الفصل الثاني

سنوات الجامعة

اكتشفَت أنها يمكن أن تكون «سوداء ومبهرة في آنٍ واحد»

عندما التحقَت ميشيل بجامعة برينستون خريف عام ١٩٨١م، وجدَت نفسها في عالمٍ مختلف تمامًا عن العالم الذي نشأَت فيه. لم يكن قد سُمح للنساء بالالتحاق ببرينستون إلا منذ سنواتٍ قليلة ماضية، ولم يُسمح لأعدادٍ كبيرة من الطلاب السود بالالتحاق بها إلا في العشرين سنة الأخيرة.1 وحسبما قالت كايتي ماكورميك ليليفيلد المتحدثة باسم ميشيل أوباما: إن جامعة برينستون كانت تُعَد «أفقًا جديدًا» للمرأة الأمريكية ذات الأصول الأفريقية في ثمانينيات القرن العشرين.2
عام ١٩٨١م كانت ميشيل واحدةً من بين ٩٤ طالبًا أسود من مجموع ١١٤١ طالبًا في السنة الأولى.3 ولأول مرة في حياتها، صارت في موقفٍ هي فيه من الأقلية حقًّا، على الأقل مقارنةً ببيئة المنطقة الجنوبية من شيكاغو التي عاشت فيها، ومقارنةً بمدرسة ويتني يانج التي تفتخر بتنوُّعها.
في السنوات الأخيرة قطعَت جامعة برينستون خطواتٍ واسعةً نحو فتح أبوابها أمام الطلاب من جميع شرائح المجتمع، وذلك عن طريق تبنِّي سياسات قَبولٍ لا تلتفت إلى الوضع المادي للطالب. وعام ٢٠٠٦م أعلنت الجامعة إنشاء مركزٍ جديد للدراسات الأفروأمريكية «يكون رائدًا في مجال التدريس والبحث في الأعراق الموجودة في أمريكا.»4 لكن عندما دخلَت ميشيل برينستون كانت تمثِّل ظاهرةً غريبة نسبيًّا بصفتها امرأةً أمريكية من أصلٍ أفريقي في حرم إحدى جامعات رابطة «آيفي ليج» المرموقة.
وعلى العكس من بعض الجامعات الأخرى في رابطة «آيفي ليج»، فلم يلتحق أي طالبٍ أمريكي من أصلٍ أفريقي بجامعة برينستون إلى أن نشِبَت الحرب العالمية الثانية، حين طرحَت الجامعة برنامجًا لتدريب جنود البحرية الأمريكية أطلقَت عليه اسم برنامج «في-١٢» واقتنص أربعةٌ من الرجال السود الفرصة. كان من بين هؤلاء الطلاب الأربعة: جون لي هوارد الذي تخصَّص في علم الأحياء ثم التحق بكلية الطب وأصبح جرَّاحَ عِظام، وقد حقَّق سبقًا تاريخيًّا حين حصَل على شهادته عام ١٩٤٧م. ثم حصل الرجلان الآخران على شهادتَيهما في السنة التالية، أما الرابع فلم يفلح في التخرج. (قيل إن ثلاثة رجالٍ سودٍ درسوا في الجامعة في القرن الثامن عشر، لكنَّ أحدًا منهم لم يتخرج. أيضًا، حصل اثنان من الرجال الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية على درجة الماجستير في الآداب من جامعة برينستون؛ أحدهما عام ١٨٩٥م، والآخر عام ١٩٠٦م.)5 وعلى العكس من هذا، فقد تخرَّج أول طالبٍ أسود في جامعة هارفارد عام ١٨٧٠م،6 ومنحَت جامعة ييل شهادة التخرج لأول أمريكي من أصلٍ أفريقي عام ١٨٧٤م.7

ونظرًا لتأسيس جامعة برينستون عام ١٧٦٤م، ولأنها رابع أقدم جامعة في البلاد، فإننا نجدها مُغرِقة في التقاليد. بل إن مبانيها تزخر بعبق التاريخ؛ إذ إن مبنى «ناسو هول» كان مقرًّا مؤقتًا لحكومة الولايات المتحدة عام ١٧٨٣م. والجامعة، بمَمَراتها ذات الأسقف التي تتخذ شكلًا مقوَّسًا على الطراز القوطي، ومُرُوجها المشذَّبة، تعكس رُوح النُّخبة المتعلمة في الساحل الشرقي للولايات المتحدة مع شيءٍ من رُوح الطبقة العليا في الجنوب. وعند مدخل أحد المباني الذي يحتوي على قاعات المحاضرات الخشبية نجد عبارةً تعكس هذه الرُّوح النُّخبوية: «هنا تعلَّمنا من الرجال والأبراج القوطية الإيمانَ والاستقامةَ وحب المُثل التي لا تدركها الأبصار ولا تعرف الموت.» ومن حيث الأسلوب المعماري، فإن برينستون هي النقيضُ التام لصفوف البيوت الصغيرة المبنية بالطوب الأحمر في ضواحي المنطقة الجنوبية من شيكاغو التي نشأَت فيها ميشيل وهي طفلة.

