الوحدة حياتي

نهض الرجل من كرسيه في قهوة الصيادين، توقفت خطواته أمامي، وقال: الملف لم يغلق.

ومضى.

شغلني الملف بما لم أعهده في نفسي، أخذتني الملاحظات والتحذيرات والمطاردات التي لا تنتهي، لم أقرأ ما في الملف، أدركت قيمته من نقل الشيخ جاد الرب انشغاله به إلى شيخ الطريقة.

وعدت الشيخ بالكتمان، فلا بد أن أحافظ على الوعد.

أعاني الشعور بالوحدة والعجز والقهر، شعورًا لم أعرفه من قبل، لا أجد من أحدثه، أو من يفتر حوارنا في بدئه، تتلاحق في رأسي الأفكار، تتزاحم الهواجس والخيالات، تتشابك، تختلط، يداخلني الضجر دون توقع، أتكلم بما أتبين — فيما بعد — سخفه، أنفر من القعدات والرفقة والأسئلة والملاحظات القاسية.

تصاعدت أفعال المطاردة، لا أنظر إلى الوراء، حتى لا يصدمني ما لا أتوقعه، لكثرة سيري في الشوارع، غابت النظرات المتسائلة، والمتابعة.

ظللت مذهولًا، غير قادر على فهم ما يدور حولي.

عدا موعد الحضرة، عقب صلاة العصر، فأنا أغادر بيت الصوفية، هذا هو موعدي في البيت، أمضي الوقت في شوارع بحري، إلى ما قبل انتصاف الليل. أعود — متعبًا — إلى الشقة.

تبينت — وأنا أخترق الشوارع والحواري — أن بحري ليس بالاتساع الذي كنت أتصوره: البحر، الكورنيش، الشوارع المتوازية: محمد كريم، فرنسا، الميدان، تميل — في انحناءاتها — ناحية ميدان المنشية، لافتة الجزيرة الضيقة، قبالة القهوة التجارية: حي الجمرك يرحب بكم، يمضي الطريق إلى محطة الرمل، وأحياء الإسكندرية الأخرى.

أتصور — في وحدتي — ليل الإسكندرية: هدير الأمواج في ظلمة البحر، نصف دائرة أضواء الكازينوهات والمحال التجارية في طريق الكورنيش، زحام شوارع وسط البلد، أغادر بيت الصوفية بعد رفع أذان العصر، لا أترك بيت سليم البشري حتى مطلع الصبح.

ألِفت الخروج في لحظات النهار الأولى، تخلو الشوارع إلا من تناثر تلاميذ المدارس، وباعة الصحف واللبن، وعربات الفول المدمس، وعربات الزبالة، وصف الكراسي والطاولات على أرصفة المقاهي، وتثاؤب الترام في بدايات مشاويره …

أعود إلى البيت آخر الليل، أدخله، وأغادره، دون أن ألفت النظرات ناحيتي، حفلت دنياي بالعزلة والوحدة والظلمة والظل والتخفي والحذر والترقب والانتظار والأشباح والأطياف والكوابيس والتكتم والفزع.

وقتي — في بيت الصوفية — من الخامسة صباحًا إلى صلاة العصر، أجلس بالقرب من الشيخ صالح جاد الرب، ألبِّي — بواسطته — طلبات شيخ الطريقة والمريدين، في مشاوير إلى شارع الميدان والمنشية والعطارين.

لو أن الشيخ صالح دعاني إلى لزوم بيت الصوفية ما غادرته، ألوذ بدفئه، والبعد عما يخيفني، العبادات وأعمال الخير والقيام والتهجد والصيام والنوافل وتمني عفو الله، يحل الأمان بالصمت، صمت سادر تعمقه التسابيح، والقراءات الخافتة، والأصداء المترامية من الطريق.

أفرُّ — معظم أوقات اليوم — من بيت الأسرة، يشغلني الفرار بلا عودة، أخاف ما لا أعرفه، إذا تملكتني الهواجس، اتجهت — في موضعي — ناحية القبلة، أنفض — بالصلاة — ما يشغل ذهني، لا يبقى إلا الراحة والسكينة.

إن ابتعدت عن بيت الصوفية، يقتحمني الشعور بأني أحتاج إلى شخص ما، صدرٍ أُريح عليه رأسي، أبوح له عما بنفسي.

