الفصل الحادي عشر

نهاية السباق

نحو خط النهاية

جاءت نهاية شهر أغسطس وبداية شهر سبتمبر حاملتَين معهما المؤتمرات، ولوهلة بدا كما لو أن أمريكا قد بدأَت تسير في الطريق الأمثل إذ كان كلا الحزبَين يبذلان كل طاقتهما لدعم مرشحَين يَعِدان بتغيير الوضع الراهن الشديد السواد. بل إن مجرد وجود اسم باراك أوباما في قمة لائحة مرشَّحي الحزب الديمقراطي هو تجسيد للتغيُّر؛ فحسبما كتب روجر كوهين في مقال نُشر في صفحة الرأي بجريدة «نيويورك تايمز» تحت عنوان «قصص أمريكية»، فإن «هُوية أوباما في حد ذاتها تمثل لونًا من ألوان التصالح»، وفي الوقت نفسه أثبت جون ماكين صحة ما جاء عنه في الإعلان بأنه مجدِّد باتخاذه خطوةً لم يتوقع إلا قليلون أن تتخذها المؤسسة المحافظة في وقتٍ قريب؛ إذ إنه دعا امرأة لتكون نائبةً له.1

وكانت ميشيل أوباما هي من حدَّدَت طبيعة أجواء مؤتمر الحزب الديمقراطي؛ إذ ألقت خطبة في الفترة المسائية التي تحظى بأعلى نسبة مشاهدة، وتابع هذه الخطبة نحو سبعة عشر مليون مشاهد، في هذه الخطبة أوضحَت ميشيل كيف أنها «واحدةٌ منا»، على حد تعبير أعضاء الحملة. وقد نطقَت بالكثير من العبارات التي لا تُنسى في هذه الخطبة التي لم تستغرق سوى عشرين دقيقة، لكن الأهم هو أنها نطقَت بالرسالة التي أرادت إيصالها للناس بلهجةٍ قاطعة، هذه الرسالة هي: «لهذا أحب هذه البلاد.»

كانت ميشيل متألقة في تلك الليلة؛ إذ كانت لبقةً وودودة، وبدت أنيقةً في فستانها الأخضر الضيق، وهي تتحدث عن والدَيْها وأخيها وعن أنها وزوجها يُعَدان تجسيدًا للحلم الأمريكي، وعن الرجال والنساء الذين مهَّدوا طريق وصول زوجها للبيت الأبيض وعن «الرابط الذي يجمع بين قلوبنا»، ولم يكن في حديثها أدنى أثر للمرارة.