ومن بين جميع جامعات «آيفي ليج»، كانت برينستون في ثمانينيات القرن العشرين تضُم أكبر عددٍ من الطلاب الذين ينتمون لعِلية القوم، هذا وَفقًا لكتاب «الدليل الرسمي لتلاميذ المدارس الخاصة» الذي صدر عام ١٩٨٠م. وردَت في هذا الكتاب إحصائيات حول الدرجة المطلوبة في اختبارات «السات» من أجل القَبول بالجامعة (اختبار الشفوي ٦٣٦، واختبار الرياضيات ٦٧٢)، وورَد فيه أيضًا أن ٤٠٪ من الطلاب الذين التحقوا بجامعة برينستون عام ١٩٨٠م تخرَّجوا في مدارس تُدرَّس فيها مناهجُ إضافية تؤهِّل لدخول الجامعة (وهي مدارسُ ثانويةٌ خاصة مرتفعة التكاليف خاصة بالطبقة العليا ولا يلتحق بها الطالب إلا إذا وافقَت المدرسة على هذا)، «لكن عندما حان وقتُ تخرُّجهم في الجامعة، بدا الأمر وكأن النسبة أصبحَت ١٠٠٪». وقد ورَد في الكتاب أن برينستون هي «أكثر من يحمل رُوح الجنوب ولهجتَه من بين جامعات رابطة «آيفي ليج»؛ إذ إنها ورثَت الكثير من تراثه ومن نواديه وحفلاته». ولم ترِد أية جامعة أخرى من جامعات رابطة «آيفي ليج» في قائمة «توب تن بريبي كوليدجيز»، وهي قائمة بأكثر عشر جامعات تضم أكبر عددٍ من الطلاب الذين ينتمون للطبقة العليا (واحتلت جامعة برينستون المرتبة السابعة في هذه القائمة). وقد احتلت جامعة كولومبيا — التي تخرَّج فيها باراك أوباما — المرتبة الأولى من بين الجامعات التي تضم أقل عددٍ من الطلاب الذين ينتمون للطبقة العليا.8
هذا هو العالم الذي خلَّده خِرِّيجُ جامعة برينستون، الكاتبُ فرانسيس سكوت فيتزجيرالد في روايته الأولى «هذا الجانب من الجنة»؛ إذ صوَّر فيها بيئة لا تختلف عن البيئة التي صوَّرها كتاب «الدليل الرسمي لتلاميذ المدارس الخاصة» مع أنها نُشرَت عام ١٩٢٠م. بل إنه من المرجح أن أموري بلاين، بطل رواية فيتزجيرالد، قد انتابته إلى حدٍّ ما نفسُ مشاعر ميشيل أوباما بعدما ترك بيته للالتحاق ببرينستون؛ إذ إنه شابٌّ كاثوليكي قَدِم إلى هذه الجامعة من الإقليم الأوسط الشمالي الشرقي وكله شوق إلى الانهماك في أجواء هذه الجامعة التي سمع كثيرًا عنها والتي اشتُهرَت بأنها «أفضل نوادي أمريكا».9
عندما وصل أموري إلى برينستون وجد نظامًا اجتماعيًّا لا يعترف به، مكانًا يبقَى فيه الشباب المتخرِّجون في مدارسَ خاصة معيَّنة بعضهم بصحبة بعض، ويُحيطون أنفسهم بمجموعة من الوصوليين الذين لا يتمتعون بشعبيةٍ كبيرة حتى يحموهم من خِرِّيجي المدارس العامة الودودين والمتحيِّرين مما يُحيط بهم من أجواء.10 لم يكن ما تسعى إليه ميشيل هو التمتع بأجواء النوادي؛ فلا شك في أنها كانت تعرف بعضَ مزايا الفوز بشهادةٍ جامعية تحمل اسم برينستون، ولا بد أن هذا في حدِّ ذاته كان يُمثل لها إغراءً. لكن مثل أموري بلاين، كان ما وجدَته مختلفًا عما توقعَته، لكن بما يميِّزها من إصرار على أن تنتزعَ المكانة التي تستحقُّها استطاعت أن تشُقَّ طريقها.
قالت ميشيل لسارا براون في حوار نُشر عام ٢٠٠٥م في الصحيفة الطلابية «ذا ديلي برينستونيان»: «عندما كنتُ واحدةً من الطلاب الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية القلائل في الكلية في ذلك الوقت وجدتُ أن الفرص المتاحة أمام الأقليات ليست كبيرة. لذا كوَّنَّا مجتمعًا داخل مجتمعنا واشتركنا في أنشطةٍ طلابية داخل الجامعة مثل «مركز العالم الثالث» الذي يُعرف الآن باسم مركز «كارل إيه فيلدز» للمساواة والتفاهم.11 وفي النهاية صارت عضوًا بمجلس إدارة المركز، ونَظَّمت أيضًا برنامجًا لمحو الأمية يقدِّم خدماته للأطفال الذين يعيشون في الأحياء المجاورة، وهذا عملٌ دراسي يناسب الشابة التي ترى أن التعليم هو أهمُّ ما في الحياة. وأُتيحت فرصٌ أخرى للطلاب السود عن طريق «طاولة أفكار السود»، وهو منتدًى يناقش الموضوعاتِ المتعلقةَ بالأعراق والأحداث الجارية، وجماعة «منظَّمة وحدة السود»، وهي جماعة تنظِّم محاضراتٍ للطلاب السود.12
قالت أنجيلا آكري — إحدى رفيقات ميشيل في سكنها الجامعي التي ظلَّت صديقةً مقربة لها — لمَجلة «نيويوركر»: إن برينستون في ذلك الوقت كانت «مكانًا يتسم بالتمييز الجنسي والفصل العنصري» لذا فقد كانت هي وصديقتُها تقضيان معظم وقت الفراغ في مركز العالم الثالث.13
وعلى النقيضِ من هذا، كان محور الحياة الاجتماعية لكثيرٍ من زملائهما هو نوادي برينستون المشهورة. لي صديقةٌ قديمة اسمها ليزا روبنسون علمتُ عنها شيئًا جديدًا منذ وقتٍ قريب؛ فقد اكتشفت أنها هي الفتاة التي ورد اسمها قبل اسم ميشيل روبنسون مباشرةً في الكتاب السنوي الذي أصدرَتْه جامعة برينستون عام ١٩٨٥م، وحين وصفَت لي ليزا الجامعة، حدَّثَتْني عن مكانٍ ترتدي فيه الفتيات الفساتين والجوارب، ويرتدي فيه الفتيان المعاطف وربطات العنق في يومَي الجمعة والسبت ويُمضون الليل في شرب الخمر والرقص.14 من الطبيعي أن ميشيل لم تعرف عالم الطلاب الأثرياء ذوي البال الخالي هذا. فقد قالت لصحيفة «تليجراف» البريطانية: «أتذكر أنني صُدِمتُ عندما رأيتُ طلاب جامعة يقودون سيارات بي إم دبليو. ففي الوسط الذي نشأتُ فيه لم يكن الآباء أنفسهم يقودون مثل هذه السيارات.»15
لكن التمتُّع بحياةٍ اجتماعيةٍ صاخبة لم يكن هدف ميشيل من الالتحاق ببرينستون. فقد التحقَت بها وعينُها نُصب دراستها. ومع اشتهار برينستون بالنوادي وبأنها جامعة الأثرياء، فقد كانت الدراسة فيها صارمةً مثل باقي الجامعات. وكالمعتاد كانت ميشيل تتملكها الرغبة في أن تجعل والدَيها — اللذَين لم تُتَحْ لهما فرصة الالتحاق بالجامعة — فخورَين بها. قالت هيلاري برد صديقة ميشيل لصحيفة «بوسطن جلوب»: «كان كريج وميشيل يتحدثان كثيرًا عن والدَيهما، وكانت ميشيل تريد أن تحقِّق النجاح لأجلهما بقَدْر ما تريد أن تحقِّقه لأجل نفسها.»16
وقد وصفَت أنجيلا آكري اجتهاد ميشيل فقالت: «كانت منظَّمة جدًّا، كنا نستيقظ مبكرًا كل صباح ونستذكر دروسنا قبل الإفطار، ثم نذهب إلى قاعة الطعام مبكرًا. كان الإفطار يبدأ الساعة السابعة صباحًا وغالبًا ما كنا نصل إلى حجرة الطعام فلا نجد أحدًا سوانا.»17 (وهنا تبرُز صحة القول المأثور: «من شبَّ على شيء شاب عليه»؛ فإلى أن صارت مشاغل ميشيل كثيرةً جدًّا أثناء الحملة الانتخابية، كانت معتادةً على أن تستيقظَ في الرابعة والنصف كلَّ صباح لكي تقومَ بتمريناتٍ رياضية كثيرة. لكن أثناء الحملة الانتخابية تغيَّر هذا النظام بحيث صارت تمارس الرياضة ثلاث مراتٍ في الأسبوع، مدةُ كل مرةٍ منها تسعون دقيقة، ولم يعُد هناك موعدٌ ثابت للتمرينات؛ بل كانت تمارسها حينما يتسنَّى لها هذا.)

وبالإضافة إلى أن ميشيل وجدَت نفسها ضمن الأقلية لأول مرة في حياتها، فإن العيش في المسكن الجامعي في إحدى الضواحي بولاية نيو جيرسي كان يمثل أول مرة تعيش فيها ميشيل بعيدًا عن والدَيها، لكنها كانت محظوظةً إذ كان أخوها الكبير في الجامعة معها، وكان مشهورًا جدًّا. فقد حصل على لقب أحسن لاعب في بطولة رابطة «آيفي ليج» في عامَين أثناء وجوده في برينستون، وهو إلى الآن صاحب المركز الرابع في تاريخ هدَّافي فريق كرة السلة بجامعة برينستون.

وقد قيل إن كريج كان يعتني بأخته الصغرى، لكن لننظر إلى ما قاله أحد زملاء كريج لسارا براون التي تعمل في صحيفة «برينستونيان»: «كان كريج يَعُد ميشيل طفلةً هو مسئولٌ عنها، لكنه كان واضحًا منذ أول لقاءٍ لي بها أنها لم تكن طفلة أحد.»18
وكالمعتاد كانت ميشيل صريحة، حتى في هذه البيئة الجديدة الغريبة عليها، وهناك قصة تُحب والدة ميشيل أن تحكيَها عن ابنتها. وقد حكَتها لمَجلة «نيويوركر» إذ قالت: «ميشيل دائمًا صريحة في كل شيء. وإن وجدَت شيئًا يسير على غير ما يُرام فإنها لا تسكُت عليه.19 وعندما كانت في برينستون اتصل بي أخوها وقال: «أمي، ميشيل هنا تقول للجميع إنهم لا يدرسون اللغة الفرنسية على النحو الصحيح!»
يبدو أن ميشيل رأت أن أسلوبهم في التدريس لا يهتم بالمحادثة بما يكفي. ماذا كان رد والدتها؟ «قلتُ له: تظاهر بأنك لا تعرفُها.»20 (إن رد والدة ميشيل المستفز والمشحون بالحب في آنٍ واحد يشبه التعليقات التي قالتها ميشيل عن زوجها — على سبيل المثال، التعليقات التي تحدثَت فيها عن فشله في وضع جواربه في موضعها الصحيح — وعن أنه لا يُوجد أي مانع من أن يغيِّر صندوق فضلات القطة.)

يكشف التأكيدُ على أن ميشيل «لم تكن طفلة أحد»، والقصةُ التي حكَتها الأسرة عن انتقادها لأسلوب تدريس اللغة الفرنسية عن ثقتها القوية بذاتها التي ظلت تتمتع بها — أو ربما عن إصرارها على أن تترك بصمتَها وأن تنتزع المكانة التي تستحقُّها، لكن الحقيقة هي أن السهولة لم تكن سمة عالم ميشيل الجديد.

