الفصل العاشر

أينما تنظرْ، ترَ ميشيل

نظرة على الانتخابات في بداية أغسطس ٢٠٠٨م

مَرَّ أسبوعٌ منذ أن سلَّمتُ المسَوَّدة، لكن يبدو أن صورة ميشيل أوباما ستظل مصاحبة لي؛ فأنا أراها على شاشة التلفاز، وعلى صفحات الجرائد وأغلفة المَجلات، وهي جزء من كل حوار يدور. فحسبما ورد في إحدى الكتابات السياسية التي نُشرت على إحدى المدوَّنات: «دائمًا ميشيل أوباما، دائمًا في كل وقت.»1 وبهذا يكون من الصعب أن أضعَ اللمساتِ النهائية للكتاب.
في اليوم الذي سبق موعدَ تسليم المسَوَّدة الأولى لمحرر الكتاب، وصلَتني رسالةٌ إلكترونيةٌ أخرى من ميشيل أوباما جاءت من البريد الإلكتروني التالي: [email protected].

إليزابيث

هناك قصة يُحب باراك أن يحكيها، وهي تدور حول ما حدث عندما كنا واقفين وراء الكواليس قبل الخطبة التي ألقاها في مؤتمر الحزب الديمقراطي عام ٢٠٠٤م. هو يحكيها كالتالي: كان مشغولًا جدًّا في الأيام السابقة للمؤتمر إلى حدٍّ لم يترك له مجالًا لأن يشعر بالضغط النفسي، لكن قبل الخطبة بنحو ساعة صار بوسعي أن أقول إنه يشعر بالتوتر.

حتى أضع حدًّا لتوتره، مِلتُ عليه قبل أن يخرج إلى المِنصة مباشرة وقلتُ له: «لا ترتكب مصيبة يا رجل!»

ضحكنا. وبالفعل عجَّ المكان بتصفيق الناس له.2
وتُواصل ميشيل رسالتها متحدثة عن حشدٍ أكبر من الحشد الذي حضر ذلك المؤتمر سيخطب فيه زوجها بعد أسابيعَ قليلة. إذ سيذهب نحو ٧٥٠٠٠ شخصٍ إلى مدينة دينفر ليشهدوا انعقاد مؤتمر الحزب الديمقراطي ويشاركوا في هذه اللحظة المهمة. ثم تُبَيِّن ميشيل لقارئ الرسالة أن حضور هذا الحدث يمثل فرصةً كبيرة له، وبالطبع تَطْلب منه تبرعًا، وتقول إن التبرع سيمنَح المتبرع فرصةَ أن يدخل في سحب ليكون واحدًا من عشَرة أشخاصٍ سيُختارون لينضموا إلى باراك في كواليس ما قبل المؤتمر.3

هذه طريقةٌ جذابة لجمع النقود، لكنها ليست ما جذَبني في رسالة البريد الإلكتروني هذه. كان ما جذَبني — مرةً أخرى — هو صوت ميشيل، ذلك الصوت الواقعي الفريد في صراحته. «لا ترتكب مصيبة يا رجل!»

تقريبًا في الوقت نفسه الذي وصلَت فيه رسالة البريد الإلكتروني إلى صندوق رسائلي اصطحبتُ ابنتي وواحدةً من صديقاتها ووالدة صديقتها إلى تودز بليس وهو الملهَى الليلي الواقع في مدينة نيوهافن الذي أحيا فيه الحفلات جميعُ الفنانين، بدءًا من فرقة رولينج ستونز، ومرورًا ببوب دايلان، ووصولًا إلى فرقة يو تو، وذلك حتى تستمع الفتاتان إلى ناصر جونز «ناز» فنان الهيب هوب. وحتى أكون صريحةً يجب أن أقول إن ابنتي عندما طَرَحَت هذا الموضوع لأول مرة لم أكن أعرف من ناز هذا، وكنتُ أميل إلى رفض فكرة الذَّهاب للحفلة. لكن عندما قرأتُ عن مغني الراب، الذي صار يُعرف بناز، والذي انضم إلى احتجاج على قناة «فوكس نيوز» دفاعًا عن ميشيل أوباما. رأيتُ أن ابنتي يجب أن تحضر الحفلة وأن مَن سيصطحبها يجب ألا يكون شخصًا غيري.

