الفصل الخامس

كيف يعمل الدماغ

كيف يمكن لتجرِبةٍ ما، سواء كانت مرتكزةً على الشاشة أو غير ذلك، أن تترك حرفيًّا بصماتها على دماغٍ لَدْن؟ إذا أردنا، نحن علماءَ الأعصاب، أن نساهم بأي شيءٍ مهم على الإطلاق في تقدير تأثيرات نمط الحياة الرقمية في عملياتنا الذهنية، فسيكون ذلك بالإشارة إلى الآليات العصبية المادية الفعلية قيد العمل. ينبغي أن نتمكن من إثبات وجود عَلاقةٍ سببية بين التعرض لبعض البيئات والتجارِب، والأفكار والسلوكيات الناجمة عنها. ومن خلال فهم أكبر قدر ممكنٍ من المعلومات عن كيفية عمل الدماغ، سنتمكن من الحصول على صورة أكثر دقة بكثير عن كيف وإلى أي مدى يمكن لتقنيات الشاشة أن تكون محوِّلة transformational.

تمثَّل التحدي الأكبر لعلم الأعصاب دائمًا في تحقيق قفزةٍ فكرية بين نُدْفة من أنسجة الدماغ والفكر والعاطفة، فحتى الحُلْم، في كلٍّ من معنيَي هذه الكلمة: الظاهرة الحرفية لذلك العالم الداخلي الغريب الذي يتكشف أثناء النوم، فضلًا عن الاستعارة المستخدمة في تخطيط نتائج رائعة لحياتنا. إنها رحلة سنحتاج إلى القيام بها في ثلاث خطوات: أولًا، التعرف على كيفية عمل الدماغ نفسه؛ ثانيًا، اكتشاف الكيفية التي يتغير بها طَوال الحياة؛ ثالثًا، النظر إلى الكيفية التي يمكن بها لهذه التغيرات في الدماغ أن ترقى إلى «العقل». ومع ذلك، فمن غير الواضح حتى من أين نبدأ.

«فكيف يعمل الدماغ إذن؟» هذا هو السؤال الذي طرحَتْه بإلحاحٍ الفتاة الواقفة أمامي، التي ربما كان عمرها نحو أحد عشر عامًا. من المؤكد أنه لمجرد أن الوقت قد نفد منِّي خلال حديثي الذي استمر ساعة واحدة إلى مجموعتها من تلاميذ المدارس، كنت قد أغفلت الإجابة عن هذا السؤال النهائي التافه. لقد نظرنا إلى الدماغ من جميع الزوايا من خلال تفكيك نَموذج من البلاستيك، وقد أخبرت جمهوري من الصغار عن الوقت الذي كنت فيه طالبةً بدوري وحملت دماغًا بشريًّا حقيقيًّا في يدي. ولأن أنسجة الدماغ لا تشبه مطلقًا ذلك النموذج البلاستيكي الصُّلب ذا اللون الوردي المشرق، بل تتسم باللون الأبيض القِشدي، إضافة إلى كونها رخوة وهشَّة، فقد فكرت فيما كان سيحدث لو علِق بعض ذلك النسيج تحت ظُفري؛ هل يمكن تفكيك ذكرى أو عاطفة بعينها بواسطة أحد الأظافر؟ هل يمكن لنُدفة من أنسجة الدماغ التي تتعلق بطريقة أو بأخرى بعادة معينةٍ، مثل عض الأظافر، أن ينتهي بها الحال بالفعل إلى أن تسير على غير هدًى تحت ظُفرٍ ما؟ كيف يمكن لتجرِبة أن تكون ذاتك، ورؤية العالم بطريقة لا يمكن لأحد آخر مشاركتها بشكل مباشر، أن تتولد عن هذه الكتلة غير الجذابة وغير المتعاونة التي يمكنك الإمساك بها بيد واحدة؟

