تهنئة

أعدّ العبيد كرسيًّا للأمير عبّاد إلى جانب سرير زوجه، طاهرة بنت مجاهد العامري أمير دانية، وكانت أحظى زوجاته عنده وأقربهنّ إلى قلبه.

فدخل الأمير باشًّا يتلألأ وجهه بشرًا على غير عادته التي اعتادها من مظاهر الجد والعبوس، وما نظر إلى طاهرة، وهي في سريرها تهش لمقدمه، وتصوب إليه عينيها الناعستين في حب وجذل — حتى عاجلها بقوله: أتذكرين يا طاهرة يوم قلت فيك:

رعى الله من يُصلي فؤادي بحبه
سعيرًا، وعيني منه في جنة الخلد
غزاليةُ العينين شمسية السّنا
كثيبيّة الرَّدفين غصنية القدّ
شكوت إليها حبها بمدامعي
وعلمتها ما قد لقيت من الوجد
فصادف قلبي قلبها وهو عالم
فأعداه، والشوق المبرّح قد يعدي

فقاطعته: نعم أعداه يا مولاي … والشوق المبرح قد يعدي!

ولكن عبادًا استمر ينشد:

فقلت لها هاتي ثناياك إنني
أفضل نوار الأقاح على الورد

فجلست طاهرة وقالت: والله يا مولاي ما عذبتك بصد، ولا روّعتك بهجر … ولكنها عادة الشعراء كأنهم لرغبة التمتع بلذة الوصل يقرنون إليها ألم الهجر وذلّ القطيعة؛ ليشعروا بكل ما في الوصل من سعادة ونعيم!! أتراني صدقتك يا مولاي — وأنت صادق دائمًا — حين قلت:

تنام ومدنفها يسهر
وتصبر عنه ولا يصبر
لئن دام هذا وهذا به
سيهلك وجدًا ولا يشعرّ

فعبث الأمير بخدها، وقال: أين الغلام؟؟ وكيف الطلى وأمه؟؟

فحملته بين ذراعيها في رفق وحنان، وكشفت عن وجهه غطاء من الحرير الرقيق، وقالت: إنه جميل وسيم يا مولاي … إن فيه كثيرًا منك، وكثيرًا مني.

فنظر الأمير إلى وجهه، وقال: نعم يا جارية. هذا أنفك بعينه لا يكاد يخطئ الشبه من ينظر إليهما … أنف إسباني ورب الكعبة.

فتكلفت طاهرة الغضب في دلال وفتنة، وقالت: ألا يزال الأمير يعيِّرني بأبي؟! والله إن إصهارك منه لأكبر دليل على شرف محتده ونبل منزله.

نعم، إن أبي كان مولى إسبانيًّا من موالي المنصور بن أبي عامر، ولكن نسبه يرجع إلى أسرة عريقة من ملوك الشمال، ثم زاده الإسلام شرفًا على شرف، وأضاف إلى مجده التليد مجدًا طريفًا.

– أنا أعرف ذلك يا طاهرة، وإنما هي مزحة أردت أن أثير بها غضبك. أرجو أن يكون هذا الغلام سعيدًا، كما أرجو السعادة لأخويه: إسماعيل وجابر، فإنني يا طاهرة دائم القلق على ذريتي، وعلى ذلك الملك الذي أثلناه بعزم يدك الجبال، ولاقينا في توطيده وتوسيع رقعته ما يشيب نواصي الأطفال.

إنك قوي الخيال يا مولاي، تجري وراءه فيصور لك التصاوير المزعجة، ويقض مضجعك كأنه حلم مزعج حتى إذا صحوت منه لم تجده شيئًا.

– لا يا ابنة مجاهد. إن المنجمين يكادون يجمعون على أن زوال ملكنا يكون على أيدي قوم يطرءون على الجزيرة من غير سكانها، وأغلب الظن أن يكون هؤلاء هم البرازلة، الذين طرأوا على الأندلس في عهد المنصور بن أبي عامر؛ لذلك صممت — إن تنفس لي العمر، وامتد الأجل — أن اكتسح غرب الجزيرة، وألا أبقي من ملوكه ملكًا على عرش.

– زادك الله يا مولاي قوة وتمكينًا، وأمتع بحياتك.

