الفصل التاسع
الشيء المتعلق بالشبكات الاجتماعية
إن نسيان الناس لوجودي هو ما يؤثر فيَّ حقًّا.
إذا ذهبت إلى حفلةٍ أو كنت في عطلةٍ ولم أوثقها في
حسابي على الفيسبوك، فهل حدث ذلك حقًّا؟ هل يمزق
هذا وجوديَ بوصفي إنسانًا ويجبرني على ارتداء
عباءة الإخفاء؟ … لديَّ ما يقرب من ٨٠٠ صديق على
الفيسبوك، ولكني لا أخرج إلا مع عددٍ ضئيلٍ من
الناس في واقع الحياة. أليس هذا عجيبًا؟ من هم
أصدقائي السبعمائة والتسعون هؤلاء؟ متى كانت آخر
مرة خرجنا فيها معًا بالفعل؟ هل أعرفهم حتى؟ إذا
كنت لا أعرفهم، فلماذا أريدهم أن يعرفوني؟ كل هذا
الخطاب يجعلني أريد حذف حسابي على الفيسبوك، وفي
الوقت نفسه أتحقق مما إذا كانت لديَّ أي رسائل
جديدة. وبِغضِّ النظر عن قراري، أعتقد أننا قد
نتفق جميعًا على أن الفيسبوك قد عبث بحياة جيلي
بطريقة حقيقية للغاية. لقد سيطر على حياتنا
اليومية من خلال فرض قواعد اجتماعية جديدة وآداب
يجب علينا الالتزام بها. لقد قام في الأساس
بتحويلنا إلى كتل عبثية عُصابية مصابة بجنون
العظمة، تخاف من التواصل البشري الحقيقي. مارك،
لماذا تحمل لنا كل هذا الازدراء؟
١
كانت هذه مقتطفاتٍ مما كتبه ريان أوكونيل
O’Connell في
موقع Thought
Catalog في مايو ٢٠١١م. وعلى
الرغم من أنه قال كلماته هذه مازحًا، ربما كان
تفكيره يعكس بوضوح التأثير الهائل لمواقع الشبكات
الاجتماعية على طريقة حياتنا الحالية. وإذا كان
الأمر كذلك، فهل هي علامة مشئومةٌ على المجتمع
المختل المقبل، أم أن المخالطة الاجتماعية عبر
الإنترنت لا تمثل سوى نسخة أكثر تواترًا وسهولة
مما كنا نفعله دائمًا؟ في كلتا الحالين، ستكون
هناك انعكاسات مهمة على حياتنا وثقافتنا في
المستقبل. لم يحدث من قبلُ أن أُتيحت لكل هذا
العدد من البشر الفرصة لتبادل الموسيقى، والصور،
والفيديو، والآراء التي ينشرونها عبر المدونات بكل
سهولةٍ، غالبًا مع استجابات شبه
فورية.
في حين أن الشبكات الاجتماعية كانت موجودةً منذ
عام ١٩٩٧م، فإن مواقع مثل ماي سبيس، وبيبو،
وإنستاغرام، وتمبلر، وفيسبوك، وتويتر، ولينكد إن،
لا تزال الأكثر استخدامًا في جميع أنحاء العالم،
مع سيطرة الفيسبوك على سوق الشبكات الاجتماعية في
العالم الغربي. ومقارنة بغيره من الشبكات
الاجتماعية، فإن مستخدمي الفيسبوك هم الأكثر
تفاعلًا: ٥٢ في المائة يزورون موقع الفيسبوك
يوميًّا، في حين تقل النسبة كثيرًا في المواقع
الرائجة الأخرى، مثل تويتر (٣٣ في المائة)، ماي
سبيس (٧ في المائة) ولينكد إن (٦ في المائة).
٢ يزور المستخدم المتوسط للفيسبوك على
الهواتف الذكية صفحته على الموقع بواقع أربع عشرة
مرة في اليوم.
٣ وبالتالي، في حين يوجد العديد من
مواقع الشبكات الاجتماعية، فإن معظم النقاش هنا
سيتركز على الفيسبوك تحديدًا، نظرًا إلى الشعبية
التي يحظى بها في جميع أنحاء العالم، ومن ثَم كمُّ
البحوث اللاحقة على استخدام الفيسبوك. أما «مارك»
الذي تحداه ريان خطابيًّا فهو، بطبيعة الحال، مارك
زوكربيرغ
Zuckerberg،
مؤسس الفيسبوك، والذي اختارته مَجلة «تايم» شخصية
العام ٢٠١٠م. وبالتالي، ليس من المستغرب أنه بقدر
ما يعنيه الأمر، تبقى الآفاق واضحة ومشرقة بطريقة
لا لبس فيها:
هناك حاجةٌ كبيرة وفرصةٌ هائلة لضم
الجميع في عالمٍ مترابط، ومنح الجميع فرصة
للتعبير عن أصواتهم، والمساعدة في تحويل
المجتمع استعدادًا للمستقبل. إن مشاركة
الناس لقدر أكبر من المعلومات، حتى لو كان
ذلك يحدث مع أصدقائهم المقربين أو أسرهم
فقط، يخلق ثقافة أكثر انفتاحًا ويؤدي إلى
فهمٍ أفضلَ لحياة ولآراء الآخرين. ومع
زيادة الكمِّ الذي يتشاركه الناس، تزداد
فرصة اطلاعهم على مزيد من الآراء من
الأشخاص الذين يثقون بهم حول المنتجات
والخِدمات التي يستهلكونها. ويَزيد هذا من
سهولة اكتشافهم لأفضل المنتجات وتحسين
جودة وفاعلية حياتهم.
٤
إنني أشك في أن السبب الرئيس لتوجه معظم الناس
إلى الفيسبوك، وبخاصة المراهقون، هو، كما أشار
إليه زوكربيرغ، الهدف الجاد لتحسين فاعلية وجودهم.
لقد اشترك في الموقع أكثر من مليار شخص في العالم،
ومن بين هؤلاء يزور الموقع يوميًّا أكثر من النصف.
٥ من أجل أن تكون الشبكات الاجتماعية
رائجة كما هي الحال مع الأفراد الذين ينتمون إلى
مجموعة واسعة التنوع من الثقافات والخلفيات، فلا
بد أنها تلبِّي حاجة إنسانية أساسية على درجة
كبيرة، وأنها تفعل ذلك بشكل جيد حقًّا.
