستطيع أن تكون متأكدًا بصورةٍ قاطعة، وبالتالي يجب أن تترك الباب مفتوحًا أمام احتمال أن يكون هناك تأثير بالفعل، وإن لم تكن قادرًا على اكتشافه. وبالتالي فمن المستحيل أن تثبت بشكلٍ قاطع أن الأنشطة المرتكزة على الشاشة ليس لها أي تأثير على الإطلاق في الدماغ أو السلوك، بأي قدر أكثر مما يمكنك أنت أو أي شخص آخر إثباته بشكل قاطع، وإذا أردنا استخدام مثال قديم قِدم الدهر، سنقول بأنه ليس هناك إبريق للشاي يدور في مدار حول المريخ.

يفرض هذا التقييد مشكلة لكلا الجانبين؛ لأنه يستحيل أن تُثبت، بالقدر نفسه من التأكيد، أن الأنشطة المرتكزة إلى الشاشة لها تأثيرٌ لا لبس فيه في الدماغ والسلوك التالي.١٦ لنفترض أنه جرى الإبلاغ عن نتيجة لها تأثيرٌ واضح، سواء كان جيدًا أم سيئًا. حتى في تلك الحالة، ففي معرض تقييم النتائج العلمية، فإن عددًا قليلًا من الأوراق المنفردة الخاضعة لمراجعة الأقران، وهي المعيار الذهبي للنزاهة المهنية، يُنظر إليه بالإجماع من قِبل جميع العلماء باعتباره قاطعًا. ومن الممارسات العادية للأبحاث أن تستمر، وأن تُراجَع التفسيرات مع تراكم النتائج. ومن المحتَّم أن تكون تفسيرات الأدلة شخصانية، مع قيام العلماء المختلفين بصبِّ تركيزهم على جوانب مختلفة أو على أولويات مختلفة ضمن البروتوكول التجريبي. وفي أحوالٍ نادرة للغاية يكون هناك حدٌّ فاصل rubicon، والذي يعني بمجرد عبوره أن النتيجة مقبولة عالميًّا باعتبارها «الحقيقة». بَيد أن الحقيقة في العلم تكون مؤقتة دائمًا، في انتظار أن يأتي الاكتشاف التالي الذي يمكنه استبدال وجهة النظر الحاليَّة (أو، كما سيطلَق عليه في ذلك الوقت باستخفاف، اسم «المسلَّمة الحاليَّة»). عندما يتراكم ما يكفي من الشكوك لتحدي هذه المسلَّمة، عندما تكافح أنماط الفكر المقبولة لتفسير عدد كبير للغاية من الحالات الشاذة، فإن إعادة تقييم ما هو حقيقي يرقى إلى اعتباره «نقلة نوعية»، وهو مفهوم طرحه لأول مرة توماس كون Kuhn في العام ١٩٦٢م في كتابه الذي صار كلاسيكيًّا الآن، «بنية الثورات العلمية».١٧،  ١٨
وهناك مثالٌ رائع لكيفية ثبات العلماء على المسلَّمات بشكلٍ صارم وإغلاق عقولهم مقابل الأفكار الجديدة تمامًا، وهو الثورة التي تحققت في علاج القُرح ulcers، والتي جرى تطويرها في تسعينيات القرن العشرين. وبطل القصة هنا هو الطبيب الأسترالي باري مارشال Marshall. كجزء من تدريبه، عمل مارشال في أحد المختبرات على دراسة البكتيريا مع عالِمٍ آخر، هو روبن وارن Warren. وخلافًا للمسلَّمة المقبولة، وجدَا أن نوعًا محددًا من البكتيريا، هو المَلْويَّة البوَّابية Helicobacter pylori، يمكنه البقاء على قيد الحياة في بيئةٍ حمضية للغاية، مثل المعدة. بدأ مارشال ووارن يتشككان في جسم المعرفة المقبول على نطاقٍ واسع، والراسخ تمامًا، القائل بأن القُرح تنتج عن وجود كَمية مفرطة من الحمض، وبالتالي تنتج عن الإجهاد في المقام الأول. ماذا لو كانت القُرح ناتجة عن عدوى بكتيرية بدلًا من ذلك؟ ماذا سيحدث للأدوية الرائجة حاليًّا في السوق لعلاج القرحة، والتي ربما كانت مصممة للهدف البيولوجي الخطأ؟ كانت الآثار المترتبة على صناعة الأدوية، فضلًا عن المؤسسة الطبية، هائلة. «كان الجميع ضدِّي»، كما يتذكر مارشال.١٩ على مدى سنوات عديدة، أدى التحيُّز غير العلمي القديم إلى تأخُّرٍ كبير في القبول النهائي لنظرية مارشال ووارن. ولكونهما محرومَين من التمويل على الرغم من اقتناعهما بوجاهة نظريتهما، تجرَّع مارشال بالفعل كوبًا من وسطٍ مختبَريٍّ يحتوي على البكتيريا، وأحدث لنفسه قرحة حقيقية، وقد عولجت عن طريق المضادات الحيوية. وبعد إثبات صحة نظريته في نهاية المطاف، فاز هو ووارن بجائزة نوبل.
