الفصل الثالث
العمل من أجل أن يصبح العالم
على ما يجب أن يكون عليه
رحلة من عالم المؤسَّسات إلى العمل الحكومي
إن تحدثتَ مع أيٍّ ممن عملوا مع ميشيل أوباما فستجدهم
يردِّدون عبارة واحدة: إنها قمة في النشاط، مستعدَّة دائمًا،
وقادرة على الإنجاز.
هذه ليست مفاجأة
لمن يعرف أننا نتحدَّث عن امرأة كانت وهي طفلةٌ صغيرة لا
تتوقَّف عن العزف على البيانو إلا عندما يُطلب منها ذلك،
وكانت وهي طالبةٌ بالجامعة تستيقظ مبكرًا لتستذكر دروسها،
وكانت أول من يذهب إلى حجرة الطعام كل صباح حتى يتسنَّى لها
العودة بسرعة إلى دروسها؛ إننا نتحدَّث عن امرأة تعمل
«كالمحاربين» في كل ما تؤديه من مهام، حسبما يقول أصدقاؤها،
وتحارب حتى تحقِّق التوازن بين المسئوليات التي يُمليها عليها
كونها زوجة، وأمًّا، ومسئولة بإحدى المستشفيات، وشريكة في
جولات الدعاية التي سبقَت الانتخابات الرئاسية. فميشيل دائمًا
ما تُتقن كل ما تؤديه من أعمال.
يقول أخوها الأكبر كريج إنها تجتهد أكثر مما يجتهد أيُّ
شخصٍ عرَفه في حياته. وإنهما عندما كانا طفلَين كان يعود من
تدريب كرة السلة فيجدها تعمل. ثم يجلس على الأريكة ويشاهد
التلفاز وهي تظل تعمل. وبعد أن ينتهيَ من مشاهدة التلفاز
يجدها لا تزال تعمل.
1
ولهذا السبب عندما تخرَّجَت ميشيل في كلية الحقوق بجامعة
هارفارد وحصَلَت على وظيفتها في شركة المحاماة المرموقة
«سيدلي آند أوستن» (التي صار اسمها فيما بعدُ «سيدلي أوستن»)
أصبحَت على الفور عضوًا مهمًّا في فريق العمل. عندما كانت
تعمل في سيدلي، كانت متخصِّصة في القضايا الخاصة بالتسويق
والمِلْكية الفكرية مما يعني أنها كانت تتعامل مع مجموعة من
القضايا من بينها قضايا الاحتكار، والقضايا المتعلقة بإبرام
الصفقات. وفي إحدى المهام التي أُوكلَت إليها عملَت مع فريقٍ
يمثِّل شركة «إيه تي آند تي» في العرض الذي قدَّمَته
للاستحواذ على شركة «إن سي آر»، وفي مهمةٍ أخرى مثَّلَت شركة
«يونيون كاربايد» في حربها لإتمام بيع وحدة الأعمال
الكيميائية التابعة لها لشركة «أركو» على الرغم من معارضة
لجنة التجارة الفيدرالية.
2
فيما يتعلق بصفقة أركو، من الواضح أنها نجحَت في ترك
انطباعٍ إيجابي لدى المستشار القانوني لشركة يونيون كاربايد.
قال نيت إيمر، المحامي والشريك في مِلْكية مؤسسة «سيدلي»،
للدورية التي تُنشر بعنوان «ناشيونال لو جورنال»، إن ميشيل
«لم تكن مجرد محامِيَة عادية بالشركة، وكانت لا تنطق إلا
عندما تكون واثقةً مما تريد أن تقولَه فيأتي تحليلها واضحًا
دقيقًا.»
3
وبعد العمل لمدة عامٍ واحد في المؤسَّسة، صارت تنال
احترامًا أهَّلها لأن تُوكَل إليها مهمةُ تعليم طالبٍ واعدٍ
جاء يتدرب في الصيف. هذه المهمة ستصبح مصيريةً لمؤسسة «سيدلي»
ولميشيل ولهذا الطالب.
فالطالب هو باراك أوباما الذي سيصبح حبيبَ ميشيل ثم
زوجَها. والحديث البليغ لهذا الطالب عن خدمة مجتمعه والعالم
أجمع والتزامِه بهذا سوف يساعد في النهاية على أن يجذبَ ميشيل
بعيدًا عن مهنتها الواعدة في عالم المؤسَّسات ويذهب بها إلى
وظيفةٍ حكومية لا تقل تألقًا.
قالت ميشيل إن وظيفتها في سيدلي آند أوستن ساعدَتْها على
أن تسدِّد جزءًا من القرض الذي حصلَت عليه لاستكمال دراستها،
لكن هذه الوظيفة لم تتوافق مع جانبٍ آخر من جوانب شخصيتها،
وتحديدًا ذلك الجانب المهتم بأن يجعل العالم مكانًا أفضل مما
هو عليه.