ليس هناك نَموذج للدماغ، ولا حتى نظيره في واقع الحياة، يزودنا بأي نقطة انطلاق واضحة. ليست هناك أجزاء متحركة واضحة، كما هي الحال بالنسبة إلى القلب أو الرئتين، والتي تُشير إلى ما يجري هناك. كل ما يمكنك القيام به من خلال النظر إلى الدماغ هو إدراك الكيفية التي يعمل بها على المستوى الكلي. سترى أن هناك طبقاتٍ مغلفةً حول الجزء العلوي من الحبل الشوكي وهو يتضخم مشكِّلًا الجزء الأساسي من الدماغ.١ ومن هناك، أضاف التطور مزيدًا من الحُجيرات والبنى التي يسهل تمييزها، وهي مناطق الدماغ التي تتباين في الحجم والأهمية وَفقًا للنوع الحي. غير أن الموضوع الرئيسي يظل هو نفسه بالنسبة إلى جميع الثدييات، سواء كنت تنظر إلى دماغ جُرذٍ أو دماغ إنسان. وعلى سبيل المثال، فسترى دائمًا نموًّا صغيرًا يشبه القرنبيط، والذي يَنتأ من الجزء الخلفي من الدماغ فوق الحبل الشوكي مباشرة.٢ كما سترى دائمًا نصفَي كرة المخ اللذَين يقابل أحدهما الآخر مثل قبضتين اثنتين، في حين أن غطاءها الخارجي، القشرة cortex (من اللاتينية بمعنى «اللِّحاء»)، يلتف حولهما بالطريقة نفسها التي يلتف بها اللحاء حول الشجرة.٣

وقد اتَّسعت مساحة سطح القشرة المخية لدى البشر لدرجة أن استيعاب هذه الكَميات الهائلة من الدماغ ضمن حدود الجمجمة سيكون مثل استيعاب صفحة من الورق في قبضة ضيقة: قد تُضطر إلى تجعيد الورقة. بمعنًى من المعاني، وما دمنا لا نوسع نطاق المقارنة كثيرًا، فهذا هو ما فعله التطور: يتسم سطح الدماغ البشري بنفس تجعيد ثمرة الجوز، في حين تكون أدمغة الرئيسات الأخرى أقل تجعيدًا من ذلك، وتقل درجة التجعيد في أدمغة القطط والكلاب، بينما لا تحتوي القشرة المخية للقوارض على أي تجعيدات على الإطلاق. ربما كانت هذه الطبقة الخارجية الرقيقة هي الجزء الأكثر روعة وغموضًا من الدماغ. من حيث التطور، نجد أنها الأحدث، وربما ليس من المستغرب أنها الأكثر وضوحًا في البشر، وهم النوع الحي الذي يمتلك أعظم القدرات الفكرية. وبالتالي، ستظهر القشرة أكثر من أي منطقةٍ أخرى من الدماغ ونحن نستكشف تأثير التقنيات الرقمية على التفكير.

ولأخذ فكرة عن كيفية ترتيب أجزاء الدماغ معًا، فكِّر في مدينة مزدحمة مثل مدينة نيويورك. إن مناطق الدماغ المتميزة تشريحيًّا تقابل البلدات، التي توجد ضمنها مناطق ثم أحياء. أما في الدماغ، فهي تتعلق بمجموعات أصغر فأصغر من الخلايا. بحلول الوقت الذي نصل فيه إلى المربع السكني، أو الشارع، أو صف المنازل، سنكون قد وصلنا إلى الوَحدة الأساسية للتواصل العصبوني: الفجوة (المِشبك synapse) بين أي خلية دماغية وأخرى. ماذا عن البيت الواقع في الشارع؟ سيتمثل ذلك في العصبون neuron نفسه، الذي تُعرف الغرف الموجودة بداخله باسم العُضَيَّات، وهي الأجزاء الخلوية المتخصصة التي تحافظ على حياة خلية دماغيةٍ واحدة، تمامًا مثل أي خلية عامة في الجسم. في حين أن هذا التشبيه قد يزودنا بلمحة عن التسلسل الهرمي المتداخل لتشريح مناطق الدماغ، فلا يمكن للاستقراء أن يذهب إلى أبعد من هذا: إنه مجرد لقطة ثابتة لكيفية بناء الدماغ المادي.