فحسبما تتذكَّر أنجيلا آكري، طلبَت إدارة الجامعة من الطلاب السود والهسبانيين الذَّهابَ إلى الجامعة قبل باقي طلاب السنة الأولى بأسابيع، زاعمةً أن الهدف من هذا هو أن يتأقلموا مع البيئة الجديدة. كان صعبًا على آكري التي تخرَّجَت في مدرسة ثانوية خاصة من مدارس النخبة تقع في منطقة الساحل الشرقي أن تفهم سبب هذا. قالت أنجيلا لمَجلة «نيوزويك»:21 «كنا نظن أنهم إما رأوا أننا نحتاج أن نبدأ الدراسة قبل البيض أو أنهم قالوا: «لنجمع جميع السود معًا».» لا شك في أن النوايا التي دفعَت الإدارة إلى استدعاء الأقليات مبكرًا كانت طيبة، لكن عندما لحق الطلاب البيض بالطلاب الملونين في الجامعة بعد أسابيعَ قليلة، لم يلتئم شمل المجموعتَين قط.
وقصة ميشيل مع واحدةٍ من طلاب السنة الأولى كانت تسكُن معها في الحجرة نفسها تُلقي الضوء على بعض ملامح هذا الانقسام. ففي حوارٍ مع صحيفة «ذي أتلانتا جورنال كونستيتيوشن»، حكت كاثرين دونلي — التي تخرَّجَت في برينستون عام ١٩٨٥م — أنها عندما انتقلَت إلى حجرتها في سكن الجامعة في خريف السنة الدراسية الأولى، اكتشفَت أن إحدى رفيقاتها في الحجرة سوداء. وعندما قالت هذا لوالدتها — التي صحبَتْها من بيتها في نيو أورليانز إلى نيو جيرسي — استشاطت الوالدة غضبًا وأسرعَت إلى إدارة الإسكان بالجامعة تطالب بأن تنتقلَ ابنتُها إلى حجرةٍ أخرى.22
قالت أليس براون — والدة كاثرين — للصحيفة: «قلتُ لهم إننا لسنا معتادين على العيش مع السود؛ فكاثرين من الجنوب»، وأضافت: «الأرجح أنهم اعتبروني مجنونة.»23
بعد نحو سبع وعشرين سنة تقول كاثرين، التي أصبحَت محامية، ووالدتها — وهي مدرسة متقاعدة — إنهما نادمتان على ردِّ فعلهما. لقد تغيَّر الزمن، وتغيَّرتا هما أيضًا. وحديثًا أعادت كاثرين التعرُّف على رفيقة حجرتها القديمة التي لم ترَها كثيرًا بعد السنة الأولى وكانت قد نسيَت أمرها تمامًا، وذلك عندما بدأَت تقرأ عنها وعن زوجها المشتغل بالسياسة في الصحف والمَجلات، وبدأَت ترى صورتها على شاشة التلفاز.24
في عام ٢٠٠٨م، قالت كاثرين ووالدتها إنهما مسرورتان بأن ميشيل — التي عاشت معها كاثرين حتى الفصل الدراسي الثاني من السنة الأولى حين وجدَت حجرةً أخرى شاغرة — تستعد الآن لأن تصبح السيدة الأولى. (كاثرين لا تظن أن ميشيل علمَت بأمر طلب والدتها، وتقول إن تغيير الحجرات لم يكن بسبب ردِّ فعل والدتها، بل لأنه كان من المنطقي أن تنتقل لمكانٍ أوسع.)25
لكن كاثرين تقول إن هناك شيئًا آخر تندم عليه، وهو أنها لم تكن يومًا صديقةً حميمة لميشيل. وهي تتذكَّر أن ميشيل كانت ودودةً جدًّا، وأن حُبها وقع في قلبها فور التقائهما. ومع هذا فقد كان واضحًا من البداية أنهما لن تقضيا الكثير من الوقت معًا لأن كلًّا منهما انهمكَت مع مجموعةٍ مختلفة من الأصدقاء. قالت كاثرين لصحيفة «ذي أتلانتا جورنال كونستيتيوشن»: «لا أظن أن قدمي وطئَت مركز العالم الثالث أبدًا؛ فأنا أجهل هذا المكان الغامض تمامًا.»26
أما عن ميشيل فقد أخبرَت صحيفة «بوسطن جلوب» أنها لم تسمع بطلب والدة كاثرين إلا أثناء الحملة الانتخابية، ولكنها تظن أنه ربما يكون قد ترك أثرًا على علاقتهما. فقد كتبَت في رسالة إلكترونية بعثَت بها للصحيفة تقول: «لم تتوطَّد علاقتنا قط، وأحيانًا تشعر أن هناك حاجزًا بينك وبين إنسانٍ ما؛ حاجزًا تشعر به فقط ولا يمكن وصفه.»27
وهي ترى بصيصًا من الأمل في هذه القصة. فقد كتبَت في رسالةٍ إلكترونية بعثَت بها إلى سالي جاكوبس التي تعمل في صحيفة «بوسطن جلوب»: «هذه القصة تكشف ما حدث لوالدة كاثرين من نضج. وأرى أنها تكشفُ أن المشكلات التي تواجهها هذه الأمة بشأن العنصرية هي مشكلاتٌ كبيرة … لكن علينا أيضًا أن نتذكَّر أن الأشخاص يتغيَّرون وينضجون.»28
لا تتذكَّر كاثرين أنها تعاملَت مع ميشيل كثيرًا بعد أن انتقلَت من الحجرة التي جمعَتْهما معًا، لكن من المثير للاهتمام أنها كتبَت بحث علم النفس الذي قدَّمَته في السنة الثالثة عن سياسة التمييز الإيجابي. أتعرفون ما الخلاصة التي توصلَت إليها من البحث؟ لقد توصلَت إلى أن «التحيز الخفي المتأصل» لن يموت.29
يبدو أن سياسة التمييز الإيجابي كانت تشغل أذهان الكثير من طلاب برينستون في ثمانينيات القرن العشرين. فمع أن جامعة برينستون كانت تحاول أن تهدمَ الحواجز القائمة بين مختلِف عناصر المجتمع، شأنها في هذا شأن باقي الجامعات — وكانت سياسة التمييز الإيجابي إحدى الوسائل التي تستخدمها لهذا، فيبدو أن الطلاب البيض كانوا يرَون أن هذه السياسة مهَّدت الطريق لأن يلتحق ببرينستون بعض الطلاب الذين لا يستحقُّون هذا.30
لكن ميشيل تنظر إلى وضعها الشخصي نظرةً مختلفة. فقد قالت إحدى المتحدثات باسم الحملة لمَجلة «نيوزويك» إن ميشيل ترى أنها حصلَت على ميزة أثناء عملية الالتحاق لا بفضل سياسة التمييز الإيجابي بل لأن أخاها الأكبر كان ملتحقًا بالجامعة بالفعل.31 وهذا منحَها فرصة التمتُّع بميزة يمنحها نظام الجامعة، ألا وهي: أن الجامعة تفضل اختيار الطلاب الذين لهم أقرباء درسوا فيها بالفعل، وشأن ميشيل في هذا شأن الكثير من زملائها البيض الذين كانوا يتمتَّعون بمزايا أكبر من هذه، وكان الالتحاق ببرينستون يُعَد من تقاليد عائلاتهم، الذين كان بعضهم يتمتع بهذا الحق قبل زمنٍ طويل من التحاق سكوت فيتزجيرالد بها.
وبالنظر إلى بيئة هذه الجامعة وإلى تناقضه مع بيئة المدينة الأكثر فقرًا التي نشأَت فيها، ربما يصبح من غير المدهش أن تكتب ميشيل بحث علم الاجتماع الذي قدَّمَته في السنة الدراسية الأخيرة عن تجرِبة أن تكون طالبًا أسود في جامعة برينستون، وعن أثر تجرِبة الالتحاق ببرينستون على مستقبل خِرِّيجيها من السود. وقد أهدَت بحثها إلى «السود الذين تعلَّموا في برينستون، وإلى مجتمع السود» وإلى أسرتها وأصدقائها. إذ جاء فيه: إلى «أمي وأبي وكريج وجميع أصدقائي المقرَّبين. شكرًا على حبكم وعلى أنكم كنتم دائمًا تجعلونني أنظر لنفسي نظرةً إيجابية.» وعلى العكس من الدعم الذي حصلَت عليه ميشيل من هؤلاء، فإنها وجدَت عجزًا في «مجموعات الدعم التي تقدِّم الإرشاد والنصح للطلاب السود الذين يجدون صعوبةً في التكيف مع الانتقال من البيئات التي جاءوا منها إلى بيئة برينستون.»32
في البداية لم تكن إدارة حملة أوباما راغبةً في أن تجعل البحث الذي قدَّمَته ميشيل لبرينستون متاحًا للعامة، وطلبَت أن يُحظر نشره حتى نهاية الانتخابات الرئاسية. لكنها نشرَتْه في شهر فبراير على موقع Politico.com ردًّا على الاتهام الذي وُجه لها بأن التزامها بالشفافية ما هو إلا ادِّعاء.33
لأجل إنجاز مشروع البحث هذا وزَّعَت ميشيل استطلاعات رأي على أربعمائة خِرِّيج أمريكي من أصلٍ أفريقي التحق كثيرٌ منهم ببرينستون في سبعينيات القرن العشرين «عندما بدأ العمل بسياسة التمييز الإيجابي التي منحَت السود الكثير من الفرص على المستوى الاقتصادي والتعليمي والمهني»، حسبما كتبَت ميشيل. وبالنظر إلى الردود التي حصَلَت عليها ميشيل من نحو مائة خِرِّيج — كانوا هم مَن أجابوا على الاستطلاع — وجدَت أن الطلاب الذين تخرَّجوا في الجامعة وحقَّقوا ارتقاءً تعليميًّا واجتماعيًّا وماديًّا، لم يعودوا يعتبرون أنفسهم جزءًا لا يتجزأ من مجتمع السود.34
وقد فوجئَت ميشيل بأنها وجدَت الشيء نفسه يحدث في حياتها. فقد كتبَت تقول: «في بداية حياتي الجامعية لم يكن هناك شك في أنني، بصفتي فردًا من أفراد مجتمع السود، أشعر بالالتزام تجاه هذا المجتمع، وبأنني سأوظِّف جميع مواردي الحاليَّة والمستقبلية لإفادته هو في المقام الأول.» لكن عندما أوشكَتْ على التخرج وجدَتْ أن تجرِبة قضاء أربع سنوات في جامعة برينستون غرسَت فيها بعضَ قيَم البرجوازيين، قالت: «على سبيل المثال وأنا أُشرف على بدء السنة الأخيرة في برينستون وجدتُ نفسي أسعى خلف الكثير من الأهداف التي يسعى خلفها زملائي البيض ومنها: أن أُقْبَل في كلية من الكليات المرموقة التي تُتاح فيها الدراسات العليا أو تُعلم طلابها مهنةً ما، أو الفوز بوظيفة ذات راتبٍ مرتفع في مؤسسةٍ ناجحة. ولذا فإن أهدافي بعد التحاقي ببرينستون لم تعُد تتسم بالوضوح نفسه الذي كانت عليه قبل الالتحاق بها.»35 (المسار المهني لميشيل — الذي انتقلَت فيه من عالم المؤسَّسات إلى العمل الحكومي ثم إلى المشروعات التي لا تهدف إلى الربح — يعكس هذه الإشكالية.)
وفي هذا البحث كشفَت ميشيل أيضًا عن حقيقة شعورها كامرأةٍ سوداء في بيئة يُهيمن عليها البيض. فتجرِبتها في برينستون جعلَتها «أكثر وعيًا «بحالها كامرأةٍ سوداء» عن ذي قبل» وأحيانًا كانت تشعر وكأنها «غريبة» في هذه الجامعة، وأنها لا تنتمي إلى هذا المكان مهما حاول بعضُ أساتذتها وزملائها البيض أن يعاملوها بسماحة. وتساءلَت: هل ستظل في نظر زملائها البيض «سوداء في المقام الأول وطالبة في المقام الثاني»؟ وهل ستظل دائمًا «على هامش المجتمع ولا يُسمح لها بأن تُسهم فيه إسهامًا فعَّالًا؟»36
لقد قيل الكثير عن هذا البحث الذي كُتِبَ وميشيل لم تكد تصل إلى العشرين من عمرها. ولا شك في أن برينستون وميشيل تغيَّرتا كثيرًا منذ أن كُتب هذا البحث، ومع هذا فإنه يُلقي الضوء على نقاطٍ مهمة. قال لي صديقي الصحفي بن ماكنتاير الذي عمل محررًا لشئون الولايات المتحدة في صحيفة «تايمز» اللندنية أثناء الانتخابات التي سبقَت فترة الرئاسة الثانية لبيل كلينتون: «مع أنني أظن أنه ليس من العدل أن ننقد هذا البحث لأنه كُتب منذ زمنٍ طويل، فإن به سمةً دالة … ولا أقصد بهذه السمة أنه حادٌّ، بل أقصد أن به قلقًا وألمًا واغترابًا، وأنه فصيح جدًّا، بالنظر إلى عمر الشخص الذي كتبه. وأظن أنه من المنطقي أن نحلِّله، لأنه يُعَد إلى حدٍّ ما من قبيل المذكِّرات. الأمر يتعلق بميشيل أوباما.»37

