الفصل الرابع عشر

إرث ميشيل أوباما

كيف أثَّرت في مشاعرنا؟

لقد تعلمتُ أن الناس سينسَون ما قلتَه، وسينسَون ما فعلتَه، لكنهم لن ينسَوا أبدًا ما جعلتَهم يشعرون به.

مايا أنجيلو

عندما تنظر إلى شخصٍ ما وتحاول تقييم مساهماته في العالم، فإنك عادةً ما تفكر في قائمة من الإنجازات الملموسة. بالتأكيد، لدى السيدة الأولى ميشيل أوباما قائمتها الطويلة جدًّا. لكنَّ جزءًا لا يقل أهمية من إرث الشخص هو الإرث المعنوي. كيف جعلنا نشعر؟

هذا سؤالٌ معقد، لا سيما في بلدٍ مستقطبٍ للغاية، ولا شك أن الإجابة ستختلف اختلافًا كبيرًا من شخصٍ لآخر. ولكن بشكلٍ عام، من الصحيح القول إن معظمنا شعر بشعورٍ جيد تجاه ميشيل أوباما في ختام سنواتها الثماني كسيدةٍ أولى. نعرف ذلك لأن لدينا أداةً مصمَّمة لقياس هذه الأمور: ما يُسمى بالتقييمات الإيجابية.

عندما غادرَت ميشيل أوباما البيت الأبيض في أوائل عام ٢٠١٧م، بلغَت نسبة التأييد لها ٦٨٪، وَفقًا لمؤسسة جالوب، ما يعني أن ما يقرب من ٧٠٪ من السكان ينظرون إليها بإيجابية. وكانت نسبة التأييد للسيدة الأولى أعلى بعشر نقاطٍ كاملة من نسبة التأييد لزوجها البالغة ٥٨٪، وذلك أثناء استعداده لمغادرة منصبه. بالنسبة للسيدات الأُوَل، لم يكن التقييم النهائي لميشيل الأعلى في التاريخ الحديث، بل كان من نصيب لورا بوش، التي غادرَت البيت الأبيض بنسبة ٧٦٪ (مقارنةً بنسبة ٤٠٪ لزوجها في ذلك الوقت)، لكنها (ميشيل) كانت أعلى بعشر نقاط من نسبة ٥٦٪ التي حصلَت عليها هيلاري كلينتون عندما غادرَت البيت الأبيض عام ٢٠٠٠م. وظلت تقييمات ميشيل إيجابية باستمرار طَوال سنوات زوجها الثماني في المنصب. المرة الوحيدة التي انخفضَت فيها النسبة إلى أقل من ٥٠٪ كانت في مايو ٢٠٠٨م، قبل أشهر من انتخاب زوجها رئيسًا لأول مرة، عندما لم يكن الناس يعرفون من هي حقًّا.1
بصرف النظر عن التقييمات، ربما كانت البيانات الأكثر دلالة حول ما أثَّرت فيه ميشيل على مشاعرنا قد جاءت من مصادرَ أخرى. في صباح اليوم التالي لفوز دونالد ترامب غير المتوقع، وبينما كان العالم يتأثَّر بخبر فوزه، وليس هيلاري كلينتون كما كان متوقعًا على نطاقٍ واسع، ضجَّت وسائل التواصل الاجتماعي بظاهرةٍ جديدة. كان هاشتاج #Michelle٢٠٢٠م رائجًا.
جاء في إحدى التغريدات: «عزيزتي ميشيل أوباما MichelleObama،2 أعلم أنكِ أردتِ إنهاء علاقتكِ بالبيت الأبيض، لكننا سنحتاجكِ للترشح للرئاسة بعد ٤ سنوات.»
وجاء في تغريدةٍ أخرى: «ميشيل، إذا ترشحتِ للرئاسة عام ٢٠٢٠م، فسآكل كل خضراواتي وأتفوق دراسيًّا، من فضلكِ يا FLOTUS3،4
ابحثي في جوجل عن Michelle Obama ٢٠٢٠م، فستظهر لكِ مجموعات «فيسبوك» متنوعة مخصَّصة لهذه القضية، ومجموعة كبيرة من قمصان Michelle ٢٠٢٠م للاختيار من بينها. (أحصيتُ ما لا يقل عن ٢٥ رواية مختلفة.)
في الأسابيع والأشهر التي تلت انتخابات عام ٢٠١٦م، ازداد النقاش حدةً لدرجة أن السيدة ميشيل تدخلَت في النهاية. خلال جلسة أسئلة وأجوبة في المؤتمر السنوي للمعهد الأمريكي للمهندسين المعماريين في أورلاندو في أبريل ٢٠١٧م، سُئلَت عما إذا كانت ستفكِّر في الترشُّح لمنصبٍ عام. أجابت بالنفي، مضيفةً أنها «لن تطلب من طفلتَيها تَكرار ذلك».5
في الحقيقة، طُرح الموضوع علنًا حتى قبل انتقالها هي وزوجها من البيت الأبيض، عندما طَرحَت مقدمة البرامج الحوارية أوبرا وينفري، خلال مقابلةٍ وداعية في ديسمبر ٢٠١٦م، السؤال الذي كان يدور في أذهان الجميع. هل ستترشَّح لمنصبٍ عام؟ كان جواب ميشيل: لا، وللسبب نفسه: لن تُعرِّض عائلتها لذلك. كما أخبرَت أوبرا أنها تعتقد أن من يريدون ترشحها متفائلون فحسب. ثم أضافت: «الأمل جميل»، وهو تعليقٌ ربما ألهم بعض متابعي #michelle ٢٠٢٠م مواصلة التفاؤل.6

