الفصل السادس

كيف يتغير الدماغ

يشتهر سائقو سيارات الأجرة في لندن في جميع أنحاء العالم بمعرفتهم التفصيلية بالشوارع، وتشكيلات حركة المرور، ونظم السير في اتجاه واحدٍ في تلك المدينة الكبيرة. وبخلاف معظم نظرائهم في جميع أنحاء العالم، يبدو أنهم اكتسبوا طبيعة ثانية تمكِّنهم من التنقل في شوارع العاصمة البريطانية من دون اللجوء إلى خريطة. في المتوسط، يستغرق السائق الناشئ سنتين لاستيعاب المعلومات اللازمة لكي يتمكن من القيام بذلك، ويجتاز في نهاية المطاف ذلك الامتحان الشفوي المشئوم الذي يُطلق عليه بحقٍّ اسم «المعرفة». لقد اختار أولئك السائقون مهنة تضع عبئًا كبيرًا على ذاكراتهم، وتحديدًا على ذاكراتهم العاملة، حيث يجب أن تبقى القواعد والحقائق دائمًا حاضرة في الذهن خلال تحديد الأفعال المستمرة.

في العام ٢٠٠٠م، حيَّر إليانور ماغواير Maguire وزملاءها في يونيفرسيتي كوليدج في لندن سؤالُ ما إذا كان سائقو سيارات الأجرة في لندن يُظهرون أي تغيُّرات فعلية في أدمغتهم نتيجة لتلك التجرِبة اليومية غير المعتادة تمامًا، والمتمثلة في استخدام الذاكرة العاملة باستمرار. ومن المثير للدهشة أنهم رأوا في صور المسح الدماغي أن منطقة معينة من الدماغ، والتي تتعلق بالذاكرة العاملة (وهي الحُصين hippocampus)، كانت في الواقع أكبر في سائقي سيارات الأجرة مما كانت عليه في أقرانهم الآخرين من العمر نفسه.١ كما لم تكن الحال أن امتلاك حُصين كبير يؤهِّب هؤلاء الأفراد لقيادة سيارات الأجرة، إذ إن حجم الحُصين كان يزداد مع طول المدة التي يمارس فيها المشاركون مهنتهم. استحوذت هذه الدراسة على اهتمام وافتتان وسائل الإعلام، وكذلك على اهتمام سائقي سيارات الأجرة في لندن، بطبيعة الحال، ولا تزال حتى يومنا هذا واحدةً من أفضل وأبسط الأمثلة على مبدأ «استخدم قدراتك وإلا ستفقدها». إن العصبونات مثل عضلات الجسم، تزداد في القوة والحجم مع أي نشاط يجري التدرب عليه. وعلى الرغم من أن هذا التكيف لا تتشاركه الثدييات فقط، ولكن أيضًا الكائنات الأبسط كثيرًا مثل الأخطبوط٢ وحتى بزاقة البحر sea slug المتواضعة،٣ فقد تمكن البشر من استغلال هذه الموهبة الفائقة بصورة تجاوزت أي نوع آخر من الأحياء.
والواقع أن تغيرات الدماغ الناتجة من الخبرة قد وُصفت لأول مرة منذ فترة طويلةٍ، وبالتحديد في العام ١٧٨٣م، من قِبل عالم الطبيعة السويسري شارل بونيه Bonnet وعالم التشريح البيمونتي٤ ميشيل فينتشنزو مالاكارني Malacarne؛ لقد اكتشفا أن تدريب الكلاب والطيور يؤدي إلى زيادة في عدد تلافيف جزء معين من الدماغ (المُخَيْخ cerebellum)، مقارنة بالكلاب من الوِلْدة نفسها أو الطيور من حِضْنة البيض نفسها.٥ وعلى أي حال، فلم يفعل هذا الاستنتاج سوى القليل من حيث الإطاحة بالمسلَّمة السائدة في ذلك الوقت، وهي أن الدماغ غير قابل للتغير، إلى أن أُعيد النظر في هذه الفكرة في العام ١٨٧٢م من قِبل الفيلسوف ألكسندر باين Bain: «بالنسبة إلى كلٍّ من أفعال الذاكرة، وكل ممارسة للمهارة الجسدية، وكل عادة، أو تذكُّر، أو سلسلة من الأفكار، هناك تجمُّع أو تنسيق معين للأحاسيس والحركات، والناتج من حالات محددة من النمو في تقاطعات الخلايا.» وبعد ما يقرب من عشرين عامًا، وفي العام ١٨٩٠م، خطرت على ذهن عالم النفس الرائد وليام جيمس James ومضة من البصيرة: «عندما تنشط عمليتان دماغيتان أساسيتان في الوقت نفسه، أو واحدة بعد الأخرى مباشرة، فإن واحدة منهما، عند التَّكرار، تميل إلى نقل استثارتها إلى الأخرى.» بَيد أن المصطلح الفعلي لهذه العملية، أي اللُّدونة plasticity، طُرح للمرة الأولى بعد ذلك بسنوات قليلةٍ، في العام ١٨٩٤م، من قِبل عالم التشريح الإسباني العظيم سانتياغو رامون إي كاخال Cajal، الذي استعار الكلمة من جذر إغريقي بمعنى «أن يتشكل»٦ قبل فترة طويلة من ظهور تلك المادة الاصطناعية المنتشرة في كل مكان [البلاستيك].
«أعطني طفلًا حتى يبلغ السابعة، وسأعطيك الرجل» هذا ما يضمنه الرهبان اليسوعيون Jesuits. وكما أن ميشيل مالاكارني وشارل بونيه تكهَّنا باللُّدونة قبل وقت طويل من إنتاج علماء العصر الحديث، مثل إليانور ماغواير، بيانات تجريبية، كذلك كان من المقبول على نطاقٍ واسع أن الدماغ الفتيَّ والناميَ يكون أشد تأثرًا وأكثر عرضة للخطر. وبطبيعة الحال فإن هذه الحساسيَّة التي يتسم بها الدماغ الشاب تجاه التأثيرات الخارجية تسلِّط الضوء على أهمية تشكيل النوع المناسب من البيئة المبكرة للجيل القادم. وكما أشارت إليه هيلاري كلينتون Clinton في العام ١٩٩٧م، فإن خبرات الأطفال ما بين الولادة وعمر الثالثة «يمكنها تحديد ما إذا كان الأطفال سيكبرون ليكونوا مواطنين سلميين أو عنيفين، وعمَّالًا ملتزمين أو غير منضبطين، وآباء منتبهين أو منعزلين هم أنفسهم.»٧
خلال السنوات الأولى من الحياة، يمتلك الدماغ فرصًا سانحة، تتميز بنمو متدفق في الاتصالات بين العصبونات، وتسمح بإمكانيات مذهلة. وعلى سبيل المثال، ففي الرضَّع يبدو أن الأحياز البصرية والسمعية في الطبقة الخارجية من الدماغ (القشرة) تكون متبادلة وظيفيًّا، حيث يجري تحفيزها بالفاعلية نفسها من قِبل أيٍّ من السمع أو البصر. ونتيجة لذلك، فعندما يحدث فقدان للبصر في مرحلة الطفولة المبكرة، تنتهي الحال بأحد أشكال السمع بأن يصير أكثر حدَّةً من خلال عملية تُعرف باسم إعادة رسم الخرائط القشرية cortical remapping.٨ ولأنه لم يُستخدم القطاع البصري في وظيفته العادية، فإنه يتكيف مع أي مدخلات متوفرة ويكتسب دورًا بديلًا، مما يساعد الدماغ على معالجة السمع بصورة أشد براعة.