4 وفي صيف عام ١٩٨٩م، ذاقت طعم الجانب الآخر من
الحياة عندما ذهبَت مع صديقها الجديد — الذي لم يكن قد صار
حبيبَها بعدُ — لتسمعه يُلقي خطبة في «ألتجلد جاردنز»، وهو
مكانٌ شديدُ الفقر بالمنطقة الجنوبية من شيكاغو التي كان قد
عمل فيها منظمًا للمجتمع الأهلي قبل أن يلتحق بكلية
الحقوق.
شاهدَتْه منبهرة وهو يتحدث لحشد معظمه من الفقراء
الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية عن الالتزام بالتغيير، وإن
كانت الدنيا غير عادلة والظروف غير مواتية. وتحدَّث عن الحُلم
بأن يكون العالم على «ما يجب أن يكون عليه» بدلًا من الرضا
بالعالم على «ما هو عليه».
قالت ميشيل: «في ذلك اليوم رأيتُ فيه تجسيدًا للمصداقية
والصدق والمبادئ. هذا هو الرجل الذي وقعتُ في
غرامه.»
5
كانت ميشيل آنذاك في منتصف العشرينيات، وكانت تحقِّق
نجاحًا ساحقًا وهي ترتقي درجات السلَّم المهني في سيدلي آند
أوستن، مدفوعة، إلى حدٍّ ما، ﺑ «قيم البرجوازيين»، وبالرغبة
في الكفاح لتحقيق «الأهداف نفسها» التي يسعى إليها زملاؤها
البيض، حسبما كتبَت في البحث الذي قدَّمَته لجامعة برينستون،
ومع هذا لم تكن واثقة من أنها راضيةٌ عن حياتها.
فحسبما ستقول بعد هذا في حوارٍ مع جريدة «تليجراف»
البريطانية: «مشكلة هذه الكليات الرائعة هي أنها تجعل أفق
المرء ضيقًا للغاية. يمكنه أن يصبح محاميًا أو أن يعمل في
«وول ستريت»، هذان هما الخياران التقليديان. وهما خياران
سهلان، ومقبولان اجتماعيًّا، ومجزيان ماديًّا. فلِمَ لا يستقر
على واحدٍ منهما؟»
6 في الصيف الذي التقت فيه ميشيل بباراك، كانت قد
بدأَت تفكر لِمَ لمْ تعُد تريد أن تصبح جزءًا من هذا
العالم.
وبعد أشهرٍ قليلة من مقابلتها الرجل الذي سيصبح زوجها،
وقع حدثان سيغيِّران مجرى حياتها، وكان هذان الحدثان
متعاقبَين. فقد مات والد ميشيل الحبيب فجأة بعد إجراء عمليةٍ
جراحية، وتبع ذلك على الفور فقدان صديقةٍ عزيزة، هي سوزان
أليلي، في سنٍّ صغيرة جدًّا هي الخامسة والعشرون إثر إصابتها
بالسرطان. كانت سوزان واحدةً من رفيقات ميشيل في حجرتها في
برينستون وإحدى صديقاتها المقرَّبات. وكان والد ميشيل، كما
نعلم، مصدر قوةٍ ودعمٍ معنوي لابنته. هذه الخَسارة المزدوِجة
جعلَت ميشيل تُعيد النظر في حياتها.
قالت ميشيل للمجتمعين في أحد المؤتمرات الحزبية بولاية
أيوا: «وجدتُ نفسي لأول مرة أواجه حقيقة أنه لا شيء مضمون في
هذه الحياة. ومن الأشياء التي أتذكَّرها عن سوزان أنها كانت
دائمًا ما تتخذ قراراتٍ تسعدها وتحقِّق لها درجة من الرضا. لم
تكن تهتم كثيرًا بإرضاء الآخرين. سألتُ نفسي: هل كنتُ أستيقظ
كل صباح وأنا أشعر بالحماس للذَّهاب إلى العمل، وبالحماس تجاه
ما أقوم به؟ كنتُ في حاجة إلى أن أحدِّد ما أحبُّه
حقًّا.»
7
وبينما تتأمل ميشيل المسار الذي ستختاره لحياتها، ترددَّ
في ذهنها صدى الكلمات التي قالها باراك في اجتماع ألتجلد
جاردنز. فكيف يمكنها أن تُحدث تغييرًا؟ وأين؟
هذه هي الإشكالية نفسها التي تحدثَت عنها منذ سنواتٍ
قليلة في بحثها، وهي الإشكالية نفسها التي عاشها الكثير من
خِرِّيجي جامعة برينستون ممن أجرت عليهم البحث. فحسبما كتبَت
في بحثها: «في حياة كل فرد من الضروري أن يركِّز اهتماماته
على مساعدة بعض الناس وإنجاز بعض الأمور في آنٍ واحد؛ لأنه من
المستحيل أن يساعد المرء كل الناس وينجز كل شيء بالدرجة نفسها
من الإتقان في آنٍ واحد.» وكتبَت أنه يجب على المرء أن يرتِّب
أولوياته ترتيبًا هرميًّا بحيث يستطيع أن يحدِّد عن طريق هذا
الترتيب أي المجموعات الاجتماعية يرى أن خِدمتَها أهم. من
الممكن أن تتضمَّن المجموعات التي يختار المرء أن يضعَها في
هذا الترتيب الهرمي: الذات و/أو العائلة، و/أو المهنة، و/أو
الدين، و/أو «المجتمع الأمريكي، والأعراق غير البيضاء في
العالم، أو البشرية جمعاء.»
