مقدمة

ميشيل أوباما

تخيُّل أي شيء لأنفسنا

في فبراير ٢٠٠٨م، ومع احتدام المنافسة على ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة، أجرى لاري كينج مقابلةً مع السيدة الأولى المحتملة ميشيل أوباما في برنامج «لاري كينج لايف» على قناة «سي إن إن». تحدثَت ميشيل عن زوجها، والصفات الفريدة التي تعتقد أنها ستجعله أفضل رئيس، والقضايا التي تهمُّها كامرأةٍ أمريكية، وأمٍّ عاملة، وربما أول سيدةٍ أولى سوداء.

قالت ردًّا على سؤالٍ حول ما يعنيه انتخاب زوجها لها شخصيًّا: «يا لها من فرصة! يا لها من منصةٍ سأحظى بها، على الأرجح، للحديث عن مجموعةٍ واسعة من القضايا التي تؤثِّر على البلاد! يا له من شرفٍ أن تُتاح لي فرصة مخاطبة قلوب الناس، وأن أكون جزءًا من دفع هذا البلد نحو اتجاهٍ مختلف!»1

ارتدت ميشيل بلوزة سوداء بلا أكمام أبرزَت جمال ذراعَيها الممشوقتَين، مع عِقد ثلاثي من اللؤلؤ حول رقبتها، وشعرٍ قصير أنيق يُحيط بوجهها الشاب. أثار ظهورها في تلك الليلة، وفي مناسباتٍ أخرى عديدة، مقارنات مع سيدةٍ أولى أخرى، شهيرة بأناقتها وشبابها، جاكلين كينيدي. ظهرَت ميشيل في صفحات مَجلة «فوج»، وأدرجتها مَجلة «فانيتي فير» في قائمتها لأفضل النساء أناقةً على مستوى العالم. لكن لم يكن مظهرها الخارجي في تلك الليلة هو ما أثار — صباحًا — حديث الناس. بل إن ذكاءَ ميشيل وقدرتَها اللفظية وهدوءها هو ما أذهلهم.

قال بول بيجالا، المحلل السياسي في شبكة «سي إن إن» الذي كان آنذاك مؤيدًا لهيلاري كلينتون، بعد المقابلة: «يا لها من ضربةٍ ناجحة! يجب على أحدهم أن يصمِّم زرًّا يقول: «صوِّتوا لزوج ميشيل. أنا أؤيد هيلاري، ولكن يا لها من نجمة! إنها متزنة للغاية».»2
وكان جمال سيمونز، الخبير الاستراتيجي الديمقراطي ومؤيد أوباما، متحمسًا بالقَدْر نفسه، كما هو متوقعَّ. قال للاري كينج: «أعتقد أنها كانت مقابلةً رائعة. ستكون سيدةً أولى رائعة.»3
لعل أكبر إشادة جاءت من جهاتٍ لم تكن متوقَّعة. مايكل ميدفيد، مقدم برنامج حواري إذاعي وداعم للمرشح الجمهوري جون ماكين، وصف ميشيل بأنها «رائعة»، بل ذهب إلى حد القول إنها قد تكون «مرشَّحةً محتمَلة بعد سنوات من الآن. أتمنَّى رؤيتها تُناظر بيل كلينتون. ماذا عن مناظرة بين الزوجَين الأوَّلَين؟»4
ووصف السيناتور السابق تيم هاتشينسون، الذي كان يدعم مايك هاكابي (الذي كان لا يزال في السباق آنذاك)، ميشيل بأنها «شخصيةٌ مثيرة للإعجاب للغاية. من الواضح أنه عندما تسمعُها تتحدث، لا تُجيد التعبير عن نفسها فحسب، بل يُمكنك تخيُّلها في البيت الأبيض.»5
وكانت التعليقات التي نشرها المشاهدون على الإنترنت بعد بث البرنامج حماسية بالمثل. كتب أحد المشاهدين يقول: «أعتقد أنه لو ترشَّحَت ميشيل للرئاسة بعد ثماني سنوات من انتهاء ولايتَي باراك، فإن فرصتها في الفوز أفضلُ من فرص هيلاري الآن.»6 وقال آخر: «ستكون سيدةً أولى عظيمة. إنها واثقةٌ بنفسها وقوية. أتمنَّى حقًّا أن يفوز باراك؛ لأنني لا أعتقد أن زوج هيلاري، بيل، سيُصبح يومًا ما الرجل الأول!»7

من الصعب تذكُّر أن مثل هذا الثناء الواسع النطاق قد أُغدِق على سيدةٍ أخرى مرشَّحة لأن تكون زوجةً أولى، لكن حقيقة أن عائلة أوباما ستكون أول زوجين أسودين يسكنان البيت الأبيض تجعل صعودهما — والخطاب المصاحب — تاريخيًّا.