فما الذي جعل ميشيل أوباما محبوبة لدى الكثيرين، لدرجة أنهم تمنَّوا بشدة أن تترشَّح للرئاسة؟ (بالتأكيد، كان لديها أيضًا منتقدوها الذين كانوا سعداء للغاية برحيلها عن البيت الأبيض؛ هل تذكرون نسبة اﻟ ٣٢٪ غير المؤيدين؟ سنتحدث عنهم لاحقًا.)

لعل أعظم أداة كانت تتمتع بها السيدة ميشيل هي قدرتها المذهلة على التواصل مع الناس، سواء من خلال خطابٍ من على مِنصة وطنية موجَّه إلى الجماهير أو خلال لقاءٍ شخصي مع جمهور من شخصٍ واحد. صوتها الفريد والأصيل تمامًا، وإلقاؤها الماهر، ورسالتها الشمولية، ودفؤها الصادق، أثَّر في الناس وجعلَهم يشعرون أنها تراهم وتسمعهم حقًّا. أو كما قالت فاليري جاريت، كبيرة مستشاري زوجها وصديقتها المقرَّبة، قُبيل مغادرة السيدة الأولى البيت الأبيض: «لديها قدرةٌ استثنائية على مقابلة الناس أينما كانوا. وأعتقد أن ذلك صعبٌ من فوق منبر البيت الأبيض. لكنها لم تصعد إلى هذا المقام قط!»7
تُرجم ذلك الدفء وتلك القدرة على «التواصل مع الناس أينما كانوا» إلى أفعال في البيت الأبيض في عهد أوباما. كان من أوائل ما فعله الرئيس والسيدة الأولى عند انتقالهما إلى منزلهما الجديد أنهما فتحا أبوابه للجمهور. أطلقا على منزلهما اسم «بيت الشعب»، واستقبلَت العائلة الأولى أكثر من ٦٠٠ ألف زائر في ذلك العام الأول وحده، وهو أكبر عدد في عامٍ واحد منذ هجمات ١١ سبتمبر. في بعض الأحيان، كان الرئيس والسيدة الأولى — برفقة كلب البيت الأبيض، بو — يفاجئان زوار البيت الأبيض دون سابق إنذار خلال جولاتهم، وهي عادة استمرت طَوال سنوات إقامتهما الثماني.8

ومن خلال برنامجها الإرشادي للفتيات، دعت السيدة الأولى الشابات إلى البيت الأبيض شهريًّا كي يتمكنَّ من التعاون مع زميلاتهن والتعلم منهن، وليتمكنَّ أيضًا من التدرب على دخول البيت الأبيض حرفيًّا، وهو عملٌ قد يكسر الحواجز الرمزية أمام هؤلاء الشابات في السنوات القادمة. كما دعت الأطفال للعمل معها في حديقة مطبخ البيت الأبيض، ولإعداد مآدب عَشاء رسمية، ولحضور فعالياتٍ موسيقية ومسرحية.

