الفصل السابع

كيف يصبح الدماغ عقلًا

عندما سألَتْني عن كيفية عمل الدماغ، طرحت الفتاة التي كانت بين الحضور واحدًا من أصعب الأسئلة على الإطلاق. حتى قبل أن نبدأ في فهم معنى ما تُظهره لنا بالفعل جميع التقنيات الجديدة والقوية في علم الأعصاب، سنقع على الفور في مشكلة مع السؤال نفسه. فبعد كل شيء، ما الذي تعنيه في الواقع عبارة «كيف يعمل الدماغ؟» تُناط بالجهاز العصبي المركزي كثير من الوظائف المختلفة، والتي تؤدَّى على العديد من المستويات التشغيلية المختلفة، لدرجة أن جميع هذه السفسطة العصبونية لا يمكن بالفعل إدراجها تحت كلمة منفردة جامعة مثل «يعمل». على سبيل المثال، على أحد المستويات، يعرف الجميع كيف «يعمل» عقَّار بروزاك: من بين الأفعال الرئيسة للعقَّار، نجد تعزيز توافر أحد المراسيل الكيميائية، وهو الناقل العصبي سيروتونين. لكن الكيفية التي «تعمل» بها زيادة توافر السيروتونين على تخفيف البؤس الشخصي لدى مرضى الاكتئاب لا تزال لغزًا كاملًا.

فالسيروتونين هو، بعد كل شيء، مجرد جزيء؛ أي إنه لا يحتوي على سعادة محتبسة بداخله. وبدلًا من ذلك، فإن المسألة البالغة الأهمية هنا هي السياق، أي دوائر الخلايا الدماغية التي يلعب بداخلها دورًا مساندًا؛ دورًا قويًّا بالفعل، لكن ذلك يحدث فقط عندما يعمل ضمن السيناريو الملائم. ومثل ممثلة تقرأ سطورًا متفرقة من الدور بمفردها في غرفة خلع الملابس الفارغة، فإن الناقلات العصبية وغيرها من الجزيئات الفاعلة بيولوجيًّا والمكتنَفة في الإشارات العصبية لا تحقق شيئًا من تلقاء نفسها، فهي تحتاج إلى غيرها من الممثلين، وإلى المشهد المحيط، وإلى تسلسل واضح للأحداث من أجل أن يكون لأدوارها أي تأثيرٍ أو أهمية. وفي حالة السيروتونين والاكتئاب، نحن نعلم أن هناك فترة تلكؤ تمتد إلى عشَرة أيام على الأقل بين بداية تناول البروزاك وبداية الشعور بالآثار العلاجية. فإذا كانت البهجة نتاجًا مباشرًا لجزيء السيروتونين نفسه، فمن المؤكد أنك كنت ستشعر بتأثير العقَّار فور تناوله. بيد أن الحاجة إلى الانتظار تعني أن تخفيف حدة الاكتئاب لا يتعلق مباشرة بالناقل العصبي نفسه، أو بمحيطه المكاني المباشر، أو حتى بفعله المباشر على الخلايا المجاورة. وبدلًا من ذلك، هناك أمرٌ أكثر تعقيدًا بكثير يتم داخل الشبكة العصبية الأوسع، وعلى مدًى زمني أطول.

لقد رأينا أن تشابك الناقل العصبي مع جزيئه المستهدف يشبه قليلًا فعل المصافحة. الآن تخيلْ تواصل هذه المصافحة، وأن شخصًا ما يستمر في الضغط على يدك. في نهاية المطاف، ستصبح يدك أقل حساسيَّة، بل حتى تشعر بالخدر، وستدعو الحاجة إلى مزيد من الضغط لتحقيق التأثير نفسه، وهذا هو الحال مع الأهداف الجزيئية. عندما يتناول شخص ما بروزاك، ستتعرض المستقبلات في دماغه للقصف بكَمياتٍ كبيرة بشكل غير عادي من السيروتونين الذي يُفرَز بلا هوادة يومًا بعد يوم. وببطء ستصبح المستقبلات أقل حساسيَّة (المصطلح التقني هو في الواقع «مُزالة التحسس» desensitized). يُشير هذا إلى أن إزالة التحسس تؤدي دورًا في تخفيف حدة الاكتئاب. لكن الكيفية التي تُترجم بها في الواقع هذه الآلية، أو أي آلية فيزيائية-كيميائية أخرى في الدماغ، إلى إحساس شخصي بالسعادة أو الحزن لا تزال تمثل واحدًا من أكبر الألغاز في علم الأعصاب، إن لم يكن أكبرها على الإطلاق.
لنأخذ الآن مثالًا آخر: هنري مارش Marsh هو جراح أعصاب متميز في لندن، ويُجري العديد من عملياته والمريض مستيقظٌ، بحيث يمكن لهنري أن يرى الآثار الوظيفية الدقيقة لتحفيز الدماغ في مواقع مخية مختلفة قبل أن يحدث أي تدخل جراحي حقيقي. وعلى الرغم من أن هذا قد يبدو دمويًّا، فلا توجد مستشعرات للألم في الدماغ، لذلك فقد كان من المعتاد تمامًا منذ منتصف القرن العشرين إجراء العمليات الجراحية على الأدمغة الواعية تمامًا.١ مع ذلك، يمتلك هنري الآن دائرة تلفزيونية مغلقة في غرفة العمليات، ويتيح للمريض الفرصة لمشاهدة العملية بأكملها. فكر في الأمر هكذا: يشاهد الدماغ نفسه. ما الذي يمكنه أن يحدث يا تُرى؟
إن ما يجري، سواء في غرفة عمليات هنري أو لدى أي شخص يتناول البروزاك، هو تمثيل ﻟ «للمشكلة الصعبة». وهذه العبارة، التي اشتهرت بفضل الفيلسوف الأسترالي ديفيد تشالمرز Chalmers، تُشير إلى حَيرتنا الحاليَّة بشأن كيفية تحويل الماء الذي تمثله وظائف الدماغ إلى شراب الخبرة الشخصانية.٢ ولكن من أجل فهم كيفية قيام الدماغ بتوليد الوعي، نحن بحاجة إلى امتلاك فكرة على الأقل، مهما كانت افتراضية، عن نوع الإجابة التي يمكن أن تعمل كتفسير مُرضٍ: هل سيكون معادلةً رياضية، أم صورة للدماغ، أم شيئًا أكثر من ذلك في عالم الخيال العلمي؟ ليس هناك واحد من هذه الاحتمالات يبدو قريبًا من أن يكون كافيًا أو مناسبًا. ومع ذلك، فحتى نعرف نوع الإجابة التي نحتاج إليها لحل المشكلة الصعبة، فمن المؤكد أن هناك احتمالًا ضئيلًا لأن نقوم بذلك.

