كيف يعمل الدماغ
تمثَّل التحدي الأكبر لعلم الأعصاب دائمًا في تحقيق قفزةٍ فكرية بين نُدْفة من أنسجة الدماغ والفكر والعاطفة، فحتى الحُلْم، في كلٍّ من معنيَي هذه الكلمة: الظاهرة الحرفية لذلك العالم الداخلي الغريب الذي يتكشف أثناء النوم، فضلًا عن الاستعارة المستخدمة في تخطيط نتائج رائعة لحياتنا. إنها رحلة سنحتاج إلى القيام بها في ثلاث خطوات: أولًا، التعرف على كيفية عمل الدماغ نفسه؛ ثانيًا، اكتشاف الكيفية التي يتغير بها طَوال الحياة؛ ثالثًا، النظر إلى الكيفية التي يمكن بها لهذه التغيرات في الدماغ أن ترقى إلى «العقل». ومع ذلك، فمن غير الواضح حتى من أين نبدأ.
«فكيف يعمل الدماغ إذن؟» هذا هو السؤال الذي طرحَتْه بإلحاحٍ الفتاة الواقفة أمامي، التي ربما كان عمرها نحو أحد عشر عامًا. من المؤكد أنه لمجرد أن الوقت قد نفد منِّي خلال حديثي الذي استمر ساعة واحدة إلى مجموعتها من تلاميذ المدارس، كنت قد أغفلت الإجابة عن هذا السؤال النهائي التافه. لقد نظرنا إلى الدماغ من جميع الزوايا من خلال تفكيك نَموذج من البلاستيك، وقد أخبرت جمهوري من الصغار عن الوقت الذي كنت فيه طالبةً بدوري وحملت دماغًا بشريًّا حقيقيًّا في يدي. ولأن أنسجة الدماغ لا تشبه مطلقًا ذلك النموذج البلاستيكي الصُّلب ذا اللون الوردي المشرق، بل تتسم باللون الأبيض القِشدي، إضافة إلى كونها رخوة وهشَّة، فقد فكرت فيما كان سيحدث لو علِق بعض ذلك النسيج تحت ظُفري؛ هل يمكن تفكيك ذكرى أو عاطفة بعينها بواسطة أحد الأظافر؟ هل يمكن لنُدفة من أنسجة الدماغ التي تتعلق بطريقة أو بأخرى بعادة معينةٍ، مثل عض الأظافر، أن ينتهي بها الحال بالفعل إلى أن تسير على غير هدًى تحت ظُفرٍ ما؟ كيف يمكن لتجرِبة أن تكون ذاتك، ورؤية العالم بطريقة لا يمكن لأحد آخر مشاركتها بشكل مباشر، أن تتولد عن هذه الكتلة غير الجذابة وغير المتعاونة التي يمكنك الإمساك بها بيد واحدة؟
وقد اتَّسعت مساحة سطح القشرة المخية لدى البشر لدرجة أن استيعاب هذه الكَميات الهائلة من الدماغ ضمن حدود الجمجمة سيكون مثل استيعاب صفحة من الورق في قبضة ضيقة: قد تُضطر إلى تجعيد الورقة. بمعنًى من المعاني، وما دمنا لا نوسع نطاق المقارنة كثيرًا، فهذا هو ما فعله التطور: يتسم سطح الدماغ البشري بنفس تجعيد ثمرة الجوز، في حين تكون أدمغة الرئيسات الأخرى أقل تجعيدًا من ذلك، وتقل درجة التجعيد في أدمغة القطط والكلاب، بينما لا تحتوي القشرة المخية للقوارض على أي تجعيدات على الإطلاق. ربما كانت هذه الطبقة الخارجية الرقيقة هي الجزء الأكثر روعة وغموضًا من الدماغ. من حيث التطور، نجد أنها الأحدث، وربما ليس من المستغرب أنها الأكثر وضوحًا في البشر، وهم النوع الحي الذي يمتلك أعظم القدرات الفكرية. وبالتالي، ستظهر القشرة أكثر من أي منطقةٍ أخرى من الدماغ ونحن نستكشف تأثير التقنيات الرقمية على التفكير.