كما تبيَّن، فإن ناز يتمتع بشعبيةٍ كبيرة جدًّا — مع أنني لم أسمع عنه قط — لدرجة أن جميع تذاكر هذه الحفلة نَفِدَت ولم نستطع أن نشتريَ أية تذاكر من شُباك التذاكر. ظلِلْنا في الخارج لِما بدا أنه ساعاتٌ طويلةٌ على أمل أن نتمكَّن من شراء تذكرة إن تغيَّب أحد روَّاد الحفل. لكن الحظ لم يُسعفْنا. وكان طابور الجماهير ممتدًّا في خطٍّ متعرج خارج الباب وحول المبنى. وكان المئات يَصِلون في جماعاتٍ تتدفق ببطء.

ومع هذا، ولأننا كنا قد أتينا من مكانٍ بعيد، فقد قرَّرنا أن ننتظر على الرصيف مع جماعةٍ من المعجَبين بناز وكلنا أملٌ أن نحقِّق الحلم البعيد المنال ونفوز بتصريحٍ من الفنان قبل أن يبدأ الحفل. انتظرنا طويلًا. وفي وقتٍ ما بعد منتصف الليل ظهر مغني الراب الشهير في حافلةٍ رائعةٍ ضخمة مكتوبٍ اسمُه على أحد جوانبها. حاولنا أن نجذب انتباهه قبل أن يدخل الملهَى الليلي لكنَّ حشدًا من رجال الأمن ومن المعجَبين أحاط به ودخل هو إلى الملهَى مباشرة. ولم نحصل على تصريحٍ بشأن ميشيل أوباما أو بشأن قناة «فوكس». ولم نحصُل منه على ثمرة لجهودنا.

ومع هذا فلم يكن ذلك المساء عقيمًا تمامًا. فأثناء انتظارنا لساعاتٍ مع الحشد الصبور الذي يضُم أناسًا ينتمون لمجموعاتٍ عِرقية وعمرية متنوعة تحدَّثنا مع بعض الأشخاص. كان هناك رجلٌ أكبر منا سنًّا سألني أين كراستي وقلمي (إذ أخبرتُه أنني أنتظر مقابلة ناز لأنني أؤلف كتابًا عن ميشيل أوباما). ثم تحدثنا عن الانتخابات. سألتُه: هل هو من المعجَبين؟ لستُ واثقة إن كان قد فهم أنني أعني من المعجَبين بباراك أوباما أم بناز، لكن هذا ليس مهمًّا في واقع الأمر. فقد جاءت إجابته: «الشخص الوحيد الذي قد أحاول الحصول على توقيعه هو نيلسون مانديلا.»

وقابلنا شابًّا يعمل في مَجلة «وانسيلف». هذه المَجلة تصدر في مدينة هارتفورد وتتخذ من الجملة التالية شعارًا لها: «عالم واحد، حياة واحدة، نفس واحدة». وتُورِدُ في منشورها الدعائي المقولة التالية: «عالم اليوم يشهد تغيرًا. وما يحركه هو ثقافة الهيب هوب الراسخة، والناس الذين يتبنَّونها.» هذا الشاب الذي قابلناه، والذي كان هناك ليحاول أن يلتقط صورة لناز، أخبرنا أنه يكتب الكثير من المقالات التي توجِّه الناس إلى طرقٍ يحسِّنون بها أحوالهم بأنفسهم. وَفقًا لموقع المَجلة فإن موضوعاتها تتضمن مقالات مثل: «ابنِ نفسك»، «نصائح المليونيرات»، «كل واحد يعلِّم واحدًا»، «رؤًى محلية»، «المهارة المهنية»، «سوق الحجوزات».

الصديقتان اللتان ذهبنا معهما — وهما لاعبة كرة القدم التي كتبتُ عنها فيما سبق ووالدتها — هما من المولَعين بناز والمتابعين لأخباره. وقد أخبرتانا عن الأغنية التي تفضِّلانها من بين أغنيات ناز وعنوانها «أستطيع» (آي كان). كلمات هذه الأغنية موجهة لأطفال الأقليات، وهي تطلب من مستمعيها أن يجتهدوا في دراستهم وأن يبذلوا الجهد من أجل تغيير العالم. لكن المرء يستطيع أن يسمع فيها صدى صوت ميشيل أوباما. ذلك الصوت الفريد الذي يقول: «اتخذ مكانك على الطاولة!»

