اجتياز خط النهاية
انتصار الأمل؛ الرابع من نوفمبر عام ٢٠٠٨م
رغم الأخبار الحزينة التي جاءت قبل يوم الانتخابات، فإن ذلك اليوم بدأ بدايةً مبشِّرة لأوباما وزوجته، ففي مدينة ديكسفيل بولاية نيوهامبشير أدلى الواحد والعشرون ناخبًا المسجَّلون بأصواتهم معًا بعد منتصف الليل بقليل. وأُعلنَت النتيجة بعد دقائق قليلة، وكانت كالتالي: هذه المدينة الصغيرة الواقعة في نيو إنجلاند — التي لم تؤيد الحزب الديمقراطي منذ عام ١٩٥٨م — أعطت ستة عشر صوتًا لباراك أوباما وجو بايدن في مقابل خمسة أصوات لماكين وسارا بالين.
وسار بقية اليوم على المنوال نفسه. كان عدد من شاركوا في عملية التصويت مرتفعًا، ومع طول الصفوف التي ظل الناس منتظرين فيها لساعات أمام مراكز الاقتراع في أنحاء البلاد، كانت هناك إثارةٌ شديدة تسود الأجواء، بما في ذلك أجواء المدرسة الواقعة في حي هايد بارك بمدينة شيكاغو حيث أدلى أفراد أسرة أوباما بأصواتهم. بعد أن أدلى أوباما بصوته وماليا مبتسمة بجواره، صاح في الناخبين المنتظرين: «أدليتُ بصوتي.» فصاح الحشد فرحًا وحماسًا.
استمرَّت أجواء الترقب في الزيادة عندما بدأَت مراكز الاقتراع تُغلق أبوابها، وعندما دقَّت الساعة الحادية عشرة مساءً وصار واضحًا أن السيناتور باراك أوباما انتُخب ليكون الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة غمرَت البهجة العالم. فرقص الناس في شوارع حي هارلم، والعاصمة الأمريكية واشنطن، ومدينة كيسومو بكينيا مسقط رأس جدَّة أوباما. وانطلقَت الصيحات والهتافات من البيوت في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك بيتنا.
ولن أنسى أبدًا منظر جيسي جاكسون الأب وهو واقف بين الحشد المجتمع في حديقة جرانت بارك بشيكاغو والدموع تغمر وجهه، وهو يضع طرف إصبعه في فمه ويشاهد أول أسرة لرئيسٍ أمريكي من أصلٍ أفريقي وهي تعتلي المِنصة، وأول رئيسٍ أمريكي من أصلٍ أفريقي منتخب يوجه خطابًا لأمته.
ولن أنسى أبدًا الحب الذي أعلن عنه الرئيس المنتخب بلا حرج إذ قال لأسرته الجميلة والعالم كله يشاهده: «لم أكن لأقف هنا من دون الدعم المستمر الذي ظلت ميشيل أوباما أفضل أصدقائي، وسكَن أسرتي، وحُب حياتي، والسيدة الأولى القادمة لهذه البلاد؛ تمنحني إياه طَوال الستة عشر عامًا الأخيرة.»
وواصل حديثه قائلًا: «ساشا وماليا، أحبكما حبًّا جمًّا. وقد فزتما بكلبٍ جديد سيأتي معنا إلى البيت الأبيض.»
ولن أنسى أبدًا الحزن الذي اعتلى وجَهه وهو يقول: «إن كان بيننا شخصٌ لا يزال يشك في أن أمريكا هي الأرض التي يمكن تحقيق أي حُلم عليها، شخصٌ يتساءل: هل أحلام أجدادنا لا تزال تحيا بيننا اليوم؟ وهل الديمقراطية التي نتمتَّع بها فعَّالة؟ فما حدث الليلة كفيل بالإجابة عليه.»