إن السبب الأكثر شيوعًا الذي طُرح لتفسير
الشعبية الطاغية للمواقع مثل الفيسبوك هو أنها
تساعدنا على التواصل عبر الإنترنت مع أصدقائنا غير
المتصلين (أي في العالم الحقيقي) مع تسهيل
الاحتفاظ بالصداقات عبر المسافات البعيدة.
٦ وعلى أي حالٍ، تتسم الأنماط البديلة
من التواصل عبر الحواسيب والتي لا تزال رائجةً،
مثل رسائل البريد الإلكتروني أو التراسل عبر
برنامج سكايب
Skype، بكونها
فعالة وسهلة للتواصل عبر المسافات الطويلة.
وبالتالي فإن التواصل مع الأصدقاء لا يمكن، من
تلقاء نفسه، أن يفسر جاذبية المخالطة الاجتماعية
عبر الفضاء الإلكتروني. وبالإضافة إلى ذلك، فقد
وَجدت البحوث التي أُجريت مؤخَّرًا أن من يستخدمون
الفيسبوك لجمع شبكة كبيرة من الأصدقاء الافتراضيين
يبلغون عن شعورهم بقدر أكبر من الرضا عن الحياة،
مقارنة بمن يستخدمونه للحفاظ على صداقات حقيقية
وثيقة ودائمة.
٧ ومن المثير للقلق أن هذه الدراسة وجدت
أن مستخدمي الفيسبوك هم أكثر رضًا عن حياتهم عندما
يعتبرون أن أصدقاءهم على الفيسبوك هم جمهورهم
الشخصي الذين يبثون إليهم من طرف واحد، وليس عندما
ينخرطون في حوارات متبادلة أو عدد أكبر من
العَلاقات التي تُبنى خارج الإنترنت ضمن شبكاتهم
على الإنترنت.
ربما كان كل ذلك يتلخص في أبسط محفِّز على
الإطلاق: الرغبة في الشعور بالرضا. في أحد
الاستطلاعات، أشارت النتائج إلى أن فرصة بناء،
والحفاظ على، الترابط الاجتماعي في بيئة الإنترنت
ترتبط بقدر أقل من الاكتئاب والقلق وكذلك برضًا
أكثر عن الحياة.
٨ من المفترض أن يوافق زوكربيرغ على ذلك:
العَلاقات الشخصية هي الوحدة الأساسية
لمجتمعنا. تتمثل العَلاقات في الكيفية
التي يمكننا بها اكتشاف أفكار جديدة، وفهم
عالمنا، وفي نهاية المطاف استخلاص السعادة
على المدى الطويل … لقد ساعدنا بالفعل
أكثر من ٨٠٠ مليون شخص على تخطيط أكثر من
١٠٠ مليار ارتباط حتى الآن، ويتمثل هدفنا
في المساعدة على تسريع وتيرة إعادة
التوصيل
rewiring هذه.
٩
وفي الواقع أن زوكربيرغ يُشير هنا إلى نوعٍ جديد
من الوجود، والذي لم تعد فيه هُويتك بالقدر نفسه
من الانطواء الداخلي، إذ صارت تتشكل خارجيًّا
بالتنسيق الوثيق مع الآخرين. إن استخدامه لكلمة
«إعادة التوصيل» يعني أننا نعمل معًا كعُقَد
nodes ضمن آلة
معقدة، كنا بالفعل متصلين بها جميعًا من قبل
(«موصلون» بطريقة مختلفة)، وأن تغيير الأسلاك
الكهربائية الجديد هذا هو الأفضل. ليس هناك افتراض
واحد صحيح من بين هذه الافتراضات الثلاثة؛ أولًا:
على الرغم من أن مفهوم وجود شبكة عالمية للفكر
(المحيط الفكري
noosphere)،
كما رأينا في وقت سابق، قد وُضع من قِبل الراهب
اليسوعي بيير تيلار دي شاردان قبل قرن من الزمان
تقريبًا، فلم يُنظَر إليه من قِبل أي شخص آخر
مطلقًا كتأليه
apotheosis
محتمل للإنسانية.
١٠ ثانيًا: نحن لم نكن في الواقع
«موصَّلين» معًا باستمرار، وهذا هو سبب كون هذه
الحالة الجديدة من الترابط رائجة للغاية. ثالثًا:
لماذا ينبغي علينا أن نفترض تلقائيًّا أن كل ما
يقدمه الفيسبوك يتفوق على جميع الأنماط السابقة من
التواصل؟ نحن في حاجةٍ إلى إلقاء نظرة أدق على
ما
يجري.
إن الحالة المتناقضة لأن تكون متصلًا بصورةٍ ما
بشخص آخر تعني أنك لست متصلًا على الإطلاق، أي أن
تكون وحيدًا. وبمصطلحات تطورية، ستكون هناك قيمة
للبقاء، وبالتالي متعة شخصانية أساسية في أي سلوك
يُحارب العزلة. وقد اتضح أن الوحدة ضارة حقًّا
بصحتك. على سبيل المثال، تتعرض النساء اللاتي
يمتلكن عددًا أقل من تجارِب العَلاقات الاجتماعية
للسكتات الدماغية بمعدل يصل إلى ضعفَي معدل من
يمتلكن عددًا أكبر من العَلاقات، بعد تسوية جميع
العوامل الممكنة الأخرى.
١١ وعلاوة على ذلك، حدد تحليل «الدنا»
DNA وجود ٢٠٩
جينات متعلقة بوظيفة الجهاز المناعي لمكافحة
المرض، والتي يجري تعبيرها بشكل مختلف في الأشخاص
الذين يبلغون عن مستويات مرتفعة من العزلة الاجتماعية.
١٢ يبدو أن خلايا دفاع الجهاز المناعي
القديمة تطوريًّا قد اكتسبت حساسيَّة للظروف
الاجتماعية-البيئية التي قد تسمح لها بتغيير
الملامح القاعدية للتعبير الجيني من أجل مواجهة
التهديدات المتغيرة للعدوى المرتبطة بالظروف
الاجتماعية المعادية. وعلاوة على ذلك، فإن
التغيرات الحادثة في تعبير الجينات القابلة
للتحريض تتعلق بقوة أكبر بالتجرِبة الشخصانية
للشعور بالوحدة منها بالحجم الموضوعي للشبكة
الاجتماعية. وكأن ذلك لم يكن كافيًا، فمن الممكن
للشعور بالوحدة أن يَزيد من معدل وقوع أمراض القلب
والأوعية الدموية عن طريق تقليل مستويات
الأوكسيتوسين، وهو الهُرمون الطبيعي الذي ذكرناه
في موضع سابق، الذي يقلل معدل ضربات القلب ويجعله
مستقرًّا بشكل طبيعيٍّ.
