كيف يصبح الدماغ عقلًا
عندما سألَتْني عن كيفية عمل الدماغ، طرحت الفتاة التي كانت بين الحضور واحدًا من أصعب الأسئلة على الإطلاق. حتى قبل أن نبدأ في فهم معنى ما تُظهره لنا بالفعل جميع التقنيات الجديدة والقوية في علم الأعصاب، سنقع على الفور في مشكلة مع السؤال نفسه. فبعد كل شيء، ما الذي تعنيه في الواقع عبارة «كيف يعمل الدماغ؟» تُناط بالجهاز العصبي المركزي كثير من الوظائف المختلفة، والتي تؤدَّى على العديد من المستويات التشغيلية المختلفة، لدرجة أن جميع هذه السفسطة العصبونية لا يمكن بالفعل إدراجها تحت كلمة منفردة جامعة مثل «يعمل». على سبيل المثال، على أحد المستويات، يعرف الجميع كيف «يعمل» عقَّار بروزاك: من بين الأفعال الرئيسة للعقَّار، نجد تعزيز توافر أحد المراسيل الكيميائية، وهو الناقل العصبي سيروتونين. لكن الكيفية التي «تعمل» بها زيادة توافر السيروتونين على تخفيف البؤس الشخصي لدى مرضى الاكتئاب لا تزال لغزًا كاملًا.
فالسيروتونين هو، بعد كل شيء، مجرد جزيء؛ أي إنه لا يحتوي على سعادة محتبسة بداخله. وبدلًا من ذلك، فإن المسألة البالغة الأهمية هنا هي السياق، أي دوائر الخلايا الدماغية التي يلعب بداخلها دورًا مساندًا؛ دورًا قويًّا بالفعل، لكن ذلك يحدث فقط عندما يعمل ضمن السيناريو الملائم. ومثل ممثلة تقرأ سطورًا متفرقة من الدور بمفردها في غرفة خلع الملابس الفارغة، فإن الناقلات العصبية وغيرها من الجزيئات الفاعلة بيولوجيًّا والمكتنَفة في الإشارات العصبية لا تحقق شيئًا من تلقاء نفسها، فهي تحتاج إلى غيرها من الممثلين، وإلى المشهد المحيط، وإلى تسلسل واضح للأحداث من أجل أن يكون لأدوارها أي تأثيرٍ أو أهمية. وفي حالة السيروتونين والاكتئاب، نحن نعلم أن هناك فترة تلكؤ تمتد إلى عشَرة أيام على الأقل بين بداية تناول البروزاك وبداية الشعور بالآثار العلاجية. فإذا كانت البهجة نتاجًا مباشرًا لجزيء السيروتونين نفسه، فمن المؤكد أنك كنت ستشعر بتأثير العقَّار فور تناوله. بيد أن الحاجة إلى الانتظار تعني أن تخفيف حدة الاكتئاب لا يتعلق مباشرة بالناقل العصبي نفسه، أو بمحيطه المكاني المباشر، أو حتى بفعله المباشر على الخلايا المجاورة. وبدلًا من ذلك، هناك أمرٌ أكثر تعقيدًا بكثير يتم داخل الشبكة العصبية الأوسع، وعلى مدًى زمني أطول.
