الفصل الرابع
ظاهرة متعددة الأوجه
إن تغيُّر المناخ، وَفقًا للفريق الحكومي الدولي
المعنِيِّ بتغيُّر المناخ، «قد يكون ناتجًا عن
عمليات طبيعية أو عوامل خارجية، أو نتيجة للتغيرات
المستمرة بفعل البشر في تكوين الغِلاف الجوي أو في
استخدام الأراضي.»
١ لا يمكن لأحد أن يُشكِّك في وجود
العديد من القضايا المكتنَفة هنا. وكذلك الحال مع
تغيُّر العقل، والذي أقترح أنه متعدد الأوجه
نسبيًّا، مما يطرح مجموعة من الأسئلة المختلفة
التي تحتاج إلى استكشافها بشكلٍ مستقل. وتندرج هذه
الأسئلة المختلفة تحت ثلاثة مجالات رئيسة، والتي
تستحق مراجعتها بإيجاز هنا: الشبكات الاجتماعية
وتأثيراتها في الهُوية والعَلاقات؛ وممارسة
الألعاب وتأثيراتها المتعلقة بالانتباه، والإدمان،
والعدوانية؛ ومحركات البحث وتأثيراتها في التعلم
والذاكرة.
ومن دون أي ترتيبٍ معين للأولوية، دعونا نبدأ
بالشبكات الاجتماعية. في برنامج إذاعي جرى بثُّه
مؤخَّرًا على شبكة الإذاعة البريطانية
BBC، ظهر
كايلان Kaylan،
وهو شاب يبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا قرر
الاستفادة من الفرصة التي أتاحها الفيسبوك
اعتبارًا من سبتمبر ٢٠١١م لإزالة جميع إعدادات
الخصوصية على صفحته بحيث يمكن لأي عددٍ من الأتباع
تتبُّع حياته اليومية المتوافرة في المجال العام.
وقد تباهى بأن لديه نحو مائة ألف متابع في وقت
البث. كما اعترف كايلان أيضًا بأنه لم يفعل شيئًا
على الإطلاق لكي يستحق تلك الشهرة. كانت مشاركاته
في كثير من الأحيان صورًا عادية لنفسه طوال اليوم
وهو يعيش «حياة مجنونة».
إذن، ما الشيء الجذاب للغاية بالنسبة إلى
متابعيه؟ حسنًا، كانت هناك مجموعة كاملة من
الأشخاص الذين يشبهونه، والذين يمكنهم الانخراط في
مجادلات بعضهم مع بعض. وبعد ذلك، يمكن أن ينقسم
المتابعون إلى أحد الجانبين أو الآخر. وكذلك فقد
حصَل كايلان على نصيبه العادل من «الكارهين». فبعد
كل شيءٍ، كما أضاف، «لا يمكنك أن تكون لطيفًا على
الفيسبوك.» ومن خلال التلفظ بأمور كريهةٍ مثل
«اقتل نفسك»، فمن الممكن لأولئك الكارهين حصدُ
أقصى قدر من الثناء و«الشهرة» لأنفسهم. وفي حين
أنه من الواضح كون كايلان بعيدًا كل البعد عن أن
يكون مستخدمًا عاديًّا للفيسبوك، فإنه هو وأتباعه
البالغ عددهم مائة ألف يُعَدون مثالًا على الجوانب
المتطرفة غير المسبوقة التي يمكن أخذ هذا الوسيط
الإعلامي إليها. إن أهميتك كما يكشفها نشاطك على
الشبكات الاجتماعية يمكن الآن حتى قياسها كَمِّيًّا.
٢
بَيد أن أغلبية مستخدمي الفيسبوك هم أقلُّ
دراماتيكيةً من ذلك بكثير. ومع ذلك، ففي استطلاع
أجراه مركز بيو للأبحاث، عمَدت الأغلبية الساحقة
من مستخدمي الشبكة الاجتماعية في الولايات المتحدة
ممن تتراوح أعمارهم بين ١٢ و١٩ عامًا إلى اختيار
صفات سلبية بدلًا من تلك الإيجابية لوصف الكيفية
التي يتصرف بها الناس على مواقع الشبكات
الاجتماعية، بما في ذلك ألفاظ مثل «وقح، مزيف، فج،
مفرط الدراماتيكية، غير محترم.»
٣ وعلى سبيل المثال، فقد علَّقت إحدى
طالبات المدارس المتوسطة قائلة: «أعتقد أن الناس
يصبحون، عندما يدخلون إلى الفيسبوك، متحجري
الفؤاد، وأشياء من هذا القبيل … إنهم يتصرفون
بطريقةٍ مختلفة في المدرسة وما شابهها، ولكن عندما
يدخلون إلى عالم الإنترنت فسيبدون كأنهم أشخاص
مختلفون تمامًا، إذ يمكنك هناك الحصول على كثير من
الثقة.» وقالت فتاة أخرى: «هذا ما يفعله كثيرٌ من
الناس. إنهم لن يقولوا ذلك في وجهك، لكنهم
سيكتبونه على الإنترنت.»