بالنسبة لميشيل، كان المنزل الذي سكنَتْه هي وعائلتها لمدة ثماني سنوات ملكًا للبلد بأكمله. ها هي في رسالةٍ ترحيبية عندما كشفَت عن جولةٍ افتراضيةٍ جديدة في القاعات العامة بالبيت الأبيض: «البيت الأبيض ليس مجرد موطن لعائلات الرؤساء أو مساحة لاجتماع قادة العالم. إنه يُعرف أيضًا باسم «بيت الشعب»، وهو مكانٌ يجب أن يكون مفتوحًا للجميع؛ لذا، تفضَّلوا، انظروا حولكم، واستمتعوا بتاريخ وجمال القاعات. لأنه، في النهاية، هذا بيتكم أيضًا.»9

الدفء والانفتاح اللذان أبدتهما السيدة ميشيل جعلا الآخرين يشعرون بالدفء تجاهها أيضًا. هل تذكُرون فيديو لقاء السيدة الأولى بملكة إنجلترا؟ أُصيبَت وسائل الإعلام، وخاصة الصحافة البريطانية، بصدمةٍ بالغة عندما شاهدوا لقطات الملكة إليزابيث الثانية وهي تضع ذراعها حول خصر ميشيل أوباما، ورد السيدة الأولى عليها بالمثل. اعتبر العديد من المراقبين أن تصرُّف السيدة الأولى؛ أي لمس الملكة، يُعد خرقًا للبروتوكول. لكن ما أثار انزعاج تشارلز موسلي، مراقب الشئون الملكية البريطانية ومؤلف كتاب «الدم الملكي»، لم يكن تصرفَ السيدة أوباما، بل ما فعلَته ملكتُه المعروفة بعزلتها. وفي حديثه لبرنامج «أمريكان مورنينج» على قناة «سي إن إن»، قال موسلي:

المثير للدهشة هو صورة الملكة وهي تضع ذراعها حول ميشيل أوباما، وذراع ميشيل أوباما حول الملكة أيضًا. لكن الملكة هي من بادرَت بالخطوة الأولى. وهذا هو الأمر الأكثر إثارة للدهشة؛ لأن الملكة ليست معروفة بحساسيتها المفرطة. في الواقع، اشتكى ابنها، الأمير تشارلز، في إحدى المرات من أنه لم يُمنح ما يكفي من الحنان عندما كان طفلًا … إنها لفتةٌ بالغة الأهمية … على حد علمي، هذا خرقٌ لبروتوكول البيت الأبيض.10
حتى إن السيدة ميشيل كانت مرحِّبة في الأوقات التي ربما كانت تفضل ألا تكون كذلك. ربما لم يُعبِّر أي شيء عن هذا الكرم بقَدْر ما عبَّر عنه وصول الرئيس المنتخب ترامب وزوجته إلى البيت الأبيض يوم التنصيب عام ٢٠١٧م لتحية الزوجَين الأولَين والتقاط الصور التَّذكارية قبل الحفل الرسمي في مبنى الكابيتول الأمريكي. وعندما وصل موكب عائلة ترامب أمام البيت الأبيض، ترجَّل الرئيس المُرتقب من السيارة وبدأ يصعد الدرَج منتظرًا زوجته للانضمام إليه، وهو سهوٌ أثار ضجةً إعلامية. نشرت مَجلة «تاون آند كانتري» مقالًا بعنوان «دونالد ترامب هو الرئيس الوحيد الذي لم يرافق زوجته إلى البيت الأبيض»، وقد جُمعَت مقاطع فيديو لرؤساء سابقين منتخَبين وهم يصلون إلى البيت الأبيض يوم التنصيب. انتظر الجميع زوجاتهم قبل أن يصعدوا معًا، متشابكي الأذرع، درجات البيت الأبيض للقاء الرئيس المنتهية ولايته والسيدة الأولى السابقة.11
كما انتقدَت صحيفة «ديلي ميل» طريقة تعامل ترامب مع دخوله البيت الأبيض بعد التقاط الصورة مع عائلة أوباما. وذكرَت الصحيفة البريطانية أن الرئيس المنتخَب «اندفع عبْر الباب الأمامي، تاركًا ميلانيا برفقة الرئيس السابق والسيدة الأولى».12