8 تُرى ما الترتيب الهرمي لأولويات ميشيل؟
في يوليو عام ٢٠٠٨م، حكت ميشيل، في حوار مع ريبيكا جونسون
نُشر في جريدة «تليجراف»، كيف وصلَت إلى قرار بشأن مستقبلها.
وكعادتها بدأَت بطرح أسئلة عن نفسها ثم بعد هذا وجَّهَت هذه
الأسئلة للآخرين.
9
قالت لريبيكا إن فقدانها لوالدها ولصديقتها جعلها تدرك
أنه من المحتمل أن تموتَ هي نفسها «غدًا». قالت: «كان عليَّ
أن أسأل نفسي: «هل أريد أن تمضيَ حياتي على هذا النحو؟» كنتُ
أعلم أنني لن أحبَّ القانون ولن أستمتع بدراسته. كنتُ أشعر
أنني نسخة مكرَّرة من الجميع، وأنني التحقتُ بكلية الحقوق فقط
لأن هذه كانت الخطوةَ التالية.»
10
ثم بدأَت تطرح أسئلتها. قالت: «أرى أن إفصاحي عن آرائي،
ومحاولة أن أكون صادقةً فيما أقول هي شكلٌ من أشكال الثورة.
ولا أظن أن الكثير ممن يشاركون في الحياة العامة يفعلون هذا،
وإلا فلِمَ يندهش الناسُ كثيرًا عندما أفعل هذا؟»
11
وعندما وصلَت ثورة الأسئلة التي تؤرِّقها إلى ذروتها عام
١٩٩١م، أخذَت تقابل الأصدقاء وتتناقش معهم حول فكرة تغيير
مسارها والعمل في الحكومة. وساعدَتها إحدى صديقاتها على
الاتصال بفاليري جاريت، التي كانت تشغل في ذلك الوقت منصب
رئيسة الموظفين في مكتب «دالي» عمدة شيكاغو، والتي أصبحَت
صديقة ميشيل ومرشدتها الدائمة.
عندما ذهبَت ميشيل لمقابلة جاريت في مكتبها في المجلس
المحلي لمدينة شيكاغو عام ١٩٩١م شرحَت لها الحالة التي وجدَت
نفسها فيها، فهي تشغل وظيفةً رائعة في مؤسسة محاماةٍ مرموقة،
وتحصل على راتبٍ ضخم، ومع هذا فإنها لم تكن سعيدة. وعندما
كانت تقول إنها تتمنَّى لو استبدلَت وظيفةً صغيرة الراتب في
القطاع الحكومي بوظيفتها في شركة المحاماة المرموقة، كان معظم
الناس يتهمونها بالجنون.
لكن رد فعل جاريت كان مختلفًا. فجاريت كانت قد اتخذَت
قرارًا مشابهًا منذ سنواتٍ قليلة، وهي التي تخرَّجَت في جامعة
ستانفورد وفي كلية الحقوق بجامعة ميشيجان.
قالت ميشيل لدون تيري المحرر بصحيفة «شيكاغو تريبيون»:
«لقد تفهَّم كلٌّ منا الآخر بسرعة. فقد فهمَتْ ما أشعر به.
وكان صعبًا أن أجد أناسًا يفهمون قراري بترك وظيفتي في عالم
المؤسَّسات التي تُدر عليَّ دخلًا مرتفعًا. أما هي فقد مرَّت
بالشعور نفسه الذي مرَرتُ به، شعور الرغبة في أن تقدِّم
المزيد لمجتمعك، الرغبة في أن تهَبَ حياتك لإفادة
الآخرين.»
12
رأت جاريت فيها توءمًا لرُوحها، ورأت أنها مؤهَّلة تمامًا
للوظيفة الشاغرة، فعرضَتْها عليها على الفور، لكن قبل إبرام
العقد، قالت ميشيل إنها تريد رأي خطيبها. (في ذلك الوقت كانت
مخطوبة لباراك.) وافقَت جاريت على أن تقابل ميشيل وباراك على
العشاء بعد بضعة أيام. وكان هذا اللقاء مصيريًّا، تمامًا
كمهمة تدريب الطالب المتميز في الصيف.
أثناء العشاء أُعجبَ كلٌّ منهم بما قاله الآخر، وأبرمَت
ميشيل عقدًا للالتحاق بوظيفة في المجلس المحلي لمدينة شيكاغو
حيث عملَت مع دالي، ابن الرجل الذي ظل قائدًا لشيكاغو لمدةٍ
طويلة، وهو العمدة دالي الأول، الذي تطوَّع والدها بالعمل
منسقًا بين الحزب الديمقراطي والناخبين في دائرته الانتخابية
عندما كان دالي عمدة شيكاغو. أيضًا كان ذلك المساء بداية
صداقتهما مع جاريت، وهذه الصداقة ستساعد في دفع ميشيل إلى
العمل في عددٍ من الوظائف الخدمية المرموقة في القطاع
الحكومي، وفي دفع زوجها إلى السعي إلى أرفع مناصب هذه
البلاد.
