الفاتحة

الحمد لله وكفى.

أما بعد؛ ما ظهر كتاب نابغة المحتالين أو حافظ نجيب حتى تهافت عليه القارئون ونفدت نسخه في أيام وجيزة؛ إذ راج رواجًا نادرًا لم يروَ عن كتاب عربي قبل الآن، وليس ذلك لأن موضوع الكتاب علمي أو فلسفي، بل لأن المصريين شاقهم كثيرًا الاطلاع على حيل واحد منهم نبغ في الاحتيال؛ إذ إن ظهور مثل المحتال الكبير «حافظ نجيب» بين أظهرنا مما يدعو إلى العجب الشديد، وما ذلك إلا لأن سكان هذا الوادي الجميل لم يألفوا جر المغنم من باب الاحتيال، ولم يعمل منهم على جمع المال من طرق محرمة في عرف الله والناس إلا نفرٌ قليل جدًّا لا يذكر في جانب مجموع الساكنين.

هذا هو السبب الذي دفع الناس إلى التهافت على كتاب نابغة المحتالين لا سواه، وهو من دواعي الشرف للمصريين؛ لأنه يثبت أن المحتالين بينهم قليلون، ولذلك يأخذهم العجب من كل جانب إذا هم سمعوا بمصري جنح إلى الاحتيال ونبغ فيه، تلك سنة الله في هذا الشعب الكريم الخلال، الشريف العواطف، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

•••

ولقد كان الأكثرون ينتظرون مني أن أورد لهم في ذلك الكتاب كل ما أعلم من حكايات حافظ نجيب الغريبة وحيله المدهشة العجيبة، ولكن رأيت أن أنشر للقارئين قبل ذلك كله تلك الرواية التي خطها بقلمه وهو في سجن الحضرة ليعلموا منها أن الإنسان لا يُخلق ميَّالًا إلى الشر، ولكن هي الظروف تجعل الحَمَل ذئبًا خاطفًا، والملك الكريم شيطانًا رجيمًا.

فإذا ما رأيت سارقًا قِيد إلى السجن مكبلًا بالأغلال، أو قاتلًا انتزع روح أخيه من بين جنبيه، لا تبسط يديك لاستنزال اللعنات عليه، بل اطلب له من الله الرحمة، وللذين سهلوا له سبيل الجرم الغفران.

أقول هذا لأنني أعتقد أن الشرير إذا لقي من يردعه عن غيه، ويعمل على إصلاح ما اعوجَّ من أخلاقه، رجع عن الشر وارعوى، وكذلك قُلْ عن الشاب الصالح، فهو إذا عاشر الأشرار ومازج الماكرين الخادعين ساء مصيره، وما مصيره إلا إلى التعس والهوان.

جورج طنوس

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١