وقُرب نهاية خطبتها تحدثَت عن نفسها وعن باراك ودورهما كأبٍ وأم، وأوضحَت أن الآمال والأحلام التي يعقدانها على ابنتَيهما تعكس الآمال والأحلام التي يعقدها كل الآباء على أبنائهم. في الليل، حين تغطي ابنتَيها وهما في فراشهما تفكر «كيف أنهما في يوم من الأيام ستكون لهما أسرهما المستقلة، وفي يوم من الأيام ستحكيان هما وأبناؤكم وبناتُكم لأبنائهم عما فعلناه معًا في هذه الانتخابات. سيخبرونهم كيف أننا في هذه المرة أصغَينا السمع لآمالنا بدلًا من أن نُصغيَه لمخاوفنا. وكيف أننا هذه المرة قرَّرنا أن نكُف عن الشك ونبدأ الحُلم، كيف أننا هذه المرة ألزمنا أنفسنا بأن نبنيَ العالم ليصبح على ما يجب أن يكون عليه، وأن هذا حدث بالفعل في هذا البلد العظيم الذي استطاعت فيه فتاةٌ قادمة من المنطقة الجنوبية من شيكاغو أن تلتحق بالجامعة وبكلية الحقوق، وابنٌ من أمٍّ عزباء من هاواي يمكن أن يشق طريقه إلى البيت الأبيض؛ التزمنا ببناء العالم على النحو الذي ينبغي أن يكونه.»2
وانهال عليها المدح. وحسبما قال ديفيد أكسلرود كبير المخططين لحملة أوباما فإن «موقف الناس تغيَّر فور أن أُتيح لها منبر تتمكن من تقديم نفسها عليه.»3 وجوان ويليامز الذي كان ينتقد أوباما وزوجته وصف خطبة ميشيل على قناة «فوكس نيوز» بأنها «مبهرة» وعلى قناة «سي إن إن» قال ديفيد جيرجين: إن ميشيل «أنقذَت الموقف؛ يجب أن يشعر الديمقراطيون بامتنانٍ كبير لها.» وماذا كان رأي أريانا هافينجتون مؤسِّسة موقع «هافينجتون بوست»؟ «أحسنت للغاية … بالخطبة مشاعر مرهفة وعميقة وصادقة جدًّا.»
أما بايرون يورك مراسل مَجلة «ناشونال ريفيو» المحافظة لدى البيت الأبيض فقد بدا أقل اقتناعًا بصدق رسالتها، مع أنه بدا مقتنعًا بأن ميشيل أدت مهنتها على ما يُرام. فقد كتب يقول: «لدى السيدة ميشيل مهمة تقوم بها هنا في دنفر. وهذه المهمة ليست قاصرةً على تعريف الأمريكيين بأسرة أوباما، أو كشف جانبٍ جديد من جوانب شخصية زوجها. بل تتمثل هذه المهمة في أن تستردَّ سمعتها الطيبة بأن تمحوَ أثر الغضب والاستياء من خطبها العامة، وتَظهر للناس في صورة شخصٍ حكيمٍ محب لبلده يعيش الحلم الأمريكي، كان هذا هو الغرض من الخطبة التي ألقتها في المؤتمر.»4

لم تأتِ ميشيل بأفكارٍ مختلفة في هذه الخطبة؛ فرسالتها دائمًا ما تدور حول الحلم الأمريكي وما يمكن للأمريكيين أن يحققوه عن طريق التعاون والاجتهاد؛ كل ما حدث هو أنها حسَّنَت من طريقة تعبيرها عن هذه الرسالة. رجعتُ بذاكرتي إلى ما كانت قد قالته في برنامج «ذا فيو» حين كانت تستقي بعض الدروس من السيدة الأولى لورا بوش؛ إذ قالت إن الناس يحبونها لأنها ليست من هواة سكب البنزين على النار.

بالطبع تبع هذا الكثير من الخطب التي لا تُنسى بما في ذلك الأداء الرائع لكلينتون وزوجته، ولجو بايدن المرشَّح لمنصب نائب الرئيس، والخطبة التي ألقاها السيناتور أوباما نفسه أمام حشد بلغ عدده ٧٥٠٠٠ شخصٍ في تاريخٍ موافق لتاريخ اليوم التالي لإلقاء القَس الدكتور مارتن لوثر كينج خطبته الشهيرة «عندي حُلم» قبل خمسة وأربعين عامًا.

بعد هذا، وفي اليوم الذي تلا ختام مؤتمر الحزب الديمقراطي، قدَّم السيناتور ماكين للعالم نائبته، وكان اختياره مفاجئًا للجميع؛ فنائبته هي سارا بالين الحاكم السابق لولاية ألاسكا التي لم يسمع عنها الناس كثيرًا. هذه المرأة التي وصفَت نفسها بأنها أم تصطحب أبناءها من مباريات الهوكي وإليها، أضافت لمسةً جديدة تمامًا للساحة السياسية. وذهبَت الأعمدة المبنية على الطراز اليوناني والخطب الرنانة مع الريح، وبدأنا نسمع حديثًا عن العاملين الكادحين الذين يصدقون دائمًا تصريحات الحكومة، وعن الفقراء، وعن الكلاب، وأحمر الشفاه. وسمعنا عباراتٍ ساخرة عن منظمي المجتمع الأهلي، وعباراتٍ أشد سوءًا عن الأشخاص الذين «يصادقون الإرهابيين»، وعباراتٍ أخرى أكثر بذاءة يعفُّ اللسان عن ذكرها.