خلصتني نصائح الشيخ من عيب منعني من مخالطة الناس، كنت إذا دخلت مجلسًا عانيت الارتباك، لا أعرف أين أقف، أو أجلس، ولا من أتجه إليه بالكلام.

أقضي بقية النهار، ومعظم الليل، في الشوارع، أحاول التواري عن الأعين المتابعة، حفظت البنايات والدكاكين واللافتات والمفارق والنواصي.

ما أعانيه — في الفترة الأخيرة — بدَّل علاقتي ببيت سليم البشري، أعاني القلق والإحساس بالمطاردة والخوف والتخبط في الكهوف والمتاهات، أبحث عن مخرج في الطرق المسدودة.

بينما اعتدت العيش في بيت الصوفية، فإن فكرة الحياة المستقرة في بيت شارع سليم البشري لم تزايلني، ترامي جلبة الطريق يؤنسني في الصمت والوحدة.

أجول بنظراتي في الشقة بشعور الاطمئنان إليها، هي المكان الذي أنتمي إليه، أتحرك في الصالة، وما يتصل بها: الحجرات الثلاث والمطبخ والحمام، أنفض الغبار عن الأثاث، آكل مما أعده في المطبخ، أتابع — في شرودي — برامج التليفزيون، أقلب القنوات، مجرد أن تتحرك الصور، وتعلو الكلمات. موضعه في ركن الصالة، على حامل خشبي، تحته جهاز فيديو، ولاب توب، أملأ وقتي بشيء ما. ربما أقرأ رسائل الإنترنت والفيس بوك والواتس آب، أرنو إلى لوحة فوتوغرافية، على الجدار، فوق السرير، لشيخ الطريقة يتوسط — في بيت الصوفية — خواص مريديه، أسحب كتابًا من المكتبة الصغيرة، غالبيتها مما يوزعه العلماء والمشايخ على مريدي بيت الصوفية، أطل من النافذة، أتخيل دعوة أصدقائي، مجالستهم، أقلب الصور والأوراق التي كان أبي يحتفظ بها في كومودينو غرفة نومه، سيره على رصيف ميدان المنشية. ربما الصورة لمصور متجول، جلسته داخل قهوة فاروق، تحت صورة الملك والتاج، يده ممسكة بطائر لا أعرفه، في اليد الأخرى بندقية، كتب خلف الصورة: في كنج مريوط، قفته في مئذنة، لعلها مئذنة أبو العباس، هل كان يعد لرفع الأذان، أو أنه وقف للتصوير؟ استغراقه في قراءة القرآن، في جلسته تحت أول أعمدة صحن ياقوت العرش، من ناحية الباب الرئيس، جلسة أمي وأبي تحت شمسية في شاطئ الأنفوشي، إلى يسار ورش القزق، استعدت نظرات أبي اللائمة منذ اليوم الذي أحاول تناسيه، حرصه على انضباط أقواله وتصرفاته، وتقليدية ملابسه: البنطلون الواسع المثني من أسفل، والجاكت، والقميص ذي الياقة المنشاة. يداخله حزن لرؤية مريض يعاني، يتخيل نفسه مريضًا مثله، إن قرأ في كتاب، أو جريدة، عن أعراض أي مرض، تصوَّر أنه يعانيه.

تخليت عن جلستي في قهوة الصيادين، أتأمل المارة، والزحام، ومسجد «منار الإسلام» أول الطريق إلى نادي اليخت السكندري ونادي الصيد والنادي اليوناني ومعهد الأحياء المائية وقلعة قايتباي، أهالي المحجوزين في نقطة الأنفوشي، يحيطون باللوري قبل أن يقلهم إلى الترحيلة، صيحات النوارس تترامى من فوق القوارب الراسية على يسار المينا الشرقية.

أسرح في المدى.

نظراتي موزعة، قلقة. ربما يأتي الخطر من تجاور الفلايك في مرسى المينا الشرقية، شارع محمد كريم الجانبي، مسجد منار الإسلام، صخب حلقة السمك، تأخذني جلبة إلى سلالم قصر الثقافة، أحدق في الانفراجات ما بين ورش القزق، أعيش الحذر والحيطة والتخفي عن الأعين، لا أجد تفسيرًا لكل ما يحاصرني، غادرت القهوة — ذات مغرب — دون أن ألتفت، تركت لقدمي الخطو في الشوارع، لا أطيل النظرة الملامح العابرة، أخاف فلا تلتقطني عين راصدة.