عند ذلك تهيأ الأمير للقيام، وقبل زوجه قبلة في جبينها، ثم مشى نحو الباب وهبط من السلم والعبيد حوله، والحراس أمامه وخلفه، حتى إذا وصل إلى البهو، قام الناس جميعًا في هيبة وخوف وإجلال، وتقدم إليه رجال الدولة، ورؤساء الجند، وعظماء المدينة، بالتهنئة والدعوات بتمام الإقبال وسعادة المولود. ثم تقدّم الشعراء فأنشد كل منهم ما كان أسرع في إعداده، وكان فارس حلبتهم في هذا اليوم أحمد الأنصاري الشاعر، الذي أنشد قصيدة سينية كانت غاية في الإبداع. منها:

أصاخت الخيل آذانًا لصرخته
واهتزّ كل هزبر عندما عطسا
وآثر الدرع مذ شدّت لفائفه
وأبغض المهد لما أبصر الفرسا

وبعد أن انصرف القوم، دعا الأمير بالمنجمين ليروا طالع المولد، فاجتمعوا والرعب يملأ قلوبهم، فقد كانوا يعلمون أنهم دعوا لأمر جد خطير، وكان بينهم أبو مسلم الحضرمي الإشبيلي.

وبعد أن نظروا في أسطر لاباتهم وقلَّبوا في كتبهم، أقبل بعضهم على بعض يهمسون: ماذا نقول للأمير؟ فقال أحدهم: إن الطّالع سيئ، وهز آخر رأسه في أسف قائلًا: إن ما تقوله حق أبا الحسين … ولكننا عاهدنا صناعتنا ألا نقول الحق إلا إذا كان سارًّا، أو تضمن شرًّا يمكن اتقاؤه.

فقال أبو مسلم: إن رءوسكم لا تكفي لإسكات غضب الأمير لو جبهتموه بسوء طالع ابنه، ثم إن قتلكم لن يغيّر مما كتب في صفحة القدر حرفًا، ولن يقول الناس إن تغيّبوا في القبور: برّد الله مثواهم، لأنهم كانوا شجعانًا لا يبالون في الحق صولة أمير جبار … وهبوهم قالوا شيئًا من هذا، فماذا يفيدكم قولهم وأنتم تراب؟! رحم الله ذلك الأعرابي الذي قيل له حين فرّ من القتال: ألا تخشى العار؟ فقال: لأن يقولوا: فرّ لعنه الله خير عندي من أن يقولوا: مات رحمه الله!

فقال أبو الحسين: وماذا ترى أبا مسلم؟ قال: أرى أننا خوّفنا الأمير منذ سنتين من خطر يدهمه، من قوم يطرءون على الجزيرة من غير سكانها، فيجب أن نستمسك بهذا، وأن نظهر البشر والابتسام وحسن التفاءل، ونبلغه بأن الطالع سعيد، غير أننا لا نزال نلح في اتقاء خطر الطارئين.

فخرجوا على هذا الرأي، ولما ألقوا كلمتهم للأمير أطرق مرددًا: يفعل الله ما يشاء … الطارئون … الطارئون … دائمًا الطارئون!!

ثم دعا بصاحب البريد، وطلب إليه أن يسير توًّا إلى إشبيلية لينقل الخبر إلى أبيه.

وما كاد حمدون اللخمي يتلقى أمر مولاه، حتى أسرع إلى خيل البريد فاختار أكرمهم سلالة، وأسبقها عدوًا، وأقواها جلدًا.

ومضى به يسابق الريح بين غياض فيح، وحدائق نضر، وأشجار فينانة مختلفة الثمار، حتى أدركه الصباح عند «لبلة» وظهرت له أسوارها المنيعة القديمة، وما يحيط بها من أشجار الزيتون ومروج القرنفل والعصفر، فاجتاز القنطرة التي فوق النهر، ودخل المدينة تعبًا ساغبًا منهوك القوى، فأخذ سمته إلى فندق في سوق التجار، وما كاد الطعام يقدم إليه حتى طفق يلتهمه التهامًا، وكان بالفندق فتاة إسبانية تنظر في شئون المسافرين، امتزجت فيها الصحة بالجمال، فكونت منها إنسانة حسانة فاتنة عربيدة، تعرض عمن يهيم بها، وتدعو المعرض عنها يهيم بها، حتى إذا اقتنصته أرته الدلال كيف يكون.

فلما رأت حمدونًا لا يرفع عينيه من وعائه، يضع اللقمة في فمه ويعد أخرى، وينظر إلى الثالثة … قالت له في رشاقة تتخللها ضحكة خفيفة: يظهر أن الطعام صرفك حسن طهوه عن جميع الناس!!