وعندما بدأ الاقتصاد يتدهور صارت الخطب أكثر انفعالًا واتقدَت مشاعر الحشود الذين يحضرون المؤتمرات السياسية أكثر، فكانت تصدر صيحات مثل «إرهابي» و«اقطعوا عنقه» و«اقتلوه!»، وفجأة احتدمَت الخلافات احتدامًا شديدًا وكاد الوضع أن ينفجر.

وزادت المناظرات من قوة الإحساس بأن الأمور أوشكَت على أن تصل إلى ذروتها، وخاصة المناظرة التي عُقدت بجامعة بيلمونت بولاية تينيسي في بداية شهر أكتوبر؛ إذ بدا أن السيناتور ماكين فقد القدرة على أن يتقبل منافسه، وبدا راغبًا عن أن ينظر في عينَيه أو يتحدث إليه مباشرة، وأشار إليه بعبارة: «هذا الشخص».

عندما انتهت المناظرة لحقَت الزوجتان بزوجَيهما على المِنصة. أخذ أوباما وزوجتُه يتجولان ويصافحان الحضور ويتحدثان معهم؛ أما ماكين وزوجته فقد غادرا فجأة بعد أن صافح السيناتور ماكين عددًا قليلًا من الحضور (وكانت زوجتُه واقفة خلفه تضع يدها خلف ظهرها).

إنجريد جاكسون، إحدى مَن حضروا المؤتمر مِن المستقلين، قالت لصحيفة «نيويورك تايمز»: «صدمني جدًّا رحيل ماكين مباشرة، بل إن بعض أشد المولَعين بماكين من بيننا اندهشوا جدًّا من أن ماكين فعل هذا. أظن أنه تبيَّن في النهاية أن أوباما وزوجته أكثر إنسانية.»5

في غضون هذا كان القائمون على الحملات يصدرون إعلاناتٍ سلبية جدًّا، وكانت البورصة تشهد تذبذبًا شديدًا لم ينتهِ رغم موافقة الحكومة على أكبر خطة إنقاذٍ مالي في التاريخ، وبدا الجو العام مشحونًا جدًّا.

عندما تابعتُ برنامج «تووك أوف ذا نيشن» على الإذاعة الوطنية العامة «إن بي آر» وسمعتُ فتاة اسمها سوزي تتصل وتقول إنها انزعجَت جدًّا من التوجهات السلبية التي سادت الحملات، ومن اللهجة التي لاحظَتْ وجودها في الخطب التي أُلقيَت في المؤتمرات السياسية، وفي جميع النقاشات التي دارت حولها تقريبًا. قالت: «نحتاج لأن نتعلم كيف نحسِّن سلوكنا.»6
ربما لو كان كلا الطرفَين قد تعاملا بالدرجة نفسها من الحدة لخرجَت الأمور عن السيطرة، لكن طَوال الحملة ظل السيناتور أوباما رابط الجأش. فحسبما يقول ديفيد بروكس الكاتب المحافظ بصحيفة «نيويورك تايمز»: «ظلِلنا نتابع باراك أوباما لمدة عامَين حتى الآن، وطَوال هذا الوقت لم يفقد السيطرة على نفسه أمام الناس قط. ساد هذه المدة الاضطراب والصراع والإجهاد والأزمات. ومع هذا فلم تمضِ لحظةٌ واحدة أظهر فيها غضبًا أو استياءً أو قلقًا أو مرارة، ولم ينجرف مرةً واحدة خلف مشاعره، ولم يسكب الدمع، أو يَرثي لحاله، أو يندفع في تصرُّفه.»7

يمكن القول إن هذا ينطبق على زوجته أيضًا. ميشيل أوباما التي تعرضَت لانتقادات من قبلُ لأنها كانت «لاذعة» ولأنها تبدو «ساخطة»، كانت هي الأخرى رابطة الجأش طَوال مدة هذه المعركة المحمومة، وإن كانت تُواجه أشخاصًا يُطلقون صيحات تهديد لزوجها. أثناء اللقاء الذي أجراه برنامج «لاري كينج لايف» سُئلَت هل شعرَت بالإهانة عندما نادى السيناتور ماكين زوجها ﺑ «هذا الشخص»، قالت: «كلا.»