على أي حال، فمن دون رادع، بحَث البعض عن الإجابة في الذكاء الاصطناعي المرتكز على السيليكون. مع القوة المتنامية للمعالجة الحاسوبية، فإن القضية هنا لا تتعلق بالجزء الخاص بالذكاء بقدر ما تتعلق بالجزء الاصطناعي: كيف يمكن تنظيم حاسوب بالمقارنة مع الدماغ البيولوجي الحقيقي؟ لا يزال كثيرون يجاهرون بأن الدماغ يعمل «مثل حاسوب». من الممكن تطوير هذه الفرضية الأولية في اتجاهين محتملين: إما أن نبدأ بالنظم البيولوجية ونتحرك نحو النظم الاصطناعية، أو أن نبدأ بتلك الاصطناعية ونتحرك نحو البيولوجية. إذا بدأنا بظاهرة بيولوجية، سواء كانت التعلم، أو الذاكرة، أو حتى الوعي نفسه، فستتمثل الفكرة المعتادة في أنه ينبغي علينا أن نتمكن من نمذجتها في جهازٍ مرتكز على السيليكون. لكن هناك مشكلة فورية هنا، نظرًا إلى أن فكرة صنع نَموذج تتطلب أن نركز على السمات البارزة البالغة الأهمية والتخلي عن تلك الدخيلة. إن نَموذجًا للطيران، كما يتمثل في طائرة، يتطلب التغلب على الجاذبية، أما ما لا نحتاجه فهو ريشٌ ومنقار. لذلك، فمن أجل نمذجة الوعي، سيتوجب علينا بالفعل أن نتعرف على ماهية العمليات المادية البارزة للدماغ والجسم، وعلى الأجزاء الدخيلة منها، والتي يمكن بالتالي تجاهلها. ومع هذا، إذا عرفنا ذلك، فسنكون قد وصلنا إلى حل المشكلة بالفعل؛ ولن تكون هناك حاجة لأن نكترث لهذا النموذج.

ولكن السير في الاتجاه المعاكس — بحيث نبدأ من منظومة اصطناعية من أجل توضيح بيولوجية العمليات المعرفية، مثل التعلم، والذاكرة، أو الوعي — يمكن أيضًا أن يكون غادرًا. هناك تشكيلة مميزة ومتنوعة من العلماء مثل راي كرزويل Kurzweil، وجوليو تونوني Tononi، وكريستوف كوخ Koch، والذين يعلقون أهمية كبرى على «التعقيد»،٣ وهو ما يعني أن المهم في نهاية الأمر هو الحجم المحض للشبكات العصبية (أو كما قال الفيلسوف جون سيرل Searle ذات مرةٍ ساخرًا، حتى في حاسوب مصنوع من علب الجِعَة القديمة والذي يستمد طاقته من طواحين الهواء). على أي حال، فإن الفكرة هي أننا إذا بنينا آلات متزايدة التعقيد دومًا، فسيظهر الوعي كنتيجةٍ عفوية وحتمية، وكذلك فإن أكثر شخصيات الخيال العلمي ابتذالًا، أي الروبوت الواعي، سيصبح حقيقةً واقعة.

لكن طريقة التفكير هذه تُغفل علم الأعصاب المستبطن الذي هو عادةً قيد العمل. فكِّر في نقل تلك التشكيلة الهائلة من المركَّبات المتقلبة والدقيقة في الجهاز العصبي، والتي تعمل في توليفاتٍ مختلفة، وفي أماكنَ مختلفة، وعبر نوافذَ زمنيةٍ مختلفة، والتي لها آثار متغيرة وشديدة الاعتماد على السياق. تُظهر الكيمياء العصبية المتنوعة للجهاز العصبي المركزي أن النوعية لا يمكن اختزالها إلى كَمية، وأن الدينامية المعقدة لتحوير المواد الكيميائية وأدمغتنا هي أكثر بكثير من مجرد عمليات حسابية.

وكما رأينا آنفًا، فالعصبونات هي كِيانات ديناميكية للغاية وتمتلك لُدونة غير عادية، وليست مجرد مكوِّن ثابت يمكن توصيله بالتيار وتشغيله بانتظامٍ مستمر وعنيد، بغض النظر عن البيئة المحيطة التي يقع ضمنها على المستويات الدقيقة والمتوسطة والكبرى في نهاية المطاف. إن التفاعل الديناميكي المكثف والمتغير باستمرار بين ائتلافات العصبونات لا يشبه في أي شيء تلك الدوائر الصارمة للأجهزة الحاسوبية. لا يمكن لأي تراكم منهجي بسيط من مكونات السيليكون أن يكون له التأثير نفسه مطلقًا، إلا إذا كانت تلك الوحدة نسخة متطابقة من العصبون، ومفعمة بكل المواد الكيميائية وديناميات الكيمياء الحيوية التي تسمح بلُدُونتها وحساسيتها المميزة التي لا تلين.٤ علاوة على ذلك، هناك جسم كامل، فيما وراء الدماغ، والذي يتلقى ويرسل استجابات متواصلة. قبل فترة، أشار عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو Damasio إلى أهمية هذه الإشارات الكيميائية التي تنتقل ذَهابًا وإيابًا بين الدماغ وبقية الجسم، وهي المواد الكيميائية التي أشار إليها باسم «الواسمات الجسدية» somatic markers.٥ لا ينبغي تجاهل التفاعل بين الجهاز العصبي، وجهاز الغدد الصماء، والجهاز المناعي، وهي أجهزة التحكم الثلاثة الرئيسة في الجسم. وبعد كل شيء، فإذا لم تكن هذه الأجهزة متفاعلة فستكون لدينا فوضى بيولوجية، وحتى لو لم يحدث ذلك، فسيكون من الصعب تفسير تأثير الدواء الغُفل، حيث يمكن، كما رأينا، لفكرة (وهي نوع من الأحداث العصبونية في الدماغ) أن تؤثر في الصحة، وهو حدثٌ يقع في الجهاز المناعي.
لكن تخيل فقط أننا سنتمكن في يومٍ ما من بناء نوع من الأجهزة الصناعية، والتي تتسم بما يكفي من التعقيد لأن تكون مرشحًا قويًّا لامتلاك الوعي. دعونا نتصور حتى أنها اجتازت اختبار تورينغ Turing test، وهو اختبارٌ نظري وضعه آلان تورينغ، الذي يمكن القول إنه والد تكنولوجيا المعلومات.٦ في هذا الاختبار، لن يستطيع المراقب المحايد أن يميِّز بين استجابات الإنسان واستجابات الآلة. سأواصل سعيي المضني لأرى الكيفية التي يمكن بها لمثل هذا النظام الاصطناعي، على الرغم من أنه قد يكون إنجازًا هندسيًّا فذًّا، أن يساعد في حل المشكلة الصعبة: كيف يمكن أن يساعد هذا الحاسوب الواعي البارع في فهم كيف أن «الشعور» الشخصاني للوعي يتولد في الواقع ضمن نظامٍ موضوعيٍّ objective وماديٍّ؟ إن عجزنا عن تحديد ما إذا كان من يجيب عن أسئلتنا هو حاسوب أم إنسان يخبرنا بشيء ما عن الحالة الداخلية المراوغة للوعي: ماهيته؟ وكيف يحدث. وفي أي من الأحوال؟ فلا يزال الأمر افتراضيًّا برمته: فلم يتم بعدُ النجاح في اختبار تورينغ (على الرغم من أنه، على ما يبدو، هناك من رسب فيه من البشر في مكان ما). ومهما كانت الأسباب التي دفعتهم إلى تبني هذا النهج، فبالنسبة إلى من يركزون اهتمامهم على بناء ضرب من الآلات الواعية، ربما يتمثل الهدف الأكثر إثارة في تلبية معيار الراحل ستيوارت ساذرلاند Sutherland: إنه سيتقبل فكرة أن يكون الحاسوب واعيًا عندما يهرب مع زوجته.