١٣ ولأن مستويات الأوكسيتوسين ترتفع بشدة
خلال التلامس الجسدي الوثيق وتترافق مع العافية،
فمن الواضح أن العزلة تثبِّط هذه الآلية الدفاعية
الطبيعية.
خلال السنوات العشرين الماضية، تضاعف عدد
الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم في المملكة المتحدة،
وهي نسبةٌ لم يسبق لها مثيل، حيث يعيش ثلث جميع
البالغين في أسر مؤلفة من عضو واحد.
١٤ ويتركز هذا الاتجاه بصفة خاصة في
الفئة العمرية ما بين الخامسة والعشرين والرابعة
والأربعين. تترافق زيادة عدد الأشخاص الذين يعيشون
بمفردهم مع احتمالٍ أكبر للشعور بالوحدة، وبالتالي
فإن الوصول اللاحق لمواقع الشبكات الاجتماعية
سيلبِّي طلبًا واضحًا بين مجموعة متزايدة من
العملاء المتقبلين لذلك على الفور. أدى التحول في
الكيفية التي يتواصل بها البالغون اجتماعيًّا إلى
تغير التفاعل الاجتماعي بصورةٍ جذريةٍ على مدى
عَقدين من الزمن. في العام ١٩٨٧م، وَفقًا لأحد
التقديرات، كنا نقضي في المتوسط ست ساعات يوميًّا
من التفاعل الاجتماعي وجهًا لوجه، وأربع ساعات في
التواصل عبر وسائل الإعلام الإلكترونية.
١٥ وفي العام ٢٠٠٧م انقلبت تلك النسبة،
حيث كنا نقضي ما يقرب من ثماني ساعات يوميًّا في
التواصل الاجتماعي عبر وسائل الإعلام الإلكترونية،
وساعتين ونصف الساعة فقط في التفاعل الاجتماعي
وجهًا لوجه. لم يؤدِّ ظهور وسائل الإعلام
الاجتماعية إلى تلبية حاجة قائمة فقط، لكنه فعل
ذلك على نحو أكثر فعالية من التواصل العادي بين
الأشخاص. وقد اقترح عالم الاقتصاديات العصبية بول
زاك
Zak أن
الشبكات الاجتماعية ذاتها تَزيد من مستويات
الأوكسيتوسين، وهو هُرمون يُفرز عادة نتيجة
للتقارب الجسدي.
١٦ ولعل المحاكاة السيبرانية للقُرب
الجسدي تماثل الشيء نفسه الحقيقي بقدر ما يتعلق
الأمر بالجسم. ما الخطأ في ذلك إذن؟ إذا كنا نعزز
مستويات الأوكسيتوسين في أجسامنا، ونشعر بالقُرب
من الآخرين، ونصد الآثار المهددة للصحة التي
يسببها الشعور بالوَحدة، فما الذي نكرهه في
ذلك؟
تتسم البيانات المتوفرة بشأن العَلاقة بين
الشعور بالوَحدة والشبكات الاجتماعية بكونها معقدة
على نحو مذهلٍ.
١٧ تُظهر الأبحاث أن الأشخاص الذين
ينخرطون في نشاط في الفيسبوك عن طريق مراسلة
الأصدقاء والنشر على صفحات الأصدقاء يذكرون
مستويات أدنى من الشعور بالوَحدة من أولئك الذين
يشاركون في المقام الأول عن طريق المتابعة السلبية
لصفحات الأصدقاء.
١٨ وكذلك فإن الأشخاص الذين يُبلغون عن
الشعور بالوَحدة يكونون على ما يبدو مرتبطين
عاطفيًّا بقوة أكبر بالفيسبوك، مما يُشير إلى أن
الأكثر شعورًا بالعزلة هم مَن يستخدمون هذا الموقع
للتعويض عن عدم وجود عَلاقات خارج إطار الإنترنت.
وفي الوقت نفسه، من يمتلكون شبكات صحية من
العَلاقات الواقعية الراسخة بالفعل يلجئون إلى
الفيسبوك ببساطةٍ كشيء إضافي من اللطيف امتلاكه.
١٩ ومن المثير للاهتمام أن الطلاب الذين
لديهم مستويات أعلى من الشعور بالوَحدة يُبلغون
أيضًا عن وجود عدد أكبر من أصدقاء الفيسبوك ممن
لديهم عَلاقات اجتماعية أوسع في واقع الحياة.
٢٠ وبالتالي، ففي حين يمكن استخدام
الشبكات الاجتماعية لمعالجة مشاعر الوَحدة، فقد لا
تُحدث الأثر المطلوب في نهاية المطاف. وعلى سبيل
المثال، فإن عالِم المستقبليات ريتشارد واتسون
Watson لديه
تحفظات جدية على الأمر:
أعتقد أن أحد الأسباب الرئيسة للرواج
الكبير لموقعي الفيسبوك وتويتر هو أننا
نشعر بالوَحدة … تعني الارتباطية العالمية
أننا ننزِع إلى أن نكون بمفردنا حتى عندما
نكون معًا. يمكنك أن ترى هذا عندما يخرج
الأزواج معًا لتناول العشاء في الخارج،
ويقضي كلٌّ منهما معظم وقته في إرسال
الرسائل النصية، أو عندما يجتمع الأطفال
معًا من أجل اللعب وينتهي بهم المطاف إلى
الجلوس بعضهم إلى جانب بعض وكلٌّ منهم
عاكفٌ على لوحات المفاتيح المنفصلة
لألعابهم ساعات طويلة.
٢١
ويرى بعض الباحثين أن الهروب إلى الإنترنت لتجنب
مشكلات العالم الحقيقي قد تفاقم بالفعل.