وقد أكَّدَت الملحوظاتِ التي أبدتها ميشيل حواراتٌ دارت بيني وبين مجموعة من الطلاب البيض الذين كانوا يدرُسون في برينستون في ذلك الوقت نفسه. ومن المثير للاهتمام أنه لا يُوجد من بين الأربعة البيض الذين تخرَّجوا في برينستون عام ١٩٨٥م، والذين تحدَّثتُ معهم، من يتذكر ميشيل أوباما، مع أنه من الصعب ألا ينتبه شخصٌ ما لواحدة في مثل طولها.

والسبب وراء هذا، حسبما تقول ليزا روبنسون التي تخرَّجَت في برينستون عام ١٩٨٥م، هو أن العالَمَين كانا منفصلَين تمامًا. (ليزا هي صديقتي التي تعرَّفتُ عليها في المدرسة الثانوية، والتي اكتشفتُ جانبًا جديدًا من جوانب عالمها بعد أن أرسل لي شخصٌ آخر من خِرِّيجي جامعة برينستون صورةً ضوئية من الصفحة التي تظهر فيها نيكول في الكتاب السنوي الذي أصدرَتْه الجامعة، ورأيتُ فيها وجه زميلتي يُحدِّق فيَّ، وكان اسمها فوق اسم ميشيل مباشرةً وَفقًا للترتيب الأبجدي.) مثل ميشيل، لم تكن ليزا مهتمةً بالذَّهاب إلى النوادي الاجتماعية؛ لذا كانت تقضي معظم وقت فراغها في بيت الطالبات. أما ميشيل فكانت تقضي وقتَ فراغها في مبنى «ستيفنسون هول» الذي كان معظم روَّاده من الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية.38
قالت ليزا إنها لم تسمع عن بحث ميشيل، ولكن عندما اطلعَت عليه قالت إن النقاط الأساسية التي وردَت فيه صحيحة. وقالت: «ما يقوله البحث صحيحٌ بالفعل؛ فالسود كانوا يتعرَّضون للفصل العنصري.» وأضافت ليزا أن ميشيل، بصفتها امرأةً أمريكيةً ذات أصولٍ أفريقية، كان سيُنظر إليها على أنها «سوداء في المقام الأول، وستُعامل كالغرباء.»39
واحتمال أن تصبح ميشيل أوباما، زميلتُها السابقة، السيدةَ الأولى جعل ليزا تشعر بالسعادة. وقالت: «كم من الرائع أن يكون لدينا سيدةٌ أولى لديها فكر ورؤية.»40
وأبدَت لويز أمبلر أسبورن — وهي زميلة ميشيل في برينستون التي أرسلَت لي صفحة الكتاب السنوي — الملحوظات نفسها. فكما التحقَت ليزا بجامعة برينستون بفضل التحاق عمِّها بها، التحقَت لويز بالجامعة نفسها بفضل التحاق والدها بها. وقالت إن التحاقها ببرينستون كان أمرًا «طبيعيًّا».41

أما عن ميشيل فقد قالت لويز إن المرحلة التي كانت مقبلة عليها ستأخذها إلى عالمٍ جديد تمامًا. وأضافت: «لم يخطُر ببالي أن أتواصل مع الأفراد الذين لم يكن التحاقهم ببرينستون أمرًا طبيعيًّا جدًّا.» وواصلَت حديثها قائلة إنه «لم يكن هناك كثيرون يحاولون أن يقلِّلوا من صعوبة تأقلم هؤلاء مع العالم الجديد».