في حديثي إلى الطلاب الصغار، فكَّكت أجزاء النموذج البلاستيكي، وأريتهم جميع المناطق المختلفة التي يمكن تمييزها بسهولة والواقعة في عمق الدماغ، وكيف تتشابك بعضها حول بعض، تمامًا كما رأيتُ لأول مرة في دماغٍ حقيقي منذ فترة طويلةٍ في غرفة التشريح بقسم التشريح في جامعة أكسفورد. لكن، هل كان هذا الجواب مُرضيًا للطفلة الواقفة أمامي، ذات العينين الشبيهتين بصحنين، والتي لا تقوى على الصبر حتى أخبرها في جملة واحدة بكيفية عمل الدماغ؟ تكمن المشكلة في كون خلايا الدماغ أقلَّ شبهًا بالهياكل الثابتة مثل الطوب والمنازل، والتي لا تفعل أي شيء في الواقع، لكنها أقرب شبهًا إلى البشر، وهم سكانها شديدو الحيوية. وبالتالي فإن ما نحتاج إليه حقًّا هو صورة، أو نوع من السيناريو الذي يصف ليس فقط الكيفية التي يتألف الدماغ فيها تشريحيًّا من لبنات أساسية، وهي الخلايا الدماغية، ولكن أيضًا كيفية عمله في الواقع.

العصبونات هي الوَحدات الأساسية للدماغ، تمامًا كما أن الشخص هو الوحدة الأساسية لمنظمة أو مجتمع بعينه. ومثل الشخص، يتسم العصبون بعموميته، لكنه يمثل في الوقت نفسه كِيانًا فرديًّا. يتغير الشخص تدريجيًّا بمرور الوقت، وكذلك سيتكيف العصبون بدوره. يبني العصبون تدريجيًّا الاتصالات عبر فجوةٍ صغيرة (المِشبك) باستخدام وسيط، وهو رسول كيميائي (ناقل عصبي). إن الاتصال المادي المباشر الفعلي بين خلايا الدماغ هو أمرٌ ممكن، ولكنه يظهر بصورة أقل. وبالمثل، فإن الشخص يبني العَلاقات تدريجيًّا مع الآخرين من خلال التواصل غير المباشر عن طريق اللغة، أما الملامسة فهي أكثر ندرةً. وفي وجود كلٍّ من المراسيل الكيميائية واللغات هناك تنوع هائل، لكنَّ هناك أيضًا التزامًا بالمبدأ العام نفسه: التواصل بين كِيانين مستقلين من دون أي اتصالٍ ماديٍّ مباشر. يأتي كلٌّ من اللغات والناقلات العصبية في طائفة واسعة من الأصناف، لكن يمكن تصنيفها إلى فصائل حسب المصدر الجغرافي (للُّغة) أو التركيب الكيميائي (للناقل العصبي). يتشابه النمط الفعلي للاتصال في كلتا الحالتين من حيث إن كلًّا من اللغات والناقلات العصبية يمكنها استخدام طائفة من الإشارات، من البسيطة إلى تلك المعقدة والمتطورة. وفي السيناريو الأساسي أكثر، يمكن لأحد العصبونات إرسالُ إشارة بسيطة عن طريق ناقله العصبي، والتي تتمثل في «نعم» أو «لا»، وهو ما يترجَم إلى تثبيطٍ أو إثارةٍ لحظية لنشاط الخلية الدماغية المستهدفة.