٢٢ عمَدت إحدى الدراسات إلى فحص استخدام
الفيسبوك من منظور نظرية التعلق في البالغين،
والتي تؤكد دور مزوِّد الرعاية الرئيس في مرحلة الطفولة.
٢٣ وضَع نظرية التعلق الطبيب النفسي جون
بولبي
Bowlby في
منتصف القرن العشرين، عندما كان يعالج الأطفال
المصابين باضطراباتٍ عاطفية. اقترح بولبي أنه يمكن
تعريف الارتباط على أنه «اتصال نفسي مستديم بين
البشر»، كما أظهر أن الأطفال الرضَّع يكونون إما
«آمنين»، وإما «قلقين»، وإما «انطوائيين» من حيث
أنماط التعلق التي يُظهرونها.
٢٤ قد يبكي الطفل الآمن عندما تغادر
والدته الغرفة، لكنه سيبدأ اللعب مرة أخرى بمجرد
أن تعود. وعلى أي حالٍ، ففي حالة الأطفال القلقين،
عندما تعود الأم، سيقوم الطفل بدفعها بعيدًا ومن
ثَم الانفجار في البكاء. وفي المقابل، فإن الطفل
الانطوائي يتصرف كما لو أن شيئًا لم يحدث، على
الرغم من حدوث زيادة في معدل ضربات القلب ومستويات
هُرمون التوتر، الكورتيزول.
يتصرف البالغون بدورهم مثل الأطفال تمامًا. ففي
حين يشعر الأشخاص الآمنون بالراحة للحميمية، يكافح
الأفراد الانطوائيون من أجل إقامة الارتباطات
العاطفية. يكون الأفراد الانطوائيون أكثر عرضة
للانعزال اجتماعيًّا ولأن يحاولوا إغلاق
احتياجاتهم العاطفية فيما يتعلق بالآخرين. وفي
المقابل، فإن الأفراد القلقين ينزعجون من البقاء
بمفردهم؛ وهم يخشون الرفض وينخرطون في سلوكيات
يعتقدون أنها تعزز عَلاقاتهم. وجد الباحثون أن
الأفراد الذين يُظهرون مستويات عالية من الارتباط
القلِق يستخدمون الفيسبوك بصورةٍ أكثر تواترًا،
ويكونون أقرب احتمالًا لاستخدامه عندما يعتريهم
شعور سلبي، ويكونون أكثر اهتمامًا بشأن الكيفية
التي يراهم بها الآخرون على الفيسبوك.
٢٥ يبدو أن الفيسبوك يسد حاجة لدى من
تعرضوا لتجارِب سيئة التأقلم في وقتٍ مبكر. وعلى
أي حال، فلا يزال من غير الواضح ما إذا كان
استخدام الفيسبوك قد يساعد الأشخاص الذين يُظهرون
مستويات مرتفعة من ارتباطات القلق عن طريق مكافحة
مشاعر الوَحدة وتعزيز عَلاقاتهم. ولكن ليس من
يشعرون بالوَحدة والقلق هم وحدهم من ينجذبون إلى
الشبكات الاجتماعية. لقد أظهرت الأبحاث أيضًا أن
الأفراد الذين يُظهرون مستويات أعلى من الانفتاح
يقضون وقتًا أطول على الفيسبوك ولديهم عدد أكبر من
الأصدقاء هناك.
٢٦
يعني الانفتاح خيالًا نشطًا، ورغبة في تجرِبة
خبرات جديدة، واهتمامًا بالمشاعر الداخلية،
وتفضيلًا للتنوع، وامتلاك عقل محب للاطلاع.
وبالتالي، فإن وجود عدد كبير من أصدقاء الفيسبوك
يرتبط، للمفارقة، مع كلٍّ من مستويات مرتفعة من
الانفتاح وكذلك مع الشعور بمزيد من
الوَحدة.
وعلى الرغم من أن ذلك قد يبدو معاكسًا للتوقعات
البديهية، فإن الانفتاح والشعور بالوحدة ليسا
متناقضين: فالانفتاح هو سمةٌ شخصية، في حين أن
الوحدة هي حالة. إن مزيجًا من «السحب» الذي تمثله
الرغبة في الانفتاح و«الدفع» الذي يفرضه الشعور
بالوحدة يمثل عاملًا قويًّا في تحديد مقدار ما
تكشفه عن نفسك. وهذا الإفصاح الذاتي هو أمرٌ حاسم
لفهم الجاذبية الحقيقية لمواقع الشبكات
الاجتماعية.
كنوع حيٍّ، يبدو أننا نمتلك توقًا شديدًا للكشف
عن مكنون ذواتنا، إلى درجة أنه يمكن اعتباره جزءًا
أساسيًّا بشكل بالغ من النفس البشرية. وقد أثبت
العلماء في جامعة هارفارد بالفعل أن مشاركة المرء
للمعلومات الشخصية عن نفسه، كما يحدث على مواقع
الشبكات الاجتماعية، ينشط أنظمة المكافأة في
الدماغ بالطريقة نفسها التي يفعلها الغذاء والجنس.
٢٧ ومن المثير للدهشة أن المشاركين في
هذه التجرِبة بعينها كانوا حتى استعداد للتخلي عن
المكافآت المالية مقابل الحصول على فرصة للحديث عن
أنفسهم. وتُشير النتائج أيضًا إلى أن وجود ردود
فعل دورية متبادلة للإفصاح الذاتي يكافئ ويديم
مشاركة المعلومات الشخصية على مستوى الكيمياء
الحيوية الأساسية. ونتيجة لذلك، فإن جاذبية
الشبكات الاجتماعية متأصلة في محفِّز بيولوجي
نجهله إلى حدٍّ كبير، والذي نجد أنه من الصعب
السيطرة عليه بصورةٍ طوعية.