وحتى من دون الحاجة إلى انتظار نقلة نوعية مزلزلة، يمثل الخلاف أمرًا أساسيًّا للعلم: فما يراه باحثٌ ما على أنه اكتشافٌ مثير، قد ينظر إليه باحثٌ آخر بوصفه ظاهرة عارضة، في حين أن باحثًا ساخرًا قد يعتبره أمرًا غير مُثبت. لا يتعلق الأمر بفعل الملاحظة التجريبية، ولكن بالتقييم الشخصي اللاحق، حيث يوجد أكبر مجال للجدل والشك. في جميع فروع العلم، فإن التفسير الذي يُصاغ في أثناء تأمل العلماء أحدث البيانات لا يكون قاطعًا أبدًا. إن أي عالِم يعمِد إلى كتابة قسم المناقشة لإكمال ورقة بحثية مقدمة إلى مَجلة محكَّمة سيكون دائمًا مبدئيًّا ومؤقتًا، وسيتذكر دائمًا أن الحقائق والعوامل المحتملة البارزة ليست جميعُها معروفة. يقطن العلماء عالمًا مترددًا هو أبعد ما يكون عن أن يكون مطلقًا، حيث يُعَد الشك أمرًا طبيعيًّا مثل التنفس. وبالتالي، ففي حين أن الاختلاف في العلم أمرٌ طبيعيٌّ ولا يمكن تجنبه (إن لم يكن مفهومًا بالضرورة منذ البداية)، فإن الرفض المطلق حتى للمناقشة والتفكير في الاحتمالات، كما يمكن أن يحدث مع مسألة تقنيات الشاشة، ليس كذلك.٢٠ يتمثل السبيل الواقعي الوحيد للمضي قدمًا في البحث المتعمق في أكبر عدد ممكن من الأوراق البحثية المنفردة، والتي تتناول كلٌّ منها مسألة معينة، والتي تشكل مجتمعةً صورة كلية عامة.