أنزل الطريق بلا هدف، أخترق الشوارع والحارات والأزقة، بيوت قصيرة متلاصقة، يفصل بينها طرق متداخلة، أفتش في أعين المارة، أتفحص المطلات من النوافذ، والواقفين على أبواب البيوت، والجالسين في الدكاكين والقهاوي، لا أعرف ماذا أفعل، ولا إلى أين أذهب، وإن ضايقتني النظرات المحدقة، أسير في الشوارع نفسها، لكن أسماءها تختلط في ذاكرتي؛ لكثرة سيري المتخبط، امتزجت في أنفي روائح الأمكنة، غاب الشعور باختلاف الرائحة في تلاقي الشوارع، واتساعها، وضيقها، وما إذا كانت تخترق بنايات جديدة، أو قديمة، أو خرائب، تنتابني لحظات من النسيان، وفقد الذاكرة، فسرتها بما أعانيه من الملاحقات.

أول ما يشغلني وأنا أشعر بالأعين الراصدة خلفي: كيف أتخلص من الملاحقة؟ كيف أستعيد نفسي في ظل الهدوء والصفاء والسلام؟

يداخلني شعور بالتوجس، بالخوف، بالقلق، ما لا أعرفه تمامًا، لكنه ليس شعورًا طيبًا، لو أقدر على الابتعاد عن كل ما حولي، أنظر إلى الناس من حولي، المارة والباعة وداخل الدكاكين والجالسين على القهاوي والمطلات من النوافذ.

أعرف أن تأثيرات ما يحدث في حياتي تغيب عن حياتهم.

هل استغرقهم الفرح والحزن والأسى والحب والكراهية والسأم والملل ولقمة العيش، فلا يلحظون ما أعانيه؟

لا أجلس ولا أتحدث إلى أحد، أتعمد السير — كما رويت لك — في الشوارع الفرعية، المطاردة سهلة في الميادين والشوارع الواسعة، يكتفون بالنظرات المتابعة، هو ما يصعب في الشوارع الضيقة والحواري.

عيناي تتحركان بالريبة، تمسحان ما حولي، ينتابني القلق من كل ما يحيط بي، أتصور العداء والكراهية والرفض، يتملكني الإحساس بالمحاصرة، وبالرغبة في أن أحطم الأشياء من حولي، أنهال عليها بما تصل إليه يداي.

يلاحقني التنصت والتلصص، حتى في الأماكن التي لم أكن أعتزم التوجه إليها، غمامة سوداء تغطي حياتي، أشعر أن شيئًا ما يقترب مني، يحاصرني، أتشمم أنفاسه، أكاد أتبين ملامحه.

اقتحمني الخوف لرؤية شاب أشقر البشرة، في يده نوتة صغيرة، وفي اليد الأخرى قلم رصاص يسجل به ما لم أتبينه، وإن بدا أنه يتابعني، ويرصد حركاتي.

هل كتب في نوتته ما يؤذيني؟

أبطأت خطواتي، وتظاهرت بالبحث عن عنوان، ضاقت المسافة بيننا حتى لامست قفاي أنفاسه، اختطفت التونة من يده، ونظرتي تسبق إلى شارع جانبي، تلفه الظلمة.

لم يكن في النوتة — حين خلوت إليها — ما يهمني، مجرد أسماء ثلاثية ورباعية، لا أعرف أصحابها، ولا صلة لي بهم.

لماذا كانت عينا الشاب تنتقلان بين النوتة وبيني؟

لماذا كان يتبعني؟!

هواجس كثيرة، تلح عليَّ، وتطاردني، أعرف أن هناك من يدبرون لكل ما أعانيه، ويقفون وراءه، يترصدونني، يختبئون في مكان، يرونني ولا أراهم، ينتظرون لحظة الانقضاض، أتهيأ لهذه اللحظة، لا أعرف صورتها، ولا كيف تطالعني، لكنني أوطن نفسي على لقائها، لا أعرف من هم، ولا لماذا يتآمرون، وكيف أصل إليهم لأتبين تدبيراتهم، فأقاومها، أنظر — وأنا أسير — بجانب عيني، أتوقع من تثيرني ملامحه.