بيد أن هذا التكيف الملزم من قِبل الجهاز العصبي المركزي لا يقتصر على الحواس. ومن بين الأمثلة على قوة الدماغ الشاب في تعويض التلف، هناك حالة لوك جونسون Johnson. احتل لوك عناوين الصحف البريطانية في العام ٢٠٠١م عندما كان مجرد طفل دارج. بعد فترة وجيزةٍ من ولادته، بدت ذراعه اليمنى وساقه اليمنى مترهلتين وبلا حَراك. شخَّص الأطباء إصابته بتلف شديدٍ في الدماغ بسبب سكتة دماغية في الجانب الأيسر من دماغه، والتي حدثت خلال وجوده في الرحم أو بعد الولادة بفترةٍ وجيزة. ولكن في غضون بضع سنوات، استعاد لوك القدرة على استخدام ساقيه وذراعيه بشكلٍ كاملٍ. وخلال العامين الأولين من حياته، انشغل دماغه في إعادة تشكيل وصلاته العصبية، وإعادة تنظيم المسارات العصبية لكي تتجاوز الأنسجة التالفة.٩
وللأسف فهذه الفترات الحرجة لا تضمن دائمًا تحقيق نتائج إيجابية. لنأخذ، على سبيل المثال، حالة الأطفال الذين يصابون بإعتام عدسة العين (السادِّ cataracts) في واحدة من عينيهم أو كلتيهما. إن الحرمان البصري الناتج عن إعتام عدسة العين أو أي اضطراب آخر يُضعف البصر، والذي يحدث ما بين الولادة وعمر الخامسة، يؤدي إلى تلف دائم في الإبصار. أما بالنسبة إلى الأطفال الذين يواجهون هذه المشكلة عندما يكونون أكبر سنًّا، فإن الإبصار يتعافى عادة بعد العلاج.١٠ ومن المثير للاهتمام أن الأنواع المختلفة من الإبصار لديها فترات حرجة مختلفة، مما يعني أن الطفل الذي يُصاب بالسادِّ خلال إطار زمني بعينه قد يُصاب بتعطل في اكتشاف الحركة، على سبيل المثال، ومع ذلك تتطور لديه حدة إبصار طبيعية. وكما هي الحال مع لوك جونسون، فإن دماغ الطفل الصغير المصاب بالسادِّ سيعيد ترتيب وصلاته العصبية، ولكن هذه المرة مع عواقب مأساوية تتمثل في أن المساحة التي تُستخدم عادة من قِبل العين الخاملة تُغتصب لأغراض أخرى.
تتسم فكرة وجود فترات حرجة لنمو الدماغ بسهولة فهمها، كما أن التغيرات التي تُلاحَظ في هذه المراحل الحرجة، حتى في النماء الطبيعي، تكون واضحة في الواقع. ومع ذلك، فمن الواضح من التعافي الملحوظ الذي كثيرًا ما يُشاهَد في مرضى السكتة الدماغية البالغين أنه وعلى الرغم من أن «اغتصاب الأراضي» في الدماغ قد يكون أقل وضوحًا في المراحل اللاحقة من الحياة، فإنه لا يوقف مع التقدم في العمر. وفي البالغين بالمثل، يمكن للأجهزة الحسية المختلفة عبور الحدود الرسمية بين بعضها البعض، كما تكون عليه الحال عندما يجري تفعيل القشرة البصرية للمكفوفين في أثناء القراءة بطريقة برايل. وعلى المنوال نفسه، فقد أظهرت عالمة الأعصاب هيلين نيفيل Neville كيف يؤدي ضعف السمع إلى تحفيز تعويض معين يتمثل في تحسُّن الإبصار، بينما على العكس من ذلك يعالج المكفوفون المحفزات السمعية السريعة بصورة أفضل.١١
وكذلك يجري تفعيل نفس آليات الدماغ الأساسية الموجِّهة للُّدونة خلال عملية التعلم في الدماغ السليم وغير الناضج خلال إعادة تعلُّم أجزاء الدماغ التالفة أو المريضة. تنقسم استعادة الوظيفة بعد تلف الدماغ إلى ثلاث مراحل: (١) الاسترداد restoration: استرداد الوظيفة إلى المنطقة المتبقية بالدماغ. (٢) الاستقطاب recruitment: توظيف مناطق دماغية جديدة للمساعدة في أداء الوظيفة الأصلية. (٣) إعادة التدريب retraining: تدريب تلك المناطق الأخرى من الدماغ على أداء الوظيفة الجديدة بكفاءة.١٢ وفيما يتعلق باللغة، فإن نصف الكرة المخية الأيمن، وهو ليس الجزء المهيمن عادة فيما يتعلق بالكلام، قد يتسلم زمام الأمور من الجزء الأيسر التقليدي عندما يُصاب الأخير بالتلف.١٣ وفي الوقت نفسه، في حالة وجود يد لا تعمل في النسانيس، فإن مجرد ساعة واحدة يوميًّا من التدريب تكفي للمحافظة على العصبونات التي تمثلها في الدماغ من الذبول إلى انعدام الجدوى. وكذلك فقد جرى إثبات هذا التأثير في البشر، فكثير من المرضى الذين لديهم يد مختلة الوظيفة نتيجة لتلف في الدماغ يفضلون استخدام نظيرتها السليمة، لكن مثل هذه الاستراتيجية تعطِّل استعادة الوظيفة؛ ولذلك فكثيرًا ما يوضع كُم على اليد السليمة لتشجيع استخدام اليد المتضررة، مما يجعلها تعمل بقدر الإمكان.١٤
إن الدماغ لا يتحمل «المساحة الشاغرة»، وهي حالةٌ لا تُستدعى فيها العصبونات للعمل. إن الفكرة القديمة التي جرى الإفراط في الاستشهاد بها، والقائلة بأننا نستخدم ١٠ في المائة فقط من أدمغتنا هي خرافةٌ كاملة، ومن السهل دحضها. أولًا: ليست هناك أي منطقة من الدماغ يمكن أن تتعرض للتلف من دون فقدان قدرة من نوعٍ ما، ولكن إذا كانت خرافة العشرة في المائة صحيحةً فبوسعنا أن نتحمل تعرُّض ٩٠ في المائة من أدمغتنا للتلف. ثانيًا: الدماغ هو أكثر أجهزة أجسامنا جشعًا في حالة الراحة، حيث يلتهم ما يصل إلى ٢٠ في المائة من إمدادات الطاقة لدينا على الرغم من أنه يُشكل ٢٪ فقط من وزن الجسم. لماذا نستخدم هذا القدر من الموارد لتغذية ٩٠ في المائة من العصبونات التي لا تفعل أي شيء؟ ثالثًا: أظهرت تقنيات التصوير الدماغي أنه باستثناء حالات التلف الشديد (مثل تلك التي تشاهَد في الحالة الإنباتية vegetative state المستديمة)، لا يظهر أيٌّ من مناطق الدماغ في صور الأشعة كنقاط خاملة تمامًا وصامتة. رابعًا: يبدو أن كافة مناطق الدماغ تساهم في تأدية المهمات: ليست هناك بنية في الدماغ من دون وظيفة، على الرغم من أننا قد لا نفهم تمامًا كيف تتناغم المساهمات الواردة من المناطق الدماغية المختلفة معًا لتؤدي إلى سلوك نهائي صافٍ. وأخيرًا، وكما رأينا، فإن الدماغ يعمل وَفقًا لمبدأ لا لبس فيه، وهو «استخدم قدراتك وإلا فستفقدها»، عندما يتعلق الأمر ببقاء العصبونات وارتباطيتها. وإذا ظل ٩٠ في المائة من الدماغ غير مستخدم، لأظهر تشريح الجثث تنكُّسًا واسع النطاق فيما يصل إلى ٩٠ في المائة، لكن هذه ليست هي الحال.١٥
وكلما ازدادت صعوبة عمل عصبونات بعينها في نشاط معين، ازدادت تلك المساحة من الدماغ التي ستشغلها. في إحدى التجارِب، أظهر مايكل ميرزينيك Merzenich أن نسانيس البومة التي جرى تدريبها على تدوير قرص بإصبعين اثنتين فقط لديها مساحة موسعة من القشرة اللمسية (الحسية الجسدية somatosensory) المتعلقة بهاتين الإصبعين.١٦ ولهذه النتيجة مقابل مدهش في البشر: فالموسيقيون الذين يعزفون الآلات الوترية يدرِّبون أيديهم اليسرى أكثر من اليمنى، ونتيجة لذلك، ففي عازفي الوتريات، يكون القسم الخاص باللمس من القشرة المخية أكبر بالنسبة إلى الجانب الأيسر من الأيمن.١٧ وهناك أمثلةٌ أخرى كثيرة على لُدونة الجهاز الحسي في البالغين، كما أن تأثير التجارِب المتكررة في وظيفة الدماغ يمثل حجر الأساس لتغيُّر العقل، وبالتالي فإن الأمر يستحق الحصول على فكرة عن المدى الواسع والمثير الذي يمكن أن تصل اللُّدونة إليه.