وعلى الرغم من أننا قد لا نكون على علمٍ بكونه
حاجة بيولوجية أساسية، يمكن للحنين الواعي للتعبير
عن النفس والإفصاح الذاتي أن يمثل المِفتاح لما
يجده كثيرون قاهرًا بشأن الفيسبوك وغيره من أنواع
التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت. وعلى الرغم من أن
مواقع الشبكات الاجتماعية، بطبيعة الحال، تجعل هذا
التواصل أسهل وأيسر، فإن المخالطة الاجتماعية
نفسها قد لا تكون هي القضية الرئيسة. وبدلًا من
ذلك، فقد يكون عامل الجذب الحقيقي هو تجرِبة نقل
المعلومات الشخصية على نطاق لم يسبق له مثيل، لأن
الفيسبوك وغيره من المواقع المشابهة تشجِّعك على
أن تكشف للآخرين عن معلومات حول نفسك بطريقة ربما
لم تفعلها من قبل. عندما يُحدِّث شخص حالته بأمرٍ
شخصيٍّ، فهو يشاركه مع مئات من أصدقائه على
الفيسبوك. ما عليك سوى التفكير في الأمر. نحن نقوم
بطبيعة الحال بتبادل المعلومات الشخصية بعضنا مع
بعض منذ فجر التاريخ، لكننا الآن نفعل ذلك مع ٢٦٢
شخصًا (متوسط عدد أصدقاء الفيسبوك عبر جميع
الأعمار والبيانات الديموغرافية) بدلًا من مجرد
عدد قليلٍ من الأصدقاء المقربين.
٢٨ والنقطة المهمة هنا هي أنك، عند
مشاركة معلوماتك الشخصية على الفيسبوك، سواء من
خلال ملفك الشخصي أو حالتك، فأنت تتشاركها مع
جمهور مباشر هو الأكبر على الإطلاق في تاريخ
البشرية.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال التالي هو:
لماذا نحن على استعدادٍ لإفشاء الكثير من
المعلومات الشخصية على هذا النطاق الذي لم يَسبق
له مثيل؟ ربما كانت مكافآت المشاركة في مواقع
الشبكات الاجتماعية والتصرف النفسي تجاه الإفصاح
الذاتي يعزز بعضها بعضًا. ومن بين أكثر النتائج
اتساقًا للبحوث المتعلقة بالحواسيب، نجد واحدة
تُشير إلى أن غياب التواصل وجهًا لوجه يؤدي إلى
ارتفاع مماثل في الإفصاح الذاتي، لأننا لا نمتلك
تلميحات بصرية أو لغة الجسد المناسبة لثنينا عن
الإفصاح الذاتي أو التساؤل عما نكشف عنه.
٢٩ عندما نلتقي شخصًا ما بشحمه ولحمه،
ونصافح يده، وننظر إلى عينيه، ونلتقط التلميحات من
خلال لغة الجسد، فنحن نبني الثقة والألفة معه
تدريجيًّا؛ نحن نشعر بأننا نعرف الشخص الآخر قبل
أن نتخلى عن حذرنا معه. وحتى يحدث ذلك، فإن لغة
الجسد الدفاعية، وتجنُّب التقاء العيون، والمسافة
المادية، ونبرة الصوت قد تعمل جميعها بمنزلة
تحذيرات بعدم إعطاء أكثر من اللازم في مرحلة مبكرة
من العَلاقة. تمثل لغة الجسد آلية تطورية قديمة
تومئ لنا بمتى ينبغي علينا أن نتخلى عن دفاعاتنا
ومتى يجب أن نحتفظ بها. وإذا لم تكن هناك علامات
تحذيرية مثل هذه، فلا شيء يمنعنا من التحدث أو
الكتابة مرارًا وتَكرارًا، وحينئذٍ يكون الإفصاح
أسهل بكثير. وبالتالي فإن الأشخاص الذين يرغبون في
الكشف عن مزيد سيستخدمون مواقع الشبكات الاجتماعية
بصورة أكثر تواترًا، والذي يؤدي بدوره إلى تشجيعهم
على الإفصاح عن المزيد.
وعلى سبيل المثال، أُجري استطلاع على ٤٨٨ من
مستخدمي مواقع الشبكات الاجتماعية في ألمانيا
مرتين خلال فترة ستة أشهر.
٣٠ أظهر الأفراد ذوو التوجه الأقوى
للإفصاح الذاتي ميلًا أكبر إلى المشاركة في مثل
هذه المواقع. وفي الوقت نفسه، فقد زاد الاستخدام
المتواتر للشبكات الاجتماعية من الرغبة في الإفصاح
الذاتي على الإنترنت، لأن سلوكيات الإفصاح الذاتي
تتعزز من خلال مراكمة رأس المال الاجتماعي ضمن
الفيسبوك والبيئات المماثلة. وبالتالي، فإن السؤال
الذي تبلغ قيمته ٦٤٠٠٠ دولار هو: لماذا؟ إذا كان
الشعور بالوَحدة هو المحرك الرئيس لاستخدام
الشبكات الاجتماعية، فهناك سبل أكثر فاعلية بكثير،
والتي تتسم بكونها تبادلية
وشخصية،
للتواصل مع الأفراد من تحديث الحالة الواسع
الانتشار عبر الإنترنت. ومع ذلك فمن يشعرون
بالوَحدة هم الأكثر انجذابًا إلى الشاشة. لماذا
يكون من الممتع إلى هذا الحد (كما أثبتته دراسة
هارفارد بوضوح)
٣١ أن تكشف عن مشاعرك وأفكارك الخاصة ليس
إلى شخص واحد تثق به في بعض الأحيان، ولكن لجمهور
مؤلف من المئات أو الآلاف بصفةٍ يومية أو حتى كل
ساعة؟
يمكن القول إنه من خلال الوقت والمسافة التي
تقضيها في الاختباء وراء الشاشة، يمكنك تصوير نفسك
كشخص مختلِف تمامًا وأكثر إثارة للاهتمام. إن
الفرصة لتجنب الحرج المتمثل في التردد والتلعثم في
اختيار كلماتك تبدو رائعة، خاصة أنه لن تكون هناك
فرصة لأن تقول أي شيء لا تعنيه أو قد تندم على
قوله. أنت تشعر بالأمان وبعدم التعدِّي وأنت
تستخلص المتعة اللمسية من خلال النقر على لوحة
المفاتيح، وترى كتابتك على الشاشة تتراقص وَفقًا
لنموذجك الخاص في السيطرة والتحكم. يأتي جزء آخر
من الإثارة التي يمثلها البقاء على الإنترنت من أن
تكون متصلًا باستمرار. هناك شخص ما، في مكان ما،
متاح دائمًا للتفاعل معك الآن؛ فبعد كل شيء، أنت
متصل بالعالم بأسره. ولكن في الوقت نفسه، يمكنك أن
تقول أي شيء تريده من دون الحرج أو الانزعاج الذي
يمثله التفاعل وجهًا لوجه. لا عجب في أن هذه
التجرِبة تمنحك شعورًا جيدًا.