13
قالت ميشيل لتيري: «هناك أناسٌ مثلي عملوا [مع فاليري
جاريت] وهم كالأسرة الواحدة. وكانت فاليري تقدم لي ولباراك
النصح في بعض الأحيان. فهي ممن نستشيرهم دائما عندما نكون
مقبلين على اتخاذ قرارٍ ما.» (قرارات مثل الترشُّح
للرئاسة.)
14
عندما أعلنَت ميشيل عزمَها ترك سيدلي آند أوستن حزن
الجميع لرحيلها. قال نيوتن مينو، من كبار المستشارين بسيدلي
آند أوستن: «كانت ستصبح نجمةً بارزة. وكنا جميعًا مولَعين
بها.»
15
ومع أن الوظيفة الجديدة تبعها انخفاضٌ كبير في راتب
ميشيل، فإنها كانت مؤمنة بأن العمل في هذا المجال سيمنحُها
درجةً كبيرة من الرضا، وكانت على استعدادٍ كبير لأن تغيِّر
عالم العمل الحكومي إلى الأحسن. قال تشارلز أوجلتري أستاذها
بكلية الحقوق: «ما تعلَّمَته في كلية الحقوق بجامعة هارفارد
وفي مؤسسة «سيدلي آند أوستن» ساعدها كثيرًا في جميع القرارات
التي صار عليها اتخاذها عندما أصبحَت تؤدي أعمالًا إدارية
وعندما صارت مديرة.»
16
ومن الأهمية بمكانٍ أنها كانت تخطو خطواتها الأولى في
الطريق الذي ستحثُّ هي وزوجها الآخرين بعد سنواتٍ على السير
فيه. ففي الثاني من يوليو ٢٠٠٨م كشف السيناتور أوباما عن خطة
للخدمة الوطنية كان مؤمنًا بأنها ستساعد في حل بعض أصعب
المشكلات التي تواجهها البلاد. وهذه الخطة لن تكون مجرد «نداء
في خطبةٍ واحدة أو برنامجٍ واحد»، بل ستكون «القضية الأساسية»
التي يعمل في خدمتها أثناء الرئاسة، على حد قوله.
قال أوباما في خطبة ألقاها في جامعة كولورادو في مدينة
كولورادو سبرنجز: «سنطلب من الأمريكيين أن يتطوَّعوا لخدمة
مجتمعهم. وسنخلق لهم فرصًا جديدة للقيام بهذا. وسنوجِّه هذه
الطاقة إلى أكثر تحديات الأمة صعوبة.»
17
هذه الخطة تدعو إلى القيام بإجراءاتٍ عديدة من بينها
التوسع في برنامج «أمريكوربس» (الفيالق الأمريكية) الذي يهدف
إلى تحقيق التنمية في مجالاتٍ مثل التعليم والبيئة، ومضاعفة
حجم مشروع «فيالق السلام» الذي يهدف إلى مساعدة البلدان
النامية في تحقيق التنمية، وتمكين عددٍ أكبر من المواطنين من
الانضمام للقوات المسلحة، وإدخال مناهج في المدارس تُعَلِّم
الطلاب عن طريق جعلهم يتطوَّعون لخدمة المجتمع، وزيادة فرص
التطوُّع للعاملين والمتقاعدين، وزيادة فرص الاستفادة التي
يقدِّمها العمل التطوعي للناس بحيث «يستفيد منها الشباب
المحرومون، وتحسِّن مستوى تعليمهم.»
18
أيضًا أشار السيناتور أوباما إلى أن خدمة المجتمع لا تفيد
من يتلقى العون وحسب؛ فعندما عمل منظمًا للمجتمع الأهلي.
وعندما ساعد على تسجيل ١٥٠ ألف ناخبٍ جديد من الأمريكيين ذوي
الأصول الأفريقية في شيكاغو عن طريق منظمة «مشروع التصويت»،
لم يكن يساعد الآخرين وحسب. فقد قال: «فعن طريق خدمة الناس
وجدتُ مجتمعًا يحتضنني، وعرفتُ معنى المواطنة، ووجدتُ الطريق
الذي كنتُ أبحث عنه. وعن طريق خدمة الناس اكتشفتُ أن قصتي
الغريبة هي جزء من قصة أكبر هي قصة أمريكا.»
19 ولا شك في أن زوجته كانت تشاركه هذا
الرأي.
