فندق

بزغت شمس اليوم الثاني مشرقة وضّاءة، وانحسرت الغيوم عن السماء وصحا الجو، كأن لم يكن نوء، وكأن لم يكن أمطار، وكأن لم يكن رياح هوج، ومضى الناس في شوارع باجة مستبشرين بعد ما دهمهم من الغم والعرب في الليلة الفائتة.

ولم يكن لهم من حديث إلا ما كان حول السقوف وكيف نفذ منها المطر، والشرفات وكيف أطاحت بها العواصف، والبرق وما كان من خوف أولادهم ونسائهم من توهجه، والرعد وما ترك في النفوس من رعب وفزع … وجلست طائفة من الشبان المثقفين بفندق يتناشدون الشعر ويتطارحون النوادر وطرائف الأحاديث، وكان يقيم بالفندق شيخ جاوز الأربعين هو العالم الزاهد أبو حفص عمر الهوزني، قدم من إشبيلية لينسخ بعض كتب الحديث التي بخزائن باجة.

جلس الشيخ في صمت وإطراق، تتحرك شفتاه بما لا يكاد يسمع من أدعية أو تسبيح، وقد كان عرفه أحد الفتيان حينما كان يدرس العلم بإشبيلية، فاتجه إليه سائلًا: كيف كانت ليلة الشيخ أمس؟ فأجاب الشيخ: الحمد لله على كل حال … صدق الله العظيم: حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ.

هذا يا بني إنذار من الله لهذه الأمة التي نسيت الله فأنساها أنفسها، وانغمست في النعيم فغطى على أعينها فهي لا تبصر، وعلى آذانها فهي لا تسمع … ولا تجد أينما سرت إلا مجالس لهو ومحاضر أنس … خمر ونساء … نساء وخمر … هذا شعار هذه الأمة المنكودة، كأنما هي في حلم لذيذ لا تريد أن تستيقظ منه، وقد جاءتها المثلات وصاحت في آذانها العبر … ولكنها سادرة عابثة تسير إلى الهوّة التي لا قرار لها وهي لا تشعر.

إن هذه الأمة المسكينة كقطيع من الشاء. لا راعي له ولا حافظ، وقد أحاطت بها الأسود من كل جانب، والأمراء الأمراء؟؟ … أين هم؟! … إنهم في تصارع وتطاحن … بعضهم أعداء بعض، لا تنطفئ نيران الحروب بينهم، يريد كل واحد منهم أن ينفرد بالقوة والسلطان، ويريد أن يمحو ملك أخيه، ويستأصل شأفته ولو أدى ذلك إلى الاستعانة بملوك الإسبان، وهؤلاء يغرون بعضهم ببعض، ويزينون لهم ما هم فيه من حقد وخلافٍ وحرب؛ ليضربوا هذا بذاك، حتى يضعفوا جميعًا.

كان على هؤلاء الأمراء أن يلتف بعضهم حول بعض، وأن يكوِّنوا حلفًا عربيًا قويًّا أساسه المحبة والتعاضد، وأن يكونوا كالبنيان المرصوص، إذا فجأتهم صيحة، أو حلت بهم نازلة.

إن الله سبحانه وهب لأحط أنواع الحيوان غريزة تدفعه إلى التجمع والتعاون للدفاع عن النفس والحوزة: فالنمل تعيش أسرابًا … والنحل تعيش أسرابًا … والطير تُصف في جو السماء أسرابًا … والظباء تسير أسرابًا … فما للإنسان المسكين يميت غريزته، وتتغلب عليه شهوة التملك والقهر، فيحارب من يجب أن يستعين بهم، ويبدد قوته في سبيل أن يعيش منفردًا بعظمة موهومة وسلطان كاذب.

انظروا كيف أضعف هذه الأمة صِبْية بني أمية الذين دعوا أنفسهم ملوكًا، ثم خلعوا على أنفسهم ألقاب الخلافة أسوة ببني العباس!! فقد استعان بعضهم على بعض بالبربر والصقالبة وملوك الإسبان، فهلك أربعة منهم في نحو سبع سنين وأضاعوا ملكًا عظيمًا، بناه آباؤهم الأولون بآرائهم وسيوفهم.

ثم ماذا حصل لما تفرّقت الكلمة وكثر الأمراء، وانفرد كل أمير بولاية؟؟ المصيبة نفسها … لهو وسرف، وإغراق في الشهوات، ثم تفرق وتخاذل وغدر.

ارجعوا إلى ما حصل في هذه المدينة منذ عهد قريب … ثار فيها البربر واشتد فيها الخلاف، وتأججت نار العصبية بين البربر والعرب، فتنازع للتغلب عليها أبو القاسم ابن عباد وبنو الأفطس، وأرسل أبو القاسم ابنه عبادًا لإخضاعها، فحاصر ابن الأفطس بها وأفنى رجاله، ثم أسره وتملك المدينة.