وبالمثل، فإن الترويج لميشيل، حتى وإن كان بخفة ظل، كمرشَّحة رئاسية محتملة بعد انتهاء عهد زوجها — هيلاري كلينتون الثانية، إن صح التعبير — يُظهر مدى التقدُّم الذي أحرزَته الولايات المتحدة، على الأقل في تصوُّر من يمكنه أو ينبغي له شغل أعلى منصبٍ في البلاد. (بعد أشهر، أثارت ردَّ فعلٍ مماثلًا بعد خطابها القوي في المؤتمر الوطني الديمقراطي.) عادت الدعوة إلى ترشيح ميشيل أوباما — بصوتٍ عالٍ — في عام ٢٠١٦م بعد انتخاب دونالد ترامب غير المتوقع. (انظر الفصل ١٤، لمزيد من التفاصيل.) ولكن بعد أسبوعٍ واحدٍ فقط من مقابلة لاري كينج المنتصرة في ١١ فبراير، حدث ما لا مفر منه: خفَتَ الحماس. في تجمُّعَين انتخابيَّين في ولاية ويسكونسن قبل الانتخابات التمهيدية في تلك الولاية، أدلَت ميشيل أوباما، خِرِّيجة كلية الحقوق في برينستون وهارفارد، بتصريحها الشهير: «لأول مرة في حياتي، أشعر بفخرٍ كبير ببلدي.» (ما قالته في أحد التجمُّعيَن كان: «لأول مرة في حياتي، أشعر بفخرٍ كبيرٍ ببلدي؛ لأنني أشعر وكأن الأمل يعود أخيرًا.» ما قصدَته في الواقع، وَفقًا لحملة أوباما، هو أنها فخورةٌ برؤية هذا العدد الكبير من الناس يشاركون في عملية التصويت.)

تعرضَت ميشيل أيضًا لانتقادات بسبب تعليقٍ آخر أدلَت به في ويسكونسن: «لقد ساءت حياة الناس العاديين على مدار حياتي، في ظل الإدارات الجمهورية والديمقراطية.» على الرغم من أنه من المرجَّح ألا يشكك أحد في هذه التصريحات لو أدلَت بها بعد بضعة أشهر، بعد التدهور الاقتصادي المروِّع، شعر الناس حينها أن هذه الكلمات جعلَتها تبدو ممتعضة وغير ممتنَّة.

انقضَّ عليها المعارضون. على الفور تقريبًا، التقت سيندي ماكين، زوجة المرشح الجمهوري جون ماكين، بالصحفيين، معلنةً: «لطالما كنتُ، وسأظل دائمًا، فخورة ببلدي.» والكاتبة المحافظة ميشيل مالكين وصفت ميشيل أوباما بأنها «النصف المرير» لزوجها، بينما نشرَت مَجلة «ناشيونال ريفيو» المحافِظة مقالًا عن «السيدة المظلومة»، مصحوبًا بصورة لميشيل بوجهها «عابسًا غاضبًا».

بدأ الناس يتساءلون من أين جاءت تصريحات ميشيل. المرأة التي بدت هادئةً للغاية — أشبه بكاميلوت — في مقابلة لاري كينج كان لها جانبٌ آخر. هل كانت تعليقاتها نابعةً من نفس المشاعر التي عبَّرت عنها في أطرُوحتها التي كتبتها عام ١٩٨٥م، خلال سنتها الأخيرة في جامعة برينستون؟ ففي أطروحتها «السود المتعلمون في برينستون والمجتمع الأسود»، كتبت ميشيل، طالبة علم الاجتماع، عن تجارِبها في برينستون تقول: «لقد جعلَتني أكثر وعيًا ﺑ «سواد لوني» من أي وقتٍ مضى. لقد وجدتُ أنه في برينستون، مهما حاول بعض أساتذتي وزملائي البيض التحلي بالليبرالية والانفتاح تجاهي، إلا أنني أحيانًا أشعر وكأنني زائرةٌ في الحرم الجامعي؛ كما لو أنني لا أنتمي إليه حقًّا. وبغَض النظر عن الظروف التي أتعامل فيها مع البيض في برينستون، غالبًا ما يبدو لهم أنني سأكون دائمًا سوداء أولًا، وطالبة ثانيًا.»8