على أي حال، فلم يؤد المأزق المفاهيمي لِلُغز تحويل الماء إلى شراب إلى منع علماء الأعصاب، وأنا منهم، من محاولة تحقيق نوع من التقدم. ثمة طريقة متعرجة للتقدم، وهي التوقف مؤقتًا عن التفكير في المشكلة الصعبة، ومن ثم طرح سؤال أبسط بدلًا من ذلك: هل يمكننا خفض أبصارنا وأن نكتفي بربط، أو مطابقة، بعض المشاعر الذاتية ببعض الأحداث المادية في الدماغ، مثل الربط بين مشاعر العافية والزيادات الحادثة في مستويات السيروتونين بفعل تناول عقَّار البروزاك، بطريقة تكشف عن وجود عَلاقةٍ ثابتة بين الأحداث الموضوعية والتجارِب الشخصانية؟

تتمثل خُطة اللَّعِب هذه في البحث عمَّا صار يُعرف باسم «معامِلات الارتباط العصبية للوعي».٧ ومن المهم أن نلاحظ هنا أنه لا تُبذل أي محاولة لإثبات وجود صلة سببية فيما يتعلق بالكيفية التي يمكن بها لحدث ماديٍّ أن يؤدي إلى حدثٍ ذهني، أو العكس. يتسم الارتباط المحض، أو مجرد مطابقة متواضعة، بكونه أكثر جدوى لأنه يلتف حول اللغز المفاهيمي لمشكلة تحويل الماء إلى شراب. ولكن من أجل التوصل إلى ارتباط مقنع بالوعي، ما زلنا بحاجة إلى وسيلة لوصف التجرِبة الشخصانية، والتي تعمل كقائمة تسوق لما سنطلب من الدماغ المادي تسليمه. ومع ذلك، فلا تزال هناك عقبة: إن علم الأعصاب، مثل كل العلوم، يسعى بلا هوادة إلى أن يكون موضوعيًّا، وبالتالي يتسم كل ما نقوم به، بما في ذلك كل التجارِب، بالحيادية الصارمة في إجراءاتها، والأهم من ذلك أنها كَمية، فكل شيء يتعلق بالقياس.
وتكمن المشكلة في أن حالات الوعي تتسم في جوهرها بكونها شخصانية وكيفية qualitative، وبالتالي تشكل لعنة بالنسبة إلى العلماء التقليديين، الذين تدربوا مثلنا على أن يكونوا موضوعيين بلا تحيز. وبالتالي، فمن أجل التوصل إلى ارتباط ثابت ومقنع بالوعي، نحتاج إلى وصف الحالات الشخصانية بطريقة تسمح لنا باستخلاص أوجه الشبه المباشرة مع العمليات الدماغية. وقد تمثل اقتراحي الشخصي في القول بأن الوعي ليس ظاهرة تعمل بمبدأ «كل شيء أو لا شيء»، ولكنها في الواقع كَمية quantitative. وبدلًا من أن يكون مثل المصباح الذي هو إما في وضعية التشغيل أو الإيقاف، فقد اقترحتُ أن الوعي هو أشبه بمِفتاح التعتيم dimmer: أي إن الوعي ينمو مع نمو الأدمغة وتطورها، سواء بمصطلحات تطورية عبر الأنواع الحيوانية أو في النماء البشري الفردي من مرحلة الجنين فصاعدًا. وفي مرحلة البلوغ، يستمر هذا التباين، بحيث تمر أوقات تكون فيها أكثر وعيًا مما تكون عليه في أوقات أخرى؛ وفي المصطلحات اليومية، نحن نتحدث عن «زيادة» وعينا أو «تعميقه». ومن وجهة نظري، فإن الاتجاه الفعلي لا يهم حقًّا، لكننا يجب أن نتحدث بدلًا من ذلك عن درجة الوعي، بحيث يمكننا أن نبحث في الدماغ عن شيء مادي، عن عملية حقيقية، والتي تتباين بدورها في الدرجة من لحظة ما إلى التي تليها.٨
وكما أرى الأمر، فإن مرشحي البيولوجيا العصبية الأقرب احتمالًا لاكتناف الوعي هي التجمعات العصبونية، وهي ائتلافات واسعة النطاق تضم عشرات الملايين من الخلايا الدماغية التي يمكنها أن تعمل بصورةٍ متزامنة، وأن تفك ارتباطها في أقل من ثانية. نحن نعلم أيضًا أن هذه الظواهر العابرة للغاية، التي تحدث على النطاق الكبروي macro-scale، يمكن أن تُختزل بشكلٍ كبير بواسطة العقاقير التي تسرق الوعي، مثل أدوية التخدير. وبالتالي، فإن النظرية تقول إنه كلما زاد اتساع نطاق التجمع في أي لحظةٍ بعينها، ازداد عمق الوعي. في المقابل، فإن المدى الذي يبلغه التجمع في أي وقت من الأوقات سيعتمد على مجموعةٍ متنوعة من العوامل التي تحدد مدى السهولة التي يمكن بها حشد الائتلاف العابر للخلايا الدماغية. ومن بين العوامل المهمة هو الشدة المحضة للتحفيز الوارد incoming stimulation، وهو السبب في أن يقوم المنبه بسحبك من فقدان الوعي إلى الضوء القاسي لحالة اليقظة.

ولكن، ماذا عن الوضع الذي لا يرن فيه المنبه ومن ثم تستمر في الحلم؟ لدينا هنا حالة يكون فيها الوعي غريبًا بصورة ما، على الرغم من أنك لا تزال فيها منيعًا ضد العالم الحسي الخارجي من حولك. لقد اقترحت أن التجمعات العصبونية التي تنتج الأحلام تتسم بكونها هشَّة للغاية وغير متوسعة كثيرًا، لأنها موجهة من قِبل مصادفات النشاط العصبوني الداخلي المستقل عن المساهمة القوية من قِبل الحواس والعالم الخارجي. وإذا كان التجمع الحادث في الأحلام صغيرًا، فإن الوعي المقابل لا يكون شديد العمق، وبالتالي يغيب منطق السبب والنتيجة، ومن ثم السرد المفكك وغير المعقول الذي يشكل ويميز حالة الحلم.