فكرتُ في الفتاة الصغيرة التي وصفَتْها ميشيل منذ أشهر، الفتاة ذات العشر السنوات التي قابلَتْها في صالون التجميل، والتي قالت لها إذا انتُخب زوجُها رئيسًا فإن هذا يعني أنها تستطيع أن تطلق العِنان لأحلامها. وفكرتُ في صديقة ابنتي التي تلعب الكرة، وفي الرسالة التي سيبعثُ بها نصر أوباما إليها، الرسالة التي تقول إن من حقوقها البديهية أن تنتزع المكانة التي تستحقها. فكَّرتُ في ميشيل روبنسون ذات العشرين عامًا التي تساءلَتْ في بحث قدمَتْه بالكلية هل ستظل تشعر دائمًا بأنها غريبة. فكَّرتُ في ميشيل أوباما التي قالت في فبراير الماضي إنها لأول مرة في حياتها تشعر حقًّا بالفخر ببلادها لأن الأمل بدا أنه يستعيد عافيته.
المستقبل مليء بالتحديات. أو — حسبما قال الرئيس المنتخب في ليلة الانتخابات — «الطريق أمامنا سيكون طويلًا. ورحلتنا ستكون شاقة. قد لا نصل إلى بغيتنا في سنة، بل قد لا نصل إليها في مدةٍ رئاسيةٍ واحدة. لكن، يا أمريكا، إنني لم أكن قط أكثر أملًا مني اليوم في أننا سنصل، وأعدُكِ بأننا، نحن الشعب، سنصل.»
في شهر يناير، عندما كانت الانتخابات التمهيدية في أَوْجها، وصلَتني رسالة بالبريد الإلكتروني من مدير مدرستي الثانوية، وهو الرجل الذي صار بعد هذا مدير مدرسة أبنائي الإعدادية ثم انتقل للعمل بمدرسةٍ أخرى. كتب المدير في رسالته إنه يشعر بإثارة لم يشعُر بها منذ وقتٍ طويل بفضل باراك أوباما وما يبعثه في النفوس من أمل.
نقرتُ على الرابط فوجدتُ مقدمة للأغنية يقول فيها المغني وكاتب الأغاني داف ستيوارت إنه ألف هو وبونو عضو فرقة «يو تو» النسخة الأصلية من هذه الأغنية عام ٢٠٠٢م. وأثناء تسجيل نسخةٍ جديدةٍ منها هذا العام بدا أن كلماتها «يتردَّد فيها صدًى جديد تمامًا.»
أوضح ستيوارت هذا قائلًا: «هذه الأغنية تضم الفقرات المفضَّلة لديَّ من خطبة الدكتور كينج التي ألقاها إلقاءً آسرًا الليلة السابقة لاغتياله.» في هذه الخطبة الأخيرة قال الدكتور كينج عبارته الشهيرة: «مثل الجميع، أود أن أحيا حياةً طويلة. فلِطول العمر مكانتُه في القلوب. لكن هذا لم يعُد يهمُّني الآن. فكل ما أريده هو أن أفعل ما يحبُّني الله أن أفعلَه. وقد سمح لي الله بأن أصعد الجبل. وقد نظرتُ من فوقه. ورأيتُ أرض الميعاد. ربما لا أصل إليها معكم. لكنني أريدكم أن تعلموا الليلة أننا، نحن الشعب، سنصل إلى أرض الميعاد.»
(مرة أخرى، قال باراك أوباما ليلة الانتخابات: «رحلتنا ستكون شاقة. قد لا نصل إلى بغيتنا في سنة. بل قد لا نصل إليها في مدة رئاسية واحدة. لكن، يا أمريكا، إنني لم أكن قط أكثر أملًا مني اليوم في أننا سنصل. وأَعِدكم بأننا، نحن الشعب، سنصل.»)
كتب ستيوارت يقول إنه عندما شرع في إعداد فيديو للنسخة الجديدة، لم يفعل هذا بدافع دعم باراك أوباما بقَدْر ما كان دافعه هو الاحتفال بالشعب الذي قطع خطوةً جديدة في طريق التعاون من أجل التغيير. قال: «أردتُ أن أُكرم هؤلاء الملايين من الناس، خاصة الشباب الذي يشعرون لأول مرة بأنهم قد مُكنوا من التعبير عن آرائهم.»
في الرابع من نوفمبر عام ٢٠٠٨م، لم يستردَّ الأمل عافيته وحسب، بل تُوِّج بإكليل النصر، والأرجح أن الأمل، ومعه الاجتهاد، سيحملاننا إلى الفصل التالي.