وفي حالة التغيرات التي أحدثتها الإنترنت على المدى الطويل في الدماغ وفي السلوك المترتب عليه، نحن نواجه وضعًا معقدًا، وهو وضع غير خاضعٍ لاختبار ذي نتيجة قاطعة أو لتجرِبة منفردة تعطي نتيجة غير ملتبسة. أيُّ نوع من الأدلة قد يأمل المرء في الحصول عليه، خلال فترة معقولة من الزمن، والذي يمكنه أن يُثبت بصورة تُرضي الجميع أن ثقافة الشاشة تُحدث تحولات طويلة المدى في ظواهر واسعة النطاق والتنوع، مثل التعاطف، ونفاذ البصيرة، والفهم، والهُوية، والمخاطرة؟ ما هي النتيجة المنفردة والمنفصلة التي تَلزم لإقناع مَن يقاومون احتمالية أن يكون هناك شيء خطأ في نهاية المطاف، أو على الأقل أننا نفقد بعض الفرص؟

إن مفاهيم مثل تغيُّر العقل هي، وَفقًا لمصطلحات كون، نماذج paradigms، وليست فرضيات منفردة ومحددة يمكن اختبارها تجريبيًّا في ظل تجارِب مقيَّدة ومحددة للغاية. يعمل مفهوم شامل مثل تغيُّر العقل، كما سنرى لاحقًا، على تجميع الخيوط من الاتجاهات المجتمعية الظاهرة وآراء الخبراء المهنيين، فضلًا عن مجموعة واسعة من النتائج العلمية المباشرة وغير المباشرة من مختلِف التخصصات. خضعت الأغلبية العظمى من الدراسات العلمية التي سأتناولها في الفصول المقبلة لمراجعة الأقران؛ فهذه العملية تضمن أنها أظهرت نتائج ذات «دلالة إحصائية»، وهو ما يعني أنها ليست أحكامًا شخصانية بل نتائج نظام موحد وراسخ للاختبار.٢١

وبغض النظر عن الأنواع المختلفة من الأدلة التي تدعم ذلك، فمما لا شك فيه أن مفهوم تغيُّر العقل باعتباره نموذجًا جديدًا قد أثار ادعاءات بترويج الإشاعات المقلقة وإحداث ضرب من الهلع الأخلاقي. ولكن ضعْ في اعتبارك أن ترويج الإشاعات المقلقة يعتمد على فكرة عدم وجود أي شيء مطلقًا يمكن الخوف منه في المقام الأول. هل نعلم في الحقيقة أن هذه هي الحال؟ ومع ذلك، فإذا ومتى أُثبتت صحة الهلع بما لا يقبل الجدل، فإن الخوف يتحول إلى خطرٍ مؤكد. وبالتالي، فلا بد الآن أن التنبؤ الأصلي ربما كان في الواقع شيئًا مختلفًا تمامًا، مثل مكالمة للإيقاظ. وينبغي أن يكون الرفض على أساس التخويف، على كل حال، استنتاجًا نهائيًّا وليس مناورة افتتاحية.

أما بالنسبة إلى الهلع الأخلاقي، فمن المحتمل أن يجري تفسير أي انتقاد للعالم الرقمي من قِبل الهواة المتحمسين للفضاء الإلكتروني على أنه اعتداءٌ على الحياة الشخصية، وبالتالي عليهم كأفراد في نهاية المطاف. ولكن ليست هناك حاجةٌ إلى الهلع في الوقت الراهن. والواقع أننا إذا أتحنا لأنفسنا الفرصة لتقييم أين نحن الآن وإلى أين نودُّ التوجه في القرن الحادي والعشرين، يمكننا أن نستنبط ما يحتاج إلى أن يبدو عليه أسلوب حياتنا ومجتمعنا من أجل الوصول بنا إلى هناك. لكننا من أجل القيام بذلك نحتاج أولًا إلى فك مختلِف القضايا الشديدة التباين التي يشملها تغيُّر العقل.

١  Byron, T. (2008). Safer children in a digital world: The report of the Byron Review.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://media.education.gov.uk/assets/files/pdf/s/safer%20children%20in%20a%20digital%20world%20the%202008%20byron%20review.pdf
٢  Howard-Jones, P. (2011). The impact of digital technologies on human wellbeing: Evidence from the sciences of mind and brain.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.nominettrust.org.uk/sites/default/files/NT%20SoA%20%20The%20impact%20of%20digital%20technologies%20on%20human%20wellbeing.pdf, p. 5.
٣  Rosen, L. D. (2012). iDisorder: Understanding our obsession with technology and overcoming its hold on us. New York: Macmillan.
٤  Turkle, S. (2011). Alone together: Why we expect more from technology and less from each other. New York: Basic Books.