بعد أن أدلت بتصريحها «لأول مرة أشعر بالفخر»، أصبحَت الأسئلة: هل لا تزال ميشيل أوباما تشعر بأنها لا تنتمي؟ وهل هي جاحدة للفرص التي أُتيحت لها؟

تفاقمَت المشكلة بعد بضعة أسابيع عندما نُشرت عظاتٌ مثيرة للجدل ألقاها القس جيريمايا رايت، قسُّ عائلة أوباما آنذاك، مما دفع باراك أوباما إلى إلقاء خطابه «اتحاد أكثر كمالًا» حول العِرق وعدم المساواة والتوتُّرات العرقية في أمريكا. وعندما أوضَح المرشح الرئاسي أنه لا يستطيع الانفصال عن الرجل الذي أشرف على حفل زِفافه وعمَّد بناته إلا بقدْر ما يستطيع الانفصال عن جدته البيضاء الحبيبة التي أدلت هي الأخرى بتعليقاتٍ عنصرية جعلَته «يشعر بالحرج»، أُشيد بباراك أوباما باعتباره الشخص الوحيد القادر على قيادة الأمريكيين عبْر الانقسام العرقي.

ولكن في النهاية، لم يكن الأمر بهذه البساطة. فقد استمر القَس رايت في الإدلاء بتصريحاتٍ شنيعة، منتقدًا الحكومة علنًا، ومشيرًا إلى أنها ربما ساهمَت في انتشار وباء الإيدز. وعندما عرض ادعاءاته على نادي الصحافة الوطني في أبريل، قرَّر آل أوباما أن كفَى. اتخذوا القرار الصعب بمغادرة كنيسة ترينيتي المتحدة للمسيح، الكنيسة التي كانوا يرتادونها ويدعمونها ماليًّا لسنوات. وكتب آل أوباما في رسالة موقَّعة مشتركة إلى القَس الحالي في كنيسة ترينيتي، القَس أوتيس موس: «لقد توتَّرت علاقاتنا مع ترينيتي بسبب التصريحات الخلافية للقَس رايت، والتي تتعارض تمامًا مع آرائنا. لقد شكَّلَت هذه الخلافات مصدر إزعاجٍ مؤسف لأعضاء ترينيتي الآخرين الذين يسعَون إلى العبادة بسلام، ووضعَتكم في موقفٍ لا تُحسدون عليه.»9
قُوبلَت خطوة آل أوباما بالرضا من جهاتٍ عديدة، ولكن لم يُغفر لها كل شيء بالضرورة. ولسببٍ ما، بدا أن ميشيل تتحمل جزءًا كبيرًا من اللوم. في مقالٍ كتبه لمَجَلة «سلايت» الإلكترونية، بدا أن الصحفي والكاتب كريستوفر هيتشنز يُلمح إلى أن ميشيل كانت السبب وراء وقوفِ زوجها إلى جانب القَس رايت، الذي وصفَه هيتشنز بأنه «متعصِّب عجوز مغرور»، و«مرشد مجنون»، ولديه «غباء أخلاقي»، مما ألحق «ضررًا جسيمًا» بحملة أوباما. في الواقع، حمل مقاله عنوان «هل نحصل على اثنَين مقابل واحد؟ هل ميشيل أوباما مسئولة عن كارثة جيريمايا رايت؟»10
في مايو — وباقتراب السباق الديمقراطي، الذي بدا بلا نهاية، من نهايته، مع باراك أوباما المرشَّح المُفترَض — قال لخصومه الشهيرِين: «ابتعِدوا عن زوجتي.» انطلقَت شرارة توجيه أوباما من فيديو نشره الحزب الجمهوري في ولاية تينيسي عبْر الإنترنت خلال الانتخابات التمهيدية في تلك الولاية. في المقطع، لقطات لميشيل وهي تُدلي بتصريحها «لأول مرة في حياتي فخورة بأمريكا» تتخلَّلها صورٌ لمواطنين من تينيسي يتحدَّثون عن مدى فخرهم ببلدهم، وكيف كانوا دائمًا كذلك.11