قالت لويز إنها قرأَت مقالًا في إحدى الصحف عن بحث ميشيل، وإنها ترى أن الموضوع «رائع» ويتصف «بالأمانة العلمية» لأن ميشيل «اختارت موضوعًا متصلًا بالواقع ومثيرًا، وهو لا يزال متصلًا بالواقع إلى اليوم»، وأضافت: «أما البحث الذي كتبتُه أنا فلو حاول أحد قراءته فسيغط في النوم.» (تخصَّصَت لويز في الأدب المقارن ودار بحثها حول الشاعر الفرنسي بودلير والشاعر الأمريكي إدجار ألان بو.)

ولويز لا تزور برينستون كثيرًا، لكنها قالت إنها ذهبَت إلى الاجتماع السنوي الذي تعقده رابطة خِرِّيجي برينستون منذ وقتٍ ليس ببعيد. وقد تحدَّث في الاجتماع كريج أخو ميشيل وكان «خفيفَ الظل ورائعًا». وأثناء الاجتماع مُنحَت جائزة تهدف إلى تنمية العلاقات بين الأعراق المختلفة للأشخاص الذين يبذلون جهودًا لرأب الصدع بين الأعراق والثقافات المختلفة. قالت: «وهذا أمرٌ تقوم به رابطة الخِرِّيجين هنا كل عام. وأظن أنه من الرائع أن تجد أناسًا ينهضون ويقولون إنهم يريدون أن يفعلوا شيئًا حيال هذا.»42

كانت المتحدثة باسم جامعة برينستون أثناء الحملة الرئاسية، لورين روبنسون براون، طالبةً أمريكيةً من أصولٍ أفريقية تخرَّجَت عام ١٩٨٥م، وقد ظهرَت في الصفحة نفسها من الكتاب السنوي. (وهي امرأةٌ جميلةٌ تظهر صورتُها فوق صورة صديقتي ليزا روبنسون مباشرة. وعندما أُرسلَت إليَّ صفحةُ الكتاب السنوي بالبريد الإلكتروني، أثارت فضولي قصيدةٌ ألحقَتْها بصورتها تتحدث فيها عن حال السود. ولم أكتشف أن لورين روبنسون براون، المتحدثة باسم الجامعة، هي نفسها لورين دانيال روبنسون إلا بعد أن بحثتُ في أخبار جامعة برينستون.)

وفي محادثة تليفونية أخبرَتْني لورين روبنسون براون أن الجامعة قطعَت خطواتٍ واسعةً تجاه تعزيز التنوع واحتضان جميع الفئات والأعراق. وقالت في حوارٍ أجريتُه معها في أواخر شهر يوليو: «لم يمُر على برينستون وقتٌ كانت فيه أكثر تنوعًا منها الآن، بكل ما تحمله كلمة التنوع من معانٍ؛ التنوع على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والجغرافي والعِرقي والجنسي.» وأضافت: «وهذا وقتٌ عظيم … تُتاح فيه الفرص أمام الجامعة؛ فهي مقبلة على مرحلة نمُو».43
روبنسون براون، التي تخصَّصَت في اللغة الإنجليزية وحصلَت على شهادة في الدراسات الأفروأمريكية، كانت تعيش مع ميشيل في السكَن نفسه — في مبنى «ستيفنسون هول» — وكثيرًا ما كانت تتناول العشاء معها.44 وكانتا تقضيان معظم وقتهما في المنظمات نفسها (وفي الكتاب السنوي الذي أصدرَتْه جامعة برينستون عام ١٩٨٥م عرَّفَت لورين نفسها قائلة إنها «ممثلة رفيعة المستوى» لمنظمة «وحدة السود»).
روبنسون براون التي حصلَت على درجة الماجستير في الصحافة من جامعة كولومبيا، ونالت عددًا من الجوائز الصحفية أثناء عملها في عددٍ من الصحف، كان من بينها صحيفة «نيوآرك ستار ليدجر»، وصحيفة «دالاس تايمز هيرالد»، وصحيفة «بوسطن جلوب»، رفضَت الحديث عن تجرِبتها الشخصية أو تجرِبة زميلتها ميشيل روبنسون بصفتهما امرأتَين أمريكيتَين من أصولٍ أفريقية التحقَتا ببرينستون في ثمانينيات القرن العشرين، وفضَّلَت أن تركِّز حديثها عن حال برينستون اليوم. لكنها قالت: «الطلاب السود الذين التحقوا ببرينستون [في ثمانينيات القرن العشرين] كانوا يسعَون لتحقيق الحلم الأمريكي.»45 وإذا نظرنا إلى المسار المهني الذي اتخذَتْه ميشيل ولورين، اللتان تخرَّجتا في برينستون عام ١٩٨٥م، لرأينا أنهما نجحتا في تحقيق هذا الحلم.
ومَن يقولون إن بحث ميشيل ينمُّ عن شخصية «غاضبة تشعر بالمرارة» عزلَت نفسها عن زملائها البيض، قد يصبحون على بصيرة بحقيقة الأمر عندما يقرءون مقتطفاتٍ من القصيدة القصيرة التي أرفقَتْها لورين بصورتها في الكتاب السنوي. تتحدث الكاتبة في القصيدة عن قيادة شعبها «إلى العظمة». وتقول فيها: «لن أعيشَ على الهامش»؛ «أتمتع بالقوة والجمال والحكمة»؛ «سوداء أنا وفخورة بسوادي». وتنتهي ﺑ «أنا هي نحن.»46

في عام ٢٠٠٨م، بعدما انتخبَت الولايات المتحدة أول رئيسٍ أسود لها، يبدو البيت الأخير من القصيدة مثل النبوءة. فالسيدة لورين ليست المتحدثة باسم مجتمع السود في برينستون، بل هي متحدثة باسم جميع الملتحقين ببرينستون. وباراك ليس رئيسًا للسود الأمريكيين وميشيل ليست السيدة الأولى للسود الأمريكيين؛ بل لأمريكا بجميع أعراقها.

بعد مُضي نحو ربعٍ قرن على اختيار لورين دانيال روبنسون أن تضمَّ هذه الكلماتِ لصفحتها في الكتاب السنوي، تحوَّلَت «أنا» إلى «نحن» بالفعل. لم تتردَّد لورين في أن تشير إلى أن الزمن تغيَّر في برينستون وفي العالم أجمع. قالت: «العالم مختلف اليوم؛ فقد زادت قدرة الطلاب الذين ينتمون لأجناسٍ مختلفة وبيئاتٍ متنوعة على التعامل بعضهم مع بعض زيادةً كبيرة، وجامعتُنا هي خير مثال على هذا.»

وقد أكَّدَت أن التنوع أمرٌ مهم في التجرِبة الجامعية في برينستون. قالت: «منذ عهدٍ بعيد أقر رؤساء الجامعة بأن التنوع عنصرٌ أساسي في التجرِبة الجامعية. فالطلاب يتعلمون وينضجون عندما يدخلون في حوارٍ مع أشخاصٍ لهم خلفياتٌ وآراءٌ متباينة.»47

وفي مقال نُشر في ٢١ يناير عام ٢٠٠٨م في صحيفة «ديلي برينستونيان»، استعرض الكاتب مواقفَ أعضاء هيئة التدريس ومَن يؤيدونه من المرشَّحين لرئاسة الولايات المتحدة، مستقيًا معلوماته من السجلات الفيدرالية الخاصة بالتبرُّعات للحملات الانتخابية، واحتل السيناتور أوباما المركز الأول بلا منازع.

كانت لورين واحدةً من موظَّفي برينستون الذين أُجري الحوار معهم. وعندما سُئلَت لماذا فضَّلت سيناتور أوباما عن المرشَّحين الآخرين، أخبرَت الكاتبَين مايكل جول لارسن وجوش أوبنهايمر أنها لم تبنِ خيارها على أن ميشيل كانت زميلتها القديمة وأنها تعرفها «معرفة وثيقة». وأوضحَت أن السبب هو ما يمكن أن يحدثه هذا السيناتور في مستقبل البلاد.