بعد أيامٍ قليلة سلمتُ المسَوَّدة الأولى (ولم يكن بها هذا الفصل ولا الفصل المتعلق بنتائج الانتخابات). وقد أراد القدَر أن أواصل مقابلة أناسٍ كانوا أصدقاء و/أو معارف ميشيل أوباما بعد موعد التسليم، أناس كانوا على استعدادٍ لأن يتحدثوا معي، لكن معظمهم كان يشترط ألا أنسبَ حديثه إليه إن نشرتُه. وإن استطعتُ أن ألخص كل تلك الحوارات في جملةٍ واحدة ستكون هذه الجملة هي: «ميشيل روبنسون أوباما أكثر امرأة صادقة وواقعية وذكية ومجتهدة ومرحة يقابلها المرء في حياته.»

«لا ترتكب مصيبة يا رجل!» هذا هو صوتها الفريد.

في يوم الأحد الذي تلا تسليم المسَوَّدة فتحتُ جريدة «نيويورك تايمز» فوجدتُ فيها مقالًا للصحفية مورين دود بعنوان «السيد دارسي يأتي خاطبًا الود». هذا العنوان قد لا يعني الكثير لعددٍ كبير من القراء، لكنني من المولَعين برواية «كبرياء وهوًى»، فأنا واحدة من هؤلاء النساء اللاتي يستطعن تسميع فقراتٍ كاملة من هذه الكوميديا الاجتماعية النقدية التي كتبتها جين أوستين، وجزء من الفضل في هذا يرجع إلى أنني قرأتها كثيرًا، وجزء يعود إلى الفيلم الذي أنتجَتْه قناة «بي بي سي»، فقد شاهدتُ هذا الفيلم الذي يستغرق عرضُه خمس ساعاتٍ كاملة عشرين مرة على الأقل.

لذا فمن البديهي أنني شرعتُ على الفور في قراءة مقال مورين بحماسٍ شديد. إن كان ما توصلتُ إليه من فهم صحيحًا فإن مقال «السيد دارسي يأتي خاطبًا الود» ينبني على فكرتَين ورؤيتَين. أولًا أن باراك أوباما هو فيتزويليام دارسي الجديد، ودارسي هذا هو بطل رواية «كبرياء وهوًى» الخالدة. وثانيًا أن إليزابيث بينيت، وهي البطلة الصريحة المفعَمة بالحيوية التي يخطب دارسي ودَّها ويفوز به على مدار الرواية، تمثِّل أمريكا.

فيما يتعلق بالرأي الأول، فإنني أتفق مع السيدة مورين. بعد أن اقتبسَت مورين مقولةً من رواية جين أوستين قالت إن أوباما، مثل دارسي، «يستطيع أن يجذب انتباه الجميع بقوامه الطويل الرائع، وملامحه الوسيمة، وأخلاقه النبيلة.» أحسَنَتْ، هذا وجه شبهٍ موجود بينهما بالفعل.

وتواصل السيدة مورين حديثها مستعرضة وصف أوستين لدارسي في أول ليلة يقابله فيها القارئ. إذ قالت: «ظل الناس ينظرون إليه بإعجابٍ شديد طَوال نحو نصف المساء، إلى أن ظهر في سلوكه ما غيَّر مجرى شعبيته؛ إذ تبيَّن للناس أنه مغرورٌ يستعلي على رفاقه ويصعُب إرضاؤه»، هذا ما كتبتُه السيدة مورين مقتبسةً مما كتبَتْه جين أوستين.