وأشار تحليل تَلَوي حديث لبيانات جرى جمعها على
مدى ثلاثين عامًا من أربعة عشر ألفًا من طلاب
الجامعات الأمريكية إلى أن المستويات الإجمالية
للتعاطف ربما تعرضت للتراجع، مع انخفاض حادٍّ على
وجه الخصوص خلال السنوات العشر الأخيرة، وهو إطارٌ
زمنيٌّ يتوافق بشكل جيد مع ظهور الشبكات
الاجتماعية بين المواطنين الرقميين.
٤ وبطبيعة الحال، فإن الارتباط
(
correlation)
لا يمثل عَلاقة سببية، لكن هذا ليس سوى نوع من
التوافق الوثيق الذي ينبغي أن يمثل نقطة انطلاق
لتحديد مدى احتمال وجود عَلاقة سببية مباشرة بين
الزمن الذي يُقضى أمام الشاشة وانخفاض التعاطف.
علينا أيضًا أن نتساءل عن سبب كون من يعانون
بالفعل مشكلات في التعاطف، مثل الأفراد الذين
يعانون اضطراب الطيف التوحدي، يشعرون بالارتياح
بصفةٍ خاصة في عالم الفضاء الإلكتروني. وبصورة
أكثر عمومية، هل يمكن لهذا النوع الجميل والمحدود
من التفاعل أن يفسِّر السهولة التي صار بها
التنمر، الذي كان دائمًا جزءًا مظلمًا من الطبيعة
البشرية، يجد الآن سبلًا غير مقيدة للتعبير عنه في
عالم الفضاء الإلكتروني؟ وبعد كل شيء، إذا لم تكن
قد تدربت على المهارات الأساسية للتواصل غير
اللفظي مثل التواصل بالعينين، وتعديل نبرة الصوت،
وإدراك لغة الجسد، والاتصال الجسدي، فلن تكون
متمكنًا منها على نحو خاص، وبالتالي ستزداد صعوبة
أن تتعاطف مع الآخرين.
هناك أكثر من مليار شخص في جميع أنحاء العالم
يستخدمون الفيسبوك للبقاء على اتصال مع الأصدقاء
ومشاركة الصور ومقاطع الفيديو، وإضافة تحديثات
منتظمة عن تحركاتهم وأفكارهم.
٥ هناك تقدير آخر هو ١٢ في المائة من
سكان العالم بأكمله، حيث سجَّل في الموقع ٥٠ في
المائة من سكان أمريكا الشمالية و٣٨ في المائة من
سكان الجزء المقابل لها من العالم (الأستراليين)،
و٢٩ في المائة من الأوروبيين، و٢٨ في المائة من
سكان أميركا اللاتينية.
٦ (تستند هذه الأرقام إلى إجمالي عدد
السكان؛ فإذا استثنينا الأطفال الحديثي الولادة،
والشديدي العجز، وغيرهم ممن لا يمتلكون الحواسيب،
فإن عدد مستخدمي الفيسبوك كنسبةٍ من السكان الذين
يستخدمون الحاسوب سيكون على الأرجح أعلى من ذلك
بكثير). وثمة مئتا مليون آخرون يستخدمون بنشاطٍ
موقع تويتر، وهي خدمة «المدونات الصغيرة» التي
تسمح للمستخدمين بنشر الرسائل القصيرة عن أنفسهم،
ونشر الصور، ومتابعة تيارات وعي الآخرين أو
روتينهم اليومي.
٧
وفي الوقت الحاضر، يجري تمثيل جميع الأجيال على
تلك المواقع، حيث يمكن لمن تخطَّوا سن الثمانين أن
يظلوا على اتصال مع أحفادهم الذين يعيشون بعيدًا،
لكن المواطنين الرقميين هم أكثر المستخدمين نشاطًا
هناك. في المملكة المتحدة، نجد أن ٦٤ في المائة من
مستخدمي الإنترنت البالغين سن السادسة عشرة فأكثر
من مستخدمي مواقع الشبكات الاجتماعية، في حين أن
٩٢ في المائة ممن تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة
والرابعة والعشرين، والذين يستخدمون الإنترنت، قد
سجَّلوا لمحة عن أنفسهم على أحد موقع التواصل الاجتماعي.
٨ وفي الولايات المتحدة، فإن ٨٠ في
المائة من المراهقين الذين يستخدمون الإنترنت
وتتراوح أعمارهم بين ١٢ و١٧ عامًا يستخدمون مواقع
الشبكات الاجتماعية، غالبًا الفيسبوك وماي سبيس
MySpace.
٩ يمتلك المستخدمون في الولايات المتحدة
في المتوسط ٢٦٢ صديقًا،
١٠ وهو رقم أعلى من المتوسط العالمي
البالغ نحو ١٤٠ صديقًا.
١١
وفي المتوسط، يكون لدى مستخدمي الفيسبوك
البالغين من العمر ما بين اثنتي عشرة إلى أربعة
وعشرين سنة أكثرُ من خمسمائة من أصدقاء الفيسبوك.