قالت: «الناس لا يهتمون بالمناورات التي تتم بين المرشَّحين. فهم يريدون حلولًا واقعية لإصلاح الاقتصاد، ولزيادة الاستفادة من خِدمات الرعاية الصحية.» (وأنا أستمع إليها تذكرتُ النقد الذي وُجه لها منذ شهور عندما قالت إن حياة الأشخاص العاديين ظلت تسير من السيئ للأسوأ طَوال حياتها. فهذه العبارة لم تعُد تبدو لاذعة جدًّا في المدة التي سبقت الانتخابات بنحو شهر. وإن كان هذا التعليق يدل على شيء، فهو يدل على نفاذ البصيرة وصحة الرأي، خاصة عندما يُقارن بما قاله آخرون عن أن الاقتصاد «لا يزال قويًّا جدًّا».)

وعندما سألها كينج هل جُن جنونها عندما رأت مقطع الفيديو الذي تظهر فيه حاكمة ولاية ألاسكا، بالين، وهي تتحدث عن زوجها قائلة إنه «يصادق الإرهابيين الذين يستهدفون بلادهم.» قالت: «أنا لا أشاهد هذا المقطع.»

وعندما سُئلَت ما رأيها فيما فعلَته السيدة بالين من ترشح لمنصب نائب الرئيس رغم مسئولياتها الأسرية، رفضَت مرةً أخرى أن تهاجمها. وإنما مدحَت حاكمة ولاية ألاسكا لأنها أقدمَت على هذه الخطوة التي ستتطلب منها القيام بمهمتَين شديدتَي الصعوبة في آنٍ واحد، وقالت إن أحد الأسباب الرئيسية التي دفعَتْها هي وزوجها لأن يُقدِما على خطوة الاشتراك في هذا السباق هو أن تتمكَّن جميع النساء من أن يتخذن مثل هذه القرارات التي اتخذَتْها هي وسارا بالين.8
غير أن هناك آخرين لم يكونوا بهذه السماحة. فمدوَّنات الليبراليين كانت زاخرة بتعليقاتٍ قاسية حول ما رأى الكثيرون أنه نفاقٌ متأصل في قَبول الجمهوريين لبعض القرارات عندما يتخذها واحد منهم. وفي تحقيقٍ موسَّع نشرته صحيفة «يو إس إيه توداي»، عبَّرت امرأة، قالت إن اسمها كينثيا، عن هذه الانتقادات بطريقةٍ أقل حدة من بعض المدوَّنات؛ إذ قالت: «كل ما هناك أنني أتساءل كيف كان الناس سيعاملون أوباما لو كان لديه ابنة مراهقة وصارت هذه الابنة حاملًا؟ وكيف كان الناس سيعاملون ميشيل إن كان لها [ابن] من ذوي الاحتياجات الخاصة وتركَتْه مع مربية أطفال حتى تتمكن من القيام بجولات الدعاية الانتخابية؟ … أظن أن الناس يكيلون بمكيالَين وأنهم لم يطرحوا هذه الأسئلة.»9

لحسن الحظ أن المزاح دائمًا ما يمثل مخرجًا، وفي الأيام الأخيرة لم يغب الضحك عن الساحة، لا هو ولا الضغائن. ففي الليلة نفسها التي ظهرَت فيها ميشيل في برنامج «لاري كينج لايف»، ظهرَت في برنامج «ذا ديلي شو» الذي يقدِّمه جون ستيوارت. أعادت ميشيل بعض التعليقات التي قالتها للسيد كينج، مثل قولها إنها لا تشاهد المؤتمرات السياسية التي يعقدها الحزب الجمهوري، والتي بدأ الحضور فيها ينعتون زوجها بألقابٍ قاسية. وقالت لستيوارت إنها كفَّت عن «قراءة ومشاهدة الكثير من الكتابات والبرامج»، مما دفعه لأن يطرح سؤالًا ذكيًّا: «إذن أنت تُشبهين سارا بالين كثيرًا؟» أجابت ميشيل والجمهور يضحك: «ربما.»