أولًا: هناك دراسات تزودنا بلمحاتٍ خاطفة، مثل تلك التي تناولت سائقي سيارات الأجرة، حيث تُظهر أدمغة مجموعة من الأشخاص الذين يفعلون شيئًا غير عادي أو بصورةٍ شديدة التواتر بصورة يومية، تُظهر اختلافات مقارنةً ببقيتنا. وبصفة عامة تمامًا، على سبيل المثال، فإن البنى الدماغية تختلف بين الموسيقيين وغير الموسيقيين؛ أظهرت صور الفحص التشريحي للموسيقيين المحترفين (عازفي لوحة المفاتيح)، والموسيقيين الهواة، وغير الموسيقيين اختلافات في الحجم في مجموعة من البنى: مناطق الدماغ الحركية، والسمعية، والإبصارية المكانية.١٨ ومن الجدير بالذكر أن هناك عَلاقاتٍ قويةً بين حالة الموسيقي وكثافة الممارسة، مما يُشير إلى أن الاختلافات التشريحية ترتبط بالتعلم وليس بالاستعداد للموسيقى. وفي الوقت نفسه، فإن قضاء وقت طويل في حل مسائل الرياضيات يحرِّض زيادة في كثافة المادة الرمادية في مناطق محددة (الجدارية) من القشرة المخية، والمعروف أنها مكتنَفة في المعالجة الحسابية أو الصور الإبصارية المكانية/البناء العقلي/معالجة الأجسام الثلاثية الأبعاد.١٩
ثم هناك الرياضة. تتسم اللُّدونة المعتمدة على الخبرة بإمكان اكتشافها في أدمغة لاعبي كرة السلة: عندما جرت مقارنة اللاعبين بمجموعة شاهدة من الأصحاء، كان هناك تضخم في «الطيار الآلي» للدماغ، أي المُخَيْخ.٢٠ من الممكن أيضًا مشاهدة تغيُّرات مماثلة في دماغ لاعب الغولف الماهر، وإن كان ذلك في بنية دماغية مختلفة، في مقابل أولئك الذين يمتلكون مهارات أقل.٢١ وعلى أي حالٍ، فبالنظر إلى أنه لا توجد عَلاقة خطية أيضًا بين مستوى إعاقة لاعب غولف والتغيرات التشريحية، فمن المستحيل معرفة ما إذا كان لاعبو الغولف المهرة مهيَّئين predisposed بالفعل لهذه الموهبة بعينها. هذا اللغز الشبيه بأحجية الدجاجة والبيضة هو واحد من العيوب الكبيرة، الأكثر عمومية، لدراسات اللمحة الخاطفة التي تُجرى على مجموعات مختلفة من الناس.
ثمة نوع بديل من التجارِب، والذي يمكنه التفريق بين السبب والنتيجة، وهو مراقبة التغيرات التي تحدث في الدماغ بمرور الوقت في أثناء تدريب أشخاص طبيعيين لا يمتلكون أي مهارةٍ أو موهبة معينة من نقطة الصفر على بعض المهمات التجريبية القياسية.٢٢ في إحدى الحالات، كانت المهارة هي قذف الكرات juggling. خضع المشاركون لتدريب يومي لمدة ثلاثة أشهر لتعلم مهمة قذف ثلاث كرات، حيث لعب الإدراك والترقب دورًا رئيسًا في تحديد الحركات القادمة بدقة. أُجري المسح الدماغي قبل التدريب، وبعد ثلاثة أشهر من التدريب، ثم بعد ثلاثة أشهر أخرى لم تجرِ خلالها محاولة أي قذف للكرات، وفي ذلك الوقت كان الأداء قد تراجع إلى خط الأساس: استخدم مهاراتك وإلا فستفقدها. وفي الوقت نفسه، أظهرت صور المسح الدماغي خلال هذا الوقت حدوث تغيرات بنيوية خلال سبعة أيام من بداية التدريب، وكانت أسرع ما يكون خلال المراحل المبكرة، عندما كان مستوى الأداء منخفضًا. وتُشير هذه النتيجة إلى أن تعلُّم مهمة جديدة يؤدي دورًا محوريًّا في تغيير بنية الدماغ، بدلًا من التدريب المستمر على شيء جرى تعلمه مسبقًا.
والأمر المريح في ذلك كله هو ملاحظة أن هذا التدريب لا يزال بإمكانه إحداث تغيُّرات بنيوية في الدماغ لدى كبار السن. في مهمة لقذف الكرات مثل تلك التي ناقشناها في السطور السابقة، لم يكن أداء المسنين بنفس جودة المشاركين الأصغر سنًّا، لكن تغيرات المادة الرمادية حدثت بالفعل في المناطق الدماغية نفسها تمامًا.٢٣ وبصورة أكثر عمومية، يمكن لتدريب الذاكرة تحفيز نمو القشرة المخية في كبار السن. عند تنفيذ برنامج تدريبي مكثف لمدة ثمانية أسابيع، يتحسن أداء الذاكرة وتزداد سماكة القشرة المخية في المجموعة التجريبية التي تخضع لتدريب الذاكرة.٢٤ وإذا أظهر المسنون تغيرات في الدماغ نتيجة لزيادة النشاط العقلي، فليس من قبيل المفاجأة معرفة أن الأشخاص الأصغر سنًّا يفعلون ذلك أيضًا.
إن الاستعداد للامتحان الطبي الأساسي في ألمانيا، والمعروف باسم Physikum، قد يكون له تأثير واضحٌ على الدماغ.٢٥ يشمل الامتحان «اختبارات شفهية وتحريرية في البيولوجيا، والكيمياء، والكيمياء الحيوية، والفيزياء، والعلوم الاجتماعية، وعلم النفس، وعلم التشريح والفسيولوجيا البشرية، ويتطلب مستوًى مرتفعًا من الترميز والاسترجاع، وتذكر المحتوى.»٢٦ حدثت تغيرات بنيوية تتعلق بالتعلم في مجموعة متنوعة من مناطق الدماغ المتعلقة بالذاكرة: الحُصَين، المادة الرمادية جُنيب الحُصَينية parahippocampal، والقشرة الجدارية الخلفية. لكن العامل الأساس هنا لا يقتصر على مجرد التجرِبة الحادة والمرهقة المتمثلة في الاستعداد للامتحانات. يؤدي تعلم لغة ثانية إلى زيادة كثافة المادة الرمادية، حيث تتوافق التغيُّرات المشاهَدة مع مستوى المهارة.٢٧ أدت خمسة أشهر من تعلُّم لغة ثانية، في هذه الحالة مع طلاب التبادل ممن لغتهم الأم هي الإنجليزية والذين يتعلمون الألمانية في سويسرا، إلى حدوث تغيرات بنيوية مقابلة لزيادة الكفاءة في اللغة الثانية. ومرة أخرى، انعكس مقدار التعلم الفردي الذي تحقق على التغيرات الحادثة في بنية الدماغ.
تكمن الحقيقة المثيرة والمخيفة للحياة في أنك لا تحتاج إلى المشاركة بنشاطٍ في مهمة تدريبية محددة من أجل أن تغير عقلك: سيحدث ذلك في أي حال نتيجة للتجارِب التي تمتلكها والبيئة التي توجد فيها. في كتابها الكاشف والرائع «العقل اللَّدْن»، تكتب شارون بيغلي Begley عن أن «المشابك العصبية الجديدة، وهي الوصلات التي تربط بين العصبون والآخر، هي التعبير المادي عن الذكريات. وبهذا المعنى، فإن الدماغ يخضع لتغير ماديٍّ مستمر … يعيد الدماغ صنع نفسه طَوال الحياة، وذلك استجابة للمثيرات الخارجية لبيئته ولتجارِبه.»٢٨
تمثَّل أول دليل على تأثير العالم الخارجي فيما سيطلَق عليه في النهاية اسم البيئة «المعزِّزة» enriched، ويعود إلى أربعينيات القرن العشرين، عندما قام عالم النفس المستبصر دونالد هيب Hebb بفعل ما يستحيل فعله في الوقت الحاضر: أخذ بعض فئران المختبر إلى بيته.٢٩ ضاع السبب الحقيقي لهذه الخطة الغريبة في غياهب الزمن. وعلى أي حالٍ، فبعد بضعة أسابيع من بقائها في المنزل، اتضح أن هذه الفئران «الطليقة» تمتلك قدرات فائقة في حل المشكلات، مثل الركض في المتاهات، مقارنة مع نظيراتها الأقل حظًّا، والتي ظلت في أقفاص المختبر القياسية.