أزيح جانبًا من الستارة، أنظر من المنفذ الطولي على الشارع، أنظر إلى الجهة المقابلة، هؤلاء الذين يقفون على سلالم مدخل البيت، يتبادلون كلمات تعكس الملامح جديتها، يتبادلون التطلع نحو النافذة، يتملكني الشعور بالشك في النظرات التي تتجه ناحيتي، أراهم في نواصي الشوارع، ومداخل الأبنية، وعلى المقاهي، وفي المساجد، ومحطات القطار، والحدائق. أعبر الرجل ذا البالطو الذي لا يبدله، اعتدت رؤيته مستندًا إلى البيت المتهدم ذي الطابق الواحد، في انحناءة الطريق إلى الحجاري، بدا اختياره للمكان حتى يتابع توجهي إلى بيتي في شارع سليم البشري، وعودتي إليه.

أدخل الشقة، أتلفت، أتشمم رائحة أفتقدها، مغايرة لما اعتدته، أجلس في أي مكان، وظهري إلى جدار، أحدق في السقف والأرضية والجدران، أحرص – قبل ارتقاء السرير — على إحكام رتاج باب الشقة، وعلى إغلاق النوافذ.

الخوف من الأحلام يرافق ذهابي إلى النوم، أعاني اختلاط الأحلام، تواجهني بمن ألتقيهم في الصحو، تقتحمني بالكوابيس، تجهدني محاولة الإفاقة.

استغربت السؤال: هل تخاف؟

وجذب الشيخ جاد الرب شحمة أذنه: الخوف هو أخطر ما نواجهه.

وأضاف في لهجة محذرة: أعرف صديقًا إن لم يجد الخوف فإنه يخترعه، يهوى العيش خائفًا.

أتحرك بلا قيد، لكن الشعور بالأسر يسيطر على ذهني وتصرفاتي، يداخلني خوف، لا أعرف بواعثه، كأن شيئًا يتحرك داخلي.

حياتي في الوحدة تسلل إليها الخوف، لا أخاف شخصًا ولا شيئًا، خوف مما لا أستطيع تحديده، أحرص — حين مغادرتي البيت — أن أحمل على كتفي حقيبة قماشية، بها غيارات لقميص، وملابس داخلية، لا يخطر في بالي أن أطيل البقاء في مكان بما يلفت الانتباه. لم يكن المأوى هو ما أبحث عنه، لا أتصور نفسي بعيدًا عن الشقة التي ولدت، ونشأت، فيها.

أتطلع إلى النوافذ المطلة على طريق الكورنيش، مداخل البيوت، أبواب المحال المفتوحة، جلسات القهاوي، الأشجار والنخيل والمقاعد الرخامية قبالة كورنيش البحر، يتملكني الخوف عند اقترابي من تقاطع أو مفارق أو شارع جانبي، أعاني التوجس من كل ما حولي، أبحث عن النظرات التي تتبعني، ترقب تصرفاتي من مواضع خفية.

أعرف أن شخصًا ما يراقبني.

لا أخطئ في قول أو تصرف يلفت عينًا راصدة، أواجه ما لا أملك إجاباته من الأسئلة، من يرفض المسايرة، فإن الخطر يلاحقه، أرفض شراء المعلبات حتى لا يقتلني التسمم، أغمس الخضر في البرمنجنات لضمان نظافتها، حتى الثياب أحرص على غسلها، وكيها، فلا تنقل السموم، أحتمي بالملاقف للفرار من سخونة الهواء، الأماكن الخالية بين التقاطعات والمفارق تأذن لتلاقي تيارات الهواء، فيلطف الجو.

إذا تملكني التعب، فإني أميل إلى قهوة قريبة، ليست أي قهوة، أحرص أن تفصل أبوابها بين الداخل والطريق، حين أدخل مكانًا، فإن التلفت هو أول ما أفعله، أستكشف طبيعة المكان وتفصيلاته، أجلس إلى طاولة بعيدة عن النظرات المقتحمة، والأسئلة، أطلب شايًا بالحليب، وأسند رأسي إلى الكرسي، أتظاهر بالشرود فيما لا أعرفه.

ترامى صوت خشخشة من موضع قريب، التفتُّ بالخوف، رمقني القط بنظرة متوجسة، ثم عاد إلى نبش القمامة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