أيضًا أقرَّت بأن هذه الحملة الانتخابية كانت حملةً طويلة مرهقة (فطَوال الأسابيع الأخيرة من الانتخابات لم تكُف عن السفر في أنحاء البلاد؛ إذ زارت في الأساس الولايات المحايدة التي لا ينتمي معظم ساكنيها لأحد الحزبَين، وشاركَت بدورٍ رئيسي في عددٍ كبير من الأمسيات، كثيرٌ منها مع أسر العسكريين)، وقالت إنها أحيانًا كانت ترحِّب بأن تأخذ قسطًا من الراحة في بعض الليالي حتى تتمكن من متابعة المسلسل الكوميدي «عرض ديك فان دايك»10 وحسب. قالت مشيرة إلى خدها: «استغرق هذا عشرين شهرًا، هذا كفيل بأن يجعل الدموع تنهمر.»11
طبعًا كانت هناك لحظات مرح أخرى قرب النهاية. فمن يستطيع أن ينسى سيل الدعابات المرحة التي ألقاها كلٌّ من السيناتور أوباما والسيناتور ماكين أثناء العشاء الذي نظَّمَته جمعية «آل سميث» الخيرية، أو سيل الفِقرات الكوميدية الرائعة التي أُذيعَت على برنامج «ساترداي نايت»؟ من ينسى مايا رادولف وفريد أرمايزن وهما يقومان بدور باراك أوباما وزوجته ويغنيان: «قيادتنا قوية، قوية كباراك»؟ ومن ينسى جون ماكين حين ظهر مع تينا فاي وهي تجسِّد شخصية سارا بالين وهما يبيعان تذكاراتٍ خاصة بالحملات الانتخابية على قناة «كيو في سي» الخاصة بالتسوق عبْر شاشة التلفاز (وكانت زوجته سيندي من ضيوف البرنامج إذ قامت بالترويج ﻟ «ماكين فاين جولد»)؟ ومن ينسى سارا بالين وهي تظهر بشخصها ووصفها مع تينا فاي وهي تمثل أنها هي الأخرى سارا بالين وذلك في فِقرة كوميدية مع أليك بالدوين؟ ومن ينساها وهي تحرك ذراعَيها لأعلى وأسفل في الهواء وآمي بوهلر تقول في برنامج «ساترداي نايت»: «على جميع مَن في المنزل من متمردين أن يرفعوا أيديهم»؟ ربما لا تكون حاكمة ولاية ألاسكا السيدة سارا بالين قد فازت بأية نقاطٍ في الخلاف الذي دار حول ما إذا كانت مؤهَّلة لتولي منصب نائب الرئيس أم لا، لكن معظم مَن شاهدوها في برنامج «ساترداي نايت لايف» في تلك الليلة (وكان عددهم نحو ١٤ مليون شخص) اتفقوا على أن نائبة ماكين مسلية بقَدْر ما هي شجاعة. فحسبما قالت أليساندرا ستانلي، المحررة في «نيويورك تايمز»، فإن: «الأمر الذي يستطيع الجميع أن يتفقوا عليه هو أن الحاكمة سارا بالين مؤهَّلة لأن تكون مذيعة ببرنامجٍ خاص بها في يوم من الأيام.»12