ومنذ ذلك الحين، أظهرت الدراسات الأكثر رسمية مدى القوة التي يمكن أن يبلغها العامل البيئي، خصوصًا عندما يكون محفِّزًا وجديدًا ومشجعًا على الاستكشاف. جاء أول ذكر لمصطلح «الإثراء البيئي» environmental enrichment في مقالة علمية من تأليف مارك روزنزفايج Rosenzweig وفريقه في جامعة كاليفورنيا في العام ١٩٦٤م، عندما أظهروا لأول مرة التغيرات الجسدية في الدوائر العصبية بفعل الخبرة. تمكن العلماء بالفعل من تحديد الآليات العصبية الكامنة وراء الفروق الفردية في السلوك وحل المشكلات في سلالات مختلفة من الجرذان، ولكنهم سرعان ما أدركوا التأثير الهائل لتلك التجرِبة في الأداء السلوكي النسبي لنظيراتها في الأقفاص.٣٠
على مدى العقود التي تلت ذلك، تعلم علماء الأعصاب أن وجود بيئة ثرية يؤدي إلى مجموعة كاملة من التغيرات الجسدية في الدماغ، وجميعها إيجابية: زيادة حجم أجسام العصبونات، وزيادة الوزن الكلي للدماغ، وزيادة سمك القشرة المخية، وزيادة عدد الأشواك التغصنية dendritic spines (وهي نتوءات على فروع الخلايا تعمل على زيادة مساحة السطح)، وزيادة في حجم الوصلات المِشبكية، وبالتالي حجم الاتصالات، وزيادة عدد الخلايا الدِّبْقية glial cells (وهي خلايا التدبير المنزلي في الدماغ، والتي تضمن وجود بيئة مكروية حميدة للعصبونات). تكون هذه التأثيرات أكثر وضوحًا في الحيوانات الأصغر سنًّا، ولكن لا يزال بالإمكان ملاحظتها في الجرذان البالغة أو حتى المسنة. وتحدث كذلك زيادة في إنتاج خلايا دماغية جديدة في أجزاء الدماغ المرتبطة بالذاكرة والتعلم (الحُصَيْن، والتلفيف المسنن، وخلايا بوركنجي في المُخَيْخ)، فضلًا عن تزايد الإمدادات الدموية وزيادة مقادير عوامل النمو وتخليق البروتينات.
من شأن هذا النوع من البيئة المحفزة، حيث لا توجد مهمات محددة يتوجب تنفيذها ولكنها مع ذلك تولِّد أنواعًا مختلفة من الخبرات، أن يكون له تأثير مدهش حتى عندما يبدو المصير بخلاف ذلك محددًا بصرامة من قِبل الجينات. وفي تجرِبة أُجريت منذ خمسة عشر عامًا، والتي أصبحت الآن كلاسيكية ويُستشهد بها كثيرًا، جرَت هندسة الفئران وراثيًّا عن عمد بحيث تُصاب بمرض هنتنغتون Huntington’s disease، وهو اضطراب عصبي يتسم بحركات جامحة ولا إرادية تُعرف باسم الرَّقَص (chorea: من لفظة إغريقية بمعنى «الرقص»).٣١ عاشت الفئران التي تُركت في أقفاص المختبر النمطية مصيرها الجيني أثناء تقدمها في العمر، إذ كانت نتائجها تزداد سوءًا يومًا بعد يوم في مجموعة متنوعة من اختبارات الحركة، في حين تعرضت مجموعة من الفئران المتطابقة معها وراثيًّا لبيئة ثرية، في عالم يتكون من مساحة أكبر لاستكشافها وعدد أكبر من الأشياء (العجلات والسلالم وما إليها) التي يمكنها أن تتفاعل معها. أثبتت الدراسة بشكلٍ قاطع أن الفئران التي تعيش في هذه البيئة المحفزة أصيبت بمشكلات حركية بعد فترة أطول بكثير وتعرضت لدرجة أقل بكثير من العجز. وحتى في هذه الحالة، في وجود اضطراب مرتبط بجين واحد وفي أدمغة الفئران الأقل تعقيدًا، تتفاعل الطبيعة والتنشئة.
ومنذ أوائل تسعينيات القرن العشرين، كشفت الأبحاث التي أُجريت على الحيوانات التي تعيش في بيئة ثرية وجودَ مجموعة واسعة من التغيرات الجسدية في الدماغ على مستوى الشبكات العصبية الفردية، كما أظهرت أن مدة تجرِبة التخصيب تمثل عاملًا مهمًّا. وعلى سبيل المثال، ففي إحدى الدراسات لم يؤد أسبوع واحد من الإثراء البيئي إلى أي تأثيرٍ، وأدت أربعة أسابيع من الإثراء إلى إحداث تأثيرات سلوكية استمرت لمدة شهرين، في حين أدت ثمانية أسابيع من الإثراء إلى آثار سلوكية دامت لمدة ستة أشهر.٣٢

وبالنظر إلى كل هذه التغيرات الفيزيائية في بنية وكيمياء الدماغ، فلم يكن مفاجئًا أن تكون الحيوانات التي تعيش في بيئات ثرية متفوقة في اختبارات الذاكرة المكانية وأن تُظهر زيادات عامة في الوظائف الإدراكية مثل القدرة على التعلم، والمهارات المكانية وتلك المتعلقة بحل المشكلات، وسرعة معالجة المعلومات، كما انخفضت مستويات القلق لديها. وبالإضافة إلى ذلك، فقد عمل الإثراء على تخفيف الآثار المستديمة الناتجة من التجارِب السلبية الماضية مثل الكَرْب قبل الولادة أو انفصال حديثي الولادة عن الأم. وتتضح الآثار الوقائية للإثراء بصفة خاصة في الحيوانات التي تُظهر قلقًا شديدًا، أو عندما تكون المهمة صعبة للغاية بالنسبة إلى المشارك.

ومن الممكن أن تكون البيئات المعزِّزة مفيدة أيضًا في النماذج الحيوانية للتعافي من إصابات الدماغ. وعلى سبيل المثال، فإن الانتقال إلى بيئة ثرية يحسن النتيجة بعد السكتة الدماغية المحرَّضة تجريبيًّا، فضلًا عن تحسن كبير في الأداء الحركي في الجرذان المصابة بارتفاع عفوي في ضغط الدم، والتي كانت تعيش في السابق في أقفاص المختبر القياسية، مقارنة بجرذان المجموعة الضابطة التي ظلت في بيئة أقل تحفيزًا.٣٣ وعلاوة على ذلك، فإن البيئة الثرية تقلل من الموت الخلوي المبرمج (الاستماتة apoptosis) في حُصَين الجرذان بنسبة ٤٥ في المائة. وإذا لم يكن ذلك كافيًا، فمن الممكن لهذه الظروف البيئية أيضًا الوقاية من الاختلاجات seizures المحرَّضة تجريبيًّا.٣٤
وكذلك تستمر الآثار المفيدة الواسعة النطاق للإثراء البيئي في الجرذان المسنة وعبر مجموعة متنوعة من الأنواع الحية: الفئران، وحيوانات الجَربوع، والسناجب، والقطط، والنسانيس، والطيور، والأسماك، وحتى ذباب الفاكهة والعناكب، أي كل حيوان «من الذباب إلى الفلاسفة».٣٥ لا يزال هناك بعض الجدل بشأن ما إذا كان الإثراء يمثل في الواقع تجرِبة فائقة الخصوصية أو أنه لا يمثل سوى تحسن نسبي مقارنة بالإيواء المختبري التقليدي للحيوانات. وعلى أي حال، فإن النقطة الأساسية هنا هي أن المهم هو الفرق بين نوعي الخبرة، أي التحفيز الأكبر نسبيًّا.