وعندما «تتحدث» خلية دماغية (أو عندما تكون «نشطة»، إذا أردنا استخدام تعبير أكثر تقنية)، فهي تولِّد ومضة كهربية٤ صغيرة تدوم جزءًا من الألف من الثانية (واحد مللي ثانية)، والتي تحط سريعًا حتى تصل إلى نهاية الخلية بحيث تتواصل مع العصبون التالي.٥ لكنَّ هناك مشكلةً عندما تصل الرسالة الكهربائية إلى المِشبك، ولا يمكنها الذَّهاب إلى أبعد من ذلك. وعلى أي حال، فلم يُفقد كل شيء بعد: يحرض وصول الومضة طرف الخلية على إفراز رسولها الكيميائي، الذي يمكنه التنقل عبر المِشبك بنفس سهولة انتقال الكلمات عبر الهواء. وبمجرد وصوله إلى وجهته، أي الخلية التالية، يدخل الناقل العصبي في مصافحة جزيئية مع هدفه المحدد.٦ يتسم هذا التشابك بكونه من الإحكام والتحديد بحيث إن المثال الأقرب شبهًا به هو المِفتاح والقُفل. يؤدي التشابك المعقد بين الناقل العصبي وهدفه المصنوع خصوصًا إلى تحريض تغيُّر وجيز في فولطية الخلية المستهدفة، وهو ما يعني فعليًّا إعادة التحويل من إشارة كيميائية إلى إشارة كهربية. تحدث حالة «نعم» في الاتصالات العصبونية عندما تكون هناك زيادة لحظية في النشاط الكهربائي (الاستثارة)، أما حالة «لا» فتحدث عندما يُقمع النشاط (التثبيط).
ومثلما أن التواصل اللفظي يكون في معظم الوقت أكثر من مجرد كلمات بسيطة أحادية المقطع، حيث تُرتَّب المقاطع في صورة كلمات، والكلمات في صورة جمل، والجمل على شكل بيان، فهذه هي الحال بالنسبة إلى الناقلات العصبية: يعتمد التأثير النهائي على تسلسل الناقلات العصبية المختلفة التي تتجمع خلال فترة معينة من الزمن على خلية بعينها. وفي كلتا الحالتين، سيعتمد تأثير كل كلمة أو إشارة ناقل عصبي على السياق الأوسع خلال الفترة التي تحدث فيها.٧ وبعد ذلك، ومع تحول المللي ثانية إلى ثانية، ودقائق، وساعات، وإلى أيام في نهاية المطاف، فإن الاتصالات التي يجري تفعيلها خلال هذه العملية — أي الاتصالات بين الأشخاص أو بين العصبونات — تتغير.

من المثير للاهتمام تمامًا، والمنوِّر للبصيرة في الواقع، أن نستكشف أوجه التشابه المختلفة بين العَلاقات الشخصية والمسارات التي تتبعها هذه الإشارات عبر الدماغ والعَلاقات الشخصية: كلاهما يتعزز بفعل الاستخدام المتكرر، لتصبح أقوى وأكثر كثافة. وبالنسبة إلى بني البشر والعصبونات على حدٍّ سواء، تكون العَلاقات أكثر مرونةً في سن الشباب. ومثلها في ذلك مثل البشر، تصبح العصبونات على نحو متزايدٍ أكثر تخصصًا و«تفردًا» مع تنامي شبكة الاتصالات الخاصة بها. وبمرور الوقت، مثلما يحدث عندما ينضج البشر ويكتسبون سمات شخصية معينة، تصبح العصبونات أكثر مقاومة للتغيير في وظيفتها العامة.

وبنفس الطريقة التي تذوي بها الصداقات إذا لم يُحافَظ عليها على نحوٍ فعَّال، فإن الوصلات العصبونية القليلة الاستخدام تضمر.

ومع نمو الفرد، فهو يبني عَلاقات معقدة أكثر فأكثر، بعضها وثيقة ومتكررة، والبعض الآخر أقل نشاطًا وأكثر تباعدًا؛ تترابط مجموعات أكبر فأكبر في نهاية المطاف، ومن ثَم تشكِّل المجتمع الأوسع نطاقًا. وهذه هي الحال مع الدماغ، حيث يؤدي التسلسل الهرمي المتداخل من الطبقات الأشد تعقيدًا من شبكات العصبونات في نهاية المطاف إلى تشكُّل بنية كلية معينة للدماغ. وفي نهاية المطاف، تترابط جميع مناطق الدماغ بعضها مع بعض، حتى على مبعدة مسافات طويلة ضمن الدماغ، عبر السبل الليفية التي تعمل بطريقة تشبه خطوط الهاتف، بحيث تمكِّن من إجراء حوارات متواصلة في كل أنحاء الدماغ. وهي منظمةٌ شمولية.