في منتصف يونيو، وبعد فوز أوباما بترشيح الحزب الديمقراطي، قرَّرت الحملة التصدِّي للشائعات التي انتشرَت عبْر الإنترنت بشكلٍ مباشر. بإطلاق موقع FightTheSmears.com، هاجمَت الحملة سلسلةً من القصص والتلميحات غير المألوفة، بما في ذلك قصةٌ خبيثةٌ عن ميشيل. انتشرَت عبْر البريد الإلكتروني، ثم من خلال المدوَّنات والتعليقات، أنباءٌ عن وجود شريط فيديو لميشيل وهي تُهاجم «البيض». لم يظهر الشريط قط، ونفَى موقع FightTheSmears.com نفيًا قاطعًا وجودَه أو أنها تلفظَت بهذه الكلمة.
كما أعلنَت حملة أوباما في يونيو عن تشكيل فريقٍ حول ميشيل للمساعدة في الرد على أي هجماتٍ إضافية من جانب المعارضين، وأسَّس مؤسِّسو مدوَّنة WhatAboutOurDaughters.com موقعًا إلكترونيًّا منفصلًا، MichelleObamaWatch.com. ووَفقًا لموقع Salon.com، أُنشئ موقع MichelleObamaWatch.com «لتتبع أكثر الأمثلة فظاعةً على العنصرية والتمييز على أساس الجنس وما إلى ذلك.»12
بالإضافة إلى الدعم القوي من زوجها وحملته الانتخابية وموقع WhatAboutOurDaughters.com، حظيَت ميشيل أيضًا بدعمٍ من جهاتٍ غير متوقَّعة. خلال مقابلة مع قناة «إيه بي سي نيوز» في سلوفينيا؛ حيث كانت السيدة الأولى لورا بوش مسافرة مع زوجها، بدا أنها دافعَت عن ميشيل، مشيرةً إلى أن ميشيل ربما لم تقصد القول إنها فخورة ببلدها «للمرة الأولى» عندما أدلَت بتصريحاتها في ويسكونسن. وحذَّرَت السيدة الأولى المخضرمة لورا بوش من أن مَن يشغل منصبها ربما يحتاج إلى «توخِّي الحذر الشديد فيما يقوله»؛ لأن كل شيء يخضع للتدقيق، وغالبًا ما يُساء فهمه في النهاية.13
كما بدا أن جون ماكين، خصم أوباما الجمهوري، يحذِّر الجمهور من تجاهل الزوجات الأُوليات المحتَمَلات. ففي اليوم التالي لإطلاق موقع FightTheSmears.com، صرَّح ماكين في مقابلة مع دانا باش من شبكة «سي إن إن» بأنه يعتقد أن زوجة المرشَّح «يجب أن تُعامل باحترام، وإذا كان هناك أي سلوكٍ غير محترم من جانب أي شخص، فيجب رفضه.» وأضاف ماكين أنه «يُكِن احترامًا كبيرًا لكلٍّ من السيناتور وميشيل أوباما»، مضيفًا أنه لم يلتقِ بميشيل قط، لكنها «شخصيةٌ موهوبة وفعَّالة للغاية. وأنا معجَب بهما».14
في غضون ذلك، بدأَت سلسلة من مقالات الرأي والمنشورات على المدوَّنات بالظهور نيابةً عن ميشيل وحملة أوباما، يندِّد الكثير منها بالتشويه المُخجِل لسمعة ميشيل أوباما، كما جاء في مقال رأي بقلم رولاند إس مارتن. في حال نسي أحدٌ ما، عندما يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع في نوفمبر، سيصوِّتون إما للسيناتور جون ماكين أو للسيناتور باراك أوباما. لن تكون سيندي ماكين على قائمة المرشَّحين، ولن يُصوِّت أحدٌ على سياسات ميشيل أوباما، بحسب ما كتب مارتن.15