١٢ يكون ما يقرب من ٢٢ في المائة منهم من
المدرسة الثانوية، و١٢ في المائة من أفراد الأسرة
المباشرة، و١٠ في المائة من زملاء العمل، و٩ في
المائة من زملاء الكلية، في حين أن ١٠ في المائة
من الأصدقاء لم يجْرِ الالتقاء بهم شخصيًّا على
الإطلاق أو جرى الاجتماع بهم لمرة واحدة فقط.
١٣
وفي اليوم المتوسط، يقوم ٢٦ في المائة من
مستخدمي الفيسبوك «بالإعجاب» بحالة
(
status) أحد
الأصدقاء، و٢٢ في المائة بالتعليق على حالة أحد
الأصدقاء، في حين لا يعمل سوى ١٥ في المائة على
تحديث حالتهم الخاصة.
١٤ وبالتالي فإن عددًا أكبر من الناس
يقضون وقتًا في التفاعل مع محتوى المستخدمين
الآخرين بدلًا من نشر محتوًى خاصٍّ بهم. ويشير كل
ذلك إلى حقيقةٍ واضحةٍ تمام الوضوح: لقد صارت
الشبكات الاجتماعية عاملًا أساسيًّا في ثقافة
الجميع باستثناء المناطق الأشد فقرًا والأكثر
حرمانًا في العالم، أو أكثرها تعرضًا للقمع
الفكري. وبالتالي فإن السؤال الحاسم هو، بكل
بساطةٍ، ما الشيء المميز بشأن الشبكات الاجتماعية؟
ما هي الحاجة الأساسية التي تلبيها هذه الثقافة
الجديدة بطريقة تبدو كأن لم يسبق لها مثيل ولكنها
فعَّالة؟ إذا أردنا فهم وإدراك تغيُّر العقل
الحادث في منتصف القرن الحادي والعشرين، يمثل هذا
واحدًا من أهم الأسئلة التي ينبغي طرحها.
تبدو فوائد الشبكات الاجتماعية غير قابلة
للمناقشة: التسويق المباشر للمستهلك، ومواقع
المواعدة، وبناء الوظيفة، والتواصل مع الأصدقاء
القدامى. كثيرًا ما يُستشهد ﺑ «التواصل» بحماس
يفترض تلقائيًّا أن ذلك السيناريو مرغوب فيه، لكن
ما يقلقني هو ما إذا كان لهذا التواصل الذي لا
ينقطع تقريبًا عبر الشاشة سلبيات أيضًا. وكما هي
الحال دائمًا، هناك المسألة الرئيسة المتمثلة في
أن تكون «متعقلًا»: ففي حين يمكن لمواقع الشبكات
الاجتماعية أن توفر متعة غير ضارة وتكمِّل
الصداقات الحقيقية إذا جرى استخدامها باعتدال،
فإذا جرى استخدامها بشكلٍ مفرط أو بصورة مستبعِدة
للعَلاقات الحقيقية، فربما تؤثر بطريقة أساسية
للغاية وغير متوقعة في الطريقة التي تنظر بها إلى
أصدقائك، وإلى الصداقة، وفي نهاية المطاف إلى
نفسك.
إذا صرت متعلقًا بالحاضر على نحو متزايدٍ،
وبالتالي تكرِّس كل وقتك لمتطلبات العالم الخارجي،
فقد يكون من الصعب الحفاظ على شعور قويٍّ بالهُوية
الداخلية. ولعل الوصول المستمر إلى مواقع الشبكات
الاجتماعية سيعني عيش حياة سيؤدي فيها التشويق
المحض إلى نشر وتلقِّي المعلومات إلى نسخ التجرِبة
المستمرة نفسها تمامًا، وهي حياة يؤدي فيها إثبات
الوجود في مطعمٍ ما، أو نشر صور وجبة بعينها،
والتوق إلى «الإعجاب» و«التعليقات» إلى توليد قدرٍ
من الإثارة أكبر من مناسبة تناول الطعام في الخارج
نفسها. إن الابتهاج اللحظي الذي تستشعره سيتحول من
كونه ناجمًا عن تجرِبة حياتية مباشرة إلى تلك
التجرِبة غير المباشرة المتأخرة قليلًا، والمتمثلة
في التفاعل المستمر وموافقة كل من عداك. إذا كنا
في طريقنا إلى العيش في عالم تقلُّ فيه ممارسة
التفاعل وجهًا لوجه، ويكون بالتالي غير مريح، فإن
«الدفع» الذي يفرضه مثل هذا النفور إلى حياة
واقعيةٍ مضطربة، وتواصل ثلاثي الأبعاد، جنبًا إلى
جنب مع «الجذب» الذي تفرضه جاذبية امتلاك هُوية
أكثر جماعية من التطمين والموافقة الخارجية، قد
تعمل على تحويل طبيعة العَلاقات الشخصية. إن
السرعة العالية اللازمة للاستجابة وتناقص الوقت
المتاح للتأمل قد يعنيان أن تلك التفاعلات
والتقييمات نفسها تُصبح سطحية على نحو متزايد:
يستخدم الناس بالفعل عبارات مثل «اقتل نفسك»
و«كاره» على الفيسبوك ضمن سياق ينقل عمقًا أقل
بكثير من الشعور الحقيقي وتاريخ الخلفية الفردية
مما كانت تعنيه ضمنًا هذه المصطلحات في
السابق.