إن نهج «من أسفل إلى أعلى» لدراسة الدماغ يستكشف كيفية تشكُّل هذه المنظمة. إذا كنتَ عالم أعصاب متخصصًا في فهم الناقلات العصبية، والمستقبلات، وكيف تعمل المشابك العصبية، فسيشبه الأمر كونك خبيرًا في التواصل بين الأشخاص. على سبيل المثال، يرتبط الناقل العصبي الدوبامين بالعديد من العمليات المختلفة في الدماغ، بما في ذلك الاستثارة، والإدمان، والمكافأة، واستهلال الحركة. ولكن من أجل الفهم من أسفل إلى أعلى لكيفية عمل مواد كيميائية مثل الدوبامين، سنحتاج أيضًا إلى نهج من أعلى إلى أسفل، الذي يبدأ بمناطق الدماغ الكلية ويحاول رسم كيفية عملها معًا بحيث تُفضي إلى سلوكيات متباينة وطرق مختلفة للتفكير.٨ وفي هذه المرة، قد يتمثل القياس التشبيهي المناسب في علم الاجتماع أو الأنثروبولوجيا، اللذَين يركزان على الاتجاهات والنتائج الجمعية وليس على سلوك الأفراد.
يستخدم العلماء حاليًّا طرق المسح الدماغي لتصوير النشاط الجماعي لمناطق الدماغ المختلفة نتيجة لأنواع مختلفة من المدخَلات والبيئات والسلوكيات. وفي مسح الدماغ قد ترى نقطًا مضيئة تُبرز مناطق معينة في بحر من مادة الدماغ الرمادية، أو ربما صفائف متعددة الألوان يُمثل الأبيض فيها نقطة ساخنة، ويتدرج في الظلال وصولًا إلى الأصفر والبرتقالي والأحمر، ثم إلى محيط منخفض النشاط ذي لون أرجواني. لكن ضمن التماسك الغامض للدماغ، فإن كل الثرثرة المستمرة بين مناطق الدماغ المختلفة لن تكون مرئية بالنسبة إليك في الواقع. تكشف صور المسح الدماغي طبيعة الدماغ وهو يعمل على مدى فترة طويلة. عادة ما يكون لصور المسح هذه مَيْزٌ resolution يُقاس بالثواني (في أحدث التطورات، يبلغ بضع عشرات من أجزاء المللي ثانية)، لكن التوقيع الكهربائي الشامل لخلايا الدماغ وهي تعمل، أي جُهد الفعل action potential، يزيد في سرعته عن ذلك بمائة ضعف أو نحو ذلك. تُصبح صور مسح الدماغ شبيهة بالصور الفوتوغرافية القديمة من العصر الفيكتوري، والتي تُظهر مبانيَ ثابتة ولكنها تستبعد أي أشخاص أو حيوانات، والذين لا بد أنهم كانوا يتحركون بسرعة أكبر بكثير من زمن التعرض. إن المباني حقيقية تمامًا، ولكنها لا تشكل الصورة الكاملة.
عند النظر في صور المسح الدماغي، من المغري أيضًا أن نفكر في أنه إذا أضاءت منطقة معينة من الدماغ، فلا بد أن تكون هذه مركزًا لأي سلوك أو استجابة تجري دراستها. تتسم فكرة وجود «مراكز» في الدماغ لهذا أو ذاك بجاذبيتها، وعلاوة على ذلك فإذا كانت صحيحة فسيكون فهم الدماغ أسهل بكثير. وإذا عُدنا إلى أعتاب القرن التاسع عشر، سنجد أن فرانز غال أدخل «علم» فِراسة الدماغ phrenology (ويعني حرفيًّا «دراسة العقل»). وكان الهدف من الرءوس الخزفية البيضاء التي تغطيها مستطيلات تفصلها خطوط سوداء، وتحمل أوصافًا مثل «حب الوطن» أو «حب الأطفال»، هو توفير قالب يمكن في ضوئه مقارنة نتوءات رأس الفرد التي تجري دراستها للتأكد من قوة سمةٍ شخصية بعينها. في حين لا تزال هذه التماثيل النصفية رائجةً لدى المصورين كدعامة لإحياء لقطات لعلماء الدماغ، والجديرة بالنشر في وسائل الإعلام، فقد جرى دحض المقاربة برمتها عندما صار الفحص المنهجي للدماغ في حدِّ ذاته أمرًا ممكنًا. لكن آثار المنطق المجنون لعلم فراسة الدماغ، الذي ينطوي على وجود العديد من الأدمغة الصغيرة بداخل رأسك، لا تزال تغذي تفسيرات النتائج العلمية الحقيقية.