يبقى أن نرى ما إذا كانت الصحافة والجمهور، كما طلب زوج ميشيل، سيتجاهلون الزوجات الأُوليات المحتَمَلات. وما إذا كان ينبغي عليهم فعل ذلك أصلًا، فهذه مسألة أخرى قابلة للنقاش. هل الزوجات مستحِقات للنقد والهجوم، خاصةً عندما يشاركْنَ في الحملات الانتخابية علنًا لصالح المرشَّح الذي تزوجْنَ منه؟ هل يتعلق الأمر بقرار اختيار المرشَّح للزواج من سيدةٍ معيَّنة؟ وهل ينبغي أن تكون هذه السيدة صديقةً مقربة أو كاتمةَ الأسرار أو على الأقل المتلقيةَ/المرسِلةَ للحديث في فراش الزوجية؟

بغَض النظر عن كيفية اختيار أمريكا للإجابة عن هذه الأسئلة في هذه الحملات الانتخابية والحملات المستقبلية، فإن ما بدأ يتضح مع بداية صيف عام ٢٠٠٨م هو أنه بينما بدت معظم البلاد مستعدةً لقبول أوباما كمرشحٍ رئاسي ديمقراطي مُعيَّن، كان هناك قطاعٌ آخر متردِّد بالقَدْر نفسه. وسواء كان ذلك مدفوعًا بتعليق الفخر، أو الأخبار حول أطرُوحتها في جامعة برينستون، أو الشائعات حول أي أشرطة فيديو مزعومة، أو ببساطة لأنها امرأة ذكية وصريحة ومتمكِّنة تُسبب انزعاجًا للبعض، بدا أن ميشيل كانت محورًا لكثيرٍ من هذا التردد.

مع استمرار الحملة الانتخابية، بدا أن ميشيل قد كبحَت بعضًا من صراحتها المعهودة، وبدا أن خطابها البارع في المؤتمر الديمقراطي قد ساعد في محو بعض — وإن لم يكن كل — الانتقادات السابقة. حتى قبل الانتخابات، كان لا يزال بإمكانك العثور على مقالات وافتتاحيات ومدوَّنات تتحدث عن ميشيل أوباما «المُمتعِضة» و«الغاضبة».

ماذا عن ميشيل؟ بالنظر إلى تصريحاتها في أطرُوحتها الجامعية، هل ستشعر دائمًا «كزائرة»؟ حتى وهي مقيمة في البيت الأبيض، هل ستشعر وكأنها «لا تنتمي حقًّا؟» هل يمكنها أن تحتضن دورها كسيدةٍ أولى بالكامل، أم إنها لا تزال امرأةً سوداء؟ هل ستتمكَّن من إثبات فخرها الحقيقي ببلدها؟

وماذا عن بلدها؟ هل كانت أمريكا مستعدة لاحتضان أول زوجَين أسودَين من رؤساء الولايات المتحدة؟ وماذا يعني كل ذلك، داخل الولايات المتحدة وخارجها؛ أن تعيشَ هذه العائلة الأولى من أصلٍ أفريقي في البيت الأبيض؟

خارج حدود الولايات المتحدة، بدت الإجابة واضحة نسبيًّا. في الأيام التي تلت فوز أوباما بترشيح الحزب الديمقراطي، رحَّبت وسائل الإعلام العالمية بالخبر، مُدركةً الطابع التاريخي لترشحه.