يبدو أن الخصوصية تُصبح سلعة أقل قيمة: من بين
الشبان الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين ١٣
و١٧ سنة، قدَّم أكثر من النصف معلومات شخصية لشخص
لا يعرفونه، بما في ذلك الصور والأوصاف الجسدية.
١٥ وفي الوقت نفسه، ينشر المواطنون
الرقميون المعلومات الشخصية على صفحاتهم على
الفيسبوك، والتي عادة ما تجري مشاركتها مع أكثر من
خمسمائة «صديق» في كل مرة، وهم يدركون تمامًا أن
كلًّا من هؤلاء الأصدقاء يمكنه أن يقوم لاحقًا
بنقل تلك المعلومات إلى مئات آخرين ضمن شبكاتهم
الخاصة.
لقد صار من الأكثر أهميةً أن تُثير الانتباه، أي
أن تكون «مشهورًا». بَيد أن ثمن هذه الشهرة، كما
كانت الحال دائمًا — مثلما جسَّدته النجمة
السينمائية التي اشتهرت في منتصف القرن العشرين،
غريتا غاربو، على نحو مشهور في مناشداتها المتكررة
«أودُّ أن أكون بمفردي» — هو فقدان الخصوصية. فما
السبب، إذن، في أن الخصوصية التي كنا نعتزُّ بها
سابقًا يُنظر إليها الآن بتجاهل لا مبالٍ بصورة
متزايدة؟ حتى الآن، ظلت الخصوصية تمثل الجانب
الآخر لعملة هُويتنا. لقد كنا ننظر إلى أنفسنا
باعتبارنا كِيانات فردية، تتواصل مع العالم
الخارجي، ولكنها منفصلة عنه. نحن نتفاعل مع هذا
العالم الخارجي، ولكن فقط بتلك الطرق وفي الأوقات
التي نختارها. لدينا أسرارٌ، وذكريات، وآمال لا
يمتلك أحدٌ حق الوصول التلقائي إليها. وهذه الحياة
السرية هي هُويتنا المتميزة عن تلك المهنية
والأكثر حميمية من الحياة الخاصة للصداقات الفردية
التي نحدد فيها على نحو متباين نوعَ وكمَّ ما
نُسِرُّ به إلى الآخرين. إنها نوعٌ من السرد
الداخلي الذي ظل يزود كل فرد، حتى الآن، بطريقته
الخاصة للربط بين الماضي والحاضر والمستقبل. ثمة
تعليق ذاتي مستمر وداخلي يمزج بين ذكريات الماضي
وآمال المستقبل وبين الأحداث العرضية التي تقع في
كل يوم. أما الآن، وللمرة الأولى، فيتم فتح هذا
الخط القصصي السري على العالم الخارجي، على جمهور
خارجيٍّ قد يكون متقلبًا على نحو لا مبال وذا ردود
أفعال متسرعة في إصدار الأحكام. وبالتالي فإن
الهُوية المعينة لم تعد نفس الخبرة الداخلية
الذاتية التي كانت عليها، لكنها تتشكل من الخارج،
وبالتالي صارت أقل قوة وأكثر تقلبًا بكثير، كما
سبق أن أشرت إليه في تقرير وجَّهتُه مؤخَّرًا إلى
الحكومة البريطانية حول «الهُويات المستقبلية.»
١٦
ويتمثل حجر الزاوية الثاني لنمط الحياة الرقمية
في ممارسة الألعاب
gaming. في
منتصف ثمانينيات القرن العشرين، كان الأطفال يقضون
نحو أربع ساعات أسبوعيًّا، في المتوسط، في ممارسة
ألعاب الفيديو في المنزل وفي ماكينات الألعاب.
١٧ لكننا إذا انتقلنا بسرعة إلى الأمام
لمدة عَقد واحد من الزمان أو نحوه، فسنجد أن ألعاب
الفيديو قد صارت جزءًا لا يتجزأ من مشهد الحياة في
المنزل وما وراءه.
١٨
أفادت دراسة نُشرت في العام ٢٠١٢م عن المراهقين
في الولايات المتحدة بأن الأولاد الذين تتراوح
أعمارهم بين العاشرة والثالثة عشرة كانوا يلعبون،
في المتوسط، فترة مذهلة بلغت ثلاثًا وأربعين ساعة
أسبوعيًّا (على الرغم من أن عدد المشاركين،
باعتراف الجميع، كان صغيرًا نسبيًّا، فقد بلغ ١٨٤).