في العام ٢٠١١م، هدَفت دراسة إيطالية-أمريكية
مشتركة إلى تشريح نوع التجرِبة التي يُعايشها
الناس في أثناء استخدام الفيسبوك.
٣٢ هل هي في المقام الأول تجرِبة تبعث
على الاسترخاء أم خبرة مرهِقة؟ شارك ثلاثون طالبًا
تتراوح أعمارهم بين التاسعة عشرة والخامسة
والعشرين في تمرينات قصيرةٍ نظر خلالها الطالب
أولًا إلى مناظر طبيعية بانورامية (تجرِبة
الاسترخاء)، ثم أمضى ثلاث دقائق في تصفح حسابه
الخاص على الفيسبوك، ثم قضى في النهاية أربع دقائق
في إتمام مهمة مرهقة، مثل حل مسألةٍ رياضية. خلال
هذه الاختبارات، جرى تسجيل مستويات الإجهاد
الفسيولوجي لديهم لقياس مدى شعور المشاركين
بالإجهاد أو الاسترخاء خلال كل تجرِبة. خلال
التجرِبة المرهقة، جرى تفعيل نظام المحاربة أو
الفرار، ما أدى إلى زيادة معدلات التنفس، والتعرق،
واتساع حدقة العين، في حين أدت تجرِبة الاسترخاء
إلى تنشيط الجهاز العصبي جار الودي (السمبثاوي)،
مما أدى إلى استجابات معاكسة. كان الأمر الأكثر
إثارة للاهتمام هو أن التنقل عبر صفحة المرء
الخاصة على الفيسبوك يبدو أنه يوفر تجرِبة لم تكن
تبعث على الاسترخاء وليست مرهقة، بل حالة إيجابية
أكثر نشاطًا. أظهر المشاركون خليطًا من الاستجابات
الفسيولوجية التي تُشاهَد أيضًا في ظل ظروف
الاسترخاء والإجهاد. وقد خلَص الباحثون إلى أن
نجاح مواقع التواصل الاجتماعي «قد يترافق مع
تجرِبة المستخدمين لحالة وجدانية إيجابية بعينها.»
باختصار، يتسم التوجه إلى الفيسبوك بكونه مثيرًا
من الناحية الجسدية و/أو الفسيولوجية. ولكن ما
العملية البيولوجية التي تحفِّز بالفعل هذه
التجرِبة من الشعور الجيد، أو التمتع بالفيسبوك
أكثر مما تفعل عندما تُشاهد لوحة أو تتنزه سيرًا
على الأقدام، على سبيل المثال؟
رأينا سابقًا كيف افتتن علماء الدماغ منذ فترة
طويلة بظاهرة «التحفيز الذاتي»، حيث تقضي الجرذان
كل وقتها في الضغط على قضيب معدِني لتحفيز مناطق
رئيسة في الدماغ، مع استبعاد كل شيء آخر بما في
ذلك تناول الطعام. كانت المناطق التي يُفترض، عند
تحفيزها، أن تجعل الجرذان «تشعر بأنها في حالة
جيدة» هي تلك التي تُفرز الناقل العصبي دوبامين.
وبالإضافة إلى المساهمة في مشاعر السرور، يؤدي
الدوبامين دورًا آخر في الإيقاعات اليومية للنوم
واليقظة، حيث يرتبط بيقظة متزايدة. فكِّر فقط في
فرط النشاط الناتج عن مخدر «السرعة»
speed
(الأمفيتامين)، الذي يُطلق مستويات مرتفعة على نحو
غير طبيعيٍّ من الدوبامين في الدماغ. ليس من الصعب
أن نرى تداخلًا بين الشعور بالاستثارة والشعور
بالسعادة. تتسم العديد من الأنشطة في الحياة
بكونها مثيرة، مثل الألعاب الرياضية السريعة
الوتيرة، كما أنها مجزية أيضًا. ويكفي القول بأنه
إذا جرى ربط مختلِف حالات الدماغ المتعلقة
بالإثارة والمكافأة بارتفاع مستويات الدوبامين
باستمرار، وإذا كانت الشبكات الاجتماعية مجزية
ومثيرة، فمن المحتمل للغاية أن تعمل الشبكات
الاجتماعية بمنزلة محفِّز آخر لإفراز الدوبامين في
الدماغ.
عدَّدت الدكتورة سوزان وينشينك
Weinschenk —
وهي عالمةٌ نفسية سلوكية نُشرت لها خمسة كتب حول
تجرِبة المستخدم في الأنظمة الحاسوبية — السمات
المحددة للفيسبوك وغيره من مواقع الشبكات
الاجتماعية التي يمكن أن تجعل منها محفزات لإفراز الدوبامين:
٣٣ أولًا: لأنها توفر إشباعًا فوريًّا:
يمكنك الآن التواصل مع شخصٍ ما على الفور، ومن
المرجح أن تحصل على رد في غضون بضع ثوان. ثانيًا:
أنها توفر إثارة استباقية: تُظهر دراسات التصوير
العصبي مستويات أعلى من التحفيز والنشاط عندما
يتوقع الناس مكافأة، مقارنة بما يحدث عندما يحصلون
على مكافأة بالفعل.
٣٤ وبالمثل، فإن ترقب أي تغريدة، أو
تحديثات، أو تعليقات جديدة على ملف التعريف الخاص
بك قد يحفِّز افتتانك بمواقع الشبكات الاجتماعية
أكثر مما تفعل المعلومات الفعلية التي تتلقاها.
ثالثًا: تقدم هذه المواقع قطعًا صغيرة من
المعلومات: يجري تحفيز منظومة الدوبامين بقوة أكبر
عندما تكون المعلومات الواردة متواضعة بما يكفي
لئلا تكون مُرضية تمامًا، وبالتالي فإن الحجم
المحدود للتغريدة أو لزر «الإعجاب» يكون مثاليًّا
لتفعيل منظومة الدوبامين. وأخيرًا، هناك عدم
القدرة على التنبؤ: تمثل هذه آلية المكافأة/العقاب
التي خضعت لدراسات كثيرة، والمكتنَفة في جداول
مواعيد متقطعة أو متغيرة للتعزيز. عند فحص بريدك
الإلكتروني أو رسائلك النصية، أو عندما تستخدم
تويتر أو الفيسبوك، فأنت لا تعرف بالضبط من يتصل
بك أو ما الرسائل التي ستتلقاها. تتسم هذه الآلية
الارتجاعية بأنه لا يمكن التنبؤ بها إلى حدٍّ
كبير، وهو بالضبط ما يحفز إفراز الدوبامين في
الدماغ. من الممكن أن يؤدي نشر وتلقي المدخلات على
الفيسبوك أو تويتر إلى إفراز كَميات ضئيلة من
الدوبامين، الأمر الذي يُحتمل أن يشجع هذا النشاط
على أن يصبح قهريًّا.