٥  Batty, D. (February 24, 2012). Twitter co-founder says users shouldn’t spend hours tweeting.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.theguardian.com/technology/2012/feb/23/twitter-cofounder-biz-stone-tweeting-unhealthy
٦  Schonfeld, E. (March 7, 2009). Eric Schmidt tells Charlie Rose Google is “unlikely” to buy Twitter and wants to turn phones into TVs.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://techcrunch.com/2009/03/07/eric-schmidt-tells-charlie-rose-google-isunlikely-to-buy-twitter-and-wants-to-turn-phones-into-tvs
٧  يحذِّر مايكل ريتش، وهو أستاذ مساعد في كلية الطب بجامعة هارفارد، قائلًا: «تتم مكافأة أدمغة [المواطنين الرقميين] ليس بسبب مواصلة التركيز على المهمة ولكن بسبب القفز إلى الشيء التالي. يكمن القلق في تنشئتنا جيلًا من الأطفال أمام الشاشات، والذين ستتشكل أدمغتهم على نحوٍ مختلِف.»
Richtel, M. (November 21, 2010). Growing up digital, wired for distraction.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.nytimes.com/2010/11/21/technology/21brain.html?pagewanted=all
أما جوردان غرافمان، رئيس قسم العلوم المعرفية في المعهد الوطني للاضطرابات العصبية والسكتة الدماغية، فيقول: «بصفة عامة، من الممكن أن تكون التكنولوجيا جيدة (بالنسبة إلى التطور المعرفي للأطفال) إذا استُخدمت بحكمة. ولكن إذا استُخدمت بطريقة غير حكيمةٍ، فستعمل على تشكيل الدماغ بطريقة أعتقد أنها ستكون في الواقع سلبية … يتعلق معظم جاذبية كل هذه الأنواع من الاتصالات الفورية بأنها سريعة، لكن السرعة لا تتساوى مع التروِّي. ولذلك أعتقد أنها قد تُنتج توجهًا نحو التفكير السطحي، فلن تقوم بحَثِّ الدماغ على التفكير في الأشياء بعمقٍ وبشكل مدروس، لكنها ستجعل تنفيذ ذلك أكثر صعوبة بكثير.»
Whitman, A. and Goldberg, J. [2008]. Brain development in a hyper-tech world.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.dana.org/media/detail.aspx?id=13126
أشارت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى أن استخدام الحاسوب لمدة ساعتين أو أكثر يوميًّا يَزيد من احتمال وقوع المشاكل العاطفية والاجتماعية، ومشكلات الانتباه. وهي وجهة نظر تستند إلى النتائج التي توصلت إليها مؤخَّرًا أنجي بيج وزملاؤها في جامعة بريستول، الذين خلَصوا إلى أن مشاهدة الأطفال للشاشة ترتبط بالتعرض للصعوبات النفسية بغض النظر عن النشاط البدني. كان المشاركون ١٠١٣ طفلًا يبلغ متوسط أعمارهم نحو أحد عشر عامًا، الذين أبلغوا ذاتيًّا عن متوسط عدد ساعات مشاهدة التلفاز واستخدام الحاسوب يوميًّا من خلال استبيان. وجدَتْ بيج أن زيادة استخدام التلفاز والحاسوب تتعلق بمستويات أعلى من الصعوبات النفسية. كان الأطفال الذين يُمضون أكثر من ساعتين يوميًّا في مشاهدة التلفاز أو استخدام الحاسوب — وهو ما يبدو أنها الحال في الأغلبية العظمى من الأطفال في المملكة المتحدة والولايات المتحدة — في خطرٍ متزايد للتعرض لمستويات عالية من الصعوبات النفسية، كما ازداد هذا الخطر إذا فشل الأطفال أيضًا في تلبية المبادئ التوجيهية للنشاط البدني.
Page, A. S., Cooper, A. R., Griew, P., and Jago, R. [2010]. Children’s screen viewing is related to psychological difficulties irrespective of physical activity. Pediatrics 126, no. 5, e1011–e1017. doi: 10.1542/peds.2010-1154.