«أوباما أعاد إحياء إيمانِ أمريكا بقدراتها الهائلة على إعادة الاختراع، وإعجابِ العالم بأمريكا» هكذا جاء في افتتاحية صحيفة «تايمز» اللندنية. «لقد كانت رحلةً مُرهِقة، لكن يبدو أن تيار التاريخ اليوم على الأقل معه. سواء فاز أو خسر في نوفمبر، فسيكون قد ذهب أبعد من أي شخصٍ في التاريخ لدفن العداوة السامة التي أجَّجَت الحرب الأهلية الأمريكية وطاردتها منذ ذلك الحين … تكمُن أهمية هذه اللحظة في دليلها المُدوِّي على حقيقة أن أمريكا أرضُ الفرص؛ فرصة أوباما للتخرج من جامعة هارفارد واجتياح واشنطن؛ الفرصة التي يُتيحها النظام الديمقراطي الأكثر استجابةً في العالم لناخبيه للاستلهام من مجهول؛ الفرصة التي تُتاح الآن للغرباء لإعادة تقييم القوة العظمى التي يكرهُها الكثيرون منهم.»16
في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، كتب شموئيل روزنر: «حان الوقت لاستقبال النصر السياسي المذهل لأوباما، إن كان لا يزال بإمكان المرء أن يشعر بالرهبة من أي شيء في هذا العصر. على الرغم من كل الصعاب، كسرت الحملة حدود التحيز والعِرق، وحثَّت الناخبين على الإدلاء بأصواتهم.»17
من كينيا، موطن والد باراك أوباما، كتب ألفايو أوتينتو في صحيفة «ديلي نيشن»: «لطالما كان الأمل والإلهام عنصرَين أساسيَّين في رسالة أوباما. هذه هي الرسالة السياسية الوحيدة التي تُقنع الناخبين المتردِّدين وتُحفِّز الناخبين القابلين للحشد الذين نادرًا ما يذهبون إلى صناديق الاقتراع … الآن، على كل ديمقراطي، وكل تقدمي، أن ينتهز هذه الفرصة التاريخية لجعل أوباما الرئيس الأمريكي الذي يقود العالم إلى حقبةٍ تقدميةٍ جديدة ذات إمكانياتٍ غير مسبوقة.»18
ولم يُعزز الإعجابُ الواسع الذي حظي به أوباما خلال رحلته الصيفية عام ٢٠٠٨م إلى أوروبا ومنطقتَي حربٍ هذا الانطباعَ في الخارج. بل إن فرانك ريتش كتب مقالًا في صحيفة «نيويورك تايمز» عن رحلة أوباما الخارجية بعنوان «كيف أصبح أوباما رئيسًا بالوكالة».19

قد لا نعرف ما يعنيه كل هذا للولايات المتحدة لبعض الوقت، لكن قصة حياة ميشيل قد تُقدم إجابةً واحدة. نعلم أن ميشيل لافون روبنسون أوباما نشأَت في حي شيكاغو للطبقة العاملة، ذي الأغلبية الأمريكية من أصلٍ أفريقي، حيث عاشت عائلتُها المكوَّنة من أربعة أفراد في شقةٍ مستأجرة مكوَّنة من غرفة نومٍ واحدة. نعلم أنها، بدعم من والدَيْها المجتهدَين، ماريان وفريزر روبنسون، تفوقَت في المدرسة وتخطَّت الصف الثاني. نعلم أنها كانت رياضيةً موهوبة، لكنها ابتعدَت عن الرياضات التنافسية لأنها، وَفقًا لشقيقها كريج، كانت تكره الخَسارة.

نعلم أنها لحقَت بكريج، الذي أصبح مدرب كرة السلة الرئيسي في جامعة ولاية أوريجون، وعمل لاحقًا مع فريق نيويورك نيكس، إلى برينستون، ثم التحقَت بكلية الحقوق بجامعة هارفارد. نعلم أيضًا أنها تركَت وظيفة براتبٍ مرتفع في شركة محاماةٍ مرموقة في شيكاغو (حيث التقت بزوجها المستقبلي) لتلتحق بالخدمة العامة، وأنها عندما أصبح باراك عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي، رفضَت الانتقال إلى واشنطن معه، واختارت البقاء في شيكاغو حيث كانت تعمل، وحيث كانت ابنتاهما الصغيرتان تستقرَّان بارتياح، وحيث كان باستطاعة زوجها السفر إلى المنزل في عطلات نهاية الأسبوع لرؤية العائلة. كما أنها بقيَت إلى جانب والدتها الأرملة آنذاك، التي كانت ترعى الفتاتَين أثناء عمل ميشيل أو خلال حملتها الانتخابية. (على عكس العديد من الأزواج السياسيين العاملين، وظَّف آل أوباما مدبِّرة منزل، وليس مربية أطفال، مفضِّلين أن يعتني الأصدقاء والعائلة بطفلتَيْهما عندما لا يستطيعان ذلك بنفسَيهما. خلال الحملة الانتخابية، كرَّرَت مرارًا أن إحدى أولويات زوجها هي «التأكد من أن النساء والعائلات لديهم نظام دعمٍ جيد يساعدهم على الاستقرار».)20
نعلم أن ميشيل، كزوجة وأم، قد تكون سيدة أعمالٍ صعبة المراس. في الفترة التي سبقَت الانتخابات، أخبرَتْنا أن قائمة مهام باراك تتضمن ترتيب الفراش وإخراج القُمامة عندما يكون في المنزل، وأنه يجب عليه الانضمام إلى عائلته في المناسبات المهمة، مثل اجتماعات أولياء الأمور والمعلمين، وأعياد الميلاد، والأعياد. وبالمثل، يُتوقع من ابنتَيها المساعدة في الأعمال المنزلية. نعلم أن عائلتها تأتي في المقام الأول بالنسبة لها، وأنها درسَت بجدية خطَّة زوجها للترشُّح للرئاسة وتأثيرها على حياتهما الأسرية قبل أن تُقرَّها. (يبدو أن ميشيل عقدَت صفقةً صعبة: ستدعم ترشيح زوجها بكل إخلاص، بما في ذلك مساعدته في الحملة الانتخابية، شريطة أن يقلع عن التدخين.)21