على أي حال، فمن دون رادع، بحَث البعض عن الإجابة في الذكاء الاصطناعي المرتكز على السيليكون. مع القوة المتنامية للمعالجة الحاسوبية، فإن القضية هنا لا تتعلق بالجزء الخاص بالذكاء بقدر ما تتعلق بالجزء الاصطناعي: كيف يمكن تنظيم حاسوب بالمقارنة مع الدماغ البيولوجي الحقيقي؟ لا يزال كثيرون يجاهرون بأن الدماغ يعمل «مثل حاسوب». من الممكن تطوير هذه الفرضية الأولية في اتجاهين محتملين: إما أن نبدأ بالنظم البيولوجية ونتحرك نحو النظم الاصطناعية، أو أن نبدأ بتلك الاصطناعية ونتحرك نحو البيولوجية. إذا بدأنا بظاهرة بيولوجية، سواء كانت التعلم، أو الذاكرة، أو حتى الوعي نفسه، فستتمثل الفكرة المعتادة في أنه ينبغي علينا أن نتمكن من نمذجتها في جهازٍ مرتكز على السيليكون. لكن هناك مشكلة فورية هنا، نظرًا إلى أن فكرة صنع نَموذج تتطلب أن نركز على السمات البارزة البالغة الأهمية والتخلي عن تلك الدخيلة. إن نَموذجًا للطيران، كما يتمثل في طائرة، يتطلب التغلب على الجاذبية، أما ما لا نحتاجه فهو ريشٌ ومنقار. لذلك، فمن أجل نمذجة الوعي، سيتوجب علينا بالفعل أن نتعرف على ماهية العمليات المادية البارزة للدماغ والجسم، وعلى الأجزاء الدخيلة منها، والتي يمكن بالتالي تجاهلها. ومع هذا، إذا عرفنا ذلك، فسنكون قد وصلنا إلى حل المشكلة بالفعل؛ ولن تكون هناك حاجة لأن نكترث لهذا النموذج.
لكن طريقة التفكير هذه تُغفل علم الأعصاب المستبطن الذي هو عادةً قيد العمل. فكِّر في نقل تلك التشكيلة الهائلة من المركَّبات المتقلبة والدقيقة في الجهاز العصبي، والتي تعمل في توليفاتٍ مختلفة، وفي أماكنَ مختلفة، وعبر نوافذَ زمنيةٍ مختلفة، والتي لها آثار متغيرة وشديدة الاعتماد على السياق. تُظهر الكيمياء العصبية المتنوعة للجهاز العصبي المركزي أن النوعية لا يمكن اختزالها إلى كَمية، وأن الدينامية المعقدة لتحوير المواد الكيميائية وأدمغتنا هي أكثر بكثير من مجرد عمليات حسابية.
على أي حال، فلم يؤد المأزق المفاهيمي لِلُغز تحويل الماء إلى شراب إلى منع علماء الأعصاب، وأنا منهم، من محاولة تحقيق نوع من التقدم. ثمة طريقة متعرجة للتقدم، وهي التوقف مؤقتًا عن التفكير في المشكلة الصعبة، ومن ثم طرح سؤال أبسط بدلًا من ذلك: هل يمكننا خفض أبصارنا وأن نكتفي بربط، أو مطابقة، بعض المشاعر الذاتية ببعض الأحداث المادية في الدماغ، مثل الربط بين مشاعر العافية والزيادات الحادثة في مستويات السيروتونين بفعل تناول عقَّار البروزاك، بطريقة تكشف عن وجود عَلاقةٍ ثابتة بين الأحداث الموضوعية والتجارِب الشخصانية؟
ولكن، ماذا عن الوضع الذي لا يرن فيه المنبه ومن ثم تستمر في الحلم؟ لدينا هنا حالة يكون فيها الوعي غريبًا بصورة ما، على الرغم من أنك لا تزال فيها منيعًا ضد العالم الحسي الخارجي من حولك. لقد اقترحت أن التجمعات العصبونية التي تنتج الأحلام تتسم بكونها هشَّة للغاية وغير متوسعة كثيرًا، لأنها موجهة من قِبل مصادفات النشاط العصبوني الداخلي المستقل عن المساهمة القوية من قِبل الحواس والعالم الخارجي. وإذا كان التجمع الحادث في الأحلام صغيرًا، فإن الوعي المقابل لا يكون شديد العمق، وبالتالي يغيب منطق السبب والنتيجة، ومن ثم السرد المفكك وغير المعقول الذي يشكل ويميز حالة الحلم.