لكن يبدو أن معارضي السيناتور أوباما كانوا أحيانًا ما
يفشلون في فهم هذه الآراء. فإحدى أكثر لحظات الحملة
الانتخابية سوءًا، كانت أثناء المؤتمر القومي للحزب الجمهوري
الذي يُختار فيه مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية؛ إذ سخر رودي
جولياني عمدة نيويورك الأسبق — الذي كان ينافس للفوز بترشيح
الحزب الجمهوري مثلما كان أوباما ينافس للفوز بترشيح الحزب
الديمقراطي — من السيناتور أوباما بسبب السنوات التي قضاها في
العمل منظمًا للمجتمع الأهلي. وردَّدَت حاكمة ولاية ألاسكا
سارا بالين هذا الرأي في خطبتها فقالت: «أظن أن الشخص الذي
يعمل عمدة لمدينةٍ صغيرة يكون تقريبًا مثل منظِّم المجتمع
الأهلي، لكنه — على عكس ذلك المنظم — تكون لديه مسئولياتٌ
حقيقية.» وعلا صوتها عندما كانت تنطق بكلمتَين هما «تقريبًا»
و«حقيقية»، ويبدو أنها فعلَت هذا حتى تلقي الضوء على الفرق
الشاسع — وَفقًا لرأيها — بين خبرتها السابقة في عمودية مدينة
واسيلا التابعة لولاية ألاسكا التي يبلغ تعدادها ٩٧٨٠ نسمة
وبين خبرة أوباما في العمل منظمًا للمجتمع الأهلي في واحدةٍ
من كبرى مدن الدولة.
ومع أن عددًا كبيرًا من الجمهور انفجر ضاحكًا، فإن تآلفًا
من الجماعات الدينية اشتكى قائلًا إن القادة السياسيين يجب أن
يشكُروا منظِّمي المجتمع الأهلي من أجل الجهود التي يبذلونها
بدلًا من إهانتهم.
وقال جيري كيلمان، وهو الشخص الذي عيَّن باراك أوباما عام
١٩٨٥م للعمل في «مشروع المجتمعات النامية» مقابل راتب يبلغ ١٠
آلاف دولار أمريكي سنويًّا، إن مسئوليات أوباما حينها كانت
تتضمن تحديد حاجات الناس — بَدءًا من توفير التدريب اللازم
لنيل فرص العمل، ووصولًا إلى التخلص من مادة الأسبستوس
المسبِّبة للسرطان — ومساعدتهم على العمل من أجل الوفاء بهذه
الاحتياجات. وقال كيلمان لصحيفة «يو إس إيه توداي» إن أوباما
تعلَّم أن يستمع للناس، وأن يعمل معهم سعيًا لإنجاز المهام،
وأن يساعد في «إطلاق طاقاتهم».
20
وفي الساعات التي تلت تصريحات بالين وجوليان الساخرة،
بدأَت التبرُّعات تنهال على حملة أوباما، ويبدو أن هذا كان
بفضل سخافة الحزب الجمهوري.
كتب ديفيد بلوف، مدير حملة أوباما في رسالةٍ إلكترونية:
«كانا يسخران من فكرة أن للأشخاص العاديين دورًا يقومون به في
العملية السياسية التي تمسُّنا جميعًا، دعُونا نوضِّح الأمور
لهم الآن. إن القيام بتنظيم المجتمع الأهلي هو الطريقة التي
يردُّ بها الأشخاص العاديون على السياسيين الذين يعيشون في
أبراجٍ عاجية وعلى سياساتهم الفاشلة.»
لكن لنعُد إلى السيناتور أوباما وإلى طرحه خطةً لخدمة
المجتمع. إن الاقتراح الذي طرحه أثناء الحملة الانتخابية لم
يكن أول نداء يوجِّهه أوباما بشأن وضع خطة للخدمة الوطنية.
ففي مقالٍ منشور على موقع باراك أوباما بعنوان «الخبراء
يمتدحون خطة أوباما للخدمة الوطنية» بتاريخ الخامس من ديسمبر
عام ٢٠٠٧م، نجد أن الخبراء يمتدحون نداءاته بشأن الخدمة
الوطنية.
21
قال السيناتور هاريس ووفورد، نائب مدير مشروع «فيالق
السلام» سابقًا، والمساعد الخاص للرئيس كينيدي لشئون الحقوق
المدنية سابقًا، والرئيس التنفيذي السابق لوكالة الخدمة
الوطنية والمجتمعية: «باراك أوباما يقود الطريق إلى تحقيق
نقلةٍ كبيرة في خدمة المواطنين من جميع الأعمار والطبقات داخل
البلاد وخارجها. وقد حمل الشعلة التي أضاءها جون كينيدي،
ومرةً أخرى أعاد للفعل «اسألوا» قوَّته وقدرته على التحدي.
وعن طريق هذه الخطة نستطيع أن نُظهِر للعالم — ولأنفسنا —
أفضل ما يمكن لأمريكا أن تقدِّمه.»
22
وقال ألان خازي الذي أسهم في تأسيس منظمة «سيتي يير» غير
الهادفة للربح، وكان رئيسًا تنفيذيًّا لمنظمة «بي ذا تشينج»
غير الهادفة للربح أيضًا: «الأمريكيون يبحثون عن طرقٍ جديدة
وخلَّاقة لخدمة مجتمعاتهم وللمساعدة في تغيير بلادهم. وعدد
الشباب الذين يُسهِمون في الخدمة الوطنية يرتفع، وقابل
للازدياد زيادةً كبيرة في السنوات القادمة. وعن طريق توجيه
هذه الطاقات إلى برامجَ مبتكرة موثوق بها تؤتي ثمارًا حقيقية،
نستطيع أن نتغلب على أكبر التحديات التي تُواجهها بلادنا … من
الضروري أن يدعوَ المرشَّحون للرئاسة جميع الأمريكيين إلى
التطوع، وأن يوفِّروا لهم فرصًا حقيقية للقيام بهذا. ويُعَد
الاقتراح الذي طرحه السيناتور أوباما بشأن الخدمة الوطنية
خطوةً واسعة إلى الأمام.»