نعلم أن ميشيل ذكية وجذابة ومتعلمة تعليمًا جيدًا. نعلم أنها قادرة على جذب الناس من مختلِف الأطياف السياسية — كما فعلَت عندما ظهرَت في برنامج «لاري كينج لايف» — لكنها بحاجة إلى ضبط لسانها، وهو أمرٌ ليس سهلًا دائمًا على محامِيَة سريعة البديهة وفصيحة اللسان، معتادة على التعبير عن رأيها.

ونعلم أيضًا أنه في ٢٠ يناير ٢٠٠٩م، عندما أدَّى باراك حسين أوباما اليمين الدستورية رئيسًا رابعًا وأربعين للولايات المتحدة، وبجانبه ميشيل لافون روبنسون أوباما، كان ذلك حدثًا ملحميًّا. لحظة فارقة في تاريخ الولايات المتحدة. ستشهد البلاد أول رئيسٍ أسود وأول سيدةٍ أولى سوداء، مما يُمثل علامةً فارقة في النضال من أجل المساواة العِرقية.

لم تُكتب كتب التاريخ كاملةً بعدُ، لكنَّ قصةً روتْها ميشيل أوباما خلال حملتها الانتخابية عن فتاةٍ صغيرة في صالون تجميل بولاية ساوث كارولاينا خلال الحملة قد تُقدم أفضل تفسيرٍ لما يعنيه كل هذا حقًّا، سواء بالنسبة لها شخصيًّا أو للبلد بأكمله. الفتاة البالغة من العمر عشر سنوات أخبرَت ميشيل أنه إذا انتُخب زوجها رئيسًا «فهذا يعني أنني أستطيع تخيُّل أي شيء لنفسي».

قالت ميشيل إن هذه القصة تعكس قصتها. وأوضحَت: «كان من الممكن أن أكون أنا؛ لأن الحقيقة هي أنه ليس من المفترض أن أكون واقفةً هنا. أنا حالةٌ شاذةٌ إحصائيًّا. فتاةٌ سوداء، نشأتُ في المنطقة الجنوبية من شيكاغو. هل كان من المفترض أن أذهب إلى برينستون؟ قالوا إن كلية الحقوق في هارفارد ربما كانت فوق طاقتي. لكنني ذهبتُ. ونجحتُ. ومن المؤكَّد أنه ليس من المفترض أن أقف هنا.»22

لكنها كانت هناك، رغم كل الصعاب. في النهاية، تُعتبر ميشيل أوباما، السيدة الأولى، قصةً أمريكيةً بامتياز. في الواقع، إذا نظرنا إلى الأمر في سياقه الأوسع، فإن مجرد وجود السيد أوباما والسيدة ميشيل؛ باعتبارهما الرئيس الرابع والأربعين والسيدة الأولى للولايات المتحدة، يعني أن الفتاة ذات العشر سنوات في صالون التجميل قد تُمثلنا جميعًا. قصة أوباما وعدٌ لنا كأمريكيين بأنه يمكن لأيٍّ منا أن يتخيل أي شيءٍ لنفسه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