اكتسبت فكرة «وظيفة واحدة لكل منطقة بعينها من الدماغ» جاذبيتها عندما ازدهر الطب وصار الأطباء مَهَرة على نحوٍ متزايد في إبقاء المرضى على قيد الحياة على الرغم من التلف الدماغي الجسيم الناتج، على سبيل المثال، من رَصاصة، أو إصابة، أو سكتة دماغية. وهذا هو الموضع الذي تمكَّن من التسلل منه تفسير شبيه بعلم فراسة الدماغ، عن طريق عزو «الوظيفة» المفقودة إلى المنطقة التالفة من الدماغ. ومع ذلك، وكما لاحظ أحد علماء النفس منذ أكثر من نصف قرن، فإذا عمَدت إلى إزالة صمام خَوائي vacuum tube من المذياع (نعم، يتسم القياس التشبيهي بهذا القِدَم) وبدأ الجهاز في العُواء، فلا يمكنك أن تزعم أن وظيفة الصمام كانت هي منع العُواء. إذا تعطلت المنطقة الدماغية المعنية عن العمل، مثل الصمام الخوائي العتيق، فسيتعطل النظام الشمولي للدماغ، لكن مساهمة تلك المنطقة الدماغية لا يمكن استقراؤها بأثر رجعيٍّ من النتيجة النهائية الصافية. وإذا أردنا استخدام تشبيه آخر، إذا تعطلت شمعة الإشعال spark plug، فلن تدور سيارتك، لكنك لا تستطيع استنتاج كيفية عمل السيارة من خلال دراسة شمعة الإشعال. نحن نعلم الآن أنه ليس هناك وظيفة واحدة تتحكم فيها أي منطقةٍ منفردة من الدماغ. فالإبصار، على سبيل المثال، ينطوي على تقسيم جوانب مختلفة من رؤية الشكل والحركة واللون بين ما لا يقل عن ثلاثين منطقة دماغية مختلفة. وليست هناك أي منطقة دماغية بعينها تمتلك وظيفة واحدة فقط. وبدلًا من ذلك، تساهم كلٌّ من بِنى الدماغ في وظيفة نهائية صافية، ليس وَفقًا لتسلسل هرمي، بل بطريقة أقرب شبهًا بعزف الآلات الموسيقية المختلفة لسيمفونية في الأوركسترا.٩
ومن شأن هذه المعالجة التي تحدث في الدماغ تحديد الكيفية التي ترى بها العالم، لكن مهما كانت المدخلات الخارجية التي يُغذَّى بها دماغك في أي وقتٍ من الأوقات، فإن تجرِبة تلك اللحظة بالذات ستعمل في الوقت نفسه على تغيير تنظيم خلايا الدماغ، وبالتالي طريقة تفكيرك. وكما يُلخِّص الأمر براين كولب Kolb، وهو خبير رائد في النماء الدماغي: إن «أي شيء يُغير دماغك سيغير ما ستصير إليه. لا ينتج دماغك عن طريق جيناتك فحسب، بل يجري نحته بفعل عمر كامل من الخبرات. تعمل التجرِبة على تغيير نشاط الدماغ، وهو ما يعمل على تغيير التعبير الجيني. إن أي تغيرات سلوكية تراها تعكس تغيرات في الدماغ. والعكس صحيح أيضًا: فمن الممكن أن يغير السلوك الدماغ.»١٠ وهذا هو بالضبط ما سنستكشفه بعد قليل.
١  الدماغ هو امتداد للحبل الشوكي الذي يشكل اللب الداخلي للدماغ، والذي تتطور حوله البنَى التشريحيةُ الأخرى. ومن الناحية الوظيفية، يُعَد هذا أكثر أجزاء الدماغ أساسة، فهو مشتركٌ حتى مع الزواحف، وهو ينظم وظائف التنفس، ودورات النوم والاستيقاظ، والاستثارة. من بين العديد من المراجعات الممكنة، انظر:
Siegel, J. (2004). Brain mechanisms that control sleep and walking. Naturwissenschaften 91, no. 8, 355–65; Jones, B. E. (2003). Arousal systems. Frontiers in Bioscience 8, 438–451.