وإذا كان الوعي ينمو كما تنمو الأدمغة، فبوسعنا أن نتوقع أيضًا لصيغة التجمع الصغير هذه أن تميز عقلية من لا تزال أدمغتهم في طور النمو: الأطفال الصغار، الذين توجِّه سلوكياتهم اللحظة العابرة والعواطف الآنيَّة وليس العواقب التفصيلية والتخطيط. ومع ذلك، فهناك طرق يمكن بها حتى للدماغ البشري البالغ أن ينكص إلى هذا الوضع الأكثر أساسة من التجمع الصغير، على الرغم من كونه مستيقظًا تمامًا. وهناك عوامل كثيرة في الدماغ يمكنها أن تساهم في المحصلة النهائية التي تَنتج عن تجمع صغير، وليس مجرد الافتقار إلى وجود محفِّز خارجي (الحُلم) أو عدم وجود اتصالات دماغية كافية (الأطفال الصغار). ماذا لو كان هناك فائض من مادة كيميائية دماغية تحد من الانتشار الكامل للتجمع، أو ما إذا كان هناك عدد كبير للغاية من المدخلات الحسية التي تقصف الدماغ، والتي لا يمتلك أيُّها الوقتَ اللازم لتحريض التجمع للوصول إلى إمكاناته الكاملة قبل أن يهزمه المدخل التالي؟

لقد اقترحت في وقت سابق أن هذين السيناريوهين قد يحدثان في الفِصام والرياضات السريعة الوتيرة، على الترتيب، وأن التجمع «الصغير» الناتج، والذي يحدث نتيجة لعوامل مختلفة، يمكنه مع ذلك امتلاك حالة صافيةٍ مشتركة تتسم بمحتوًى من العواطف الجيَّاشة وبوعي لحظي لا عَلاقة له بالماضي أو المستقبل.٩ وإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان الدماغ البشري قادرًا بالفعل على امتلاك أنماط مختلفة تتميز بحالات دماغية مختلفة ترتبط بالأنواع المختلفة من الوعي، فستكون هناك تضمينات مهمة بالنسبة إلى هذا النوع من الوعي الذي قد ينجم عن التجارِب المستمرة على الإنترنت. وبالتالي، فما نحتاج إلى أن نفعله الآن هو استكشاف ما يحدث عادة في الدماغ البشري خلال انتقال الفرد من مرحلة الرضاع إلى مرحلة الطفولة ثم نضجه إلى إنسانٍ كامل لم يسبق له مثيل، والذي له ماض ومستقبل.
وكما وصفه عالم النفس العظيم وليام جيمس على نحوٍ رائع في بدايات القرن العشرين، فأنت تولد في خضم من «الإزهار، والأزيز، والارتباك».١٠ ستقيِّم العالم من حولك بطريق حسية بحتة، لأن كل ما لديك هي حواسك التي تقصف عقلك: كم هذا حلو، كم هذا لطيفٌ، كم هذا مشرق، كم هذا صاخب. إن الشيء الرائع بخصوص أن تولد إنسانًا وليس سمكة ذهبية، على سبيل المثال، هو أنه على الرغم من أننا نولد بمجموعة كاملةٍ إلى حدٍّ كبير من العصبونات، فإن النمو والاتصالات بين الخلايا الدماغية هو ما يفسر النمو المذهل للدماغ في مرحلة الرضاع والطفولة المبكرة. لقد رأينا كيف أن الدماغ البشري العام يمتلك لُدونة حساسة للغاية من شأنها تخصيصه إلى كِيانٍ فريد من نوعه، وكيف يمكن لخلية دماغية تحفزها البيئة أن تُنتج مزيدًا من الفروع، والتي تَزيد بدورها من مساحة سطحها، وبالتالي تجعل من الأسهل عليها تشكيل الاتصالات. لذلك لا ينبغي لنا أن نتفاجأ كثيرًا بأن جميع هذه الاتصالات المتاحة يمكنها أن تزودنا بقدرة على التكيف لها تضمينات مهمة بالنسبة إلى كل فرد. إذا كانت لديك خبرات فردية، فستصبح متفردًا عندما تبدأ تجارِبك الخاصة في إعادة ترتيب وتنظيم المشابك العصبية في دماغك.

وعلى سبيل المثال، بمرور الأسابيع، ستنمو الاتصالات بين الخلايا الدماغية في الرضيع ببطء لاستيعاب الأنماط البصرية المستمرة من الألوان والأشكال، والتي ربما كان كل منها مصحوبًا باستمرار بصوت، وملمس، ورائحة معينة. ومع تشكل هذه الاتصالات، ينتقل الرضيع تدريجيًّا من منظور حسيٍّ تمامًا للعالم إلى منظور معرفي أكثر. ستتحول الآن تلك الأنماط والأصوات البصرية التي كانت مجردة سابقًا إلى أم الرضيع. وإذا ظهرت الأم مرة أخرى ومرة أخرى في حياة الطفل، بعد ذلك، كما هي الحال مع أمثلة اللُّدونة التي ناقشناها في وقت سابق، فإن الدماغ سيتكيف بالتالي على بنية فريدة للاتصالات بين الخلايا الدماغية، وستعني الأم بالنسبة إلى الطفل شيئًا لا تعنيه لأي شخصٍ آخر. ستتقدم العَلاقة بين دماغ الطفل وبين العالم الخارجي ببطء من شارع باتجاهٍ واحد إلى حوار ذي اتجاهين. وبدلًا من أن يكون دائمًا في خضم من الارتباك الهادر، يدرك الطفل المحفزات الواردة (شخص، أو كائن، أو حدث) باعتبار أنها تحمل معنًى محددًا كليًّا لهذا الطفل بشكل خاص. يقيم دماغ الطفل هذه المحفزات من حيث ترابطيتها العصبونية القائمة، وفي الوقت نفسه فإن التجرِبة المحددة المتمثلة في هذه العملية تُجري مزيدًا من التحديثات على حالة تلك الوصلات العصبية.

في البشر، ابتداء من عمر السادسة تقريبًا، تبدأ الاتصالات الزائدة — تلك التي نادرًا ما تُستخدم — في التقلص بشكل انتقائي. ليس هذا قصورًا، بل تطوير أنماط معينة من الاستجابات والمهارات التي تمكِّن الطفل من استكشاف بيئته الخاصة والازدهار فيها. ومن حيث كان الطفل يقف سابقًا على مفترق طرق، مع كل الاحتمالات مفتوحة وغير محققة، سيبدأ الآن في أن يسلك اتجاهًا واضحًا، وسيصبح مختلفًا بصورة متزايدة عن كل من سواه، مع استمرار الدماغ في التكيف مع كل تجرِبة جديدة.