وإذا كان الوعي ينمو كما تنمو الأدمغة، فبوسعنا أن نتوقع أيضًا لصيغة التجمع الصغير هذه أن تميز عقلية من لا تزال أدمغتهم في طور النمو: الأطفال الصغار، الذين توجِّه سلوكياتهم اللحظة العابرة والعواطف الآنيَّة وليس العواقب التفصيلية والتخطيط. ومع ذلك، فهناك طرق يمكن بها حتى للدماغ البشري البالغ أن ينكص إلى هذا الوضع الأكثر أساسة من التجمع الصغير، على الرغم من كونه مستيقظًا تمامًا. وهناك عوامل كثيرة في الدماغ يمكنها أن تساهم في المحصلة النهائية التي تَنتج عن تجمع صغير، وليس مجرد الافتقار إلى وجود محفِّز خارجي (الحُلم) أو عدم وجود اتصالات دماغية كافية (الأطفال الصغار). ماذا لو كان هناك فائض من مادة كيميائية دماغية تحد من الانتشار الكامل للتجمع، أو ما إذا كان هناك عدد كبير للغاية من المدخلات الحسية التي تقصف الدماغ، والتي لا يمتلك أيُّها الوقتَ اللازم لتحريض التجمع للوصول إلى إمكاناته الكاملة قبل أن يهزمه المدخل التالي؟
وعلى سبيل المثال، بمرور الأسابيع، ستنمو الاتصالات بين الخلايا الدماغية في الرضيع ببطء لاستيعاب الأنماط البصرية المستمرة من الألوان والأشكال، والتي ربما كان كل منها مصحوبًا باستمرار بصوت، وملمس، ورائحة معينة. ومع تشكل هذه الاتصالات، ينتقل الرضيع تدريجيًّا من منظور حسيٍّ تمامًا للعالم إلى منظور معرفي أكثر. ستتحول الآن تلك الأنماط والأصوات البصرية التي كانت مجردة سابقًا إلى أم الرضيع. وإذا ظهرت الأم مرة أخرى ومرة أخرى في حياة الطفل، بعد ذلك، كما هي الحال مع أمثلة اللُّدونة التي ناقشناها في وقت سابق، فإن الدماغ سيتكيف بالتالي على بنية فريدة للاتصالات بين الخلايا الدماغية، وستعني الأم بالنسبة إلى الطفل شيئًا لا تعنيه لأي شخصٍ آخر. ستتقدم العَلاقة بين دماغ الطفل وبين العالم الخارجي ببطء من شارع باتجاهٍ واحد إلى حوار ذي اتجاهين. وبدلًا من أن يكون دائمًا في خضم من الارتباك الهادر، يدرك الطفل المحفزات الواردة (شخص، أو كائن، أو حدث) باعتبار أنها تحمل معنًى محددًا كليًّا لهذا الطفل بشكل خاص. يقيم دماغ الطفل هذه المحفزات من حيث ترابطيتها العصبونية القائمة، وفي الوقت نفسه فإن التجرِبة المحددة المتمثلة في هذه العملية تُجري مزيدًا من التحديثات على حالة تلك الوصلات العصبية.
في البشر، ابتداء من عمر السادسة تقريبًا، تبدأ الاتصالات الزائدة — تلك التي نادرًا ما تُستخدم — في التقلص بشكل انتقائي. ليس هذا قصورًا، بل تطوير أنماط معينة من الاستجابات والمهارات التي تمكِّن الطفل من استكشاف بيئته الخاصة والازدهار فيها. ومن حيث كان الطفل يقف سابقًا على مفترق طرق، مع كل الاحتمالات مفتوحة وغير محققة، سيبدأ الآن في أن يسلك اتجاهًا واضحًا، وسيصبح مختلفًا بصورة متزايدة عن كل من سواه، مع استمرار الدماغ في التكيف مع كل تجرِبة جديدة.