٢  المُخَيْخ: الملقب باسم «الطيار الآلي» للدماغ، والذي يضطلع بمهمات الضبط الدقيق لتنسيق الوظائف الحسية-الحركية. لمراجعة حديثة للموضوع، انظر:
Reeber, S. L., Otis, T. S., and Sillitoe, R. V. (2013). New roles for the cerebellum in health and disease. Frontiers in Systems Neuroscience 7, 83.
٣  القشرة المخية: خلافًا لجذع الدماغ والمُخَيْخ، تُعَد هذه منطقة دماغية حديثة، بل الأحدث في الواقع، من منظور تطوري. وتنتظم في وَحَدات تَكرارية مثل قطع الكعك. وترتبط بعض المناطق بشعور واحد، في حين تُعنَى بعضها بالوظائف «المعرفية» مثل التعلم والذاكرة، والتي يشار إليها بالمصطلح الشامل «القشرة المخية الترابطية»، انظر:
Shipp, S. (2007). Structure and function of the cerebral cortex. Current Biology 17, 443–449.
٤  هذه الومضة هي على نحوٍ أكثرَ دقةً «جهد الفعل»: هناك تغيُّر حادٌّ في فرق الجهد (الفولطية) عبر غشاء الخلية بسبب اندفاع أيونات الصوديوم الموجبة الشحنة إلى الخلايا، مما يزيل استقطابها، وهو الوضع الذي يحرِّض على حدوث فيض من أيونات البوتاسيوم الموجبة الشحنة، والذي يؤدي مجددًا إلى جعل فرق الجهد سلبيًّا أكثر. للاطلاع على وصف أكثر تفصيلًا، انظر:
Purves, D., Augustine, G. J., Fitzpatrick, D., Hall, W. C., LaMantia, A. S., and White, L. E. (Eds.) (2012). Neuroscience (5th ed.). Sunderland, MA: Sinauer.
٥  «الأعصاب الطرفية» هي نهاية المحوار العصبي، أي النتوءات الطويلة المنبثقة عن جسم الخلية، والتي ينتشر بطولها فرق الجهد بسرعة عدة مئات من الأميال في الساعة. وبمجرد قيام «الومضة» بغزو النهاية الطرفية، يتسبب تغير الفولطية في إفراغ الحُزَم الصغيرة «الحويصلات» التي تحتوي على الناقل العصبي في الفلج المِشبكي.
٦  Purves et al. (2012).
٧  على سبيل المثال، قد يكون الحال أن المدخول الوارد من العصبون (أ) تسبب في قدر ضئيلٍ من إزالة الاستقطاب، لكنه ليس كبيرًا بما يكفي لإيصال فولطية الخلية إلى العتبة التي تمكِّنها من توليد جهد الفعل الكامل. تخيل الآن أنه خلال هذه الفترة الزمنية التي ازدادت فيها الفولطية، وصل مدخول آخر، (ب)، والذي تسبب بدوره في قدر دون العتبة من إزالة الاستقطاب. ولأنه يمكن جمع أ + ب للوصول إلى العتبة خلال هذا الإطار الزمني، فمن الممكن الآن أن يحدث جهد الفعل الذي لم يكن ممكنًا إذا لم يصل المدخولان على مقربة نسبيًّا أحدهما من الآخر.
٨  «التحوير»: هو مصطلح يُستخدم عندما لا يكون لناقل عصبي أو غيره من المركبات النشطة بيولوجيًّا أيُّ تأثير من تلقاء نفسه، ولكن يعزز أو يقلل من عمل جزيء إشاري آخر.