فلنأخذ خاتم الزواج كمثال، ربما قد يُثير اهتمام طفل صغير في البداية لمجرد خصائصه الحسية الواضحة: بريق الذهب، والثقب المركزي، والسطح الأملس المستدير المتدحرج، ولكن مع ترسخ الاتصالات المرتبطة بالخاتم، سيكتسب هذا الشيء ببطءٍ معنًى بوصفه نوعًا معينًا من الأشياء التي تلبسها في إصبعك، والذي يُعرَّف أيضًا في نهاية المطاف على أنه شيء تلبسه في إصبع واحد معين فقط، وفي ظروف معينة فقط، ثم يحدث مزيد من التنقيح، مع تزايد عدد الوصلات العصبونية، إلى معنًى واسع متعدد الجوانب يتعلق بالحب، وحفلات الزِّفاف والارتباط وما إليها، وهو ما لا تمتلكه الخواتم العادية الأخرى. وفي نهاية المطاف، فإذا حصلت على خاتم الزواج الخاص بك، فإن ذلك الشيء المعين سيمتلك معنًى محددًا، وأهمية لا تحظى بها جميع الخواتم الأخرى التي تشبهه كثيرًا. ستكون التجارِب الواسعة والشخصية للغاية، ومن ثم الوصلات العصبونية الفريدة لدماغك، قد منحت هذا الشيء أهمية عميقة وخاصة، أو «قيمة عاطفية،» على الرغم من أنه بالمعنى الحسي البحت غير استثنائي. إن الفرق بين خاتم الزواج العادي وما قد يمثل الشيء الأكثر أهمية في حياتك يكمن بأكمله في رأسك. وبهذه الطريقة، فإن الشارع ذا الاتجاه الواحد سابقًا ينطوي الآن على حركة مرور تسير في كلا الاتجاهين.

إن كل ما يجربه الطفل من لحظة إلى أخرى يُقرأ في ضوء الارتباطات الموجودة مسبقًا، ولكن في الوقت نفسه فإن التجرِبة الجارية الحاليَّة ستعمل على تحديث الارتباطية بحيث تغيرها إلى الأبد. ومع نمو الطفل، سيتميز تطور عقله بهذا الحوار المتزايد القوة والمتبادل بين الدماغ والعالم الخارجي.١١

وبالتالي مع نضج الطفل، فإن الإحساس الخام بالعالم الخارجي يفسح المجال أمام مدخول معرفي تكون فيه للأشياء، والأشخاص، والأحداث معانٍ شخصية. لكن هذا ليس كل شيء. إن قدرة الشخص على رؤية ما يتجاوز (بصورة شبه حرفية) القيمة الظاهرية تمكنه من إجراء تحليل وتقييم أكثر دقة لكل ما يحدث له. لنأخذ الحالة البسيطة لشخص يأتي إلى غرفة في يوم «عيد الهلع» (الهالوين) وهو متنكرٌ كشبح. في حين سيتمكن البالغون من الاحتكام إلى خبراتهم ومعرفتهم المسبقة لتفسير الوضع باعتباره حميدًا، فقد يشعر الطفل الصغير بالرعب حقًّا. يفتقر الأطفال الصغار إلى الضوابط والتوازنات التي يوفرها وجود إطار مفاهيمي قوي، والمستندة إلى الخبرة السابقة، التي تمكنهم من تفسير الأحداث الجديدة على نحو ملائمٍ. على أي حال، فمن دون أي إطارٍ مرجعيٍّ، قد يكون هذا الظهور الغريب مهددًا للحياة.

إنني أقترح أنه كلما ازدادت قدرتنا على ربط ظاهرة، أو فعل، أو واقع، بغيرها من الظواهر، أو الحقائق، أو الأفعال، ازداد عمق التفاهم. وإليكم مثالًا على ذلك: عندما بلغ أخي غراهام ثلاث سنوات فقط من عمره، وكنت أنا في السادسة عشرة، كنت أجد متعة كبيرة في مضايقته، كما تفعل الأخوات المراهقات الأكبر سنًّا. من بين الطرق التي استخدمتها، كان إجباره على أن يحفظ عن ظهر قلب مقاطع كبيرة من مؤلفات شكسبير، وعلى وجه الخصوص مناجاة ماكبث الشهيرة، «غدًا وغدًا وغدًا …» والتي حفظها غراهام بلطف كببغاء صغير، وسرعان ما كان يقوم على وجه السرعة بقراءة الأبيات الشهيرة عند الطلب، الأمر الذي مثل تسلية كبيرة لزملاء دراستي الضاحكين. فإذا سألته عما يعنيه في الواقع البيت القائل: «اخرجي اخرجي أيتها الشمعة بأمري. إن الحياة كالمشي بالظلام»، فإن أفضل ما يمكن أن يرد به عليَّ كان شيئًا عن إطفاء الشموع على كعكة عيد ميلاده. ما لم يكن بوسعه مطلقًا أن يستوعبه في هذه السن، في ظل ارتباطيته العصبونية الهزيلة نسبيًّا، هو أن انطفاء الشمعة يتعلق في الواقع بشيء آخر تمامًا. لم يكن بوسعه وضع هذه العبارة في سياق أوسع، ومن ثم يدرك أن بيت الشعر لم يكن يتعلق كثيرًا بانطفاء اللهب بقدر تعلقه بانتهاء الحياة، أي إنه كان كناية عن الموت.

إن الفهم، إذن، يعني في الأساس أن ترى شيئًا من منظور شيء آخر. من المؤكد أن هذا هو ما يعنيه الذكاء intelligence بالفعل، ومن ثم العودة إلى أصله اللاتيني الحرفي، أي «الفهم». وهو يمثل نوعًا شديد الاختلاف من القدرة، من التقدم السريع نحو غايةٍ محددة تتطلبها اختبارات حاصل الذكاء، على سبيل المثال، والتي هي أكثر قابليةً بكثير لأن تترجم إلى أنظمةٍ من السيليكون.١٢ أشار عالم الرياضيات روجر بنروز Penrose منذ فترةٍ طويلةٍ إلى أنه سيكون من المستحيل وضع خوارزمية للقدرات البشرية الرئيسة مثل الحدس أو الحس السليم. وإذا عدنا بالزمن إلى الوراء إلى أبعد من ذلك، فسنجد أن الفيزيائي العظيم نيلز بور Bohr وبَّخ زميلًا مستخدمًا تعليقًا مهينًا هو: «أنت لا تفكر، فأنت منطقيٌّ فحسب.»
إن هذا التفريق بين المعالجة الفعَّالة لمدخولٍ ما بحيث يجري التوصل إلى المخرجات الصحيحة (حفظ مسرحية ماكبث عن ظهر قلب، على سبيل المثال) والفهم الحقيقي يتوافق جيدًا مع التمييز الذي اعتُرِف به منذ فترة، والمتعلق بالذكاء «السائل» مقابل ذلك «المتبلور». فكَّر عالم النفس ريموند كاتل Cattell في هذين المفهومين المتميزين لأول مرة في العام ١٩٦٣م. عرَّف كاتل الذكاء السائل بأنه «القدرة على إدراك العَلاقات بصورةٍ مستقلةٍ عن الممارسة المحددة السابقة أو عن التعليمات المتعلقة بتلك العَلاقات.»١٣ وتُعتبر هذه المهارة مستقلةً عن التعلم، والخبرة، والتعليم. وفي الوقت نفسه، فإن الذكاء المتبلور ينطوي على المعرفة المكتسبة من التعلم المسبق والخبرات السابقة. يبلغ الذكاء السائل أقصاه في سنوات المراهقة ثم ينخفض، ولكن مع تقدمنا في العمر وتراكم المعارف والمفاهيم الجديدة، يصبح الذكاء المتبلور أقوى.