١٩ ولكن حتى التقديرات المتحفظة (التي
تعود إلى العام ٢٠٠٩م) تُشير إلى أن الطفل
الأمريكي العادي الذي يتراوح عمره بين الثامنة
والثامنة عشرة يقضي ثلاثًا وسبعين دقيقة يوميًّا
في أنشطة ترفيهية مرتكزة إلى شاشة واحدة، وهو ما
يمثل زيادة عن المدة البالغة ثلاثًا وعشرين دقيقة
في العام ١٩٩٩م.
٢٠ وهذا يعني قضاء ساعة يوميًّا على
الأقل من دون تفاعل مع العالم الحقيقي، وعلى وجه
الخصوص من دون دراسة. وفي مسح أُجري على شبان
أمريكيين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والتاسعة
عشرة، قضى اللاعبون وقتًا أقل بنسبة ٣٠ في المائة
في القراءة ووقتًا أقل بنسبة ٣٤ في المائة في حل
واجباتهم المنزلية.
٢١ من المؤكد أنه يصعب فصل الدجاج عن
البيض: من المرجح أن يقضي الأطفال ذوو الأداء
السيئ في المدرسة قدرًا أكبر من الوقت في ممارسة
الألعاب، الأمر الذي قد يمنحهم شعورًا بالإتقان
يفوتهم في الفصول الدراسية. نحن في حاجة إلى أن
نتجاوز الارتباط بسببٍ ما، ولكن ما لا يمكننا فعله
هو تجاهل القضية تمامًا.
تفتح ألعاب الفيديو أرضيةً خِصبة للجدل. فمن
ناحية، هناك إيجابيات واضحة، وسنستكشفها بالتفصيل
لاحقًا، مثل تحسُّن التنسيق الحسي-الحركي والتعلم
الإدراكي. ومن ناحية أخرى، يمكن استخدام قصص
مختلفة وعديدة من جميع أنحاء العالم لرسم صورةٍ
مروِّعة لنمط الحياة المعاصرة المتمثل في الإفراط
في الاستمتاع غير المقيد لممارسة ألعاب الفيديو.
على سبيل المثال، عُثر في تايوان في فبراير ٢٠١٢م
على شاب يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا ميتًا
في مقهى للإنترنت بعد ثلاث وعشرين ساعة من اللعب المتواصل.
٢٢ وقد تُوُفِّيَ شاب آخر في تايوان، في
سن الثامنة عشرة، في يوليو ٢٠١٢م بعد أربعين ساعة
من اللعب المتواصل.
٢٣ كما صدر تقرير عن أبوين أهملا طفلهما
الحقيقي، الذي تُوُفِّيَ في وقتٍ لاحق، من أجل
تربية طفل افتراضي عبر الإنترنت.
٢٤ وفي ديسمبر ٢٠١٠م، تلقَّى رجل في شمال
إنجلترا حكمًا بالسجن مدى الحياة بعد أن قتل طفلًا
دارجًا إثر خَسارته مباشرة في إحدى ألعاب الفيديو العنيفة.
٢٥ وبعد ذلك، كانت هناك حالة لاعبٍ طارَد
خَصمه الافتراضي في واقع الحياة وطعنه انتقامًا
لتعرضه للطعن في اللُّعبة.
٢٦ وهذا فضلًا عن قائمة المنتحرين من
اللاعبين الرفيعي المستوى.
قد يتمثل الدفاع الفوري لمحبي الألعاب فيما
يلي:
-
(١)
كل هذا هو محض إشاعات مغرضة وليس من
المرجح أن يكون صحيحًا.
-
(٢)
من غير المرجح أن يمثل ذلك القصة
كلها، مع وجود عوامل أخرى أكثر أهمية
بالفعل يمكن إلقاء اللوم عليها أو
استخدامها لتخفيف حدة الظروف.
-
(٣)
هذه الأمثلة، على الرغم من أنها قد
تكون رهيبةً، هي حالاتٌ معزولةٌ تتسم
في الواقع بأنها نادرة للغاية.
ليست كل هذه الاحتمالات متعارضة، وقد تكون كذلك
بالفعل، لكن ينبغي أن تمثل استنتاجات نهائية، وليس
فرضيات مبدئية. وعلاوة على ذلك، حتى لو كانت مثل
هذه القصص مبالغًا فيها وغير مألوفة، فقد تكون لا
تزال لها أهمية كصور ساخرة لبعض الاتجاهات السائدة
التي تنبثق حاليًّا عن المجتمع، وإن كان ذلك في
شكل أخف بكثير: حالة من الإدمان، والعدوان،
والاندفاع، والتهور.