في غضون هذا كان التصويت قد بدأ، وكان عدد الحشود المصطفة خارج حجرات التصويت في جميع أنحاء البلاد غير مسبوق. سمعتُ امرأة في لوس أنجلوس تصف لإذاعة إن بي آر كيف أنها اضطُرت لأن تنتظر في الصف طَوال ست ساعات قبل أن تتمكن من التصويت، وأنها كانت سعيدة بهذا. ولنعُد إلى شهر فبراير حين ألقت ميشيل بالتصريحات الشهيرة عن أنها تشعر بالفخر بأمريكا لأول مرة، لقد أوضحَت ميشيل ما كانت تعني قوله قائلة إنها شعرَت بالسعادة لضخامة عدد الأمريكيين الذين اشتركوا في العملية السياسية. عندما شاهدنا الطوابير المصطفة خارج مراكز الاقتراع فهمناها. بصفتي أمريكية — وبصرف النظر عن انتماءاتي السياسية — كان صعبًا عليَّ أن أتابع هذا المشهد دون أن تتأثر مشاعري بفكرة أن كلًّا منا له رأي وأن الكثيرين منا اختاروا استغلاله هذه المرة.

وإضافة إلى المرح، والضغينة، والأنشطة الانتخابية التي لا تتوقف، والاقتراع، والتصويت المبكر، والقلق بشأن الاقتصاد، فإن الأيام الأخيرة من الحملة جلبَت معها أيضًا موجات التأييد. ففي اليوم الذي تلا ظهور حاكمة ولاية ألاسكا سارا بالين لأول مرة في برنامج «ساترداي نايت لايف»، أعلن كولين باول وزير الخارجية السابق في برنامج «مِيت ذا برِس» الذي يُذاع على قناة «إن بي سي» أنه ينوي أن يمنح دعمه للسيناتور أوباما. والجنرال كولين باول هو أمريكي ذو أصولٍ أفريقية ينتمي للحزب الجمهوري، وقد فكر ذات مرة في أن يرشِّح نفسه للرئاسة، وكان قد تبرع لحملة جون ماكين من قبلُ، وقد أقر أنه كان صعبًا عليه أن يخذل السيناتور ماكين على النحو الذي حدث ذلك الصباح.13

غير أن الجنرال المتقاعد قال إنه يعترض على بعض ممارسات حملة ماكين، خاصة عندما شبَّهَت الحملة السيناتور أوباما بالمتطرف ويليام أيرز. وأضاف أن السبب الرئيسي وراء ذلك القرار هو أنه انبهر بقوة شخصية السيناتور أوباما وبالذكاء الذي أظهره طَوال الأسابيع والأشهر السابقة للانتخابات، ووصفه بأنه «شخصٌ قادر على إحداث التغيير».

قال السيد كولين باول: «توصلتُ إلى أنه يمتلك كل المقومات لأن يصبح رئيسًا ناجحًا، بل رئيسًا رائعًا، وذلك لما يتمتع به من قدرة على إلهاب حماس الناس، ولما تمتعَت به حملته الانتخابية من قدرة على احتضان الجميع، ولأنه يتواصل مع الناس في جميع أنحاء البلاد، ولطبيعة خلفيته ومواهبه البلاغية.» وقد تنبأ أن فوز أوباما «لن ينعش رُوح بلادنا وحسب، بل رُوح العالم أجمع».14

في ٢٠ أكتوبر كشفَت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» عن دعمها لأوباما؛ إذ ورد فيها: «في يوم من الأيام قد نعود بنظرنا إلى هذه الحملة الانتخابية ونتعجب. قد نتعجب من أن نقاد أوباما وصفوه بأنه نُخبوي، وكأن تلقيَ المرء تعليمه في إحدى جامعات رابطة «آيفي ليج» أمرٌ مسبِّب للإحراج، ونتعجب من أنهم انتقصوا من قدر بلاغته، وكأن تمتع المرء بموهبة خطابية صار فجأة نقيصة. الحقيقة هي أن أوباما شخصٌ بليغ تلقى تعليمًا جيدًا، وهو يتمتع بالنضج والشجاعة والحكمة والقدرة على إثارة إعجاب الآخرين. إنه يمثل هذه الأمة كما هي، وكما تأمل أن تكون.»