ومن الممكن لهذا التمييز الموطد في علم النفس أن يتوافق مباشرة مع استخدام أو عدم استخدام الارتباطية العصبونية الواسعة النطاق. وفي حالة المعالجة السائلة، تكون المعالجة الفعالة للمدخلات والمخرجات خالية من السياق، كما كان الحال بالنسبة إلى أخي؛ فليست هناك حاجة لارتباطية عصبونية شخصية من أجل توفير إطار مرجعي. لكن العملية المتبلورة التي تعتمد على المعلومات السابقة تمثل استعارة ممتازة لبناء الشبكات العصبونية الواسعة النطاق. ويمكننا حتى أن نفكر في بنية الشبكة العصبونية بصورة حرفيةٍ أكثر، بحيث تشبه قليلًا بنية بلورية، مع ترابط شديد بين الخلايا. وبالتالي فإن تعريف العلوم العصبية للعقل سيتمثل في شخصنة الدماغ البشري من خلال ارتباطيته العصبونية الدينامية، المدفوعة بدورها من قِبل خبرات الفرد الفريدة من نوعها.

دعونا الآن نتقدم خطوة إلى الأمام. كثيرًا ما تساءلت عن الكيفية التي يمكن بها توليد الحالة الشخصانية الفريدة لأن تكون أنت نفسك على مستوى الدماغ المادي.١٤ من منظور علم الأعصاب، يمكن النظر بأفضل صورةٍ إلى الهُوية كنشاط وليس كحالة: فهي ليست جسمًا صُلبًا أو ممتلكات مختزنة بداخل رأسك، بل هي نوع معين من الحالة الدماغية الشخصانية، أي شعور يمكن أن يتغير من لحظة إلى التي تليها. ومن وجهة نظري، هناك خمسة معايير أساسية يتعين على الدماغ المادي تلبيتها حتى تتمكن من أن «تشعر» بأنك كِيانٌ متميزٌ.

أولًا: عليك أن تكون واعيًا تمامًا، أي لست نائمًا أو مخدَّرًا. وكما رأينا، ففي حين أن علماء الأعصاب لا يزالون يفتقرون إلى أي وسيلةٍ موضوعية لتفسير شخصانية الخبرات المباشرة بالعالم، والفريدة من نوعها لكل فرد، علينا ألا نسمح لهذا المأزق المفاهيمي بأن يمنعنا من المضي قُدمًا لتوفير مزيد من المتطلبات. وعلى سبيل المثال، يمكن لجرذ أن يكون واعيًا لكنه لا يمتلك شعورًا واعيًا بذاته بالهُوية، وبالتالي فلا تزال هناك حاجة إلى مزيد.

ثانيا: يجب أن يكون عقلك قادرًا على العمل بكامل طاقته. في الوضع الافتراضي لدماغ الإنسان البالغ العادي، رأينا الآن أن العقل سيمكِّن الفرد من الاستجابة بطريقة معينة للأشياء، والأشخاص والأحداث وَفقًا للضوابط والتوازنات التي تفرضها المعتقدات والخبرات السابقة. وهذا العقل الفريد من نوعه، كما ينعكس على ارتباطيتك العصبونية الفريدة من نوعها، يمكِّنك ليس فقط من فهم ما يحدث حولك في أي لحظة بعينها، بل إتاحة البند الثالث على لائحة التسوق.

المعيار الثالث هو أنك تتفاعل بطريقة معينة تتحدد ليس فقط من خلال تجارِبك السابقة والسياق السائد، كما في المعيار الثاني، ولكن أيضًا من خلال الكيفية التي صاغت بها تلك التجارِب السابقة في وقت لاحق معتقداتك الأوسع. يتمثل الفرق الرئيسي بين الذكريات والمعتقدات في أنه يمكن استحضار الأولى بشكلٍ مستقل — تكتسب الذاكرة وصولًا إلى وعيك من دون مزيد من التبرير — في حين أنه لا يمكن إدراك المعتقدات إلا من حيث مدى انفتاحها أو مقاومتها للتحقق من صحتها validation وَفقًا للأدلة الإضافية المحتملة (كنت قد اقترحت في وقتٍ سابق أنه يمكن وصف المعتقدات بطول طيف ما، والذي يتراوح بين العقلاني واللاعقلاني، وذلك بصورة متناسبة مع هذه المصادقة النهائية المستقلة، أو مقاومة دليل يثبت صحة العكس).١٥
وبالتالي، فإن اعتقادًا غير منطقيٍّ (مثل القول إن جميع الرجال أفضل من النساء) وصولًا إلى اعتقاد أكثر عقلانية (سوف تشرق الشمس غدًا) يمكن تحديده وَفقًا لموقعه المحتمل بطول نطاق واحد حاسم يتعلق بمقدار مقاومته و/أو اعتماده على الأدلة الإضافية. في الدماغ، يمكن أن يتحقق هذا الترتيب من خلال مدى extent الوصلات العصبونية، وبالقدر نفسه من الأهمية، بقدرتها على الاستمرار في ظل وجود مدخلات متناقضة (مثل البراعة الواضحة لدى النساء)، والتي من شأنها، أو يمكنها، أو ينبغي إما فرضها وإما إلغاؤها، كما في حالة المعتقدات المتحيزة ضد المرأة. ومن الممكن أيضًا أن يتحقق هذا التحقق المحتمل من الصحة، أو التفنيد، من منظور علم الأعصاب، في صورة ارتباطات أو ارتباطية تمتلك القدرة على تعويض أو إلغاء الارتباط الأصلي (الاعتقاد)، لكنها لا تفعل ذلك في الواقع، إما لأن الاتصال الأصلي قوي للغاية، وإما لأن التحقق من الصحة لا يزال ضعيفًا للغاية. وبدورها، ستقوم هذه الاستجابات الحقيقية أو الافتراضية، أي معتقداتك، بتعديل ذكرياتك، والكيفية التي سترد بها بشكلٍ مختلف في المرة المقبلة في أي موقفٍ تقذف بك فيه أمواج الحياة.