يَدْلِف اللاعبون المعاصرون إلى عالم غنيٍّ
بصريًّا، حيث يمكنهم انتحال شخصية تختلف عنهم
تمامًا، أو، في بعض الألعاب، يخلقون أي نوع يرغبون
من الشخصيات (الأفاتار). وهم يتنقلون عبر هذه
الكائنات الخيالية من خلال مواقف تنطوي على
اختيارات أخلاقية، أو على عنف أو عدوان، ولعب
الأدوار، في ظل وجود أنظمة معقدة للمكافأة في صُلب
الألعاب، والتي توفر حافزًا للاستمرار في العيش في
الخيال. وقد ينغمس بعض الأفراد لدرجة أنهم يفقدون
الصلة بالعالم الحقيقي، وبالزمن؛ فقد أشاروا إلى
أنهم يتحولون إلى الأفاتارات الخاصة بهم عند
قيامهم بتحميل اللعبة. وبدلًا من ذلك، قد يطوِّر
اللاعبون ارتباطًا عاطفيًّا بشخصياتهم. فكيف، إذن،
تؤثر فينا بالفعل هذه الألعاب الشديدة التحفيز،
والعنيفة في كثير من الأحيان، والتي تمتلك خصائص
إدمانية محتملة؟
من الممكن لتعزيز العدوان أن يكون واحدة من
النتائج. تكشف الدراسات التجريبية أن ألعاب
الفيديو العنيفة تؤدي إلى زيادات في السلوك
العدواني والتفكير العدواني المترافق مع تدهور
السلوك الاجتماعي الإيجابي.
٢٧ يبدو أن العدوان الذي تحرض عليه ألعاب
الفيديو ينتج مباشرة ليس فقط عن طريق الاستفزاز
المباشر، ولكن أيضًا عن الاستعدادات البيولوجية
والتأثيرات البيئية الأقل مباشرة، مع قيام الفرد
تدريجيًّا بتكوين رأيٍ سائد أكثر عدائية. وعلى
الرغم من عدم ثبوت كون الألعاب العنيفة سببًا
مباشرًا للسلوك العنيف جنائيًّا، فهناك أدلةٌ قوية
على أن ممارستها قد تَزيد ذلك النوع من العدائية
المنخفضة الشدة التي تحدث يوميًّا في المدارس أو
المكاتب.
قد يكون الأمر أيضًا أن ألعاب الفيديو تؤدي إلى
التهور المفرط. وفي دراسة أُجريت مؤخَّرًا
باستخدام التصوير الدماغي، تمثلت النتيجة الرئيسة
في تضخم منطقة معينة من الدماغ (النواة المتكئة
nucleus
accumbens)، والذي يُرى عادة
في أدمغة المقامرين القهريين.
٢٨ والأكثر إثارة للاهتمام من ذلك كله هو
أن هذه المنطقة بعينها من الدماغ تُفرز الدوبامين
dopamine، وهو
مرسال كيميائي رئيس يزداد إفرازه بفعل جميع
العقاقير الإدمانية ذات التأثير العقلي. بَيد أن
هذه التشابهات الكيميائية بين أدمغة اللاعبين
وأدمغة المقامرين لا تُثبت أن ممارسة الألعاب تسبب
الإدمان من الناحية التقنية، لكن كليهما قد
يتشاركان بالفعل خاصيةً أخرى: التهور. فبعد كل
شيء، إنه لدرس خطيرٌ أن تعلم أن الموت لا يدوم سوى
حتى الجولة التالية، مما قد يُشير إلى أن الأفعال
التي تقع في العالم الحقيقي ليست لها عواقب
حقيقية.
ومرة أخرى، سيكون العامل الحاسم هو ما إذا كان
الفرد سيظل، على حسب تعبير الوزير في مناقشتنا في
مجلس اللوردات في العام ٢٠١١م، «حصيفًا ومتناسبًا»
بشأن ممارسة الألعاب. يُشبه الأمر قليلًا تناول
الشوكولاتة: فالمكافأة العرضية ضمن نظام غذائي
متوازن تكون غير ضارة، بل وممتعة نسبيًّا، في حين
أن نظامًا غذائيًّا من التناول اليومي المتواصل
للشوكولاتة حصريًّا ستكون له عواقب وخيمة. ليست
المشكلة في أولئك الذين قد يمارسون الألعاب في بعض
الأحيان كهواية ضمن مجموعة من الاهتمامات والأنشطة
الأخرى التي تحصل في العالم الحقيقي، بل في عدد
اللاعبين التَّكراريين الذين تنتهي بهم الحال،
قياسًا على مقدار الوقت الذي يقضونه في اللعب
واستبعاد كل شيء آخر، إلى الوسوسة أو
الإدمان.