٩  الطريقة الأكثر شيوعًا والأسهل في النظر إلى تنظيم الدماغ باعتباره تسلسلًا هرميًّا، على غرار سلسلة القيادة حيث يوجد الرئيس في الجزء العلوي من هيكل يشبه الهرم. والواقع أن هذا المفهوم قد توافق بشكل جيد مع النتائج العلمية التي تم التوصل إليها في ستينيات القرن العشرين عندما حقق اثنان من علماء الفيسيولوجيا، هما ديفيد هوبل وتورستن ويسيل، فتحًا علميًّا نالا عليه جائزة نوبل. كان هوبل وويسيل يعملان على الجهاز البصري ورصد نشاط خلايا الدماغ المنفردة في مناطق الدماغ المختلفة التي تعالج المدخلات الواردة من شبكية العين، ومن ثَم تتجاوزها إلى داخل أعماق الدماغ. تمثلت نتائجهما اللافتة للنظر، مع توغلهما على نحو أعمق في الدماغ، بعيدًا عن المعالجة الأولية لشبكية العين، بدا أن الخلايا تصبح أكثر قدرة على التمييز من حيث ما يستثيرها حرفيًّا. في البداية، تؤدي رؤية أي نقطة قديمة إلى استثارة أحد العصبونات، ولكن عند نقطة أعلى من سلسلة القيادة قد يحتاج ذلك إلى أن يكون خطًّا، وبعد ذلك يكون خطًّا في اتجاه معين فقط، ولكنه لا يتحرك إلا في اتجاه معين فقط.
Hubel, D. H., and Welsel, T. N. [1962]. Receptive fields, binocular Interaction and functional architecture in the cat’s visual cortex. Journal of Neurophysiology 160, no. 1, 106–154.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC1359523/pdf/jphysiol01247-0121.pdf
لا ريب أنه كان اكتشافًا مذهلًا أن يمكن أن يكون لخلية دماغية واحدة مثل هذا التوقيع الفردي، لكنه أدى إلى بعض الاستنتاجات الغريبة. يمكنك أن ترى كيف أدى اكتشاف هوبل وويسيل بسهولة إلى فكرة مفادها أنه كلما ارتفعت في التسلسل الهرمي للدماغ، ستصبح الخلية أكثر تمييزًا، وبالتالي لا تستجيب في نهاية المطاف إلا إلى الصور الشديدة التعقيد، مثل الوجه أو حتى وجه معين. كانت مصطلحات تلك الفترة تفضل الإشارة إلى «خلية جَدة» افتراضية، والتي — كما يُشير إليه اسمها — لا تستجيب إلا لرؤية جَدتك باعتبارها المرحلة النهائية في التنظيم. وعلى الرغم من أن كريستوف كوخ وفريقه من الباحثين في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا سجلوا، بعد ذلك بفترة طويلة، خلايا في أدمغة المرضى الواعين الخاضعين للجراحة العصبية، وهي تستجيب بصورةٍ محددة لصور الممثلة هالي بيري، على سبيل المثال.
Quiroga, R. Q., Reddy, L., Kreiman, G., Koch, C., and Fried, I. [2005]. Invariant visual representation by single neurons in the human brain. Nature 435, no. 7045, 1102–1107. doi: 10.1038/nature03687.
بيد أن فكرة أن تكون «خلية بيري» أو خلية جَدة واحدة هي «الرئيس» الفعلي قد فقدت مصداقيتها إلى حدٍّ كبير، ولو بمجرد تطبيق أبسط قواعد المنطق. إذا لم تكن لك جدة على الإطلاق، فستُهدر الخلية، أو إذا كانت لديك جدة لكن خليتك الجدة قد ماتت، كما يفعل العديد من العصبونات يوميًّا، فلن تتعرف على جدتك مرة أخرى إلى الأبد! وكما أنه لا يمكن لمنطقة في الدماغ أن تكون «مركزًا» مستقلًّا، ولعله أقل احتمالًا أن تتمثل وجهتك النهائية في خلية دماغية واحدة — ومن المؤكد أنها لا يمكن أن تكون الرئيس المطلق — ما الذي يمكن ﻟ «الرئيس» أن يفعل بعد ذلك؟ بعد كل شيء، لن يتبقى أي أحد لإرشاده.
١٠  Kolb, B. (2009). Brain and behavioral plasticity in the developing brain: Neuroscience and public policy. Paediatrics & Child Health 14, no. 10, 651-652.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2807801

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