لكن لا يزال هناك ما يتعلق بالهُوية أكثر من مجرد امتلاك عقل، وذكريات، وحتى مجموعة من المعتقدات. تخيلْ أن تكون وحيدًا على جزيرة صحراوية، ماذا سيحدث لهُويتك؟ على جزيرة صحراوية، من ستكون في الواقع؟ أقترح أن المسألة هنا تتمثل في أن تجد نفسك فجأةً من دون أي سياق يمكنك من خلاله التعبير عن نفسك. إن الفرق بين العقل والهُوية هو أن العقل سلبي ولا يعتمد على التفاعل مع الآخرين، في حين أن الهُوية نشطة وتعتمد على نوعٍ ما من السياق المجتمعي. يتمثل العقل في الكيفية التي ترى بها العالم، في حين أن الهُوية هي كيف يراك العالم. ومن أجل تحقيق هذه الأخيرة ستحتاج إلى مجتمع، أي ثمة سياق يدرك فيه الآخرون ما تفعله ويستجيبون له. وبالتالي فإن الشرط الرابع هو فعل-رد فعل معتمد على السياق.

إن الهُوية في الأسرة، على سبيل المثال، ستعتمد حتمًا على وجود صلات قوية منذ مرحلة الرضاع، في البداية مع الألوان، والأصوات، والروائح، والنمط البصري الذي يتحول تدريجيًّا من خليط من الحواس الخام، والمجردة، إلى التصور المعرفي لوالدتك، على سبيل المثال. وبالتالي، فخلال تلك السنوات الأولى، سيتم ربط الهُوية بقوة بالوعي اللحظي، ولن يكون هناك خطرٌ كبير لأن تزاح بفعل أي منافسة، أو أي أدوار بديلة. ولكن مع نمو الطفل، تبدأ العَلاقات والسياقات الأخرى المستقلة عن العائلة في التشكل، وبالتالي فإن الهُوية داخل الأسرة تنحسر لتصبح واحدًا فقط من بين العديد من الخيارات، وبالتالي لا توجد في وعيك باستمرار. ولكن عندما تُحفَّز تلك الهُوية الأسرية — مثلما يحدث في سياق الأعياد، أو في حفل زِفاف، أو جنازة — ستظهر على السطح مرة أخرى بوصفها هُوية مهيمنة بقوة. وعلى النقيض من ذلك، فالهُويات التي تتطور في وقتٍ لاحقٍ يجري إرساؤها على مدى فترة زمنية أقصر بكثير، وبصورة أكثر تقطعًا بكثير، وربما أيضًا بعيدًا عن الفترات الحرجة للتطور. وعلى عكس الحال بالنسبة إلى الهُوية الأسرية، فإن سياق اللحظة سيمثل عاملًا أكثر بروزًا بكثير في تلك الهُويات اللاحقة.

خامسًا: سيتم الآن دمج هذه الحالة المعينة من الفعل ورد الفعل التي تحدث في لحظة معينة ضمن سياق معين مفعم بالقيم والذكريات ضمن إطار أوسع بكثير: كرواية لماضيك، وحاضرك، ومستقبلك المتماسك. وهكذا فإن إدراكك الشخصاني لكامل قصة حياتك الفريدة من نوعها، والذي تلتقطه في أي لحظة بعينها ولكنه يعتمد على المناطق الخلفية للارتباطية العصبونية الشديدة الاتساع والتعقيد، يمكنه أن يشكل الشعور اللحظي بهُويتك. إن السيناريو المتمثل في عمرٍ كامل من الذكريات والمعتقدات التي يجري ضخها في لحظةٍ واحدة من الوعي، يذكرنا بأبيات وليام بليك Blake الشهيرة من قصيدة «تنبؤات البراءة»:
لترى عالمًا في ذرة رمل،
وفردوسًا في زهرة برية،
أمسك السرمدية في راحة كفك،
والأبدية في ساعة.١٦

لكل ما يحدث لحظته الزمنية الخاصة، ولكن يمكن الآن ربطه بجميع الأحداث الأخرى بحكم كونه سابقًا أو لاحقًا لها. وبالتالي فإن هُويتك هي ظاهرةٌ مكانية وزمانية تجمع بين شبكة العصبونات الراسخة، والطويلة الأمد، والمعممة الخاصة بالعقل، وبين الوعي اللحظي، أي التوليد العابر لائتلافات كبروية النطاق من العصبونات (التجمعات) في أقل من ثانية. إن الشبكة المعممة الطويلة المدى من الارتباطية هي عقلك، والتي يمكنها الآن بدورها أن تلعب دورها في أي لحظة بعينها من الزمن. إذا كان الوعي مرتبطًا بالفعل بالتوليد العابر لائتلافات كبروية النطاق من العصبونات في أقل من ثانية، وإذا كان بوسع الشبكات الدائمة من الوصلات العصبونية (العقل) حشد ائتلاف (تجمع) أوسع، فإن الوعي «الأعمق» الناتج سيرتبط بصورة مباشرة بتحقيق فهم أعمق للأحداث، والأشخاص، والأشياء عندما تواجهها.

ويتمثل الدرس المستفاد الحاسم من هذه المحاولة المتعلقة بالعلوم العصبية لتفكيك الهُوية في الدور الحيوي للسياق الذي يعمل فيه العقل من لحظة واعية بعينها إلى الأخرى. ماذا يحدث، إذن، في الحالات التي يتعرض فيها هذا العقل ﻟ «النسف» أو «الفقدان»؟