لنرجع الآن إلى السؤال المطروح في بداية الفصل السابق: كيف يمكن لتجرِبة خارجية أن تترك حرفيًّا علامة داخلية على الدماغ؟ ومثلما تنمو العضلات مع ممارسة التمارين الرياضية، كذلك فإن العصبونات تستجيب بدورها للتغيرات المادية، بإنماء مزيد من الفروع. عندما تمتلك عددًا أكبر من الفروع ستزداد مساحة سطح الخلية الدماغية، مما يجعلها هدفًا سهلًا ويؤدي إلى احتمال حدوث مزيد من الاتصالات مع الخلايا الدماغية الأخرى. في العام ١٩٤٩م، أتى دونالد هيب باقتراح صاعق مفاده أن تحفيز السلسلة نفسها من العصبونات مرارًا وتَكرارًا بحيث تصبح نشطة في الوقت نفسه سيجعلها أقوى وأكثر فعالية، وعلى حدِّ تعبيره: «الخلايا التي تطلق إشاراتها معًا ترتبط معًا.»٣٦ ولكن كيف يتم ذلك بالضبط؟ لننتقل بسرعة إلى الأمام بضعة عقود أخرى، إلى الوقت الذي توفرت فيه تقنيات متطورة لمراقبة نشاط خلايا الدماغ المنفردة (والتي تتم عن طريق إدراج أقطاب كهربية مكروية بداخلها وتسجيل الجهد الذي تولِّده). وباستخدام هذه التكنولوجيا، احتل عالم الفسيولوجيا السويدي تيري لومو Lomo وعالم الأعصاب البريطاني تيم بليس Bliss مكانهما في تاريخ أبحاث الدماغ الخاصة لوصفهما الفذ المفصَّل للعملية الفعلية لفكرة هيب. يمكن لعلماء الأعصاب الآن وصف الخطوات الفيزيائية-الكيميائية الخاصة التي يصبح من خلالها إرسال الإشارات بين خليتين دماغيتين أكثر فعالية نتيجة للتَّكرار، أي الخبرة.٣٧
وفي حين سيصعب فرض بيئة معززة موحدة على البشر، وأكثر صعوبة أن تبرر تكوين مجموعة «ضابطة» تجريبية من الأشخاص المحرومين من التحفيز، فقد جرى فحص تأثير الأنواع المختلفة من البيئة في البالغين المسنين الأصحاء عن طريق دراسة العَلاقة بين نمط الحياة و«الاحتياطي الإدراكي»،٣٨ أي «الدرجة التي يمكن للدماغ عندها بناء واستخدام الشبكات أو النماذج المعرفية التي تتسم بكونها أكثر كفاءة أو مرونة، وبالتالي أقل عرضة للاضطراب.»٣٩ تُشير النتائج، وهو أمرٌ ليس بالمستغرب، إلى أن المشاركة الأكبر في الأنشطة الفكرية والاجتماعية ترتبط بتدهور معرفي أقل. ويبدو أن نمط الحياة النشطة عقليًّا قد يقي من التدهور المعرفي عن طريق زيادة كثافة المشابك العصبية (وبالتالي تحسين فعالية التواصل بين العصبونات السليمة) وكفاءة شبكات الدماغ الطبيعية والبديلة.٤٠ ومرة أخرى، كما هي الحال في الحيوانات، فإذا لم يجرِ الحفاظ على الإثراء أو التحفيز، فقد يتدهور الأداء بعد إعادة التأهيل الناجح سابقًا، مما يؤدي إلى تغيرات سلبية. قد يحدث هذا نتيجة للانسحاب من المواقف الاجتماعية أو انخفاض مستويات النشاط و/أو التواصل.٤١ وحتى عند أخذ كل من حاصل الذكاء (IQ)، والعمر، والصحة العامة بعين الاعتبار، فإن الأفراد المسنين الذين يعيشون في مجتمع يُظهرون أداءً أفضل في الاختبارات الإدراكية من نزلاء المؤسسات العلاجية وغيرها.٤٢
والأروع من ذلك كله هو أنه حتى المشي السريع قد يُحفِّز إنتاج عصبونات جديدة (تخلُّق النسيج العصبي neurogenesis)؛ أولًا، تَزيد الرياضة من تدفق الدم إلى الدماغ، ومعه الأكسجين البالغ الأهمية الذي يحمله الدم. وبعد ذلك تمكِّن زيادة الأكسجين الخلايا الجذعية stem cells (وهي الخلايا السلفية الشاملة التي تستمد منها الخلايا المختلفة) من التحول إلى عصبونات بأقصى طاقتها، وكذلك تحفيز إطلاق المواد الكيميائية التي تساعد الخلايا على النمو. ولكن هذا ليس كل شيء: ففي حين يَزيد النشاط البدني من تصنيع الخلايا الجذعية العصبية، فإن التحفيز الإضافي من بيئة معزِّزة يَزيد من ترابطية واستقرار تلك الاتصالات.٤٣ وعلى الرغم من أنه لم يُصبح ممكنًا إلا في الآونة الأخيرة دراسة إنتاج الخلايا في الدماغ البشري،٤٤ فمِن المعتقَد الآن أن التغيرات التي تحدث في عمليات وبنية الدماغ، كنتيجة للأنشطة الاجتماعية والعقلية والجسدية المعزِّزة، تساعد في درء التدهور المعرفي الذي يحدث مع تقدمنا في العمر،٤٥ وبالتالي منع الفقدان الكامن للخلايا الذي يميز دورة الموت في مرض ألزهايمر Alzheimer’s disease.٤٦
ومن الممكن أيضًا أن يؤدي التفكير المحض إلى تغيير الدماغ ماديًّا، على الرغم من أن هذا قد يبدو غريبًا. أُجريَ واحد من أكثر الأمثلة استشهادًا حول الكيفية التي يمكن بها للتفكير أن يوجه تغيرًا ماديًّا في الدماغ من قِبل ألفارو باسكوال-ليوني Pascual-Leone وفريقه البحثي في العام ١٩٩٥م على ثلاث مجموعات من متطوعين من البشر البالغين، لم يكن أيٌّ منهم يستطيع العزف على البيانو.٤٧ على مدى خمسة أيام، جرى تعريض المجموعة الضابطة لبيئة تجريبية ولكن ليس للعامل البالغ الأهمية المتمثل في تعلم التدريبات. مارست المجموعة الثانية تمارين البيانو بخمس أصابع، وأظهرت على مدى الأيام الخمسة تغيرات مذهلة في صور المسح الدماغي. لكن المجموعة الثالثة كانت أكثرها إثارة للدهشة. طُلب من المشاركين في هذه المجموعة مجرد تخيل أنهم يعزفون على البيانو، ومع ذلك أظهرت صور المسح الدماغي تغيرات مماثلة تقريبًا لتلك التي ظهرت في المجموعة التي تقوم بالممارسة الفعلية!
وقد اتبعت العديد من الأمثلة الإضافية والمذهلة الأثر الملموس للتفكير على الدماغ. أثبت فريد «راستي» غيج Gage، وهو أستاذ في مختبر علم الوراثة بمعهد سولك، أنه من أجل أن تولِّد الممارسة إنتاج خلايا دماغية جديدة، يجب أن تكون تلك الممارسة طوعية: يجب أن يقرر الحيوان الدخول إلى عجلة التمرين والركض بداخلها.٤٨ وبالمثل في البشر، يبدو أن اللُّدونة لا تحدث إلا عندما تكون الحركات إرادية و/أو عندما يُبدي المشارك انتباهًا واعيًا. ولكن إذا كان تركيز الانتباه في هذه اللحظة الحرجة ضروريًّا لإجراء تغيُّرات تكيُّفية على الدماغ، فالأكثر أهمية هنا هي الحالة الذهنية للفرد. ولعل المثال الأكثر شهرة على الرغم من كونه يبدو غير محتمل هو تأثير الدواء الغُفل placebo effect، حيث يتمثل الاعتقاد البسيط في أن ثمة مادة خاملة تمتلك خصائص علاجية تكفي في حد ذاتها لعلاج مرض ما.