فلنأخذ خاتم الزواج كمثال، ربما قد يُثير اهتمام طفل صغير في البداية لمجرد خصائصه الحسية الواضحة: بريق الذهب، والثقب المركزي، والسطح الأملس المستدير المتدحرج، ولكن مع ترسخ الاتصالات المرتبطة بالخاتم، سيكتسب هذا الشيء ببطءٍ معنًى بوصفه نوعًا معينًا من الأشياء التي تلبسها في إصبعك، والذي يُعرَّف أيضًا في نهاية المطاف على أنه شيء تلبسه في إصبع واحد معين فقط، وفي ظروف معينة فقط، ثم يحدث مزيد من التنقيح، مع تزايد عدد الوصلات العصبونية، إلى معنًى واسع متعدد الجوانب يتعلق بالحب، وحفلات الزِّفاف والارتباط وما إليها، وهو ما لا تمتلكه الخواتم العادية الأخرى. وفي نهاية المطاف، فإذا حصلت على خاتم الزواج الخاص بك، فإن ذلك الشيء المعين سيمتلك معنًى محددًا، وأهمية لا تحظى بها جميع الخواتم الأخرى التي تشبهه كثيرًا. ستكون التجارِب الواسعة والشخصية للغاية، ومن ثم الوصلات العصبونية الفريدة لدماغك، قد منحت هذا الشيء أهمية عميقة وخاصة، أو «قيمة عاطفية،» على الرغم من أنه بالمعنى الحسي البحت غير استثنائي. إن الفرق بين خاتم الزواج العادي وما قد يمثل الشيء الأكثر أهمية في حياتك يكمن بأكمله في رأسك. وبهذه الطريقة، فإن الشارع ذا الاتجاه الواحد سابقًا ينطوي الآن على حركة مرور تسير في كلا الاتجاهين.
وبالتالي مع نضج الطفل، فإن الإحساس الخام بالعالم الخارجي يفسح المجال أمام مدخول معرفي تكون فيه للأشياء، والأشخاص، والأحداث معانٍ شخصية. لكن هذا ليس كل شيء. إن قدرة الشخص على رؤية ما يتجاوز (بصورة شبه حرفية) القيمة الظاهرية تمكنه من إجراء تحليل وتقييم أكثر دقة لكل ما يحدث له. لنأخذ الحالة البسيطة لشخص يأتي إلى غرفة في يوم «عيد الهلع» (الهالوين) وهو متنكرٌ كشبح. في حين سيتمكن البالغون من الاحتكام إلى خبراتهم ومعرفتهم المسبقة لتفسير الوضع باعتباره حميدًا، فقد يشعر الطفل الصغير بالرعب حقًّا. يفتقر الأطفال الصغار إلى الضوابط والتوازنات التي يوفرها وجود إطار مفاهيمي قوي، والمستندة إلى الخبرة السابقة، التي تمكنهم من تفسير الأحداث الجديدة على نحو ملائمٍ. على أي حال، فمن دون أي إطارٍ مرجعيٍّ، قد يكون هذا الظهور الغريب مهددًا للحياة.
إنني أقترح أنه كلما ازدادت قدرتنا على ربط ظاهرة، أو فعل، أو واقع، بغيرها من الظواهر، أو الحقائق، أو الأفعال، ازداد عمق التفاهم. وإليكم مثالًا على ذلك: عندما بلغ أخي غراهام ثلاث سنوات فقط من عمره، وكنت أنا في السادسة عشرة، كنت أجد متعة كبيرة في مضايقته، كما تفعل الأخوات المراهقات الأكبر سنًّا. من بين الطرق التي استخدمتها، كان إجباره على أن يحفظ عن ظهر قلب مقاطع كبيرة من مؤلفات شكسبير، وعلى وجه الخصوص مناجاة ماكبث الشهيرة، «غدًا وغدًا وغدًا …» والتي حفظها غراهام بلطف كببغاء صغير، وسرعان ما كان يقوم على وجه السرعة بقراءة الأبيات الشهيرة عند الطلب، الأمر الذي مثل تسلية كبيرة لزملاء دراستي الضاحكين. فإذا سألته عما يعنيه في الواقع البيت القائل: «اخرجي اخرجي أيتها الشمعة بأمري. إن الحياة كالمشي بالظلام»، فإن أفضل ما يمكن أن يرد به عليَّ كان شيئًا عن إطفاء الشموع على كعكة عيد ميلاده. ما لم يكن بوسعه مطلقًا أن يستوعبه في هذه السن، في ظل ارتباطيته العصبونية الهزيلة نسبيًّا، هو أن انطفاء الشمعة يتعلق في الواقع بشيء آخر تمامًا. لم يكن بوسعه وضع هذه العبارة في سياق أوسع، ومن ثم يدرك أن بيت الشعر لم يكن يتعلق كثيرًا بانطفاء اللهب بقدر تعلقه بانتهاء الحياة، أي إنه كان كناية عن الموت.