23
وقال ألان سولومونت، الذي عيَّنه الرئيسان بيل كلينتون
وجورج بوش عضوًا بمجلس إدارة وكالة الخدمة الوطنية
والمجتمعية: «إن حياة كلٍّ من باراك أوباما وزوجته ميشيل
جعلَتْهما يدركان التأثير الخلَّاق للعمل التطوعي. وهما أيضًا
يعرفان ما يستطيع المواطنون أن يُحدثوه من فرقٍ إيجابي في
مواجهة التحديات الصعبة في مجتمعاتهم. وخطة أوباما للتطوع
بخدمة المواطن على نطاقٍ عالمي تقوم على فكرة حازت تأييد كلا
الحزبَين، وتنتقل بهذه الفكرة إلى نطاقٍ جديد يجعل المواطنين
الأمريكيين، في الداخل والخارج، علامةً جديدةً على
الديمقراطية الأمريكية.»
24
وفي الحوار الذي أجراه بيتر سليفين، المحرر بجريدة
«واشنطن بوست»، مع ميشيل في نوفمبر عام ٢٠٠٧م، تحدثَت ميشيل
عن الدافع القوي الذي كان يحرِّكها هي وزوجها نحو العمل
التطوعي وهما شابان. ووصفَت الإشكالية التي واجهاها بصفتهما
أمريكيَّين متعلمَين وموهوبَين ينجذب إليهما عالم المؤسَّسات،
وينجذبان للعمل من أجل العالم أجمع. وقد أُثيرت هذه القضية
مرارًا وتَكرارًا أثناء قيامها بجولات الدعاية الانتخابية؛ إذ
حثت الطلاب على التفكير في العمل بمهنةٍ حكومية بدلًا من
السير تلقائيًّا في طريق عالم المؤسَّسات الأمريكية المرسوم
سلفًا.
قالت ميشيل: «لقد واجهتُ أنا وباراك السؤال التالي: إن
المرء عندما يكتشفُ أن الله قد أنعم عليه بالنعم ومنحَه
الكثير من المواهب فإنه يفكِّر كيف يمكنه تنمية هذه المواهب
إلى أقصى حدٍّ بحيث تفيد أكبر عددٍ من الناس؟ وما الذي يفعله؟
هل يُنَظِّم المجتمع الأهلي؟ هل يعمل في السياسة؟ هل السبيل
هو القيام بمسئوليات الأبوة والأمومة؟ وإلى حدٍّ ما، كانت
إجابتنا هي: كل هذا ممكن.»
25
ففيما يتعلق بميشيل، كانت وظيفتُها في مكتب العمدة هي
الأولى من بين سلسلة من الوظائف التي شغلَتها في القطاع
العام، تبعَتْها وظائفُ في قطاع المؤسَّسات التي لا تهدف إلى
الربح. أمضت ميشيل مدةً وجيزةً في المجلس المحلي لمدينة
شيكاغو، بعدها انتقلَت جاريت إلى رئاسة هيئة النقل العام في
شيكاغو، واختارت ميشيل أن تلحقَ بها إلى هناك عارضةً عليها أن
ترأس المجلس الاستشاري لشئون المواطنين.
ردَّت جاريت قائلةً إن هذه المرأة التي تشملها بعنايتها
هي مصدر عونٍ كبير في العمل خاصةً عندما يتضمَّن هذا العمل
تفاعلًا بين الأفراد. وهي، بلا شك، مجتهدة ودائمًا ما تكون
مستعدة، لكن قيمتها الحقيقية تكمُن في ميلها لمواجهة المشكلات
مواجهةً مباشرة.
قالت لصحيفة «شيكاغو صن تايمز»: «تعرَّضتُ مع ميشيل
لمواقف كثيرة وحضرتُ معها اجتماعاتٍ عديدة ووجدتُ أن الناس
يلفُّون ويدورون حول الموضوع، أما هي فتدخل إليه مباشرة،
وتطرحُه على طاولة النقاش. فهي على استعدادٍ لأن تجهر بما
يتجنَّب الآخرون قوله.»
26
عام ١٩٩٣م شغلَت ميشيل وظيفةً أخرى كانت محبَّبة إلى
قلبها، وهي رئاسة فرع منظمة «بابليك ألايز» في شيكاغو، وهي
منظمة تهدف إلى تثقيف الشباب بشأن عالم الخدمة العامة عن طريق
إشراكهم في برامجَ تدريبية في مؤسَّسات لا تهدفُ إلى الربح.
كان هذا المشروع ثمرة الجهود التي بذلها الرئيس كلينتون في
مشروع «أمريكوربس» (الفيالق الأمريكية)، وكان اشتراكُها فيه
يعني أنها ستتمكَّن من مدِّ يد العون ﻟ «نجوم لامعة» تعمل من
أجل أن تجعل «العالم على ما يجبُ أن يكونَ عليه»، بدلًا من أن
تظلَّ حبيسة «العالم على ما هو عليه».