نحن نعلم أن هذا التأثير يعمل عن طريق مواد كيميائية شبيهة بالمورفين، والتي توجد بشكل طبيعي في الدماغ، والتي تُعرف باسم الإنكيفالينات enkephalins، كما أثبتت الأبحاث أن عقَّار النالوكسون، والذي يثبِّط عمل الإنكيفالينات، يثبط في المقابل تأثير الدواء الغُفل.٤٩ وتبيَّن أيضًا أن تلك الآثار لا تحدث لمجرد وجود جزيء من الإنكيفالين؛ وبدلًا من ذلك، فمن الضروري الاعتقاد بأن الدواء الغُفل هو في الواقع دواءٌ فعَّال. ومرة أخرى، فالأمر البالغ الأهمية هنا هو التفكير الواعي، وليس فقط المشهد المناسب من أسفل إلى أعلى لخلايا الدماغ والمواد الكيميائية العاملة فيه.
ويمكن الاطلاع على مزيد من التوضيح للدور الرئيس الذي يؤديه التفكير الواعي في حالات الاكتئاب. لقد اتضح أن هناك فرقًا كبيرًا لدى مرضى الاكتئاب بين التدخل من أسفل إلى أعلى في حالاتهم، باستخدام مضادات الاكتئاب مثل بروزاك، والتدخل بواسطة تقنيات الكلام المختلفة مثل العلاج السلوكي المعرفي. يختلف العلاج النفسي عن الأدوية المضادة للاكتئاب في أن المعالج يستهدف معتقدات المريض، ويشجِّع المريض على رؤية العالم بطريقة جديدة وأكثر إيجابية. إن سبب الاكتئاب — كفقدان أحد الأحباء، على سبيل المثال — لا يتضاءل، بل يوضع في سياق يمكِّن المريض من اتخاذ منظور أكثر إيجابية. وبالتالي، فإن العلاج السلوكي المعرفي للاكتئاب يعمل على نحو مماثلٍ للدواء الغُفل. وفي كلتا الحالين، فإن الدماغ يعمل من أعلى إلى أسفل: إن المعتقد belief، الذي يحدث على المستوى الكلي للشبكات العصبية، والذي يؤدي حينئذٍ إلى إحداث تغيرات كيميائية في الدماغ، على الرغم من فهم الكيفية المحددة لحدوثه فلا يزال لغزًا محيرًا في علم الأعصاب.

وفي الوقت نفسه، فإن العلاج بالأدوية يعمل بشكلٍ مختلِف، عن طريق التعديل من أسفل إلى أعلى مباشرة، فهو يعدِّل بصورةٍ مباشرة توافر الناقلات العصبية، وتجاوز أي دوائر عصبونية شخصية. بيد أن هذه الدوائر الشخصية، التي يمكننا مساواتها مع العقل الشخصي، قد تكون في غاية الأهمية. وهناك فرقٌ كبير بين العلاج السلوكي المعرفي والتدخل الدوائي المباشر، وهو أن احتمال الانتكاس في حالات الاكتئاب يكون أكبر في العلاج الدوائي. من المفترض في التغيرات المتعلقة باللُّدونة في الشبكات العصبونية الشخصية، والتي تشكلت بفعل العلاج السلوكي المعرفي الروتيني، أن تكون أكثر ديمومة وقوة من التغير العام، لكنه عابرٌ في المقام الأول في الصورة الكيميائية للدماغ، حيث تتلاعب الأدوية بصورة مباشرة بمشاعر الفرد وحالته الواعية على مدى فترة زمنية أقصر بكثير.

ومن المثير للاهتمام أنه في الأفراد المصابين بالاكتئاب، نجد أن المنطقة الدماغية التي يجري فيها إنشاء عصبونات جديدة من الخلايا الجذعية (التلفيف المسنن dentate gyrus) تنكمش.٥٠ إذا كانت هذه الخلايا الجديدة تسهِّل في العادة تشكيل اتصالات جديدة، كما أشارت إليه شارون بيغلي، فإن هذا التغير الجسدي في الدماغ قد يفسر سبب كون مرضى الاكتئاب لا يتقبلون الأشياء الجديدة بسهولةٍ، وإصرارهم على رؤية العالم بطريقة لا تتغير، والتي تتسم يكونها مملة وأحادية اللون.٥١

وباختصار، فإن أدمغة طائفة كاملة من الحيوانات تتسم بلُدُونتها المدهشة، كما أن الدماغ البشري يُعدُّ متفوقًا في ذلك بصورة استثنائية. فهو يتكيف ماديًّا باستمرار مع الأنواع المتكررة من السلوكيات، وذلك وَفقًا لمبدأ «استخدم قدراتك وإلا فستخسرها». يتسم هذا التحديث العصبوني الذي لا نهاية له بأنه واضحٌ بشكل خاص خلال الأطر الزمنية الحرجة خلال النماء، لكنه يستمر طَوال الحياة وحتى سن الشيخوخة. ومع ذلك فاللدونة لا تتوقف عند تَكرار مهارات معينة. إن التجرِبة المجردة للعيش والتفاعل في بيئة معينة تترك بصماتها على الدماغ، مما يؤدي بدوره إلى دوائر دماغية شخصانية وفريدة من نوعها (الحالة الذهنية)، والتي يمكن أن تؤدي في النهاية إلى مزيدٍ من التغيرات المادية في الدماغ والجسم. لكن هذا يدعنا مع بعض الألغاز المضجرة. كيف يمكن لفكرة بسيطة أن تعدِّل حالة مادية؟ وعلى العكس من ذلك، كيف يمكن لدواء يؤثر في المواد الكيميائية التي تعدِّل الحالات المادية أن يعدِّل الأفكار البسيطة؟ باختصار، ما هي قصة علماء الأعصاب حول الأساس الفيزيائي المحتمل للعقل والوعي؟

١  Maguire, E. A., Gadian, D. G., Johnsrude, I. S., Good, C. D., Ashburner, J., Frackowiak, R. S., and Frith, C. D. (2000). Navigation-related structural change in the hippocampi of taxi drivers. Proceedings of the National Academy of Sciences 97, no. 8, 4398–4403. doi: 10.1073/pnas.070039597.
٢  الأخطبوط، الذي ظهر في تجارِب الذاكرة الكلاسيكية في ستينيات القرن العشرين، وتلقى في الآونة الأخيرة كثيرًا من الاهتمام عندما أظهر أحدها، «بول»، قدرات متبصرة على ما يبدو من حيث قدرته على التنبؤ بنتائج عدد من المباريات المختلفة في كأس العالم لعام ٢٠١١م. انظر أيضًا:
Young, J. Z. (1983). The distributed tactile memory system of Octopus. Proceedings of the Royal Society of London. Series B, Biological Sciences, 135–176.
٣  Abrams, T. W., and Kandel, E. R. (1988). Is contiguity detection in classical conditioning a system or a cellular property? Learning in Aplysia suggests a possible molecular site. Trends in Neurosciences 11, no. 4, 128–135. doi: 10.1016/0166-2236(88)90137-3.
٤  بيمونتي أو بيدمونت، هو أحد الأقاليم الإيطالية المحاطة تقريبًا بجبال الألب. [المحررة]
٥  Doidge, N. (2007). The brain that changes itself: Stories of personal triumph from the frontiers of brain science. New York: Penguin, p. 315.
٦  Rosenzweig, M. R. (1996). Aspects of the search for neural mechanisms of memory. Annual Review of Psychology 47, no. 1, 1–32. doi: 10.1146/annurev.psych.47.1.1. Rosenzweig, M. R., Modification of Brain Circuits through Experience, in Neural Plasticity and Memory: From Genes to Brain Imaging, F. Bermúdez-Rattoni, (Ed.), 2007, CRC Press: Boca Raton, Florida, USA.
٧  White House, Office of the Press Secretary. (April 17, 1997). Remarks from the Conference.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://clinton4.nara.gov/WH/New/ECDC/Remarks.html
٨  Bavelier, D., and Neville, H. J. (2002). Cross-modal plasticity: Where and how? Nature Reviews Neuroscience 3, no. 6, 443–452. doi: 10.1038/nrn848.