قالت: «أُومنُ بأنه مرشَّح لديه الأمل والرؤية، ويعجبني أنه قادر على إثارة الشباب بحيث يجعلهم يشاركون في العملية السياسية.»48
أثناء زيارة قمتُ بها إلى جامعة برينستون في يوليو عام ٢٠٠٨م، وجدتُ أنه من الجلي أن البيئة التي وصفَتْها ميشيل منذ ثلاثٍ وعشرين سنة تغيَّرت تغيرًا حقيقيًّا، على الأقل فيما يتعلق بهدف الجامعة. فبالإضافة إلى الكتاب الذي تُصدِره كل الجامعات موضِّحة فيه رؤيتها، فإن المواد التي تعطيها جامعة برينستون لتمدَّ من يريد الالتحاق بها بالمعلومات يُوجد من بينها كتابٌ عنوانه «برينستون وخيار التنوع». هذا الكتاب مكوَّن من ٤٨ صفحة، واستُخدمَت في طباعته أربعة ألوان، وهو يركِّز على ١٥ طالبًا من خلفياتٍ متنوعة، ونجد فيه عبارةً قالتها جانيت لافين رابولاي، المسئولة عن قَبول الطلاب بجامعة برينستون، وهي: «نريد أن نفتح أبوابنا أمام الطلاب من جميع البيئات، ولا شيء يهمُّنا سوى سمات الطالب الشخصية والإنجازات والنجاحات الدراسية التي حقَّقها.»49
ونجد به أيضًا عبارة قالتها جانيت سميث ديكرسون، نائب رئيس الجامعة لشئون الطلاب، تتحدَّث فيها عن تشجيع الطلاب على الخروج من الشرنقة، والتعامل مع أناسٍ جُدُد لهم آراءٌ متباينة، وبهذا يحقِّقون اكتشافاتٍ مفيدة. قالت: «آمل أن تجدوا البيئة الملائمة لكم ثم تتركوها. اتركوها لتستكشفوا، وتدخلوا في علاقاتٍ جديدة، وتُواجهوا التحديات، وتكتشفوا اكتشافاتٍ مثيرة في غضون هذا.»50
وأثناء جلسة عُقدَت لتمدَّ الراغبين في الالتحاق بالجامعة بمعلوماتٍ عن عملية القَبول فيها، تحدثَت واحدةٌ من المسئولين عن هذه العملية عن التغيُّر الذي طرأ على برينستون في السنوات الأخيرة. قالت: «لقد عزَمنا على أن نلتزمَ بتقديم المساعدات المادية وبأن نصبحَ روَّادًا بارزين في سياسات المساعدات المادية. لقد غيَّرنا سياستَنا بعض الشيء، وهذا أدى إلى دفع الجامعة إلى الأمام وإلى جعلها تفتح أبوابها أمام الأسر من جميع الطبقات والأعراق.»51
عام ٢٠٠٧م كانت دفعة السنة الأولى (التي سوف تتخرَّج عام ٢٠١١م) تضم ١٢٤٥ طالبًا منهم ٩٪ أمريكيون من أصولٍ أفريقية، و١٥٪ أمريكيون من أصولٍ آسيوية، و٨٪ هيسبانيون، وأقل من ١٪ من سكان أمريكا الأصليين، و٦٪ من أجناسٍ أخرى. ويحصُل أكثر من نصف الطلاب على معوناتٍ مادية. ونظام القَبول لا يهتم بالوضع المادي للأسرة بمعنى أن الجامعة تقبل الطلاب دون أن يكون لديها أي علمٍ بما إذا كانت أسرة الطالب ستستطيع التكفل بمصاريف الدراسة أم لا.52
ومركز الدراسات الأفروأمريكية الذي أنشأَته الجامعة حديثًا يكشف عن اهتمام الجامعة بالقضايا المتعلقة بالأعراق وثقافاتها المختلفة. ففي البيان الصحفي الذي أُلقي عام ٢٠٠٦م معلنًا افتتاح المركز الجديد، قالت شيرلي ماري تيلجمان رئيسة جامعة برينستون: «من بين جميع التحدِّيات التي تواجهها أمريكا، يُعَد الكفاح من أجل تحقيق المساواة العِرقية وفهم تأثير الأعراق على الحياة والمؤسسات في الولايات المتحدة هما الأكثر صعوبة.»53
ومن الملحوظات التي أوردَتْها ميشيل في بحثها أن الجامعات التي «يهيمن عليها البيض»، مثل برينستون، وُضع نظامها الاجتماعي والدراسي بحيث يرعى احتياجات الطلاب «الذين يمثلون الغالبية العظمى». على سبيل المثال، تشير ميشيل في البحث إلى أن عدد الأساتذة السود المعينين في الكلية عام ١٩٨٥م كان قاصرًا على خمسة أساتذة، وكان منهج الدراسات الأفروأمريكية من أَصغر المناهج، وكان القسم الخاص بهذه الدراسات يضم أقل عددٍ من العاملين على مستوى الجامعة. أيضًا تشير إلى أن عدد المنظَّمات الكبيرة التي «أُسسَت خاصة لرعاية المصالح الفكرية والاجتماعية للسود وللطلاب القادمين من العالم الثالث» والتي تعترف بها الجامعة وتسمح لها بالعمل في حرمها لا يتجاوز منظمةً واحدة.54
وفي البيان الصحفي الذي صدر عام ٢٠٠٦م عن مركز الدراسات الأفروأمريكية، أعلنَت جامعة برينستون أن الإصلاحات التي ستتم في عملية التعيين ستشمل مضاعفة عدد مناصب أعضاء هيئة التدريس الذين يعملون دوامًا كاملًا ليصل إلى أحدَ عشَر منصبًا بعد أن كان قاصرًا على خمسة مناصب. وهذا يعني أنه مع توفُّر إمكانية أن يعمل بالمركز مدرِّسون منتدَبون وآخرون متفرِّغون، سيُصبح من الممكن أن يستوعب المركز عددًا من أعضاء هيئة التدريس يتراوح بين أحدَ عشرَ واثنَين وعشرين أستاذًا، حتى يساعدوا في تدريس عددٍ أكبر من المواد.55

ومن بين أعضاء هيئة التدريس الذين يعملون في مركز الدراسات الأفروأمريكية الكاتب والباحث الشهير الدكتور كورنل ويست الذي يعمل في تدريس الديانات بالمركز، ويُعَد صوتًا من الأصوات البارزة في النقاشات الدائرة عن القضايا الخاصة بالأعراق. أيضًا عملَت الكاتبة الأمريكية الشهيرة ذات الأصول الأفريقية توني موريسون أستاذة بالجامعة وشغلَت منصبًا شرفيًّا بعد تقاعدها.

وفي كتاب «برينستون وخيار التنوع»، نجد قائمة بالمراكز الموجودة في الجامعة وتقوم بأنشطةٍ دراسية وثقافية واجتماعية. ومن بين تلك الأنشطة: مركز الحرم الجامعي الأول، ومركز ديفيز الدولي، ومركز كارل إيه فيلدز، ومركز الحياة اليهودية، ومركز الشواذ والخنثويين والمتحولين جنسيًّا. وبحلول عام ٢٠٠٨م، صار واضحًا أنه يوجد بداخل برينستون الكثير من المراكز التي يستطيع الطلاب عن طريقها «القيام بدورٍ فعَّال في تنظيم الأنشطة سواء للطلاب جميعًا أم لمجموعاتٍ محدَّدة من الأقليات» حسبما ورد في الكتاب.56

وأثناء الجلسة أخبرَتْنا المسئولة أن بيئة النوادي تغيَّرت هي الأخرى. فمع أن الكثير من الطلاب لا يزالون ينضمُّون إلى هذه النوادي بعد السنة الثانية — إذ تُوفِّر لهم مكانًا يتناولون فيه وجباتهم بعيدًا عن سكنهم الجامعي — فإن نوادي اليوم مختلفة تمامًا عن نوادي العشر السنين أو العشرين سنة الماضية. فلا تُوجَد نوادٍ خاصة بالرجال وأخرى خاصة بالنساء بل جميعها مختلطة. وصحيحٌ أن الكثير من الأمسيات تُعقد في هذه النوادي، لكنَّ كثيرًا منها يُسمح لجميع الطلاب بحضورها. وقد ورد في مطبوعات الجامعة أن نظام عضوية بعض هذه النوادي قائم على الحظ ونظام عضوية البعض الآخر يقوم على عملية اختيار الأعضاء.