لكن الرئيس أوباما والسيدة ميشيل لم يتردَّدا لحظة؛ إذ تقدَّما ليمسكا بذراع السيدة الأولى المرتقبة، بينما لم يفعل زوجها ذلك. وعندما بسطَت السيدة ترامب يدها لمصافحة السيدة أوباما، انحنَت السيدة الأولى المنتهية ولايتها لاحتضان السيدة القادمة، وقبَّلَتها على خدَّيها. هذا اللطف يبرُز أكثر عندما نأخذ في الاعتبار أن دونالد ترامب كان من أكبر مروِّجي شائعة أن الرئيس أوباما لم يُولَد في أمريكا، وهو مجرد واحدٍ من عدة إجراءات كان من الممكن أن يعترض عليها الرئيس المنتهية ولايته والسيدة الأولى. ولكن كما قالت السيدة ميشيل مرارًا وتَكرارًا — وأظهرَت ذلك مرارًا وتَكرارًا — «عندما ينحدرون، نرتفع».

تُلقي رؤية السيدتَين الأوليَين، القادمة والمغادرة، ميلانيا ترامب بفستانها الأزرق الباهت مع قفازات زرقاء باهتة متناسقة، وميشيل أوباما بفستانها الأحمر ذي الحزام من تصميم جيسون وو، وهما تقفان جنبًا إلى جنب، وذراع كلٍّ منهما حول خصر الأخرى لالتقاط صورة «التسليم» الضوء على طريقةٍ أخرى لتواصل السيدة أوباما مع الناس. فرغم بساطة الأمر، إلا أن الملابس والإكسسوارات وتسريحات الشعر جذبَت الناس إليها، وفي كثيرٍ من الأحيان جعلَتهم يرغبون في تقليدها. وكما كتبَت ليا بورن في مقالها «٧ طرق لا جدال فيها غيَّرت بها ميشيل أوباما طريقة لباسك»، المنشور في مَجلة «جلامور»، «ما جعل أوباما رمزًا قويًّا للأناقة خلال فترة وجودها في البيت الأبيض هو التلميح الذي وجَّهته ملابسها للنساء في كل مكان: أنتِ أيضًا يمكنكِ أن تكوني بهذه الروعة».13
بالنسبة للشركات التي صمَّمَت ووزَّعَت الملابس التي اختارت السيدة ميشيل ارتداءها، فإن هذا «التلميح» قد يُعَد ثروة. في دراسةٍ لمَجلة «هارفارد بيزنس ريفيو»، قام ديفيد يرماك، أستاذ المالية في كلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك، بفحص ١٨٩ زيًّا ارتدتها السيدة ميشيل بين نوفمبر ٢٠٠٨م وديسمبر ٢٠٠٩م. وفي الوقت نفسه، تتبَّع يرماك أداء أسهم الشركات المصنِّعة لتلك الأزياء، وكانت نتائجه مُذهلةً للغاية. قال يرماك: «كان من اللافت للنظر حقًّا مدى تأثير السيدة ميشيل على صناعة الموضة أكثر من أي شخصيةٍ مشهورة أخرى تقريبًا في سياقٍ تجاري مماثل.» وأضاف: «سيكون هذا أمرًا دائمًا. لن تنخفض أسعار الأسهم في اليوم التالي. لذا، بالنسبة لشركةٍ عادية في مناسبةٍ عادية، فإن ارتداء السيدة ميشيل لملابسها سيُترجم لقيمةٍ سوقية تقدَّر بحوالي ٣٨ مليون دولار أمريكي.»14 أدى ذوق السيدة ميشيل في الأناقة — ورغبة الناس في تقليده — إلى عوائدَ تجاريةٍ أخرى أيضًا. خلال سنواتها في البيت الأبيض، أسهمَت في بيع عددٍ لا يُحصى من المَجلات التي اختارت وضع صورتها على أغلفتها، وكان ذوقها في الموضة موضوعًا لأربعة كتب على الأقل: «أيقونة يومية: ميشيل أوباما وقوة الأناقة» لكيت بيتس؛ «ميشيل أوباما: السيدة الأولى للموضة والأناقة» لسوزان سويمر؛ «قائدة في الأناقة: دليل كل امرأة لإدارة أناقتها كالسيدة الأولى» لميكي تيلور؛ «السيدة أو: وجه ديمقراطية الموضة» لماري بيون.