قال مايكل فريدلاندر، رئيس قسم علم الأعصاب في كلية بايلور الطبية: «إذا قام الطفل بحل واجباته المنزلية وهو منهمكٌ في الوقت نفسه في التواصل عبر الحاسوب في غرف الدردشة، أو الاستماع للموسيقى عبر تطبيق iTunes وهكذا دَوالَيك، أعتقد أن هناك خطرًا من أنه لن يكون هناك ما يكفي من العمق والوقت الذي يُقضى في أي مكونٍ بعينه بحيث يمكن الوصول إلى العمق والبُعد المطلوب. من الممكن تحقيق كل هذه الأمور على نحو مُرضٍ، لكن جودة العمل أو التواصل قد لا ترقى إلى المستوى الذي كان يمكن تحقيقه إذا حظيت باهتمام المرء الكامل. هناك خطر لأن تكون أفكارهم بعرض ميل كامل وبعمق شبر واحد» Whitman and Goldberg, 2008 (انظر أعلاه).
٨  Bavelier, D., Green, C. S., Han, D. H., Renshaw, P. F., Merzenich, M. M., and Gentile, D. A. (2011). Brains on videogames. Nature Reviews Neuroscience 12, no. 12, 763–768. doi: 10.1038/nrn3135, p. 766.
٩  Pearson UK. (2012). New “Enjoy Reading” campaign and support materials launched to help parents and teachers switch children on to reading for life.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://uk.pearson.com/home/news/2012/october/new-_enjoyreading-campaign-and-support-materials-launched-to-he.html
١٠  Purcell, K., Rainie, L., Heaps, A., Buchanan, J., Friedrich, L., Jacklin, A., … and Zickuhr, K. (2012). How teens do research in the digital world.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.pewinternet.org/Reports/2012/Student-Research.aspx, p. 2.
١١  كان الموقِّعون على هذا البيان مجموعةً متنوعة تضم عائلات، مثل مؤلف كتب الأطفال الأكثر مبيعًا فيليب بولمان، إلى عالم النفس الشهير أوليفر جيمس، وكذلك كاميلا باتمانغليدج، مؤسسة Kids’ Company، وهي جمعيةٌ خيرية للمشرَّدين الشباب. من المؤكد أن تنوع القطاعات الممثَّلة يكشف الأهمية الملحَّة للقضايا المطروحة، فبعد كل شيء، من الصعب النظر إلى نمط الحياة باعتباره نشاطًا أو موضوعًا واحدًا يتمثل في احتكار أي مجال ضيق ووحيد من الخبرة (تآكل الطفولة: بريد إلكتروني مع قائمة كاملة من الموقِّعين. [23 سبتمبر ٢٠١١م]).
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.telegraph.co.uk/education/educationnews/8784996/Erosion-of-childhood-letter-with-full-list-of-signatories.html
١٢  Anderson, J. Q., and Rainie, L. (2012). Millennials will benefit and suffer due to their hyperconnected lives.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.elon.edu/docs/eweb/predictions/expertsurveys/2012survey/PIP_Future_of_Internet_2012_Gen_Always_ON.pdf
١٣  Vinter, P. (September 1, 2012). Zadie Smith pays tribute to computer software that blocks Internet sites allowing her to write new book without distractions.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.dailymail.co.uk/news/article-2196718/ZadieSmith-pays-tribute-software-BLOCKS-internet-sites-allowing-write-new-book-distractions.htm
١٤  World Economic Forum. (2013). Global risks report 2013 (8th ed).
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://reports.weforum.org/globalrisks-2013, pp. 23-24.