ومن الجدير بالذكر أن ميشيل وبحثها يظهران بوضوح في المواد التي نشرتها الجامعة في عام ٢٠٠٨م، وهذا رغم أن البعض اعتبر هذا البحث ناقدًا لبرينستون، والبعض الآخر غَض الطرف عنه باعتباره نتاج شخصٍ شكَّاء «لا يعترف بالجميل» مقابل ما أُعْطيَ من مزايا. وفي الكتاب الذي تطرح فيه الجامعة رؤيتَها نجد صفحات تسلِّط الضوء على أبحاث التخرُّج التي يكون لزامًا على كل طالبٍ من طلاب السنة الرابعة أن يكتبها. ومن بين الأبحاث الواردة في القائمة بحث الممثلة بروك شيلدز التي تخرَّجَت عام ١٩٨٧م وكان بعنوان «البداية: من البراءة إلى الخبرة: رحلة ما قبل المراهقة والمراهقة في فيلمَي المخرج لويس مال: «الطفلة الجميلة» و«لاكومب لوسيان»»؛ وبحث الملكة نور، ملكة الأردن التي تخرَّجت عام ١٩٧٤م الذي كان بعنوان «شارع ٩٦ وشارع ٧»؛ وبحث المستشار صامويل أليتو الذي يعمل بالمحكمة العليا، والذي تخرَّج عام ١٩٧٢م وكان بحثه بعنوان «مقدمة إلى المحكمة الدستورية الإيطالية»؛ وبحث بيل برادلي العضو السابق بمجلس الشيوخ الذي تخرج عام ١٩٦٥م، والذي جاء بحثه بعنوان «على هذا الإنجاز أرتكز: معركة هاري إس ترومان للفوز بعضوية مجلس الشيوخ عام ١٩٤٠م»؛ وبحث ميشيل أوباما النائبة السابقة لرئيس هيئة مستشفيات جامعة شيكاغو التي تخرجت عام ١٩٨٥م، وجاء بحثها بعنوان «مجتمع السود وخِرِّيجو برينستون ذوو البشرة السمراء». أيضًا ظهرت ميشيل وبحثها في قائمة خِرِّيجي قسم علم الاجتماع وأعمالهم المنشورة على موقع الجامعة.

وبحث ميشيل أكثر من مجرد تأمل في تجرِبتها الشخصية. فحسبما كتبَت ميشيل في المقدمة؛ فإن البحث في مختلِف توجهات الخِرِّيجين السود والتغيُّر الذي طرأ عليها مع مرور الوقت أمرٌ مهم لأنه «مع زيادة عدد السود الذين يلتحقون بجامعات يهيمن عليها البيض سيكون من المفيد معرفة تأثير تجارِبهم في هذه الجامعات على توجُّهاتهم المستقبلية.»57 وفي الخاتمة تقترح ميشيل إجراء مزيدٍ من البحث لتحديد ما إذا كانت التوجُّهات التي ظهرَت في دراستها شائعة بين كل السود الذين تعلَّموا في الجامعة بصفةٍ عامة أم لا. وقالت: «هذه الدراسة ستكون لها أهميةٌ كبيرة في تحسين البيئة التعليمية للسود الذين يستطيعون الالتحاق بالجامعة ومن ثَم تحسين جودة التعليم الذي يتلقَّونه بصفةٍ عامة.»58

ومع أن ميشيل كانت في الواحدة والعشرين من عمرها، فإنه كان من الواضح أنها تنظر نظرةً بانوراميةً لموضوع سيزداد عدد الأشخاص الذين يمسُّهم عبْر الوقت. ومع أنه من غير المحتمل أن يكون بحثها هو السبب وراء أيٍّ من التغيُّرات التي حدثَت في جامعة برينستون — فيما يتعلق بقضايا العنصرية والعدالة الاجتماعية أو بالتزام الجامعة بأن تكون رائدةً في كفاح مواجهة هذه التحديات — فحسبها أنها وضعَت المشكلة تحت المِجهر حتى يراها كل مَن يقرأ البحث. ومثلما فعلَت في مواقف كثيرة أثناء الحملة الانتخابية، فإنها لم تتجنَّب المشكلة مثلما يفعل مَن هم أقل منها جرأة في مواجهة المشكلات، بل ألقت الضوء عليها، ورفعَت صوتها، وأخرجَت رأس النعامة من الرمال.

وكما قالت لويز أمبلر أسبورن، زميلة ميشيل: «إن تناولها لموضوعٍ كان الكثيرون منا يخافون تناوله في الجامعة يكشف الكثير عن شخصيتها. وما أعجبني عندما كنتُ أقرأ هذا البحث هو أنها تناولَت موضوع الأعراق وأثارت حوله جلبةً كبيرةً لا لشيء إلا لأنه كان يستحق أن تُثار حوله هذه الجلبة.»59

وفي الصفحة الخاصة بميشيل في الكتاب السنوي، كتبَت أنشطتها الكثيرة (اشتراكها في مركز العالم الثالث، وتنظيمها الأنشطة التي تحدث فيه بعد الدراسة، وفي منظمة «وحدة السود»، وفي غيرهما من المنظمات). أيضًا اختارت أن تكتب رسالتَين شخصيتَين في صفحتها، الأولى جاء فيها: «الصداقة هي أهم ما في الحياة. ومَن لا يملك الصداقة لا يملك أي شيء.» والثانية جاء فيها: «شكرًا لكم يا أمي وأبي وكريج. أنتم أعزُّ ما أملك.»

وفي الصورة الواردة في الكتاب السنوي تبدو ميشيل مبتسمة. وشعرها كان أقصر مما هو عليه الآن، وكان أشعثَ على النحو الذي كان شائعًا في ثمانينيات القرن العشرين. كانت ترتدي رداءً داكنًا بسيطًا له ياقة، وكان يتدلَّى على رقبتها عِقدٌ من صفَّين مصنوع من الحبيبات المستديرة يكشف عن ولعها بالخرز الصغير الذي اشتُهرَت بالتزيُّن به أثناء حملة الانتخابات الرئاسية.

كانت جميلة، وهادئة، وبدت مثالًا للشابة المستعدة لمواجهة التحديات الجديدة: الالتحاق بكلية الحقوق بجامعة هارفارد، ثم الالتحاق بوظيفتها الأولى في مكتب محاماة بارز. وابتسامتُها الواثقة وعيناها اللتان تنظران إليك مباشرة تجعلان من الصعب على المرء أن يجد فيها ملامح الشابة التي تتساءل: هل ستظل «على هامش المجتمع» دون أن «تسهم فيه إسهامًا فعالًا»؟

بل إن تعبيرات وجهها التي تعكس الثقة والصراحة، وعينَيها اللامعتَين تعكسان نقيضَ هذا. ففي الصورة تبدو ميشيل وكأنها على استعدادٍ لأن تفتح فمها. وكأنها كانت ستقول شيئًا غير متوقع، وستبدأ حوارًا مهمًّا. إن كان قد مرَّ على ميشيل روبنسون وقتٌ كانت فيه غير واثقة من نفسها فعلًا ومن وضعها في برينستون، فإن الصورة تجعلك تشعر أن هذه الشكوك كانت قد تبخَّرت بحلول وقت تخرُّجها، وربما يرجع الفضل في هذا إلى أنها واجهَت هاتَين القضيتين بقوة.

قالت الصحفية والكاتبة البارزة تشارلاين هانتر جولت عن كتاب باراك أوباما «أحلام من أبي» إنه أحد أفضل ما قرأَته من الكتب التي تتناول رحلة اكتشاف الذات.60 وبحث ميشيل بكلِّ ما فيه من مصطلحاتٍ خاصة بعلم الاجتماع قد لا يكون مُؤلفًا نثريًّا مثيرًا، لكن رحلة اكتشاف الذات التي يتناولها لا تقل شيئًا عن الرحلة الواردة في مذكِّرات زوجها التي كانت أكثر الكتب مبيعًا.
وعندما وصلَت ميشيل إلى حرم كلية الحقوق بجامعة هارفارد بعد أشهرٍ قليلة من تخرُّجها في برينستون، كان واضحًا أنها تخلَّصَت تمامًا من بعض الشكوك التي كانت تعذِّبها أثناء سنوات ما قبل التخرُّج. وحسبما قال تشارلز أوجلتري الذي قدَّم لها النصح عند التحاقها بكلية الحقوق، فإن برينستون وضعَت هوية ميشيل في «مفترق الطرق»؛61 فهي مكان تصارعَت فيه مع قضايا العِرق والهُوية، وواجهَت فيه قضية الإرث الذي تركَه لها أجدادُها في هذا العالم الذي يهيمن عليه البيض، هل ستُحافظ عليه أم ستُضيعه.
قال أوجلتري لصحيفة بوسطن جلوب أثناء عمله ضمن فريق حملة أوباما: «كان السؤال الذي يؤرِّقها هو: «هل سأحافظ على الهوية التي ورثتُها من آبائي الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية أم إن التعليم الذي حصَلتُ عليه من جامعة نُخبوية حوَّلَني إلى شخصٍ مختلف عن الشخص الذي ربَّوه؟»» وعندما صارت ميشيل إحدى طالباته كانت قد واجهَت هذه الإشكالية وحسمَتها؛ إذ يقول الأستاذ إن ميشيل اكتشفَت أنها تستطيع «أن تكون سوداء ومبهرة في آنٍ واحد.»62

إن تحلِّي المرء — أسود كان أم أبيض — بالثقة والهدوء في بيئةٍ صارمة من طبيعتها أن تُفقِد الإنسان توازنه، كبيئة كلية الحقوق بجامعة هارفارد، ليس أمرًا هينًا. عندما وصلَت ميشيل إلى مدينة كامبريدج، وجدَت في حرم كلية الحقوق الشهير والمنضم لرابطة «آيفي ليج» بعضَ الانقسامات العِرقية التي كانت موجودة في جامعة برينستون. فمرةً أخرى بدا أن الطلاب السود الملتحقين بكلية الحقوق يُنظر إليهم على أن التحاقهم بها كان منة وإحسانًا، حسبما قالت فيرنا ويليامز، التي كانت صديقة ميشيل في كلية الحقوق والتي تعمل الآن مدرِّسةً بجامعة سينسيناتي.