وفي الأول من نوفمبر أعلنَت تيرا بانكس — التي كانت عارضة أزياء لامعة وصارت نجمةً تلفزيونية — تأييدها لأوباما، وهذه ليست مفاجأةً كبرى إذ إنها اختارت أن تقوم بدور ميشيل في الصورة التي عرضتها مَجلة «هاربرز»، لكن التأييد استمر يتدفق من جهاتٍ لم تخطر على بال.

فلأول مرة في تاريخ صحيفة «شيكاغو تريبيون» الذي يبلغ ١٦١ عامًا، تقوم هذه الجريدة بتأييد شخص ينتمي للحزب الديمقراطي في ترشحه لرئاسة الولايات المتحدة. ورد في الصحيفة: «إنه لمن دواعي فخرنا أن نضم اسم باراك أوباما إلى اسم لينكولن في قائمة الأشخاص الذين دعمَتْهم صحيفتنا. ربما بدا أن أوباما قد أفرط في الجرأة عندما بدأ حملته من مدينة سبرينجفيلد، مما أعاد إلى الأذهان صورة الرئيس الأمريكي الأسبق أبراهام لينكولن. نرى أنه أثبت في نهاية المطاف أن فعلَه هذا لم يكن فيه إفراط في الجرأة؛ إذ إنه أُتيحَت له فرصة تولي أرفع مناصب هذه الأمة.»15

ثم جاء دور المَجلة الأسبوعية البريطانية «ذي إيكونوميست». فبعد ظهر أحد أواخر أيام شهر أكتوبر ذهبتُ أحضر رسائلي من صندوق البريد، وأبهرني الغِلاف الجريء المعبِّر الذي اصطدمَت به عيناي. تظهر في الغِلاف صورة لباراك أوباما وهو يسير مطأطئًا رأسه مرتديًا بذلة سوداء وربطة عنق حمراء وخلفه خلفية بيضاء غير مزخرفة، وكان عنوان الغِلاف: «آن الأوان».

وإضافة إلى معركة الانتخابات الرئاسية القاسية بما فيها من تغيرات وتطورات، كان على أوباما وزوجته أن يواجها تقلبات الحياة العادية التي كانا يعيشانها قبل الانتخابات. فقبل الانتخابات بعشَرة أيام أعلنَت حملة أوباما أن المرشح سيحصل على إجازة لأيامٍ قليلة حتى يتمكَّن من السفر إلى هاواي ليزور جدَّته المريضة مرضًا شديدًا. وأخبر روبرت جيبس المتحدث باسم أوباما الصحفيين أن جدَّة أوباما مادلين دونهام البالغة من العمر ستة وثمانين عامًا «مرضَت، وفي الأسابيع الأخيرة تدهورَت صحتُها لدرجة أن حالتها صارت خطيرة جدًّا.»16

وشكَّك البعض في حكمة أن يأخذ باراك إجازة من الحملة الانتخابية في تلك المرحلة الحرجة، وقال آخرون إن هذا أمرٌ لا يحتاج إلى تفكير، فعندما يمرض شخصٌ تحبه فإنك تذهب لتطمئن عليه. كان السيناتور أوباما قد اتخذ قرارًا مختلفًا عندما تُوفيَت والدته ستانلي آن دونهام إثر إصابتها بسرطان المبيض عام ١٩٩٥م، وقد ندم ندمًا أليمًا على القرار الذي اتخذه. ويبدو أنه لم يكن مستعدًّا لأن يعرِّض نفسه من جديد لشعور الندم هذا.

ولحسن حظ الرئيس المرتقب، كان لديه بديلٌ كفء يثق به تمامًا. أعلنَت الحملة أنه في غيابه ستحلُّ ميشيل أوباما محله في المؤتمرات التي من المزمع عقدُها في ولاية أوهايو المحايدة المهمة.