ومما جاء في التقرير: «لا تزال الإنترنت تمثل أرضًا مجهولة وسريعة التطور. يمكن للأجيال الحاليَّة أن تتواصل وتتبادل المعلومات بشكلٍ فوري وعلى نطاق أوسع من أي وقتٍ مضى. وتتيح وسائل الإعلام الاجتماعية، على نحو متزايد، نشر المعلومات في جميع أنحاء العالم بسرعةٍ فائقة. وفي حين أن فوائد ذلك واضحة وموثقة توثيقًا جيدًا، فمن الممكن أيضًا لعالمنا الفائق الاتصال تمكين الانتشار الجامح والسريع للمعلومات الذي يتسم بكونه مضللًا أو مستفزًّا، سواء عن قصد أو عن غير قصد، مع ما لذلك من عواقبَ وخيمة … ومن المعقول بنفس القدر أن المؤلف الأصلي للمحتوى المخالف قد لا يكون على علم حتى بإساءة استخدامه أو تحريفه من قِبل الآخرين على شبكة الإنترنت، أو أنه قد نتج عن خطأ في الترجمة من لغة إلى أخرى. ويمكننا النظر إلى مثل هذا السيناريو كمثال على الحرائق البرية الرقمية.» وقع هذا المثال في العام ٢٠١٢م، عندما قام شخصٌ ما ينتحل صفة عضو في البرلمان الروسي بنشر تغريدة على موقع تويتر قال فيها إن الرئيس السوري بشار الأسد قد قُتل أو أصيب بجروح، وقد ارتفعت أسعار النفط الخام نتيجة لذلك قبل اكتشاف أن هذه التغريدة لم تكن إلا خدعة. (January 8, 2013) Howell, L..
Only you can prevent digital wildfires.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.nytimes.com/2013/01/09/opinion/only-you-can-prevent-digital-wildfires.html?_r=0
١٥  Greenfield, S. (February 12, 2009). Children: Social networking sites. U.K. Parliament, House of Lords.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.publications.parliament.uk/pa/ld200809/ldhansrd/text/90212-0010.htm
١٦  يدَّعي إيفو كواريتيرولي في كتاب «النفس المنقسمة رقميًّا».
The Digitally Divided Self.
أن «عبارات مثل «ليس ذلك علميًّا» أو «نحن لا نمتلك ما يكفي من البيانات» تمثل دفاعات تقليدية يستخدمها الناس ذوو التوجهات التكنولوجية لمواجهة الانتقادات أو التعبير عن القلق» (الفصل ١، قسم «لا يمكن تحدي التكنولوجيا»).
http://www.amazon.com/The-Digitally-Divided-Self-Relinquishing/dp/8897233007
١٧  إن النموذج هو، على حدِّ تعبير كون، «ما يتشاركه أعضاء المجتمع العلمي بعضهم مع بعض، هم وحدهم.» ووَفقًا لكون، فالنموذج هو أكثر من مجرد نظرية واحدة بسيطة، بل هو كامل النظرة الكونية التي يوجد ضمنها، وغنيٌّ عن القول أن مثل هذا الرأي قد يشمل حالات شاذة غير مريحة، وحقائق، ونتائج غير متوافقة فحسب، لكن تُنحَّى جانبًا لفترة من الوقت بسبب الإزعاج الفكري الذي تحمله بين طياتها، وكذلك بسبب الفراغ التفسيري الذي قد ينفتح على مصراعيه نتيجة لذلك. ولكن لأن هذه الحالات الشاذة، وهي من دون شك تلك الناتجة عن البيانات التجريبية، تبدأ في التراكم، وبالتالي يبدأ بعض العلماء في التشكك في المنظور كله، لأسباب ليس أقلها امتلاكهم بديلًا جديدًا أكثر جاذبية، والذي يمكن أن يشمل ويمثل جميع النتائج التي كانت غير مريحة سابقًا. وتَنتج عن ذلك «أزمة» في الفروع العلمية ذات الصلة، وبالتالي ففي نهاية المطاف، كما حدث في فرنسا في العام ١٧٨٩م، وفي روسيا بعد ذلك بأكثر قليلًا من قرن من الزمان، تحدث ثورة، أو صراع بين النظامين القديم والجديد. إن مقارنة هذه الصراعات الأيديولوجية الواسعة بالجدل الأكاديمي قد تبدو غير معقولة، لكنها في الواقع ليست خاطئة كما تبدو. ضع في اعتبارك أن ما قام كون بوصفه كان يمثل طرقًا مختلفة تمامًا للنظر إلى الأشياء، والتي كانت جذرية بحيث أثرت في الطريقة التي نظر بها العلماء إلى العالم، وبالتالي كل الناس في نهاية المطاف، لأجيال قادمة.
Kuhn, T. S. [1977]. The essential tension: Selected studies in scientific tradition and change. Chicago: University of Chicago Press, p. 294.