وكان هذا الدور مناسبًا تمامًا لميشيل؛ إذ إنها «تُتقِن
فنَّ العطاء بلا مقابل»، حسبما تقول جاريت التي أغرَتْها بعد
هذا بثلاث سنواتٍ بالعمل في جامعة شيكاغو. (في وقت الانتخابات
وقبل أن تصبح أحد كبار مستشاري الرئيس أوباما، كانت جاريت
تشغل منصب نائب رئيس مجلس أمناء الجامعة.)
27
وقبل أن تترك ميشيل منظمة «بابليك ألايز» ذاهبةً إلى
جامعة شيكاغو، تركَت أثرها الإيجابي في المكان. فعندما كانت
تشغل منصب مديرة فرع المنظمة بشيكاغو كوَّنَت مجلس إدارة
قويًّا، وجمعَت مبلغًا كبيرًا من النقود، حتى إنها عندما
تركَت الفرع عام ١٩٩٦م، كان فيه، بحسب ما قاله بول شميت،
الرئيس التنفيذي للمنظمة، «احتياطيٌّ مالي يكفيه عامًا، وهو
شيءٌ لم يحدث في أيٍّ من فروعنا من قبلُ. لقد وضعَتْ له ميشيل
أساسًا يمكِّنه من البقاء.»
28
وكان منصب ميشيل الجديد في جامعة شيكاغو قائمًا على
المبادئ نفسها التي جذبَتْها إلى منظمة «بابليك ألايز».
وأثناء تولي ميشيل منصبَ نائبة العميد لشئون الطلاب، ومديرة
مركز خدمة المجتمع بالجامعة، ساعدَت على تنسيق العمل التطوعي
الذي يقوم به الطلاب مما أعانها على مساعدة الشباب في ترتيب
أولوياتهم.
وفي غضون هذا أصبحَت ميشيل أمًّا، في البداية لماليا التي
وُلدت عام ١٩٩٨م ثم لساشا التي وُلدت عام ٢٠٠١م. وفي هذا
الوقت بدأ زوجها العمل في السياسة، وعندما كان يذهب في جولةٍ
من جولات الدعاية الانتخابية أو يسافر للقيام بمهامَّ سياسية،
كانت غالبًا ما تجد نفسها بدون زوجٍ يساعدها، خاصةً فيما
يتعلق بتقديم الرعاية الأبوية لطفلتَيهما الصغيرتَين. هذا
النظام غيَّر من فكرتها عما يعنيه أن تكون المرأة أمًّا
عاملة. ومرةً أخرى وجدَت نفسها مضطرة لأن تعيد النظر في
أولوياتها.
بعد قضاء سنواتٍ قليلة في وظيفتها في الجامعة — وسنة من
حياتها في القيام بدور الأم — جذبَت سمعة ميشيل انتباه مايكل
ريوردان، رئيس مستشفيات جامعة شيكاغو. وفي عام ٢٠٠٢م دعا
ميشيل إلى مقابلة شخصية وصفَها بأنها «على الأرجح، أكثر
المقابلات الشخصية تفردًا» في حياته.
29
ربما تكون ميشيل قد شعرَت أنه من الضروري أن تشرك خطيبها
في النقاش مع جاريت قبل أن تترك عالم المؤسَّسات منتقلة إلى
القطاع العام، لكن عندما كانت ذاهبة للمقابلة الشخصية مع رئيس
المستشفَى صحبَت معها فردًا آخر من أفراد أسرتها، ألا وهو
الطفلة ساشا التي كانت «جالسة في عربة أطفال».
30
قالت ميشيل موضِّحة هذا الموقف بعد سنوات، إنها كان عليها
القيام بعدة أمورٍ متعلقة برعاية طفلتها — وهي أمورٌ لا تعرف
معظم الأمهات العاملات عنها سوى أقل القليل — لذا رأت أن
تصحبَها معها. وذهابها إلى اللقاء الشخصي مصطحبةً أصغر أعضاء
أسرتها لم يجعل الرئيس يتراجع عما كان قد عزم عليه. فقد
عُيِّنَت ميشيل مديرةً تنفيذيةً لشئون المجتمع وهي وظيفة
جعلَتْها تعمل في التنسيق بين المستشفَى والمنطقة المحيطة
بها.
مرةً أخرى كانت هذه المنطقة هي المنطقة الجنوبية من
شيكاغو؛ أي المكان الذي أمضت فيه ميشيل طفولتها. ومكان العمل
هذه المرة هو جامعة شيكاغو، وهي مؤسَّسة أكاديمية تُعَد
مثالًا لرفعة الفكر، وتهتم بالمجتمع، ويسود التسامحُ أجواءها؛
أي إن بيئتها هي الأخرى لم تُثر في ميشيل إحساسًا
بالغربة.