ومن الممكن لهذا التمييز الموطد في علم النفس أن يتوافق مباشرة مع استخدام أو عدم استخدام الارتباطية العصبونية الواسعة النطاق. وفي حالة المعالجة السائلة، تكون المعالجة الفعالة للمدخلات والمخرجات خالية من السياق، كما كان الحال بالنسبة إلى أخي؛ فليست هناك حاجة لارتباطية عصبونية شخصية من أجل توفير إطار مرجعي. لكن العملية المتبلورة التي تعتمد على المعلومات السابقة تمثل استعارة ممتازة لبناء الشبكات العصبونية الواسعة النطاق. ويمكننا حتى أن نفكر في بنية الشبكة العصبونية بصورة حرفيةٍ أكثر، بحيث تشبه قليلًا بنية بلورية، مع ترابط شديد بين الخلايا. وبالتالي فإن تعريف العلوم العصبية للعقل سيتمثل في شخصنة الدماغ البشري من خلال ارتباطيته العصبونية الدينامية، المدفوعة بدورها من قِبل خبرات الفرد الفريدة من نوعها.
أولًا: عليك أن تكون واعيًا تمامًا، أي لست نائمًا أو مخدَّرًا. وكما رأينا، ففي حين أن علماء الأعصاب لا يزالون يفتقرون إلى أي وسيلةٍ موضوعية لتفسير شخصانية الخبرات المباشرة بالعالم، والفريدة من نوعها لكل فرد، علينا ألا نسمح لهذا المأزق المفاهيمي بأن يمنعنا من المضي قُدمًا لتوفير مزيد من المتطلبات. وعلى سبيل المثال، يمكن لجرذ أن يكون واعيًا لكنه لا يمتلك شعورًا واعيًا بذاته بالهُوية، وبالتالي فلا تزال هناك حاجة إلى مزيد.
ثانيا: يجب أن يكون عقلك قادرًا على العمل بكامل طاقته. في الوضع الافتراضي لدماغ الإنسان البالغ العادي، رأينا الآن أن العقل سيمكِّن الفرد من الاستجابة بطريقة معينة للأشياء، والأشخاص والأحداث وَفقًا للضوابط والتوازنات التي تفرضها المعتقدات والخبرات السابقة. وهذا العقل الفريد من نوعه، كما ينعكس على ارتباطيتك العصبونية الفريدة من نوعها، يمكِّنك ليس فقط من فهم ما يحدث حولك في أي لحظة بعينها، بل إتاحة البند الثالث على لائحة التسوق.
لكن لا يزال هناك ما يتعلق بالهُوية أكثر من مجرد امتلاك عقل، وذكريات، وحتى مجموعة من المعتقدات. تخيلْ أن تكون وحيدًا على جزيرة صحراوية، ماذا سيحدث لهُويتك؟ على جزيرة صحراوية، من ستكون في الواقع؟ أقترح أن المسألة هنا تتمثل في أن تجد نفسك فجأةً من دون أي سياق يمكنك من خلاله التعبير عن نفسك. إن الفرق بين العقل والهُوية هو أن العقل سلبي ولا يعتمد على التفاعل مع الآخرين، في حين أن الهُوية نشطة وتعتمد على نوعٍ ما من السياق المجتمعي. يتمثل العقل في الكيفية التي ترى بها العالم، في حين أن الهُوية هي كيف يراك العالم. ومن أجل تحقيق هذه الأخيرة ستحتاج إلى مجتمع، أي ثمة سياق يدرك فيه الآخرون ما تفعله ويستجيبون له. وبالتالي فإن الشرط الرابع هو فعل-رد فعل معتمد على السياق.