٩  Derbyshire, D. (March 6, 2011). The boy whose damaged brain “rewired” itself.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.telegraph.co.uk/news/uknews/1325183/The-boy-whose-damaged-brain-rewired-itself.html
١٠  Lewis, T. L., and Maurer, D. (2005). Multiple sensitive periods in human visual development: Evidence from visually deprived children. Developmental Psychobiology 46, no. 3, 163–183. doi: 10.1002/dev.20055.
١١  Neville, H. J., and Lawson, D. (1987). Attention to central and peripheral visual space in a movement detection task: An event-related potential and behavioral study. II. Congenitally deaf adults. Brain Research 405, no. 2, 268–283. doi: 10.1016/0006-8993(87)90296-4.
١٢  Kleim, J. A. (2011). Neural plasticity and neurorehabilitation: Teaching the new brain old tricks. Journal of Communication Disorders 44, no. 5, 521–528. doi: 10.1016/j.jcomdis.2011.04.006.
١٣  Schlaug, G., Marchina, S., and Norton, A. (2009). Evidence for plasticity in white-matter tracts of patients with chronic Broca’s aphasia undergoing intense intonation-based speech therapy. Annals of the New York Academy of Sciences 1169, no. 1, 385–394. doi: 10.1111/j.1749-6632.2009.04587.x.
١٤  Nudo, R. J. (2011). Neural bases of recovery after brain injury. Journal of Communication Disorders 44, no. 5, 515–520. doi: 10.1016/j.jcomdis.2011.04.004.
١٥  من أين أتت مثل هذه الفكرة الغريبة؟ يتمثل أحد الاقتراحات في أن عالم النفس العظيم وليام جيمس كان يعمل ضمن برنامج معجَّل لتعليم طفلٍ معجزةٍ في تسعينيات القرن التاسع عشر، وقام بالتعميم انطلاقًا من هذه الحالة الاستثنائية بأن معظم الناس لا يحققون إلا جزءًا بسيطًا من قدراتهم الحقيقية. ربما كان الأمر كذلك، ولكن ليس لأن ٩٠ في المائة من أدمغتنا لا تعمل. ويُعزى هذا الرقم المحدد على نحوٍ غريب إلى الكاتب الأمريكي ويل توماس الذي حاول تلخيص أبحاث جيمس في العام ١٩٣٦م، وربما استند تقديره إلى النسبة المئوية للوظائف الدماغية التي يمكن أن تُخطَّط زمنيًّا من حيث موقعها في الدماغ. وعلى الرغم من أن توماس قد لا يكون طرفًا في معرفتنا الحاليَّة بالدماغ، فإن ٩٠ / ١٠ هي نسبة لا تزال شائعة بمحض المصادفة، وعلى سبيل المثال، فإن عدد الخلايا العصبية الرئيسة في الدماغ (العصبونات) يقل بنسبة واحد إلى عشَرة عن الخلايا الدِّبْقية (التي اشتُق اسمها من اللفظ اليوناني «للغراء»)، والتي تتولى مهام التدبير الأساسية للدماغ، إضافة إلى التأكد من كون بيئة الدماغ صحية وراعية. وعلاوة على ذلك، ففي أي وقتٍ بعينه، لا يكون سوى نحو ١٠ في المائة فقط من العصبونات نشطة عفويًّا. وعلى أي حال، فهذا لا يعني أن ما تبقى منها تكون ميتة أو غير نشطة، مثل اعتبار لاعب كرة القدم الواقف في حالة تأهب، لكنه ثابت في مكانه فترة وجيزة في الملعب، غيرَ مشارك في المباراة.
١٦  Jenkins, W. M., Merzenich, M. M., Ochs, M. T., Allard, T., and Guic-Robles, E. (1990). Functional reorganization of primary somatosensory cortex in adult owl monkeys after behaviorally controlled tactile stimulation. Journal of Neurophysiology 63, no. 1, 82–104.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://jn.physiology.org/content/63/1/82.full.pdf+html
١٧  Elbert, T., Pantev, C., Wienbruch, C., Rockstroh, B., and Taub, E. (1995). Increased cortical representation of the fingers of the left hand in string players. Science 270, no. 5234, 305–307. doi: 10.1126/science.270.5234.305.
١٨  Gaser, C., and Schlaug, G. (2003). Brain structures differ between musicians and non-musicians. Journal of Neuroscience 23, no. 27, 9240–9245.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.jneurosci.org/content/23/27/9240.full.pdf+html
١٩  Aydin, K., Ucar, A., Oguz, K. K., Okur, O. O., Agayev, A., Unal, Z., … and Ozturk, C. (2007). Increased gray matter density in the parietal cortex of mathematicians: A voxel-based morphometry study. American Journal of Neuroradiology 28, no. 10, 1859–1864. doi: 10.3174/ajnr. A0696.
٢٠  Park, I. S., Lee, K. J., Han, J. W., Lee, N. J., Lee, W. T., and Park, K. A. (2009). Experience-dependent plasticity of cerebellar vermis in basketball players. The Cerebellum 8, no. 3, 334–339. doi: 10.1007/s12311-009-0100-1.
٢١  Jäncke, L., Koeneke, S., Hoppe, A., Rominger, C., and Hänggi, J. (2009). The architecture of the golfer’s brain. PLOS ONE 4, no. 3, e4785. doi: 10.1371/journal.pone.0004785.
٢٢  Draganski, B., Gaser, C., Busch, V., Schuierer, G., Bogdahn, U., and May, A. (2004). Neuroplasticity: Changes in gray matter induced by training. Nature 427, no. 6972, 311, 312. doi: 10.1038/427311a. Driemeyer, J., Boyke, J., Gaser, C., Büchel, C., and May, A. (2008). Changes in gray matter induced by learning: Revisited. PLOS ONE 3, no. 7, e2669. doi: 10.137/journal.pone.0002669.
٢٣  Boyke, J., Driemeyer, J., Gaser, C., Büchel, C., and May, A. (2008). Training-induced brain structure changes in the elderly. Journal of Neuroscience 28, no. 28, 7031–7035. doi: 10.1523/JNEUROSCI.0742-08.2008.
٢٤  Engvig, A., Fjell, A. M., Westlye, L. T., Moberget, T., Sundseth, Ø., Larsen, V. A., and Walhovd, K. B. (2010). Effects of memory training on cortical thickness in the elderly. Neuroimage 52, no. 4, 1667–1676. doi: 10.1016/j.neuroimage.2010.05.041.
٢٥  Draganski, B., Gaser, C., Kempermann, G., Kuhn, H. G., Winkler, J., Büchel, C., and May, A. (2006). Temporal and spatial dynamics of brain structure changes during extensive learning. Journal of Neuroscience 26, no. 23, 6314–6317. doi: 10.1523/JNEUROSCI.4628-05.2006.
٢٦  May, A. (2011). Experience-dependent structural plasticity in the adult human brain. Trends in Cognitive Sciences 15, no. 10, 475–482. doi: 10.1016/j.tics.2011.08.002, p. 4.
٢٧  Mechelli, A., Crinion, J. T., Noppeney, U., O’Doherty, J., Ashburner, J., Frackowiak, R. S., and Price, C. J. (2004). Neurolinguistics: Structural plasticity in the bilingual brain. Nature 431, no. 7010, 757. doi: 10.1038/431757a. Stein, M., Federspiel, A., Koenig, T., Wirth, M., Strik, W., Wiest, R., … and Dierks, T. (2012). Structural plasticity in the language system related to increased second language proficiency. Cortex 48, no. 4, 458–465. doi: 10.1016/j.cortex.2010.10.007.
٢٨  Begley, S. (2008). The plastic mind. London: Constable & Robinson.
٢٩  Pickren, W., and Rutherford, A. (2010). A history of modern psychology in context. Hoboken, NJ: Wiley.
٣٠  Diamond, M. C., Krech, D., and Rosenzweig, M. R. (1964). The effects of an enriched environment on the histology of the rat cerebral cortex. Journal of Comparative Neurology 123, no. 1, 111–119. doi: 10.1002/cne.901230110.
٣١  Van Dellen, A., Blakemore, C., Deacon, R., York, D., and Hannan, A. J. (2000). Delaying the onset of Huntington’s in mice. Nature 404, no. 6779, 721-722. doi: 10.1038/35008142.