وكانت هذه الحادثة صائحة الشر بينهم، ولا يزالون إلى اليوم في حروب لا تنطفئ نارها، ولا يخمد أوارها، ومثل هذا من الشر والتنازع، ترونه في بقية الأمراء.

نحن يا أبنائي غرباء في هذه الأرض … غرباء في مملكة قوية ملكناها من أهلها بقوة السلاح، ولا نستطيع أن نبقى فيها إلا بقوة السلاح. نحن غرباء فاتحون بين قوم أولي قوة وأولي بأس شديد، لا ينامون على الضيم طويلًا، ولا يصبرون على ضياع ملكهم … غرباء فاتحون نزلنا أرض الأندلس، وهي جنة وارفة الظلال، متدفقة الأنهار، كثيرة النعم، وافرة الخير، فكان علينا أن نشكر الله — عز شأنه — بالحرص على هذا الفردوس الأرضي، وأن نجاهد متواثقين لتنمية خيراته وإعداد العدة للذود عنه، وأن نستعيذ دائمًا من نزعات إبليس الذي أخرج آدم من الجنة، وما كان فيها من نعيم مقيم. كان علينا أن نعلم — وقد نزلنا أرض الإسبان، وأخضعنا أهلها ووضعنا الجزية على سادتها وكبرائها — أننا قد انعزلنا بديننا وقومنا — وهم فئة قليلة — في بلاد نائية، وفي جزيرة منقطعة عن المشرق، وكان علينا أن ندرك المرمى البعيد الذي ألمع إليه طارق حين أحرق سفنه وقواربه، وصاح في قومه: «البحر وراءكم والعدو أمامكم، وليس لكم إلا الجلد والصبر».

كان الشيخ يتحدث في تأنٍ وصوت مرتعد، وكانت آثار الغضب والحزن بادية على وجهه، وكان الفتيان ينصتون إليه واجمين، كأن شيئًا مما ذكره وأفاض فيه لم يخطر لهم ببال، ثم ابتدره أحدهم قائلًا: «صدقت يا شيخ، إن أخلاقنا العربية ذهبت عنا منذ حين، وإني أعتقد أن العرب لا تسود إلا إذا تمسكت بعاداتها، عادات البداوة والخشونة، فإذا انصرفت إلى الحضارة أذهلها بريقها فتفننت في النعيم، واستنامت إلى الدعة وتجرّدت من الشجاعة والحمية، وضعفت فيها تلك العقيدة الإسلامية القوية التي هزمت بها الممالك وثلت العروش، أمام عدد أكبر من عددها، وقوة أضخم من قوتها، وأظن هذا معنى قول الله — وهو الصادق العليم: كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.

وقال ثانٍ من الفتيان: أظن أن الشيخ صوَّر داء الأندلس في كلمتين: التنازع على الملك والشهوات!

إن هؤلاء الإسبانيات وبال على الملك والملة معًا … إن فيهن لفتنة وسحرًا يستلان من النفوس كل أخلاق الرجولة ويستعبدان القلوب … وفي بيت كل أمير من هؤلاء مئات يتمتع بهن، ويلهو بين الكاس والطاس، وأعتقد أن كثيرًا من هؤلاء الجواري جاسوسات لملوك قشتالة وغيرها، ينقلن إليهم أخبار كل أمير، وينفذن ما يأمرونهن به من كل ما يضعف الدولة ويذهب بصولتها.

إن جمال هؤلاء الإسبانيات ورقة حديثهن ولطف دلالهن، مما يعجز عنه الصف ويكبو دونه التعبير، حتى كثرت الأسواق التي يبعن فيها في كل بلد من الأندلس، وأقبل الشبان على التَّسَرِّي بهن، وامتنعوا عن التزوج بالحرائر، فكسدت سوق بناتنا وأصبحن يحتلن على الزواج بالتبرج وإظهار الزينة، واتخاذ وسائل الإغراء، واجتذاب الرجال، ففسدن وسقطن في حمأة من الرذيلة ذادت عنهن الرجال.

وهكذا عدن بالخيبة بعد أن حاولن الاستشفاء من داء بداء.

فقال الشيخ: إننا أتينا من ذلك الجنون الذي أصاب أمراءنا، وهو غرامهم بالتشبه بملوك بني العباس.

سمعوا كثيرًا عن إغراق هؤلاء في اللهو والمجون، واقتناء القيان والغلمان، وتبديد الأموال في العظمة الكاذبة، فأبوا أن يكونوا دونهم في شيء من هذا: خمر وقيان وغلمان، ولهو وعبث ومجون، ثم قصور شامخات، وحدائق باسمات … أما الدولة والأمة … فلها رب يحميها.

فانبرى ثالث وقال: إن روح اللهو والمجون هذه سرت إلى كثير من الناس، حتى جازت الحد.