إن الهُوية في الأسرة، على سبيل المثال، ستعتمد حتمًا على وجود صلات قوية منذ مرحلة الرضاع، في البداية مع الألوان، والأصوات، والروائح، والنمط البصري الذي يتحول تدريجيًّا من خليط من الحواس الخام، والمجردة، إلى التصور المعرفي لوالدتك، على سبيل المثال. وبالتالي، فخلال تلك السنوات الأولى، سيتم ربط الهُوية بقوة بالوعي اللحظي، ولن يكون هناك خطرٌ كبير لأن تزاح بفعل أي منافسة، أو أي أدوار بديلة. ولكن مع نمو الطفل، تبدأ العَلاقات والسياقات الأخرى المستقلة عن العائلة في التشكل، وبالتالي فإن الهُوية داخل الأسرة تنحسر لتصبح واحدًا فقط من بين العديد من الخيارات، وبالتالي لا توجد في وعيك باستمرار. ولكن عندما تُحفَّز تلك الهُوية الأسرية — مثلما يحدث في سياق الأعياد، أو في حفل زِفاف، أو جنازة — ستظهر على السطح مرة أخرى بوصفها هُوية مهيمنة بقوة. وعلى النقيض من ذلك، فالهُويات التي تتطور في وقتٍ لاحقٍ يجري إرساؤها على مدى فترة زمنية أقصر بكثير، وبصورة أكثر تقطعًا بكثير، وربما أيضًا بعيدًا عن الفترات الحرجة للتطور. وعلى عكس الحال بالنسبة إلى الهُوية الأسرية، فإن سياق اللحظة سيمثل عاملًا أكثر بروزًا بكثير في تلك الهُويات اللاحقة.
لكل ما يحدث لحظته الزمنية الخاصة، ولكن يمكن الآن ربطه بجميع الأحداث الأخرى بحكم كونه سابقًا أو لاحقًا لها. وبالتالي فإن هُويتك هي ظاهرةٌ مكانية وزمانية تجمع بين شبكة العصبونات الراسخة، والطويلة الأمد، والمعممة الخاصة بالعقل، وبين الوعي اللحظي، أي التوليد العابر لائتلافات كبروية النطاق من العصبونات (التجمعات) في أقل من ثانية. إن الشبكة المعممة الطويلة المدى من الارتباطية هي عقلك، والتي يمكنها الآن بدورها أن تلعب دورها في أي لحظة بعينها من الزمن. إذا كان الوعي مرتبطًا بالفعل بالتوليد العابر لائتلافات كبروية النطاق من العصبونات في أقل من ثانية، وإذا كان بوسع الشبكات الدائمة من الوصلات العصبونية (العقل) حشد ائتلاف (تجمع) أوسع، فإن الوعي «الأعمق» الناتج سيرتبط بصورة مباشرة بتحقيق فهم أعمق للأحداث، والأشخاص، والأشياء عندما تواجهها.
ويتمثل الدرس المستفاد الحاسم من هذه المحاولة المتعلقة بالعلوم العصبية لتفكيك الهُوية في الدور الحيوي للسياق الذي يعمل فيه العقل من لحظة واعية بعينها إلى الأخرى. ماذا يحدث، إذن، في الحالات التي يتعرض فيها هذا العقل ﻟ «النسف» أو «الفقدان»؟
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://cogprints.org/316/1/consciousness.html
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://ieeexplore.ieee.org/xpls/abs_all.jsp?arnumber=4531463
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://cogprints.org/499/1/turing.html
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.sciamdigital.com/index.cfm?fa=ExtServices.GspDownloadIssueView&ARTICLEID_CHAR=E0E902FE-3048-8A5E-1061447DA58B3813
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://psychclassics.yorku.ca/James/Principles/prin13.htm
Descartes, R. [1994]. The treatise on man. In S. Gaukroger (Ed.), the world and other writings, pp. 119–169.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www2.dsu.nodak.edu/users/dmeier/31243550-Descartes-The-World-and-Other-Writings.pdf, p. 169.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.sciencedirect.com/science/article/pii/000169186790011X
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.bartleby.com/41/356.html