٣٥
هذه الاستجابات شبه الفورية من الآخرين، التي
تتناقض مع أي تفاعلات تتم في العالم الحقيقي، هي
أوسع انتشارًا بكثير عندما يكون هناك عدد أكبر
بكثير من الأشخاص الموجودين في الفضاء الإلكتروني،
والذين يمكن إلزامهم. إن رؤية الاسم وهو يومض يمثل
هبَّة صغيرة من الإثارة، أي ومضة صغيرة من
الدوبامين من شأنها أن تضمن الترقب للجرعة
التالية؛ لا يمكنك الاكتفاء من ذلك مطلقًا في
الواقع. ولكن، لماذا تؤدي مجرد رؤية رد على موقعك
الخاص، بغض النظر عما يقوله، إلى أن تحفز تلك
الومضةَ من الدوبامين في المقام الأول؟
إن الحصول على الاهتمام والقبول من قِبل
البالغين من بين أقوى المكافآت التي نستشعرها ونحن
نكبر. يحتاج الأطفال إلى عَلاقة ذات مغزًى مع
بالغين معتنين ومشاركين من أجل البقاء على قيد
الحياة، والنمو، والازدهار. ومن المثير للدهشة أنه
من المعتقد أن هُرمون النمو البشري يُفرَز بصورة
متناسبة مع مقدار الرعاية المعتنية التي يتلقَّاها الطفل.
٣٦ عندما يبكي الأطفال الرضع لإعلان
جوعهم أو انزعاجات أخرى، إنما هم يعتمدون على
العالم، وخصوصًا البالغين الموجودين على مقربة
منهم، لتصحيح هذه المشكلة. تتسم هذه المطالب
بكونها ضرورية للبقاء على قيد الحياة، وعند
تلبيتها يجري الاعتراف بوجود الطفل. إن الرضيع
الجائع الذي يصرخ حتى يأتي شخص ما بالمصدر الملائم
للغذاء يعلم أن له تأثيرًا في العالم. يعترف
العالم بأنه موجود. لهذا الإنسان الصغير أهمية
بالفعل. أما الرضيع الذي يجري تجاهل احتياجاته
فيستسلم في نهاية المطاف و«يزول من الوجود». وفي
حالات الإهمال المتطرفة — التي هي لحسن الحظ نادرة
للغاية — يتوقف هؤلاء الرضع عن البكاء عندما
يشعرون بالجوع ومن ثم يجوعون حرفيًّا حتى الموت.
تبدأ العافية العاطفية للطفل بالاهتمام باحتياجاته
المادية الأساسية، ومع ذلك فإن الحاجة تذهب إلى
أبعد من ذلك؛ يجب أن يوافق مقدم الرعاية وأن يُظهر
موافقته. وحالما تمت تلبية الاحتياجات المادية،
فإن هذا الحافز إلى مزيد من التدقيق هو واحد من
أقوى القوى الدافعة في طبيعتنا. عندما لا تصادفنا
ردود فعل إيجابية، سنتوقف عن الشعور بالأمان
والاطمئنان. وبمرور الوقت، سنعتاد التوق إلى
القبول ليس فقط من والدينا ولكن من الآخرين
كذلك.
ولا تتضاءل أهمية هذا الاعتراف والتقدير مع
التقدم في العمر. وعلى عكس العالم الحقيقي، يمكن
الاعتماد دائمًا على تويتر وفيسبوك في توفير
استجابة شبه فورية حتى لمطالبات البالغين بالحصول
على الاهتمام. قد يعمل فيسبوك بسهولة على ملء
الفجوة التي لا يسدها الأهل والأصدقاء بصورة شاملة.
٣٧ وهذا بدوره قد يفسِّر لماذا يعتمد
المُفرِطون في استخدام الشبكات الاجتماعية على وهم
العَلاقة الافتراضية الحميمة، على الرغم من ثمنها
الحتمي المتمثل في فقدان الخصوصية. كثير منا
يعتبرون الخصوصية أمرًا مفروغًا منه حتى نشعر
بتعرضنا للغزو، سواء عن طريق سؤال شخصيٍّ متطفل أو
السيناريو المتطرف لاقتراب حوامة تابعة لخرائط
غوغل من نافذة غرفة النوم. وكما قال النجم
السينمائي جورج كلوني
Clooney
ساخرًا: «أنا لا أحب مشاركة حياتي الشخصية … فلن
تكون شخصية إذا شاركتها.»
٣٨ وحتى الآن، فقد شعر معظمنا أغلب الوقت
بالسيطرة على حياتنا الخاصة، على القدر الذي
نُسِرُّ به، ولمن، ومتى؟ لكن هذه الافتراضات لم
تعد قائمة الآن.
من المستحيل وضع تعريف عملي للخصوصية، لكن
معظمنا، حتى الآن، لديه شعور غريزي قوي بذلك. في
أول كتاب غير قصصي له، «العملاق الأعمى»، يُجري
الروائي نيك هاركاواي
Harkaway
موازنة بين منافع وتهديدات الإنترنت:
تمثل الخصوصية حماية من الاستخدام غير
المعقول لسلطة الدولة والشركات. لكن هذا
يُعَد، بصورة ما، أمرًا ثانويًّا. أولًا:
تمثل الخصوصية تعبيرًا باستخدام الكلمات
عن فهم بسيط ينتمي إلى العالم الغريزي
وليس لذلك الرسمي، لأن بعض الأمور تقع في
مجال من يعايشونها وليست مفتوحة بشكل
طبيعي لتدقيق الآخرين: كالتودد والحب، مع
تعريهما العاطفي؛ واللحظات البسيطة للحياة
الأسرية؛ والقساوة المروعة للحزن.