غير أن ميشيل لم تساورها أيُّ مخاوف هذه المرة، وقد «أدركَت أنها تمتعَت بميزات سياسة التمييز الإيجابي وكان هذا يسعدها»، حسبما أخبر ويليام مَجلة «نيوزويك».63
وفي جميع الأفلام التي تقع أحداثها في كلية الحقوق بجامعة هارفارد — ومن بينها فيلم «قصة حب»، وفيلم «مكتب المحاماة»، و«مطاردة الأوراق»، و«شقراء في كلية الحقوق» — تظهر الكلية في صورة مكان تسوده رُوح المنافسة والجدية، يُمضي طلابها الليل في الاستذكار، ويتنافسون بقوة لجذب انتباه أساتذتهم وللحصول على أعلى الدرجات. بدا أن هذه البيئة تلائم ميشيل. فحسبما تقول فيرنا ويليامز، كانت ميشيل طالبةً متميزة تتمتع بذكاءٍ خارق، لدرجة جعلَتها تطلب منها أن تساعدها في إحدى المحاكمات الصورية، قالت فيرنا إنه حتى في ذلك الوقت كانت ميشيل تتمتع «بقَبولٍ رائع. وهي تستطيع بسهولة أن تصبح كالسيناتور أوباما الذي يتحدث الناس عنه. إنها بالغة الذكاء ولبقة وجذابة جدًّا؛ أي إنها تتمتع بكل الصفات التي يتمتع بها باراك.»64

تركَت ميشيل انطباعًا مماثلًا لدى أساتذتها في كلية الحقوق؛ إذ عُرفَت بأنها شخصٌ قوي في دفاعه عن المواقف التي يتبناها وقادرٌ على الإقناع بها (وهي دلالاتٌ مبكِّرة على أنها ستكون «ورقة رابحة» لا مثيل لها في الجولات الانتخابية في يومٍ من الأيام).

ويتذكَّر أحد أساتذتها، وهو ديفيد بي ويلكينز، أن ميشيل كانت صريحةً جدًّا وواثقةً بآرائها وأنها لم تكن ممن يتجنَّبون النقاشات الصعبة. قال: «كانت ميشيل تحضر المحاضرات التي كنت ألقيها عن المحاماة، وكنتُ أسأل الطلاب في هذه المحاضرات كيف سيتعاملون مع التحديات المهنية والأخلاقية الصعبة. وكان كثيرٌ منهم — وهذا متوقع — يتجنَّبون إقحام أنفسهم في مثل هذه النقاشات ويفضِّلون التعويض عن عدم مشاركتهم هذه بالدخول في النقاشات المهنية البحتة التي تبدو وكأنها تُريحهم من أعباء اتخاذ القرار. أما ميشيل فليس لديها وقتٌ لأن تدفنَ رأسَها في الرمال. بل كانت تعلن موقفها بوضوحٍ وحسم.»65
وقد وصفَها راندال كينيدي، وهو من أساتذتها، وقد عُينَت مساعدة له في أبحاثه، بأنها «هادئة وذات عزيمةٍ قوية». وكانت «منظَّمة للغاية»، لكنه أضاف أنه هو نفسه لم يكن يتخيل أنها ستصبح بهذا الاتزان أثناء موسم الانتخابات القاسي.66

وصورة ميشيل بوصفها امرأة صريحة وجريئة تستدعي إلى الذهن صورة الشخصية الخيالية إيلي وودز التي مثلَت دورها الفنانة ريز ويذرسبون في فيلم «شقراء قانونًا» (ليجالي بلوند). إيلي فتاة شقراء قادمة من كاليفورنيا تنضم للجمعيات النسائية، وترتدي ملابس جميعها من اللون الوردي، بل إن القلم الذي تكتب به ملحوظاتها أثناء المحاضرات يوجد في أعلاه ريشٌ وردي، تصل إيلي إلى جامعة كامبريدج حيث تجد نفسها في عالمٍ غريب عليها تمامًا. فهي تمثِّل النقيض التام لزملائها التقليديين، ومع هذا فإنها تنجح بسرعة في أن تكسب ودَّ هذا العالم الممل الذي يسوده التكبر واضطهاد النساء.

ومثل ميشيل، فإن إيلي لا تلجأ إلى دفن رأسها في الرمال، بل تعلن عن مواقفها بوضوح وحسم — وإن كانت تفعل هذا بأسلوب الفتاة المدلَّلة العاشقة للظهور — وفي النهاية تكسب الجميع بما تملكُه من ذكاء وذوق وبكلامها المقنع. وميشيل، بصفتها امرأة أمريكية من أصلٍ أفريقي في كلية الحقوق، لم تكن غريبة في هذه الكلية بالدرجة نفسها التي كانت عليها إيلي وودز التي لا ترتدي إلا اللون الوردي وتهتم بزينة أظافرها وقدمَيها؛ لكن هذا لا ينفي أنها كانت فتاةً من الأقلية على أعتاب الدخول إلى عالمٍ يهتم بالأعراف وتُهيمن عليه التقاليد. ومثل إيلي، فإن ميشيل كسَبَت ودَّ الجميع.

وبالإضافة إلى تفوُّق ميشيل في دراستها، فإنها وجدَت سبيلًا لمواجهة بعض المخاوف التي أعربَت عنها في البحث الذي قدَّمَته لجامعة برينستون. فبدلًا من أن تُمضي وقت الفراغ في العمل في مَجلة القانون أو غير هذا من الأنشطة التقليدية التي هي طابع الحياة في كلية الحقوق — مثلما سيفعل زوجها الذي سيصبح أول رئيسٍ أمريكي من أصلٍ أفريقي لمَجلة القانون التي تصدرها هارفارد بعد هذا بسنوات — فإنها قضت أوقات فراغها في مساعدة المجتمع الأسود الذي تنتمي إليه: فعملَت مع كلية الحقوق في المساعدة على جذب مزيدٍ من الطلاب الملوَّنين إلى الكلية وشاركَت في مظاهرات تطالب بزيادة عدد الأقليات من الطلاب والأساتذة في هارفارد.67

ومع أنها كانت تقوم بكل هذه الأنشطة، فإن أداءها الدراسي كان رائعًا لدرجة أنها عندما أوشكَت على التخرج عام ١٩٨٨م كانت تنتظرها بالفعل وظيفةٌ مرموقة في مدينتها. وستشغل ميشيل لبعض الوقت الوظيفة التي ذكرَتْها في بحثها ووصفَتْها بأنها تُدر دخلًا عاليًا وتكون في مؤسسةٍ ناجحة.

تُرى ماذا كان شعورها وهي تعود إلى شيكاغو وقد تجاوزَت تلك المرحلة التي كانت فيها فتاةً صغيرةً عليها أن تواجه من يتشكَّكون في قدراتها وتنتزع المكانة التي تستحقُّها، وصارت امرأةً ناجحةً حاصلة على شهادتَين من اثنتَين من أفضل جامعات البلاد ووظيفة يتقاتل عليها معظم خِرِّيجي كلية الحقوق؟ حسبما تقول صديقتُها ومرشدتُها فاليري جاريت: «إنها تفتخر كثيرًا بقولها: «حقَّقتُ أفضل مما ظن الناس أني سأحقِّقه.»»68

ويمكننا أيضًا أن نقتبس مرةً أخرى مقولة الأستاذ الذي قدمَّ لها النصح عند التحاقها بكلية الحقوق، ونقول إنها أثبتَت — لكل من قابلَته في حياتها ولنفسها — أنها كانت حقًّا «سوداء ومبهرة في آنٍ واحد.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