وأخيرًا، فبالإضافة إلى الشبكات الاجتماعية
والألعاب، هناك جانب ثالث من تغيُّر العقل: تصفح
الإنترنت، خصوصًا باستخدام محركات البحث. إذا كنت
لا تستخدم التقنيات الرقمية بشكل تفاعليٍّ
للانخراط في عَلاقة ما أو لممارسة إحدى الألعاب،
فلا تزال الشاشة تمتلك جاذبية مُسْكرة، وذلك
ببساطةٍ بسبب ما يمكنها أن تُخبرك به وأن تُريك
إياه، بل وأن تُعلِّمك، كما قد يذهب البعض إلى
حدِّ القول به. إنه أمرٌ لا يُصدَّق تقريبًا أن
هذا المِرفق الضروري قد ظهر قبل أقل من عشرين
عامًا، أي في العام ١٩٩٤م، عندما أُنشئ ياهو
Yahoo! من
قِبل طالبَي جامعة ستانفورد جيري وانغ وديفيد فيلو
في مقطورة في الحرم الجامعي، والذي كان في الأصل
عبارةً عن قائمةٍ مرجعية للإنترنت ودليلٍ للمواقع
المثيرة للاهتمام. وبعد ذلك، في العام ١٩٩٦م، عمَد
سيرجي برين ولاري بيج، وهما طالبان في جامعة
ستانفورد، إلى اختبار باكراب
Backrub، وهو
محرك بحث جديد يُصنف المواقع وَفقًا لأهميتها
ورواجها. كان مقدرًا لباكراب أن يصبح غوغل
Google، الذي
يمتلك حاليًّا نحو ٨٠ في المائة من حصة السوق
العالمية في البحث، في حين تبلغ النسبة المئوية
لأقرب منافسيه رقمًا من خانة واحدة.
٢٩ لقد أصبح اسم العلامة التجارية فعلًا:
فالجميع تقريبًا «يستخدمون محرك البحث غوغل».
٣٠
وفي بعض الأحيان، ومن غير سبب واضحٍ، فإن
الأنشطة التي تبدو من دون مغزًى، مثل تصنُّع وجه
مضحك، أو «التخشُّب»
planking أو
أداء رقصة قصيرة، مثل هارلم شيك، تجتذب حشودًا من
المشاهدين. ولديَّ تجرِبتي الخاصة المباشرة حول
مدى القوة التي قد تصل إليها هذه الظواهر الفائقة
الانتشار. في أبريل ٢٠١٠م، أجرت معي أليس طومسون
من «يو كي تايمز» مقابلة عن تأثير التكنولوجيا
الرقمية في الكيفية التي نشعر ونفكر بها. وقد
تدرَّجنا في الحديث حتى وصلنا إلى مناقشة كيف أن
التكنولوجيا السريعة الوتيرة قد تفرض وجهات نظر
وردود فعلٍ سريعة على نحو متناسب. وفي محاولة
لتزويدها بملخص وافٍ، طرحتُ احتمال اختزال البشر
إلى ردود فعل غريزية بسيطة، سلبية أو إيجابية، مثل
«يك» أو «واو»،
٣١ لما يُومض على الشاشة. ولأنني أميل
إلى الحديث بسرعة، أخطأَتْ أليس في سماعي وكتبَتْ
ما قلته على أنه «ياكا-واو». قد يكون هذا مسلِّيًا
بما يكفي في حد ذاته، لكن المغزى هو أنه بعد مرور
أربع وعشرين ساعة فقط، كان بوسع المرء أن يجد خمسة
وسبعين ألف نتيجة للبحث عن هذا المصطلح على موقع
غوغل. وعلاوة على ذلك، أقدَمَ شخصٌ ما على شراء
اسم الموقع، وسرعان ما أذهلتني رؤيةُ أكواب
وقُمصان عليها مصطلح «ياكا-واو». وعلى أحد
المواقع، كانت الكنيسة الأولى للياكا-واو ترحب
«بالشعب المرح في عالم من دون عواقب». انتشر
المصطلح كالنار في الهشيم ضمن إطار زمنيٍّ لم يكن
متخيَّلًا قبل عَقد واحد فقط من الزمان أو
نحوه.
إذن، ما إمكانيات التكنولوجيات الرقمية لمساعدة
الجميع، في أي عمر، على معرفة الأشياء، بأوسع
معاني الكلمة؟ من المفترض أنه عندما يتصفح الناس
الإنترنت فهم يُغذُّون محرك البحث بمصطلحات أو
أسماء محددة، إن لم يكن أسئلة رسمية، ومن ثَم
يتلقون المعلومات ذات الصلة ردًّا على ذلك. إنهم
«يتعلمون». يعرِّف القاموسُ التعلُّمَ على أنه
«فعل أو عملية اكتساب المعرفة أو المهارات.» قد
تعزز التكنولوجيا الرقمية الحاليَّة هذه المواهب
البشرية القديمة والفائقة، أو ربما قد تعرِّضها
للخطر، لكننا في حاجة إلى فكِّ مختلِف القضايا ذات
الصلة. إن جاذبية تجرِبة تصفح الإنترنت،
والاختلافات بين السيليكون والورق، والقيمة
التعليمية للتقنيات الرقمية، وقبل كل شيء، الوصول
إلى كَمية شبه لا نهائية من المعلومات، تعمل
جميعُها كعوامل مختلفة وغير مسبوقة لصياغة عمليات
التفكير لدينا.