٣٩
وفي المقابل، ففي أحد مؤتمرات التكنولوجيا في
العام ٢٠١٠م، دافع مارك زوكربيرغ عن قراره المثير
للجدل، الذي اتخذه في العام السابق بشأن تغيير
إعدادات الخصوصية التي دفعت المستخدمين للكشف عن
المزيد من المعلومات الشخصية، قائلًا: «قررنا أن
تكون هذه هي المعايير الاجتماعية الآن ولم نقم إلا
بتفعيل ذلك.» ذكر زوكربيرغ لجمهوره أن مستخدمي
الإنترنت لم يعودوا يهتمون بالخصوصية كثيرًا،
وقال: «صار الناس يشعرون بالارتياح فعلًا ليس فقط
لمشاركة مزيد من المعلومات بأنواعها المختلفة، بل
لأن يفعلوا ذلك بشكل أكثر صراحة ومع عدد أكبر من
الناس وأن المعايير الاجتماعية هي مجرد شيء يتطور
بمرور الزمن.»
٤٠
تبدو الخصوصية بالفعل سلعة متدنية القيمة بين
جيل الشباب من المواطنين الرقميين: أعطى ما يقرب
من نصف المراهقين معلومات شخصية لشخص لا يعرفونه،
بما في ذلك الصور والأوصاف الجسدية.
٤١ وفي الوقت نفسه، أرسل أكثر من نصف
الشبان رسائل جماعية إلى أكثر من ٥١٠ «أصدقاء» في
كل مرة (وهو عدد أصدقاء الفيسبوك الذين يمتلكهم
شاب عادي)،
٤٢ وهم مدركون تمامًا أن كل هؤلاء يمكنهم
بعد ذلك نقل هذه المعلومات إلى شبكاتهم الشخصية
المؤلفة من مئات آخرين. إن مقابل الحصول على مزيد
من الاهتمام وإمكانية الشهرة، هو فقدان الخصوصية،
كما كان الأمر دائمًا. وقد كان تحقيق التوازن
المناسب دائمًا مطلبًا عسير المنال. فكيف، إذن،
كنا نثمِّن الخصوصية عاليًا في السابق، في حين
أننا ننظر إليها الآن بتجاهل عفوي يتزايد يومًا
بعد يوم؟ حتى الآن، كانت الخصوصية ترتبط ارتباطًا
وثيقًا بشعور متولد داخليًّا بالهُوية؛ كان أحدهما
ينطوي دائمًا على الآخر. ولكن إذا كانت الهُوية
يجري الآن تشييدها من الخارج، وتمثل منتجًا أكثر
هشاشة بكثير للتفاعل المستمر مع «الأصدقاء»، فقد
فُصل بينها وبين المفهوم التقليدي للخصوصية، بل
والحاجة إليها.
وبطبيعة الحال، وبالنسبة إلى كثيرين، فإن
التواصل عبر الشبكات الاجتماعية يمثل عاملًا
مساعدًا ممتعًا للحياة العادية، يعزز التواصل مع
الأصدقاء الذين جرى اكتسابهم في العالم الحقيقي.
لكن سبب رواج هذه المواقع يرجع إلى أكثر مما توحي
به أناقتها وقدرتها على جعل الحياة أسهل. يمكن
اعتبار مواقع الشبكات الاجتماعية نوعًا من سَقْط
الطعام junk food
بالنسبة إلى الدماغ: فهي غير ضارةٍ بما فيه
الكفاية عند استخدامها باعتدال، لكنها ضارة عندما
تُفرِط في استخدامها. يبدو أن الشيء المتعلق
بالشبكات الاجتماعية يسخِّر ويعزز حلقة
بيوكيميائية يرجَّح أن تكون مفرغة، حيث تضمن القوى
البيولوجية التطورية أن يشعر البشر بالرضا عندما
يكافحون الشعور بالوَحدة عن طريق تبادل المعلومات
الشخصية مع الآخرين، ويحدث ذلك بواسطة إفراز
الدوبامين في الدماغ. ونتيجة لذلك، يخلق الإفصاح
الذاتي ضربًا من المتعة الخالصة التي تتسم بكونها
مباشرة مثل تلك المستمدة من الطعام، أو الجنس، أو
الرقص، أو الرياضة. وحتى الآن، فإن هذه الرغبة
الطبيعية للسماح بالإفصاح عن كل شيء قد تقابلها
الصرامة والقيود المفروضة على لغة الجسد في
الاتصال المباشر وجهًا لوجه، مما يجعلك واعيًا
تمامًا بذاتك الخاصة. من الممكن لهذا الوعي بكونك
شخصًا عاديًّا أن يؤدي دورًا قيمًا للغاية في ضمان
ألا يجري التلاعب بنا أو الاستيلاء علينا من
الخارج. وبالتالي، من خلال كبح الرغبة الطبيعية في
الكشف عن المعلومات حول أنفسنا لكل شخص وأي شخص،
فإن الرغبة المعاكسة في الخصوصية تضمن أن الأفراد
الموثوق بهم هم وحدهم الذين يمكن لهم الوصول إلى
ذاتك «الحقيقية» السريعة التأثر.
لكن التواصل عبر الشبكات الاجتماعية يزيل هذه
القيود، مما يسمح للأفراد بالكشف عن معلومات أكثر
من أي وقت مضى من خلال هذه الوسيلة. والتنازل
الناتج عن ذلك عن الحق المكتسب القديم في الخصوصية
قد يعني أن الآخرين سوف يفكرون أقل في ذاتك
«الحقيقية» التي جرى كشفها الآن. ولكن تخيل لو
أصبح هذا النمط من الإفصاح الذاتي والتغذية
الراجعة المستمرة هو القاعدة. قد يصبح من الصعب
على نحوٍ متزايد حماية «الذات الحقيقية»، مع كل ما
تحتويه من نقاط الضعف والفشل، من أن يُعاد تشكيلها
واستبدالها بذات مثاليةٍ بصورة مبالغ فيها، كتلك
المعروضة لجمهور مؤلف من مئات من «الأصدقاء»
و«المتابعين». ما الذي يمكنه، إذن، أن يحدث إذا ما
بدأت هذه الشخصية التي جرى تلميعها افتراضيًّا في
استخراج ذاتك الحقيقية؟