في حديثي إلى الطلاب الصغار، فكَّكت أجزاء النموذج البلاستيكي، وأريتهم جميع المناطق المختلفة التي يمكن تمييزها بسهولة والواقعة في عمق الدماغ، وكيف تتشابك بعضها حول بعض، تمامًا كما رأيتُ لأول مرة في دماغٍ حقيقي منذ فترة طويلةٍ في غرفة التشريح بقسم التشريح في جامعة أكسفورد. لكن، هل كان هذا الجواب مُرضيًا للطفلة الواقفة أمامي، ذات العينين الشبيهتين بصحنين، والتي لا تقوى على الصبر حتى أخبرها في جملة واحدة بكيفية عمل الدماغ؟ تكمن المشكلة في كون خلايا الدماغ أقلَّ شبهًا بالهياكل الثابتة مثل الطوب والمنازل، والتي لا تفعل أي شيء في الواقع، لكنها أقرب شبهًا إلى البشر، وهم سكانها شديدو الحيوية. وبالتالي فإن ما نحتاج إليه حقًّا هو صورة، أو نوع من السيناريو الذي يصف ليس فقط الكيفية التي يتألف الدماغ فيها تشريحيًّا من لبنات أساسية، وهي الخلايا الدماغية، ولكن أيضًا كيفية عمله في الواقع.
العصبونات هي الوَحدات الأساسية للدماغ، تمامًا كما أن الشخص هو الوحدة الأساسية لمنظمة أو مجتمع بعينه. ومثل الشخص، يتسم العصبون بعموميته، لكنه يمثل في الوقت نفسه كِيانًا فرديًّا. يتغير الشخص تدريجيًّا بمرور الوقت، وكذلك سيتكيف العصبون بدوره. يبني العصبون تدريجيًّا الاتصالات عبر فجوةٍ صغيرة (المِشبك) باستخدام وسيط، وهو رسول كيميائي (ناقل عصبي). إن الاتصال المادي المباشر الفعلي بين خلايا الدماغ هو أمرٌ ممكن، ولكنه يظهر بصورة أقل. وبالمثل، فإن الشخص يبني العَلاقات تدريجيًّا مع الآخرين من خلال التواصل غير المباشر عن طريق اللغة، أما الملامسة فهي أكثر ندرةً. وفي وجود كلٍّ من المراسيل الكيميائية واللغات هناك تنوع هائل، لكنَّ هناك أيضًا التزامًا بالمبدأ العام نفسه: التواصل بين كِيانين مستقلين من دون أي اتصالٍ ماديٍّ مباشر. يأتي كلٌّ من اللغات والناقلات العصبية في طائفة واسعة من الأصناف، لكن يمكن تصنيفها إلى فصائل حسب المصدر الجغرافي (للُّغة) أو التركيب الكيميائي (للناقل العصبي). يتشابه النمط الفعلي للاتصال في كلتا الحالتين من حيث إن كلًّا من اللغات والناقلات العصبية يمكنها استخدام طائفة من الإشارات، من البسيطة إلى تلك المعقدة والمتطورة. وفي السيناريو الأساسي أكثر، يمكن لأحد العصبونات إرسالُ إشارة بسيطة عن طريق ناقله العصبي، والتي تتمثل في «نعم» أو «لا»، وهو ما يترجَم إلى تثبيطٍ أو إثارةٍ لحظية لنشاط الخلية الدماغية المستهدفة.
من المثير للاهتمام تمامًا، والمنوِّر للبصيرة في الواقع، أن نستكشف أوجه التشابه المختلفة بين العَلاقات الشخصية والمسارات التي تتبعها هذه الإشارات عبر الدماغ والعَلاقات الشخصية: كلاهما يتعزز بفعل الاستخدام المتكرر، لتصبح أقوى وأكثر كثافة. وبالنسبة إلى بني البشر والعصبونات على حدٍّ سواء، تكون العَلاقات أكثر مرونةً في سن الشباب. ومثلها في ذلك مثل البشر، تصبح العصبونات على نحو متزايدٍ أكثر تخصصًا و«تفردًا» مع تنامي شبكة الاتصالات الخاصة بها. وبمرور الوقت، مثلما يحدث عندما ينضج البشر ويكتسبون سمات شخصية معينة، تصبح العصبونات أكثر مقاومة للتغيير في وظيفتها العامة.
وبنفس الطريقة التي تذوي بها الصداقات إذا لم يُحافَظ عليها على نحوٍ فعَّال، فإن الوصلات العصبونية القليلة الاستخدام تضمر.