تُعدُّ محركات البحث الآن جزءًا من حياتنا، وهي
بالنسبة إلى الكثيرين المحطةُ الأولى الفورية
والواضحة للتعرف على حقيقةٍ ما أو لمعرفة المزيد
حول موضوع بعينه. وبالتالي فإن الشاشات يمكنها
تشكيل مهاراتنا المعرفية بطريقة جديدة كليًّا. من
المؤكد أن واحدة من أهم القضايا التي ينبغي
استكشافها هي ما إذا كان أفراد الجيل المقبل قد
يتعلمون بطريقة مختلفة تمامًا، بالمقارنة مع
أسلافهم الذين استخدموا الكتب. إن الفرق الأكثر
وضوحًا هنا هو فرق لمسي
tactile؛ فنحن
نتعامل مع الورقة بصورة تختلف كثيرًا عما نفعل مع
الشاشات. وباعتبار أن الأمر كذلك، فكيف يمكن
لملذات القراءة على الشاشة أن تجاري مثيلاتها
الخاصةَ بالورق؟ إن تقليب الصفحات ذَهابًا
وإيابًا، وإبرازَ جُمل بعينها، والخربشةَ في
الهامش قد تكون جميعُها خصائصَ إيجابية تساهم في
استيعاب ما تقرأ، وبالتالي فإن إمكانية التفاعل
الشخصي مع الكتاب الورقي قد تكون أكبر مما يحدث مع
الشاشة.
عمَدت آن مانغن
Mangen من
جامعة أوسلو إلى استكشاف أهمية لمس الورق بالفعل
من خلال مقارنة أداء قراء المطبوعات الورقية
مقارنة بقراء الشاشات. وقد أشار بحثها إلى أن
القراءة على شاشة الحاسوب تتطلب استراتيجيات
مختلفة، والتي تشمل كل شيء من التصفح إلى الاكتشاف
البسيط للكلمات، والتي تؤدي معًا إلى فهمٍ أسوأ
لما نقرؤه، على النقيض من قراءة النصوص نفسها على الورق.
٣٢ وعلاوة على ذلك، وبصرف النظر عن
الخصائص المادية للصفحة المطبوعة مقارنة بتلك
الرقمية، يمكن للشاشة أن تحظى بميزةٍ إضافيةٍ لا
يمكن للكتاب المطبوع امتلاكها أبدًا: النص التشعبي
hypertext.
قبل كل شيء، فارتباط النص التشعبي ليس ارتباطًا
صنعتَه بنفسك، كما أنه لن يحظى بالضرورة بمكان في
إطارك المفاهيمي الفريد. وبالتالي فلن يساعدك
بالضرورة على فهم واستيعاب ما تقرأ، بل إنه حتى قد
يُشتت انتباهك.
لكن المغزى الكامل للشاشات ليس مجرد أنها يمكن
أن تعمل بمنزلة كتب بديلة. ثمة قضية أكثر عمقًا،
وهي كيف يمكن للحواسيب الشخصية، والحواسيب
اللوحية، وأجهزة القراءة الإلكترونية أن توفر
المعلومات بطريقة مختلفة تمامًا، وغير لفظية،
وبالتالي ربما تغيِّر الطريقة التي نفكر بها
بالفعل. إذا وصلت المُدخَلات إلى الدماغ كصور
ورسوم بدلًا من الكلمات، فهل يُحتمل أن يؤدي ذلك،
افتراضيًّا، إلى تهيئة المتلقي لرؤية الأشياء
بصورةٍ أدبيةٍ أكثر وليس بطريقة مجردة؟
هذه، إذن، هي التقنيات الأكثر غزوًا والأوسع
انتشارًا، والتي تمتلك القدرة على تغيير ليس فقط
ما نفكر فيه، ولكن طريقة تفكيرنا أيضًا. ومع ذلك،
ينطوي تغيُّر العقل على أكثر من مجرد أدوات
مبتكرة. فالعقل الذي يجب تغييره لا يقل أهمية. إن
النمو والاتصالات بين خلايا الدماغ التي نولد بها
هي ما يحولنا إلى الكائنات الفريدة التي نحن
عليها، مع أدمغة قادرة على التفكير الفردي
والأصيل. هناك العديد من المواهب التي نفتقر إليها
كنوعٍ: نحن لا نعدو بسرعة عالية على وجه الخصوص أو
نرى بشكل جيدٍ على نحو متميز، كما أننا لسنا
أقوياء بشكل خاص بالمقارنة مع الأعضاء الآخرين في
المملكة الحيوانية، لكن أدمغتنا تمتلك الموهبة
الفائقة للتكيف مع أي بيئةٍ نوضع فيها، وهي عملية
تعرف باسم اللُّدونة
plasticity.
ونحن نشقُّ طريقنا الشخصي والتمييزي عبر دروب
الحياة، نقوم بتطوير منظورنا الخاص كنتيجة لهذه
الاتصالات الشخصية في أدمغتنا. إن هذا النمط
الفريد من الترابطية هو ما أودُّ الإشارة إلى أنه
ما يرقى إلى أن يكون عقلًا فرديًّا. وبالتالي، فمن
أجل أن ندرك تأثير هذه التقنيات العالمية، التي لم
يسبق لها مثيل، والمثيرة للجدل، والمتعددة الأوجه،
على العقل البشري في القرن الحادي والعشرين،
سنحتاج لاحقًا إلى النظر عبر منظور العلوم
العصبية.