ثم تمضي موضحةً ما تراه من أوجه شبه بينه وبين أوباما: «كان على صاحب ضَيعة بيمبرلي أن يتعلم أن يكون في موقف المستهزَأ به، وهذا كان يتسبَّب في بعض الأحيان في زيادة أمارات الاستعلاء المُرتسِمة على ملامحه.»4

كدليل على «استعلاء» أوباما تُشير السيدة مورين إلى التعليقات التي قالها أثناء المناظرات التي عُقدَت في ولاية نيوهامبشير عندما قال لهيلاري كلينتون «أنت ظريفةٌ إلى حدٍّ مقبول يا هيلاري.» (أتذكَّر هذه المقولة وأتذكَّر أيضًا شكل فمه وهو ينطقُ بها، كان وكأنه يحارِب كي لا يبدو ممن «يصعب إرضاؤهم».) أيضًا تشير السيدة مورين إلى الرسالة التي تركَها السيناتور أوباما عند حائط البُراق ببيت المقدس، والتي قيل إنه كتب فيها دعاءً لله بأن يحميَه من الكبرياء.

هل كان دارسي سيحذو حذو باراك في هذا؟ أقول لا، ليس قبل أن يقابل إليزابيث بينيت ويكسبَ ودها.

وبهذا أصل إلى ما أريد قوله. لا أظن أن الناخبين الأمريكيين يمثلون إليزابيث بينيت، تلك الشخصية المفعَمة بالحيوية التي تُعَلِّم دارسي أن يستهزئ بنفسه، والتي، في المقام الأول، تجعله يصبح واقعيًّا.

ففي رأيي إن كان هناك شخصٌ يمثل إليزابيث بينيت فإن هذا الشخص هو ميشيل أوباما بلا شك. عندما قابل دارسي إليزابيث في مستهل رواية جين أوستين المحبوبة لم يأبه بها في البداية، حتى بدأ يلاحظ أن وجهَها تبدو عليه أمارات ذكاءٍ غير عادي بفضل ذلك التعبير الجميل المرتسم في عينَيها السوداوَين. (هل تتذكَّرون ما قاله الشاب الذي ذهَب يتدرَّب في سيدلي آند أوستن صيفًا عن عينَي مدربته؟)

وسلوك إليزابيث أيضًا يجذب دارسي، وسلوكها ليس كسلوك مَن ينتمون إلى الطبقة الراقية لكنه وقع في أَسْر مرحها التلقائي. (وهل يوجد من هو أكثر مرحًا من ميشيل؟ هل تتذكَّرون ما قالته عن جواربه؟ وهل تتذكَّرون اللقاء الذي أجراه برنامج «أكسيس هوليوود»؟ وهل تتذكرون ردَّ فعل أوباما؛ إذ ضحك وهزأ من نفسه بلا تكلف؟) ورغم الفرق الاجتماعي بين دارسي وإليزابيث — إذ إن دارسي هو مالك ضيعة بيمبرلي الغني في حين أن إليزابيث هي واحدة من خمس بناتٍ هم ذرية رجلٍ ينتمي لإحدى العائلات المحترمة بالريف لكن ملكيته موقوفة لمصلحة ورثته من أقربائه الذكور — فإن دارسي يمضي معظم الرواية في محاولة كسب ود فتاة أحلامه. في غضون هذا يتعلم كلٌّ منهما بعض الدروس؛ إذ يتعلم دارسي دروسًا في التواضع، وتتعلم إليزابيث ألا تصدر أحكامًا مسبقةً على الناس.

دون أن نخوضَ في الكوميديا الاجتماعية بكل ما فيها من تطورات وتغيرات وحكايات فرعية وشخصيات غير أساسية، أقول إننا إذا أردنا أن نشير إلى أي أوجه شبه فإننا يجب أن نقول إن باراك أوباما هو دارسي بعد أن فاز بهوى إليزابيث، وإن ميشيل أوباما هي إليزابيث بعد أن وقعَت في هوى دارسي.

في نهاية الرواية عندما كانت إليزابيث على وشك الزواج من دارسي قالت له: «الآن، لتكن صادقًا معي، هل تُحبني بسبب أنني جريئة؟»

أجاب خطيبها: «بل، لاتقاد ذهنكِ وقعتُ في أَسر هواكِ.»

هل تتذكرون ما يأتي: «حتى أضع حدًّا للتوتر، مِلتُ عليه قبل أن يخرج إلى المنصة مباشرة وقلتُ له «لا ترتكب مصيبة يا رجل!» ضحكنا. وبالفعل، عج المكان بتصفيق الناس له.»