دعاني مرة أبو منصور السلامي للتنزه بمنية الفرح، وهي على بعد فرسخين من المدينة، وكان قد صنع صنيعًا دعا له طائفة من الأدباء والشعراء والتجار وبعض الفقهاء، فلما استقررنا بالمنية — وكان قد سبقنا غلمانه وعبيده إليها مدَّت الموائد فلنا منها طعامًا شهيًّا، ثم رفع الطعام، وصفَّت أواني الشراب، وأخذت القيان في الغناء والرقص، ولعبت الخمر برءوس أصحابي، وعلا ضجيجهم، فكانت قهقهة الإبريق تمتزج بقهقهة المرح، ورنّات العيدان والطنابير تختلط بأغاريد طيور الربيع، وخطوات الرقص تساير الألحان فتثير الأعصاب وتهيج الأشجان … بين نكات وطرف، وفرائد من الشعر تتناثر هنا وهناك:

كما نثرت فوق العروس الدراهم

أما القوم: فقد خلعوا عذارهم، وأرسلوا للهو عنانهم، فطاروا إلى اللذات، وأغرقوا عقولهم في الكاسات، والقيان تمشي بينهم وكلهن فتن وإغراء، يرسلن الشباك لاصطياد العقول، بين غمزة بالعين، ومدة للشفتين في دلال يشبه الغضب، وكلام هو السحر أو دونه السحر.

وإذا بماجن يستخفه الطرب فيصيح منشدًا:

لا تنم واغتنم ملذة يوم
إن تحت التراب نومًا طويلًا!

وثانٍ ينشد:

يقولون: تب والكأس في يد أغيد
وصوت المثاني والمثالث عالي!

وثالث ذهبت الخمر بصوابه، فأخذ يغني في تلعثم:

أفنيت عمري شربًا
على وجوه الملاح
أحيي الليالي طروبًا
في نشوة ومزاح
ولست أسمع ماذا
يقول داعي الفلاح

ورابع يغني، ويقول:

سقوني وقالوا لا تغني ولو سقوا
جبال حنين ما سقوني لغنت

ثم قام شيخ جاوز الستين، وأخذ يرقص وهو متوكئ على عصاه، وقد غلبه السكر، ثم شرع يترنم بأبيات ابن شهيد، التي أنشدها حينما رقص في مجلس المنصور ابن أبي عامر:

هاك شيخًا قاده عذر لكا
قام في رقصته مستهلكا
عاقه عن هزها منفردًا
نقرس أخنى عليه فاتكًا
من وزيرٌ فيهم رقاصةٌ
قام للسكر يناغي ملكا؟
أنا لو كنت كما تعرفني
قمت إجلالًا على رأسي لكا
قهقه الإبريق مني ضاحكًا
ورأى رعشة رجلي فبكى

وبينما نحن على تلك الحال، إذا غلام قروي خبيث يصيح: الإسبان … الإسبان … إنهم قادمون مع جيش من البربر للوثوب على باجة.

فأطار الخوف الخمر من رءوس القوم، وأخذ منهم الذعر والهلع كل مأخذ، واصطدم بعضهم ببعض، وداسوا فوق العيدان والكئوس، واجتذبوا ذيولهم من القيان اللاتي حاولن الاحتماء بهم … ثم تبيّن بعد قليل أنها فرية دنيئة، وأن الغلام اللئيم أراد أن يكدّر صفوهم، ويفرِّق جمعهم.

فأسرع الشيخ قائلًا: إن إنذار الغلام لم يكن كاذبًا، وستأتي إليهم الإسبان حتمًا، إن لم يكن اليوم فغدًا.

ويحي على الأندلس ويحي!! أين أيام عبد الرحمن الناصر؟، حينما كانت راية الإسلام تخفق على أرجاء الجزيرة في عزة وشموخ، وحينما كانت الوفود من ملوك الإسبان تأتي إلى الزهراء فتحسر عن رءوسها إجلالًا وهيبة؟!

فهزّ أحد الفتيان رأسه في تحسر، وقال: هذا كلام صحيح، ولكني أنصح للشيخ أن يكتم السخط على أمراء هذا الزمان في نفسه، فإن أميرنا عبّادًا رجل بطّاش ظالم، يسبق السيف كلمته، ويصطاد العصفور من بين براثن النسور، وهو كثير الجواسيس، ينقلون إليه أخبار الناس وأحاديثهم حتى ليقال: إنه يعرف ما يحصل في كل دار، ويكاد يعرف ما يجول في كل نفس.

فأجاب الشيخ: هوّن عليك يا فتى … إن الله كتب لكل نفس أجلها، وإنما ضيَّع الناس الرياء، والنفاق، والسكوت على الداء وهو يدب ويستشري.

وبينما هم في الحديث، إذ دخل شاب من طلاب العلم بالمدينة وهو يقول: إن عظماء المدينة وعلماءها وشعراءها يذهبون إلى القصر لتهنئة الأمير بمولود جديد.

فنظر الشيخ في السماء … وأخذ يردد:

بشِّر الدهر بمولود جديد
ليت شعري أشقي أم سعيد؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