٣٢  Amaral, O. B., Vargas, R. S., Hansel, G., Izquierdo, I., and Souza, D. O. (2008). Duration of environmental enrichment influences the magnitude and persistence of its behavioral effects on mice. Physiology & Behavior 93, no. 1, 388–394. doi: 10.1016/j.physbeh.2007.09.009.
٣٣  Johansson, B. B. (1996). Functional outcome in rats transferred to an enriched environment 15 days after focal brain ischemia. Stroke 27, no. 2, 324–326. doi: 10.1161/01.STR.27.2.324.
٣٤  Young, D., Lawlor, P. A., Leone, P., Dragunow, M., and During, M. J. (1999). Environmental enrichment inhibits spontaneous apoptosis, prevents seizures and is neuroprotective. Nature Medicine 5, no. 4, 448–453. doi: 10.1038/7449.
٣٥  Mohammed, A. H., Zhu, S. W., Darmopil, S., Hjerling-Leffler, J., Ernfors, P., Winblad, B., … and Bogdanovic, N. (2002). Environmental enrichment and the brain. Progress in Brain Research no. 138, 109–133. doi: 10.1016/S00796123(02)38074-9, p. 127.
٣٦  Hebb, D. O. (1949). The organization of behavior: A neuropsychological theory. New York: Wiley.
٣٧  لكن هذه السلسلة البسيطة من الأحداث الكهربائية والكيميائية لا تفسر كيف يمكن أن تصبح المشابك «أقوى» (أكثر فعالية وكفاءة) كلما زاد استخدامها: لا بد أن ثمة شيئًا إضافيًّا يحدث لتحقيق مثل هذه المرونة. تَمثَّل الاكتشاف العظيم لبليس ولومو في إظهار أن بعض الجزيئات المستهدفة (المستقبلات) على الخلية المستقبِلة قد تكون شديدة التدقيق بخصوص الظروف التي ستعمل فيها بشكلٍ جيد، ومن الممكن أن يتحول هذا التدقيق إلى أفضلية ويشكل أساسًا لتكيفية خلايا الدماغ. وبالنسبة إلى النوع المتطلَّب من المستقبِلات، لا تكفي المصافحة البسيطة، حتى عندما تتشابك مع ناقل عصبي «س»؛ فهي لا تكفي لتسبب تغييرًا فعليًّا في الفولطية في الخلية. أو، إذا أردنا استخدام تشبيه آخر، قد يكون القارب في المَرفأ ولكن لا توجد سيارة متاحة حتى الآن. يجب أن يحدث شيء آخر بعد ذلك؛ يجب أن يحدث تغيير آخر خلال وجود الناقل العصبي «س» بالفعل. ستكون المصافحة فعالة ليس فقط بسبب تشابك اليدين معًا، ولكن لأن واحدة منهما تضغط الآن على الأخرى. ووَفقًا لذلك، إذا وصل ناقل عصبي ثانٍ، «ص»، إلى المشهد، والتصق بدوره بالخلية، فإن تصادف تلاقي «س» و«ص» سيحقق أخيرًا مطالب المستقبلة المتطلبة (ستظهر سيارة)، والآن، سيتم توليد إشارة كهربائية، ولكن لذلك عواقب على المدى الطويل، عندما تبدأ المستقبلة المتطلبة في العمل، ستحفِّز فتح قنوات صغيرة في الخلية بحيث يمكن للكالسيوم أن يتدفق إلى داخلها. وفي المقابل، سيفرز الكالسيوم مادة كيميائية تعود مرة أخرى عبر المِشبك العصبي إلى الخلية الواردة الأصلية وتجعلها تفرز كَميات أكثر من المعتاد من الناقل العصبي، وفي الوقت نفسه، تقع داخل الخلية المستهدفة سلسلة من الأحداث المتتابعة التي تجعل الخلايا أكثر حساسيَّة من حيث مدى فعالية استجابتها للكَمية القياسية من المدخلات الواردة. وسيكون للإشارة نفسها تأثير أقوى بكثير. يعمل المِشبك العصبي الآن بقوة أكثر، لكن الأمور لا تتوقف عند هذا الحد، لا تزال للكالسيوم الذي دخل الخلية خلال هذه العملية (التعزيز الطويل المدى) تأثيرات طويلة المدى: يتم إنتاج المزيد من المواد الكيميائية التخصصية بداخل الخلية، والتي تَزيد من استقرار المِشبك العصبي عن طريق العمل كشارات لاصقة (جزيئات الالتصاق الخلوية). وفي الوقت نفسه، تنبري بروتينات مختلفة إلى العمل من أجل تحسين مظهر عدد أكبر من الاتصالات العصبونية. يحدث كل هذا بسبب الشرط الأولي للمستقبلة المتطلبة، حيث يجب أن يحدث أمران في غضون فترة زمنية معينة، ولفترة طويلة من الزمن، من أجل أن يشق الكالسيوم طريقه إلى العصبون، وبهذه الطريقة، فكلما تم تَكرار السلوك أو التدرب عليه، مثل استجابة تَكرارية لتجرِبة معينة، ازداد تأثير وقوة المشابك العصبية على مر الزمن، وبالتالي فإن هذه التجرِبة ستترك بصماتها على الدماغ حرفيًّا.
٣٨  Scarmeas, N. and Stern, Y. (2003). Cognitive reserve and lifestyle. Journal of Clinical and Experimental Neuropsychology 25, no. 5, 625–633. doi: 10.1076/jcen.25.5.625.14576.
٣٩  Frasca, D., Tomaszczyk, J., McFadyen, B. J., and Green, R. E. (2013). Traumatic brain injury and post-acute decline: What role does environmental enrichment play? A scoping review. Frontiers in Human Neuroscience no. 7, 31. doi: 10.3389/fnhum.2013.00031.
٤٠  Scarmeas and Stern, 2003.
٤١  Frasca et al., 2013.
٤٢  Winocur, G., and Moscovitch, M. (1990). A comparison of cognitive function in community-dwelling and institutionalized old people of normal intelligence. Canadian Journal of Psychology/Revue Canadienne de Psychologie 44, no. 4, 435–444. doi: 10.1037/h0084270.
٤٣  Olson, A. K., Eadie, B. D., Ernst, C., and Christie, B. R. (2006). Environmental enrichment and voluntary exercise massively increase neurogenesis in the adult hippocampus via dissociable pathways Hippocampus 16, no. 3, 250–260. doi: 10.1002/hipo.20157.
٤٤  Nottebohm, F. (2002). Neuronal replacement in adult brain. Brain Research Bulletin 57, no. 6, 737–749. doi: 10.1016/S0361-9230(02)00750-5.
٤٥  Nyberg, L., Lövdén, M., Riklund, K., Lindenberger, U., and Bäckman, L. (2012). Memory aging and brain maintenance. Trends in Cognitive Sciences 16, no. 5, 292–305. doi: 10.1016/j.tics.2012.04.005.
٤٦  Mu, Y. and Gage, F. H. (2011). Adult hippocampal neurogenesis and its role in Alzheimer’s disease. Molecular Neurodegeneration 6, no. 1, 85. doi: 10.1186/1750-1326-6-85.
٤٧  Pascual-Leone, A., Nguyet, D., Cohen, L. G., Brasil-Neto, J. P., Cammarota, A., and Hallett, M. (1995). Modulation of muscle responses evoked by transcranial magnetic stimulation during the acquisition of new fine motor skills. Journal of Neurophysiology 74, no. 3, 1037–1045.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://psycnet.apa.org/psycinfo/1996-25629-001
٤٨  Van Praag, H., Kempermann, G., and Gage, F. H. (1999). Running increases cell proliferation and neurogenesis in the adult mouse dentate gyrus. Nature Neuroscience 2, no. 3, 266–270. doi: 10.1038/6368.
٤٩  Sauro, M. D., and Greenberg, R. P (2005). Endogenous opiates and the placebo effect: A meta-analytic review. Journal of Psychosomatic Research 58, 115–20.
٥٠  Tanti, A. and Belzung, C. (2013). Hippocampal neurogenesis: A biomarker for depression or antidepressant effects? Methodological considerations and perspectives for future research. Cell and Tissue Research, 1–17. doi: 10.1007/s00441-013-1612-z.
٥١  Begley, 2008.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