وردَت تعليقات كثيرة جدًّا على مقال السيدة مورين عبْر الإنترنت لدرجة أن الجريدة رفضَت نشر أية تعليقات بعد هذا (وقد شعر عدد من الأصدقاء وأفراد الأسرة أنهم مضطرون لأن يرسلوا هذه التعليقات عن طريقي)، وفي الصباح نفسه الذي فتحتُ فيه صحيفة «تايمز» لأجد مقال السيدة مورين ذهبتُ بخمسة عشَر رطلًا من القهوة إلى رفاقٍ كنتُ قد تناولتُ العشاء معهم في الليلة الماضية.

كان بعض جيراني قد دعَوني إلى الانضمام لمجموعة من الأصدقاء قادمين من نيويورك. كان من بين مَن تناولوا العشاء معنا في تلك الليلة عددٌ ممن يؤيدون أوباما تأييدًا جارفًا. أثناء العشاء أخبرتُهم عن خلطة قهوة تُنتجها إحدى المزارع في كونيتيكت بمناسبة الانتخابات.

وحكيتُ لهم أنني علمتُ بأمر القهوة أثناء المسيرة الصغيرة التي قمنا بها في عيد الاستقلال. حينها قام أشخاص من مزرعة أشلوان فارم يرفعون شعاراتٍ ويرتدون زيًّا تنكريًّا بإلقاء الحلوى على الحضور ومعها بعض عبواتٍ صغيرة فِضية لامعة. العبوة التي طارت نحونا كانت وعاءً صغيرًا به قهوة. كان مكتوبًا على ملصق الوعاء ما يلي: «خلطة أوباما. خلطة محلاة من البن المحمص الفاتح والداكن جلبناها من جزيرة جاوة، ومن كينيا والأمريكتَين. إذا أردت أن تشعر بالتغيير فجربها.» كان على الملصق صورة لباراك أوباما تظهره في حالة تأمل وخلفه خلفية من الألوان الزرقاء والبيضاء والحمراء.

تنتج المزرعة أيضًا قهوة اسمها أمريكان هيرو كوفي. الملصق الموجود على عبوة هذه الخلطة تظهر عليه صورة جون ماكين منافس أوباما في الانتخابات الرئاسية، ومكتوب عليه ما يلي: «هذا البن محمص تحميصًا بسيطًا، وبه نسبة عالية من الكافيين. هذه الحبوب الفريدة القوية التي ستجدونها جديرة بثقتكم تُزرع على تلال فيتنام.»

طلب مني ضيوف العشاء أن أحضر لهم خمس عشرة عبوة على الأقل من عبوات خلطة أوباما لذا كان واجبًا عليَّ أن أذهب وأحضرها. استيقظَت كارول دالك التي تحمص البن في مزرعة أسرتها الرائعة حتى تعبئ البن. قالت لي كارول إنهم ابتدعوا فكرة خلطة أوباما لأنه «بدا أن تاريخه وخلفيته يجعلان المرء يفكر على الفور في خلطة القهوة». وقالت إنه حتى الآن تزيد مبيعات خلطة أوباما على مبيعات أمريكان هيرو كوفي بكثير. وقالت كذلك: «إن كان هذا استطلاعًا للرأي فإن [أوباما] يفوز بنسبة ٩٠٪. (إن أردت معرفة المزيد عن هذه القهوة فزر موقع FarmCoffee.com.)

في منزل صديقي؛ حيث اجتمع عددٌ من الضيوف في صباح ذلك الأحد، أحضرتُ لهم قهوة خليط أوباما وقاموا بإعدادها. قالوا إن لها مذاقًا حلوًا لكنها قوية جدًّا. واحدةٌ من الضيوف كانت امرأة أمريكية من أصلٍ أفريقي في الثمانين من عمرها عندما علمَت بأمر الكتاب الذي كدتُ أن أنتهيَ من كتابته قالت: «آه من ذلك الاهتمام بالزوجات»، مضت ترتشف قهوتها ببطء. ودار بيننا حوار عن حياتها كامرأةٍ أمريكية عاملة من أصلٍ أفريقي تربَّي ابنها وابنتها في نيويورك. حدثَتْني عنهما وقد صارا شابَّين في قمة النجاح، وقالت إن ابنها أخبرها منذ وقتٍ قريب أنه وصل إلى ما وصل إليه بفضلها هي. قالت: «لم أستطع أن أصدِّق ما قال. بفضلي أنا؟ كل ما فعلتُه هو أنني كنتُ دائمًا ما أخبرهما أنهما يستطيعان أن يفعلا ما يشاءان.»