بعد أسبوعٍ سمح أوباما وزوجته لنفسَيهما بأن يعيشا حياتهما العادية؛ ففي ٣١ أكتوبر عاد السيناتور أوباما بالطائرة إلى شيكاغو حتى يتمكَّن من مشاركة ابنتَيه في احتفال عيد القديسين. ومرةً أخرى، قال البعض إن ترك جولات الدعاية الانتخابية ولو لمدةٍ قصيرة يُعَد مجازفة، لكنه تجاهل هؤلاء المعارضين وشارك ابنتَيه هذه العطلة.

لكن كان هناك أناسٌ ليسوا على استعداد لأن يتركوا أسرة أوباما تحتفل كأية أسرةٍ طبيعية. فحسبما كتبَت ميشيل في موقع Blogher.com، ذهب باراك إلى إحدى حفلات عيد القديسين مع ساشا وهي مرتدية زيًّا خاصًّا بهذه المناسبة (كانت متنكرة في زي العروس الجثة، وكانت ماليا متنكرة في زي الجنية الشريرة، بدأَت مجموعةٌ كبيرة من المصورين تلتقط لهم الصور. طلب منهم أوباما أن يبتعدوا، وعندما رفضوا جرى هو وساشا بأقصى سرعتهما على الرصيف بعيدًا عنهم، وخلفَهما ركض رجال الأمن تاركين المصورين يتحدثون بغضبٍ عن سرعة انفعاله غير المعهودة عنه.17

اجتمعَت الأسرة في عطلة نهاية الأسبوع، ولحقَت الفتاتان بوالدَيْهما على المنصة في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو ليعقدوا مؤتمرًا انتخابيًّا سيشارك فيه بروس سبرينجستين. وقبل أن يبدأ غناء رائعته «ذا رايزينج»، ألقى بروس الملقَّب ﺑ «ذا بوس» (أي: الزعيم) كلمةً افتتاحية قال فيها إن أمريكا لا تزال «مكمن آمال الناس وأحلامهم»، وحثَّ فيها الجمهور على التصويت في يوم الانتخابات.

فجأةً بدأَت الأمطار تنهمر بغزارة. لكنَّ الطبيعة الأم نفسَها لم تَثنِ من عزم أوباما وزوجته مثلما لم يَثنِ المتشائمون والمعارضون من عزمه؛ فقد أصرَّ المرشَّح على أن «الشمس في سبيلها إلى الشروق. فتلك السحب لن تخيم على البلاد إلا قليلًا.»

لكن للأسف جاء اليوم التالي — الذي كان عشية الانتخابات — وقد امتلأَت سماء أوباما بغيومٍ كثيفة. إذ علم أن جدَّته الحبيبة خسرَت معركتَها مع السرطان وفاضت رُوحها.

وفي آخر ظهور لميشيل في الحملة الانتخابية طلبَت، والدموع تنهمر على وجنتَيها، من الحشد المجتمع في ضاحية ليتل تاون بولاية كولورادو أن يدعوا بالخير لجدة باراك التي كان يدلِّلها باسم «توت». وقالت: «احمَدوا لها صنيعَها في تربية باراك. أعتقد أنها قامت بهذه المهمة على نحوٍ مبهر.»18
أيضًا قاوم السيناتور أوباما دموعه وهو يتحدث إلى الحشد المجتمع في مدينة تشارلُوت بولاية نورث كارولاينا حاكيًا لهم كيف كانت جدَّته مصدر إلهام له بما قامت به من عملٍ شاق وتضحيات. قال: «لم يبقَ إلا يومٌ واحد وتُتاح لنا فرصة تكريم كل هؤلاء الأبطال المجهولين الموجودين في جميع أنحاء أمريكا. نستطيع أن نُحدث تغييرًا في أمريكا بحيث نضمن أن جهدهم وتضحياتهم نالا ما يستحقان من تعظيم. هذا هو ما نحارب من أجله.»19

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