ومع نمو الفرد، فهو يبني عَلاقات معقدة أكثر فأكثر، بعضها وثيقة ومتكررة، والبعض الآخر أقل نشاطًا وأكثر تباعدًا؛ تترابط مجموعات أكبر فأكبر في نهاية المطاف، ومن ثَم تشكِّل المجتمع الأوسع نطاقًا. وهذه هي الحال مع الدماغ، حيث يؤدي التسلسل الهرمي المتداخل من الطبقات الأشد تعقيدًا من شبكات العصبونات في نهاية المطاف إلى تشكُّل بنية كلية معينة للدماغ. وفي نهاية المطاف، تترابط جميع مناطق الدماغ بعضها مع بعض، حتى على مبعدة مسافات طويلة ضمن الدماغ، عبر السبل الليفية التي تعمل بطريقة تشبه خطوط الهاتف، بحيث تمكِّن من إجراء حوارات متواصلة في كل أنحاء الدماغ. وهي منظمةٌ شمولية.
Siegel, J. (2004). Brain mechanisms that control sleep and walking. Naturwissenschaften 91, no. 8, 355–65; Jones, B. E. (2003). Arousal systems. Frontiers in Bioscience 8, 438–451.
Reeber, S. L., Otis, T. S., and Sillitoe, R. V. (2013). New roles for the cerebellum in health and disease. Frontiers in Systems Neuroscience 7, 83.
Shipp, S. (2007). Structure and function of the cerebral cortex. Current Biology 17, 443–449.
Purves, D., Augustine, G. J., Fitzpatrick, D., Hall, W. C., LaMantia, A. S., and White, L. E. (Eds.) (2012). Neuroscience (5th ed.). Sunderland, MA: Sinauer.
Hubel, D. H., and Welsel, T. N. [1962]. Receptive fields, binocular Interaction and functional architecture in the cat’s visual cortex. Journal of Neurophysiology 160, no. 1, 106–154.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC1359523/pdf/jphysiol01247-0121.pdf
لا ريب أنه كان اكتشافًا مذهلًا أن يمكن أن يكون لخلية دماغية واحدة مثل هذا التوقيع الفردي، لكنه أدى إلى بعض الاستنتاجات الغريبة. يمكنك أن ترى كيف أدى اكتشاف هوبل وويسيل بسهولة إلى فكرة مفادها أنه كلما ارتفعت في التسلسل الهرمي للدماغ، ستصبح الخلية أكثر تمييزًا، وبالتالي لا تستجيب في نهاية المطاف إلا إلى الصور الشديدة التعقيد، مثل الوجه أو حتى وجه معين. كانت مصطلحات تلك الفترة تفضل الإشارة إلى «خلية جَدة» افتراضية، والتي — كما يُشير إليه اسمها — لا تستجيب إلا لرؤية جَدتك باعتبارها المرحلة النهائية في التنظيم. وعلى الرغم من أن كريستوف كوخ وفريقه من الباحثين في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا سجلوا، بعد ذلك بفترة طويلة، خلايا في أدمغة المرضى الواعين الخاضعين للجراحة العصبية، وهي تستجيب بصورةٍ محددة لصور الممثلة هالي بيري، على سبيل المثال.
Quiroga, R. Q., Reddy, L., Kreiman, G., Koch, C., and Fried, I. [2005]. Invariant visual representation by single neurons in the human brain. Nature 435, no. 7045, 1102–1107. doi: 10.1038/nature03687.
بيد أن فكرة أن تكون «خلية بيري» أو خلية جَدة واحدة هي «الرئيس» الفعلي قد فقدت مصداقيتها إلى حدٍّ كبير، ولو بمجرد تطبيق أبسط قواعد المنطق. إذا لم تكن لك جدة على الإطلاق، فستُهدر الخلية، أو إذا كانت لديك جدة لكن خليتك الجدة قد ماتت، كما يفعل العديد من العصبونات يوميًّا، فلن تتعرف على جدتك مرة أخرى إلى الأبد! وكما أنه لا يمكن لمنطقة في الدماغ أن تكون «مركزًا» مستقلًّا، ولعله أقل احتمالًا أن تتمثل وجهتك النهائية في خلية دماغية واحدة — ومن المؤكد أنها لا يمكن أن تكون الرئيس المطلق — ما الذي يمكن ﻟ «الرئيس» أن يفعل بعد ذلك؟ بعد كل شيء، لن يتبقى أي أحد لإرشاده.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2807801