هذا يردِّد صدى صوت ميشيل أوباما الفريد: «اتخذوا مكانكم على الطاولة.»

في الأسبوع التالي بدا أن صورة ميشيل أوباما لن تفارق أعيننا حقًّا، وليس بالمعنى المجازي للكلمة وحسب. إذ أجرت روبين روبرتس لقاءً معها في برنامج «جود مورنينج أمريكا» الذي يُذاع على قناة «إيه بي سي»، ثم ظهرَت بعد هذا في برنامج «نايت لاين». وإضافة إلى أنها ظهرَت في عدد سبتمبر من مَجلة الموضة «هاربرز بازار»، وذلك بأن جسدَت شخصيتَها عارضة الأزياء المرموقة تيرا بانكس، فقد علمنا أنه من المزمع أن تظهر هي بنفسها على أغلفة مَجلات «إيبوني»، و«إسنس»، و«ليديز هوم جورنال» (من المقرر أن تظهر مع زوجها في المَجلة الأخيرة.)

ويظهر عرضٌ للمقال الذي نشرَتْه مَجلة «ليديز هوم جورنال» في مدونة بعنوان «ميشيل أوباما: فتاة الغِلاف، فتاة الغِلاف، فتاة الغِلاف».

في هذا المقال قال باراك أوباما مجيبًا عن سؤال عمَّا تخطط ميشيل لفعله إذا أصبح رئيسًا: «ميشيل واحدةٌ من أذكى الأشخاص الذين عرَفتُهم (هل تتذكَّرون إعجاب دارسي باتقاد ذهن إليزابيث؟) هي مستشارتي الأولى وناصحتي الأمينة. وأنا لن أتخذ أي قراراتٍ مصيرية دون أن أرجع لرأيها.»5
ثم يواصل هذا الرجل — الذي كان لا يزال حينها رئيسًا مرتقبًا — حديثه قائلًا: «أرى أنها — ودعُونا نسمع رأيها فيما سأقول — ستكون على الأرجح مهتمة أكثر بأن تكون لها مجموعة من المشروعات تشبع اهتماماتها ورغباتها بدلًا من أن أُوكِلَ إليها بعض المسئوليات وأقول لها: «إليك هذه المسئوليات، قومي بها».»6

وافقَته زوجته الرأي. قالت: «هناك عددٌ كبير جدًّا من القضايا تثير اهتمامي بقوة، لكن فكرة الجلوس على مائدة مع مجموعة من مستشاري السياسات تجعلني أتثاءب، وأنا لا أقصد الإساءة لأحد»، هذا ما قالته بصراحتها المعهودة.

أضافت: «أحب الإبداع. وسيُسعدني أن أعمل مع الشباب. سيُسعدني أن أدخل في عددٍ أكبر من الحوارات مع زوجات العسكريين. وقد تعلمتُ ألا أسمح للناس بأن يدفعوا بي للقيام بأمور لا تلائمني.»7

في الحوار الذي أجرَتْه روبين روبرتس في برنامج «جود مورنينج أمريكا» على قناة «إيه بي سي» في السابع من أغسطس أثارت ميشيل عددًا كبيرًا من الموضوعات بدءًا من الحياة تحت سمع وبصر المجتمع الذي لا يغفُل ووصولًا إلى الأمور التي تستهويها. وينتهي اللقاء بمقولة تشبه المقولات التي اعتدنا سماعها من ميشيل.

قالت روبين روبرتس: «رغم الأجواء العصيبة التي خيمَت على الحملة وما تبع هذا من إثارةٍ إعلاميةٍ فإن قدمَيها لا تزالان راسختَين في الأرض.»

وردَّت عليها ميشيل، محاولة التعبير عن نفسها: «أنا ميشيل أوباما، أعيش في شيكاغو. وأنا متزوجة من هذا الشاب باراك. هذا كل ما هنالك. وهذه هي نظرتي لنفسي.»8

إن الأمر بهذه البساطة. ميشيل لم تُولَد وفي فمها ملعقة من ذهب، هي واقعية، وذكية، وصريحة، وفريدة من نوعها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