قد يُثير تغيير تسريحة الشعر ضجةً في صالونات تصفيف الشعر في جميع أنحاء البلاد، كما حدث عندما ظهرَت السيدة الأولى في حفل تنصيب زوجها الثاني متألقةً بما عُرف سريعًا باسم «غرة أوباما». وبالمثل، أشعلَت، بمفردها تقريبًا، نهضةً في فساتين اﻟ «شيت» بدون أكمام، وأعادت صيحة سترات الكارديجان، وجعلَت من «إطلالة الحزام» رائجة. غالبًا ما كانت تختار الأحذية المسطحة على الأحذية ذات الكعب العالي، وكانت تُفضل «المجوهرات اللافتة»، مثل سلسلة من الخرز الكبير تُبرز فستانًا أحادي اللون (مع العلم أنها لم تكن تُبدع في النقوش أيضًا). ولعل الأهم من ذلك كله، أنها دعت النساء إلى تقبُّل أجسادهن والعناية بها، مُقدمةً قدوةً حسنة بالاستيقاظ باكرًا كل صباح، أحيانًا في الساعة ٤:٣٠ أو ٥:٠٠، لممارسة الرياضة قبل مساعدة بناتها على الاستعداد للمدرسة. وقد اقتدت النساء في جميع أنحاء البلاد بالتزامها باللياقة البدنية وروتينها الرياضي؛ حيث رغبن، مرةً أخرى، في أن يُشبِهن السيدة الأولى. (كانت ذراعاها المشدودتان، كما نعلم، صفةً مرغوبةً جدًّا، ويمكنكِ العثور على عددٍ كبيرٍ من تمارين ميشيل أوباما على الإنترنت.) كانت النساء اللواتي سعَين إلى تقليدها من جميع الأشكال والأحجام والأعمار والأعراق والمعتقَدات.