١٨  العدد ١٦٨ من سلسلة «عالم المعرفة» ترجمه إلى العربية شوقي جلال. [المحررة]
١٩  Beattie-Moss, M. (February 4, 2008). Gut instincts: A profile of Nobel laureate Barry Marshall.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://news.psu.edu/story/140921/2008/02/04/research/gut-instincts-profile-nobel-laureate-barry-marshall
٢٠  تتمثل صعوبة الموقف في أننا لا نستطيع أن نتحدث حتى عن احتمالات وتأثيرات ثقافة الإنترنت في البشرية حتى تتوافر «أدلة علمية» قاطعة على أنها إمَّا «جيدة» وإمَّا «سيئة»، كما صاغها ببلاغة الدكتور إريك سيغمان، من الجمعية الملكية للطب: «يبدو لي عارًا رهيبًا أن يتطلب مجتمعنا صورًا لتقلص حجم الأدمغة من أجل أن يأخذ على محمل الجِد الافتراض المبني على الحس السليم بأن قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات ليس جيدًا لصحة أطفالنا.»
Harris, S. [July, 2011]. Too much Internet use “can damage teenagers’ brains”.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-2015196/Too-internet-use-damage-teenagers-brains.html
٢١  يُجرَى تحليل إحصائي لنتائج البحوث لتحديد ما إذا كان يُرجَّح أن تنطبق نتائج الدراسة على جميع أفراد الجمهرة السكانية التي تهم الباحثين، والذي يتجاوز حدود العينة التي حُصل عليها في الدراسة. عندما تكون نتائج الدراسة ذات دلالة إحصائية، فإن ذلك يعني أنه من غير المحتمل أن تكون النتائج غالبًا في شكل العَلاقة بين المتغيرات أو الفرق بين مجموعات المشاركين، ناتجة عن المصادفة. تكون الاستنتاجات المستخلصة من الأساليب الإحصائية حساسة لخصائص تصميم الدراسة، بما في ذلك اختيار المتغيرات وحجم العينة التي فُحصت. وعلى سبيل المثال، تنتج عن العينة الكبيرة قوة إحصائية عالية، مما يعني أنه قد يمكن اكتشاف اختلافات صغيرة نسبيًّا باعتبارها ذات دلالة إحصائية. يجب أن يستخدم الباحثون فهمهم للإحصاءات وموضوع الدراسة لتحديد أيٍّ من هذه النتائج تُعتبر مهمة في مقابل كونها زائفة. لا توجد قاعدة سحرية بشأن حجم العينة أو عدد المشاركين الذي يمكن اعتباره «كبيرًا بما فيه الكفاية»، إذ إن هذا الاختيار في التصميم التجريبي هو إجراء اعتباطي إلى حدٍّ ما. لا تقدِّم الإحصاءات إجابة، وبالتالي يجب على الباحثين الاختيار بناءً على فهمهم لمتغيرات الاهتمام وأحجام التأثير الذي يمكنهم توقعه. وبالإضافة إلى ذلك، فلا يمكن للتحليل الإحصائي تفسير سوء تصميم الدراسة، مثل كيفية اختيار المشاركين أو كيفية إجراء عملية جمع البيانات. وهذا يعني أنه إذا كانت الجوانب المتعلقة بتصميم الدراسة تنطوي على نوع من التحيز، فسيَزيد هذا من احتمال اكتشاف نتيجة مؤثرة. وبالإضافة إلى ذلك، فبوسع الباحثين أنفسهم التلاعب في التحليل الإحصائي، ومن ثَم التفسير اللاحق للنتائج، إذ إن النشر في مَجلةٍ ما كثيرًا ما يعتمد على التوصل إلى نتيجة ذات دلالة إحصائية. وعند الاقتضاء، سيعلق تغيُّر العقل على نتائج الدراسة المهمة التي قد تكون متحيزة بصورةٍ ما. وعلى أي حال، فإن تناول ذلك بالتفصيل المسهب يتجاوز نطاق هذا الكتاب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