فرفع عينيه إليها في بله أو تباله وقال: ماذا تقولين يا فتاة؟؟

– أقول: إن طعام «لبلة» أو طعام فندقنا خاصة، يستهوي البطون ويحظى بغزلها وصبابتها.

فأعاد فيها حمدون النظر، فرأى ما بهره وأطار صوابه، أو أنه كان قد شبع قليلًا فتنبه قلبه بعد طول غفلته. فقال لها: انتظريني يا فتاتي حتى أسكت صياح تلك العصافير التي ملأت بطني … إن غزل القلوب يأتي بعد غزل البطون.

– هذا أضعف الحبّ.

– أتؤثرين الحب الصائم؟؟

– إن الحب الصحيح لا يدعك تحس جوعًا أو عطشًا.

– أنا أقبل أن يمسني هذا الحب، بشرط أن يتساوى فيه الطرفان: أنا، وأنت. فما رأيك في أن يسد علينا باب حجرة من هذا الفندق مدى الحياة، نستقي من رضاب الشفاه، ونقضم تفاح الخدود … ورمان النهود؟؟ فتهانفت الفتاة في دلال، وقالت: انتظر حتى أصاب أولًا بحبك، ثم اقترح ما تشاء.

– آه منك يا فتاة … إنني أحتاج في اجتذابك إلى وقت أطول من وقتي، فإن ساعة لا تكفي لاقتناص مثلك.

فأجابت الفتاة، وهي تلقي بسحرها، وتعبث بعيونها: ساعة لا تكفي!! إنك مغرور عظيم التفاؤل يا فتى … ألا قلت: شهرًا … ألا قلت: سنة … ألا قلت: دهرًا.

إن لين الكلام ولطفه، وتجاذب النظرات، وتبادل الضحكات شيء، والغرام شيء آخر. إن كل فتاة تحييكم بكلمة طيبة أيها الشبان تظنونها قد تدلهت في حبكم، ووقعت في شباككم؟؟

لا يا سيدي، لا … أنا لست من هذا الطراز.

– من هذا الطراز أو من غيره … كلكن بنات حواء. عمى صباحًا أيتها الفتاة، واحتفظي بجمالك حتى أعود.

ثم وثب على جواده وهو لا يصرف عينيه عنها. حتى حال البعد بينهما، وأخذ جواده يمر بجبل الشرف، وهو تل أحمر التربة، دائم الخضرة، يمتد من الشمال إلى الجنوب نحو أربعين ميلًا، به كثير من القرى، لا تكاد تشمس من أرضه قطعة لالتفاف أشجار الزيتون به.

فسار حمدون في ظل دائم بين هذه الأشجار، حتى انتهى بعد خمس ساعات إلى «طريانة» وهي إلى الشاطئ الأيمن من نهر الوادي الكبير، تقابل من شاطئه الآخر مدينة إشبيلية، وما وصل حمدون إلى «طريانة» حتى سلم قياد جواده إلى أحد رجال البريد هناك، ونزل قاربًا اجتاز به إلى إشبيلية، ثم أخذ طريقة إلى القصر. فلما مثل بين أبي القاسم محمد بن عباد — وكان رجلًا داهية في الرجال، قد جلله الشيب وأطفأ منه الهرم كل قوة إلا قوة عقله، وقوة إرادته، وقوة نفوذ عينيه وشدة بريقهما — ابتدره أبو القاسم قائلًا: خير ما جاء بك.

– خير إن شاء الله يا مولاي … ولد غلام لسيدي عباد أمير باجة.

فاستشهد أبو القاسم:

إذا بلغ الرضيع لنا فطامًا
تخرُّ له الجبابر ساجدينا

– وهل مررت بطريقك على بطليوس؟ وهل سمعت شيئًا عن المظفر بن الأفطس أميرها؟

– لا يا مولاي، إني اتخذت أقصر طريق.

ثم أراد أن يتملقه فقال: ولكني سمعت بباجة: أن المظفر لا يزال عاكفًا على تأليف كتابه، وقد بلغ فيه — فيما نقل إليَّ — إلى الجزء الرابع والأربعين.

– وَيْ وَي … دعه يؤلف … إننا نؤلف له كتابًا سطوره صفوف الجيوش، ونقطه أسنة الرماح.

السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحدُّ بين الجدِّ واللعب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