ومن المفارقات إذن أن مظهر السيدة الأولى — وليس ما فعلَته — هو ما أثار غضب منتقديها. على الرغم من أن السيدة الأولى جاكلين كينيدي ارتدَت عددًا كبيرًا من الفساتين الضيقة بدون أكمام خلال سنوات وجودها في البيت الأبيض، إلا أن قيام ميشيل أوباما بالشيء نفسه بعد ٤٠ عامًا أثار غضبًا واسعًا. لاحظَت تانيشا سي فورد في مقالها «هي تقتل»، أحد مقالات كتاب «جوهر ميشيل: ١٦ كاتبًا عن السيدة الأولى الأيقونية وكيف تُلهم رحلتها رحلتنا»، أن «وسائل الإعلام المحافظة جُنَّت، وكتبت قصصًا عن ذراعَي السيدة الأولى». وُصفت ذراعاها بأنهما «كثيرتا العضلات وذكوريتان للغاية»، و«انزعج المنتقدون من رؤية أوباما، المهتمة بصحتها، وهي تؤدي تمارين الضغط علنًا للترويج لحملتها لمكافحة سمنة الأطفال، «هيا نتحرك!».» ووَفقًا لفورد، فإن قوة السيدة ميشيل وطولها جعلاها تبدو «قوية ومسيطرة بشكلٍ مفرط، بل تكاد تكون مخيفة»، وإن التركيز على ذراعَيها فتح الباب أمام نقاشات «حول جسدها بالكامل وكيف يبدو في غير مكانه في البيت الأبيض».15
وكانت هناك العديد من الإهانات الأخرى المتعلقة بالمظهر. في إحداها التي لا تُنسى، وصفَت باميلا تيلور، مديرة منظمة غير ربحية في كلاي بفيرجينيا الغربية، السيدة ميشيل بأنها: «قردة ترتدي حذاءً بكعبٍ عالٍ» وذلك على «فيسبوك». في النهاية، طُردَت المرأة، باميلا تيلور، من وظيفتها، ولكن فقط بعد أن علَّقَت عمدة المدينة قائلة: إنها «أسعدَت يومي» بهذا المنشور. في النهاية، استقالت العمدة، بيفرلي ويلينج.16
وصفها مُقدِّم البرامج الحوارية المحافظ راش ليمبو ﺑ «ميشيل، مؤخرتي»، وشبَّهها آخرون بشخصية من فيلم «كوكب القرود»، و«ووكي» من «حرب النجوم»، وبالغوريلا أيضًا، وهي إهانةٌ عنصرية ذات تاريخٍ طويل وقبيح، كما كتب بيتر سليفين في صحيفة «واشنطن بوست».17
وبالطبع، لم يكن مظهرها فقط هو ما جعلها هدفًا. فعندما أدلت السيدة ميشيل بتعليقاتها حول العِرق أمام طلاب جامعة توسكيجي، رأت لورا إنجراهام، مقدمة البرامج الحوارية، المحافظة، «سلسلة من الانتقادات اللاذعة»، كما كتب سليفين. «امتلأَت منتديات التعليقات الإعلامية بالحديث عن «خطابات لاذعة» و«كارهة لأمريكا» و«امرأة غاضبة لا تُقدِّر النعم الكثيرة التي منحها إياها بلدنا». وكتب أحدهم: «هل يُمكن لها أو لزوجها أن يكونا أمريكيَّين فقط؟ لماذا يُركزان دائمًا على لون بشرتهما؟ أمرٌ مُقزز.»18

عندما سألتها صديقتُها أوبرا وينفري خلال مقابلةٍ صيفيةٍ قبل مغادرتها البيت الأبيض عن كيفية تعاملها مع «الكارهين»، أجابت ميشيل بأنها لا تُبالي. بل إنها تُركز على قائمة مهامها الخاصة:

عندما وصلتُ إلى هذا الدور، قلتُ ببساطة: دعيني أكُن السيدة الأولى. دعيني أستيقظ كل يوم وأعمل بجِد لأفعل شيئًا ذا قيمة، وأن أُتقنه، وأن أفعل شيئًا ذا تأثير، شيئًا أهتم به، ثم أترك كل ذلك يتحدث عن نفسه. هذا من شأنه أن يُسكت الكارهين؛ لأنني سأمتلك قائمةً طويلة من الأعمال التي تُعرِّفني؛ لأن هذا ما فعلتُه، وليس ما تنعتونني به.

قالت السيدة ميشيل: «العمل الجيد هو أفضل انتقام. لستِ مضطرة لقول أي شيء للكارهين. لستِ مضطرة للاعتراف بهم على الإطلاق. ما عليكِ سوى الاستيقاظ كل صباح وإظهار أفضل ما لديكِ، وهذا يُسكتهم.»19

ولإحياء ذكرى انتهاء فترة ولايتها كسيدة أولى، طلبت مَجلة «تي» التابعة لصحيفة «نيويورك تايمز» من أربعة كُتَّاب و/أو شخصياتٍ عامة كتابة رسائل شكر للسيدة أوباما، «التي أمضت السنوات الثماني الماضية بهدوء وثقة تُغير مجرى التاريخ الأمريكي». فكما رأينا في الفصل السابق، كتبَت جلوريا ستاينم عن الطريقة التي جسَّدَت بها السيدة الأولى وزوجها الحب والاحترام والشراكة. وكتبَت الكاتبة شيماماندا نجوزي أديتشي عن كيف أن السيدة ميشيل «قالت عن نفسها إنها أمٌّ في المقام الأول، مُتخفيةً تحت هذا اللقب غير المُهدَّد، وفعلَت ما تُحب»، في حين جعلَت لقب السيدة الأولى «يعني شخصًا ودودًا، شخصًا طبيعيًّا وملهمًا، شخصًا يتمتع بدرجاتٍ مُتفاوتة من الهدوء». كتب المؤرخ الرئاسي جون ميتشام عن كيفية نجاح السيدة الأولى ليس فقط في «الصمود أمام التدقيق»، بل في «التغلب» عليه. وقال إنها فعلَت ذلك «بإيجادها ذلك الشيء الأكثر مراوغة: التوازن»، و«رعاية حديقتها الخاصة»، و«تركها البيت الأبيض وهي شخصيةٌ قوية وشعبية تتمتع بعمر من حسن النية وثروة هائلة تعتمد عليها في كتابة فصول حياتها القادمة هي وزوجها.»