١  Penfield, W., and Boldrey, E. (1937). Somatic motor and sensory representation in the cerebral cortex of man as studied by electrical stimulation. Brain: A Journal of Neurology 60, no. 4, 389–443. doi: 10.1093/brain/60.4.389.
٢  Chalmers, D. J. (1995). Facing up to the problem of consciousness, Journal of Consciousness Studies 2, no. 3, 200–219.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://cogprints.org/316/1/consciousness.html
٣  Koch, C., and Tononi, G. (2008). Can machines be conscious? Spectrum, IEEE 45, no. 6, 55–59.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://ieeexplore.ieee.org/xpls/abs_all.jsp?arnumber=4531463
٤  على أي حالٍ، فنحن نعرف أن العصبونات يمكنها التفاعل بشكل جيد جدًّا مع أنظمة السيليكون. أظهرت الأبحاث الرائدة لبيتر فرومهيتز، على سبيل المثال، جمال «الرقاقة العصبونية» (neurochip) حيث تتم الاتصالات بسهولة على لوحة كهربية بين العصبونات وعُقد السيليكون، وبالمثل، إذا تمكنت خلايا الدماغ من العمل في جهاز هجين بهذه الطريقة، فقد لا يكون العكس مستغربًا: تتوافر الغرسات الاصطناعية في الدماغ بالفعل وتحقق آثارًا مذهلة. وعلى سبيل المثال، قام ميغيل نيكوليلس من جامعة ديوك بتطوير نظام يمكن فيه لمريض الشلل الرباعي، عن طريق أجهزة مزروعة في الدماغ، توليد توقيعات إلكترونية تسبق عادةً الحركات المختلفة. وبعد ذلك، يتم التعرف على هذه الإشارات الإلكترونية بواسطة حاسوب يمكنه تشغيل طرف اصطناعي، حتى يمكن للشخص المصاب بالشلل من الرقبة فما دونها أن «يرغب» في تنفيذ الحركة. على أي حال، فإن هذه «الأطراف الاصطناعية العصبونية» لا تزال بعيدة عن سيطرة السيليكون على الدماغ، والتي يمكن تصورها ضمن تجرِبة فكرية. وفي حين من الممكن أن يتراكب السيليكون مع الكربون، على الأقل فيما يتعلق بالتنفيذ النهائي للحركة، أي المخرجات الدماغية التي تعمل على تحفيز العضلات الدماغية، فلا ينبغي الخلط بين ذلك وعملية التراكب بين عصبونين اثنين، والتي تكمن وراء العمليات المعرفية، أو الخلط بينه وبين الذكاء الاصطناعي.
٥  Damasio, A. R., Everitt, B. J., and Bishop, D. (1996). The somatic marker hypothesis and the possible functions of the prefrontal cortex. Philosophical Transactions of the Royal Society of London. Series B: Biological Sciences 351, no. 1346, 1413–1420. doi: 10.1098/rstb.1996.0125.
٦  Turing, A. M. (1950). Computing machinery and intelligence. Mind 59, no. 236, 433–460.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://cogprints.org/499/1/turing.html
٧  For example, Rees, G., Kreiman, G., and Koch, C. (2002). Neural correlates of consciousness in humans. Nature Reviews Neuroscience 3, no. 4, 261–270. Tononi, G., and Koch, C. (2008). The neural correlates of consciousness. Annals of the New York Academy of Sciences 1124, no. 1, 239–261.
٨  Koch, C., and Greenfield, S. (2007). How does consciousness happen? Scientific American 297, no. 4, 76–83.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.sciamdigital.com/index.cfm?fa=ExtServices.GspDownloadIssueView&ARTICLEID_CHAR=E0E902FE-3048-8A5E-1061447DA58B3813
٩  Greenfield, S. A. (2001). The private life of the brain: Emotions, consciousness, and the secret of the self. New York: Wiley.
١٠  James, W. (1890). The principles of psychology, Chapter 13.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://psychclassics.yorku.ca/James/Principles/prin13.htm
١١  ناقش رينيه ديكارت (١٥٩٦–١٦٥٠م)، الذي كثيرًا ما يُطلَق عليه اسم «والد الفلسفة الحديثة»، حجة كون البشر مختلفين تمامًا عن غيرهم من الحيوانات وبقية العالم الطبيعي: فعقولنا الفريدة من نوعها يمكن أن تُعزى إلى اللغة والمنطق، وهما الخاصيتان اللتان تفصلان جنسنا وتميزه عن بقية المملكة الحيوانية. وقد افترض ديكارت أن السلوكيات المعبرة عن العواطف لدى جميع المخلوقات غير البشرية يمكن تفسيرها من دون الحاجة إلى عزوها إلى العقول والوعي. وخلَص إلى أن الحيوانات غير البشرية يمكن اعتبارها آلات ليس أكثر، والتي تم تجميع أجزائها بطرق معقدة. وعلى أي حال، فعلى الرغم من أن البشر قد يمتلكون العقول والوعي، فقد تكون هذه الظواهر منفصلة عن طرق العمل الآلية للجسم: «لشرح هذه الوظائف، إذن، فليس من الضروري أن نتصور أي رُوح إنباتية أو حساسة، أو أي مبدأ آخر للحركة أو الحياة، بخلاف دمها وأرواحها التي تُستثار بفعل حرارة النار التي تحرق بشكلٍ مستمر في قلبها، والتي هي من نفس طبيعة تلك الحرائق التي تحدث في الجمادات.» وقد توسعت هذه الفكرة المتعلقة بالجسد المادي الآلي لتشمل الدماغ المادي الآلي بالنسبة إلى ديكارت، وهو النموذج النمطي للمفكر الثنائي، وذلك يعني أن الدماغ المادي يتميز عن العقل والوعي، اللذَين يظلان في معظمهما غير معروفَين وغير مستكشَفَين. وفي فترة لاحقة، فقد جلب ظهور الحاسوب في القرن العشرين معه الفرصة للتخلي عن مفهوم الوعي الموازي الوهمي، وبدلًا من ذلك عزو كل شيء إلى العمليات الآلية.
Descartes, R. [1994]. The treatise on man. In S. Gaukroger (Ed.), the world and other writings, pp. 119–169.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www2.dsu.nodak.edu/users/dmeier/31243550-Descartes-The-World-and-Other-Writings.pdf, p. 169.
١٢  ليس تعريف الذكاء مجرد مراوغة دلالية، ولكنه يمتدُّ ليشمل القضايا الأخلاقية الأوسع. وعلى سبيل المثال، فقد اختلف هيوم مع كانط في افتراض أن الذكاء لا ينطوي بالضرورة على القيم الأخلاقية والعكس صحيح. وعلى أي حالٍ، فمن المؤكد أن هذه المعضلة تعتمد مرة أخرى على كيفية تعريف الذكاء. وإذا أخذنا مفهوم g الحسابي البسيط، والبراعة في اختبارات الذكاء، فسيكون هيوم مُحقًّا: فبعد كل شيء، لماذا يجب توقع أي عملية خطية بسيطة بناء على أي معطيات أخرى غير قواعد اللعبة؟ ولكن إذا أخذنا المنظور الأوسع للذكاء، كما سأفعل أنا شخصيًّا، للإشارة ضمنًا إلى الفهم، فربما سيكون كانط أدق في النظر إلى الذكاء باعتباره فهمًا ينطوي على إدراك الارتباط بقيم معينة.
١٣  Horn, J. L., and Cattell, R. B. (1967). Age differences in fluid and crystallized intelligence. Acta Psychologica 26, 107–129.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.sciencedirect.com/science/article/pii/000169186790011X
١٤  إن هذه الفكرة القائلة بوجود قدرات عقلية حقيقية وعميقة ناجمة عن الارتباطات العصبونية تتوافق مع الحقائق التي ذكرناها في موضع سابق بأن الأطفال الموهوبين يُظهرون بالفعل قدرًا أكبر من الارتباطية العصبونية.
١٥  Greenfield, S. A. (2011). You and me: The Neuroscience of identity. London: Notting Hill.
١٦  Blake, W. (c. 1803) Auguries of Innocence.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.bartleby.com/41/356.html

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