وأخيرًا، كتبَت الممثلة والكاتبة رشيدة جونز أن ميشيل أوباما تخاطب النساء في كل مكان وتتحدث إليهن:

إذا كان هدف النسوية هو تكافؤ الفرص والخيارات، فإن ميشيل تجعلني أشعر بأن كل خيار متاح. يمكنكِ الدراسة في برينستون وهارفارد، وغناء الراب مع ميسي إليوت، وأن تكوني أمًّا ومحاميَة وخطيبةً بارعة. يمكنكِ دعم قانون ليلي ليدبيتر للأجور العادلة، مع الاهتمام بالموضة في الوقت نفسه. يمكنكِ الرقص مع إيلين، وتذكير الناس، على الهواء مباشرة، بحقيقة وضعكِ … يمكنكِ أن تكوني شريكة زوجكِ وداعمته، وأن تستخدمي رصيدكِ الثقافي والسياسي في حملة هيلاري كلينتون، مواجهةً بثباتٍ خَصمها المتسلط الذي يُكثر من الكلام في غرف تبديل الملابس، بصرخة «كفَى!» — مُعبِّرةً ببلاغةٍ عما كان يشعر به الكثيرون، وأنا منهم.

قالت جونز إن ميشيل أوباما «سيكون لها إرثها الخاص، منفصلًا عن إرث زوجها»، وإن هذا الإرث سيكون «كونها أول سيدة أولى تُظهر للنساء أنهن لسن مضطراتٍ للاختيار، وأنه لا بأس أن يكنَّ كل شيء».

وهذا مثالٌ أخير، غير تقليدي، على ما جعلَتنا نشعر به ميشيل أوباما، السيدة الأولى. في أواخر مارس ٢٠١٨م، بدأَت صورة من إنستجرام بالانتشار على الإنترنت. تُظهر الصورة جانب رأس رجل وقد نُقش وجهٌ عليه. اتضح أن صاحب الرأس، نولان بيك، وهو مصممٌ بصري في كليفلاند، قد ذهب إلى نيك كاستيلانوس، مصفف شعر ليبرون جيمس، وطلب منه أن تُنقَش صورته المفضَّلة لميشيل أوباما على رأسه.

وقال لمَجلة «ماري كلير»: «اخترتُ ميشيل لأنها من أكثر الشخصيات أناقةً ورُقيًّا في نظر الجمهور.» إنها قوية، وذكية، ومرِحة، وملهِمة. وأضاف بيك أنه لطالما كان من معجَبي عائلة أوباما، مُعجبًا ﺑ «هدوئهم ومرونتهم» لأنهم «يتعاملون مع كل شيء برشاقة ورُوح دعابة … صفتان أحاول تقليدهما كل يوم». كما قال مازحًا، إن الصورة التي اختارها، والطريقة التي طبَّقها بها كاستيلانوس على رأسه، «تبدو وكأنها تهمس في أذني.»

على الرغم من أنه، على عكس ظاهرة «غرة أوباما»، من المُرجح أننا لن نرى الكثير من تسريحات الشعر المُستوحاة من ميشيل أوباما مثل تسريحة السيد بيك، إلا أننا نتخيل أنه ليس الوحيد الذي يأمل أن تُواصل السيدة الأولى السابقة الهمس في أذنه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