قالت ميشيل لسليفين المحرر بصحيفة «واشنطن بوست»:
«الحقيقة هي أنني توصلتُ إلى أن المجتمع لا يثق بالجامعة ولا
يفهمها، وأن الجامعة لا تثق بالمجتمع ولا تفهمه، وقد توصَّلتُ
إلى هذا بفضل أنني عشتُ في كلتا البيئتَين وعرفتُهما. ونحن لن
نستطيع أن نخلق حوارًا بين الجانبَين إلا إذا قمنا برأب هذا
الصدع وسمعنا كل طرفٍ من الطرفَين وفهمنا سبب خوفه.»
31
وهنا يأتي دور ميشيل. فهي الوسيط بين العالمَين، والشخص
القادر على طرح القضايا على مائدة النقاش وبدء الحوار. كان
المستشفَى يرغب في إنجاز أهدافٍ عديدة من بينها افتتاح سلسلة
من العيادات في المنطقة الجنوبية من شيكاغو قرب المكان الذي
نشأَت فيه والذي سمعَت فيه زوجها يُلقي خطبة في الدور الأرضي
للكنيسة لأول مرة منذ سنواتٍ عديدة.
عام ٢٠٠٥م ترقَّت ميشيل إلى منصب نائب الرئيس للشئون
الخارجية، وهو منصبٌ راتبه السنوي يقترب من ٢٧٥ ألف دولار
أمريكي وَفقًا للإقرارات الضريبية التي قُدمَت عام ٢٠٠٦م.
ادَّعى البعض أن ميشيل استفادت من سطوع نجم زوجها في عالم
السياسة. (إذ جاءت الترقية بعد أن صار زوجها عضو مجلس الشيوخ
عن ولاية إلينوي مباشرة). لكن رئيسها مايكل ريوردان قال إنها
فازت بالترقية بفضل الجهد الذي بذلَته. وقال لصحيفة «شيكاغو
صن تايمز» إن «ميشيل هي المكسب الحقيقي»، وأوضح أنه أراد أن
يرسل رسالةً قوية لمجتمعه تثبت له أنه يكرِّس جهوده له، وقال:
«لذا أردتُ أن أجعل هذا المنصب منصب نائب رئيس.»
32
ولم يكن ريوردان هو الوحيد الذي امتدح ميشيل.
فقد قالت سوزان شير مستشارة الجامعة للشئون القانونية:
«عندما يقوم المرء بأعمالٍ متعلقة بشئون المجتمع، فإنه يتعامل
مع مجموعةٍ متنوعة من الناس تضم رؤساء المستشفيات وقادة
المجتمعات والفقراء من الناس … وميشيل تتمتع بأسلوبٍ فريد في
التعامل مع الناس؛ إذ إنها تتعامل معهم بأسلوبٍ هو غاية في
الإحسان.»
33
وفي البيان الصحفي الذي أعلن فيه ريوردان عن ترقيتها قال:
«لقد أبهرَتْنا ميشيل بالعناية والإبداع والنشاط الذي يميِّز
عملها في كل مشروعٍ أسهمَت فيه منذ أن جاءت إلى المستشفيات.
وإنه لمن دواعي سرورنا أن نُرقِّيها لتصعد سلَّم الإدارة
العليا. فهي تضيف إلى فريقنا مستوًى جديدًا من التفاهم
والالتزام والارتباط الوثيق بالمجتمع.»
34
أما عن ميشيل فقد قالت: «إن هدفي في هذا المنصب هو
الاستمرار في تنمية علاقة المستشفيات بحيِّنا وبمدينتنا …
فنحن يقع علينا واجبُ ضمان أن نوظِّف مواردنا على نحوٍ يفيد
حيَّنا ومدينتنا. وفي هذا الدور الجديد هدفي هو أن أجعل
المشاركة الاجتماعية جزءًا لا يتجزأ من ثقافة هذه المؤسَّسة
وأن أتوسَّع في شراكاتنا مع المنظَّمات والمؤسَّسات
المحلية.»
35
اجتهدَت ميشيل في عملها، ولم تتغيَّر هذه الحال بعد أن
انتقل زوجُها إلى واشنطن ليؤديَ عملَه الجديد في مجلس الشيوخ،
وصارت تقوم بمهام كلٍّ من الأم والأب في معظم الأحيان. وظلت
تعمل عندما كان يفكِّر في الترشح للرئاسة. وظلت تعمل بعد أن
أعلن عن ترشيحه وبدأ حملته الانتخابية.
قالت جاريت: «إنها لا تختار الطريق السهل أبدًا؛ فبعد أن
أعلن باراك أنه سيرشِّح نفسه للرئاسة، كانت تأتي إلى كل
اجتماع وهي مستعدة إلى أقصى حد. وهي شخصٌ لا يمكنك أبدًا أن
تعرفَ ما الذي يجري في حياته.»
36
بعد هذا خفضَت ميشيل عدد الساعات التي تقضيها في
المستشفَى حتى تتمكن من أن تساعد زوجها في شئون الحملة
الانتخابية، وأن ترعى ابنتَيها. وعندما احتدمَت الحملة
الانتخابية أخذَت إجازة من المستشفَى.
وإضافة إلى واجباتها المهنية، كانت تعمل في عددٍ من مجالس
الإدارة، منها مجلس إدارة مدرسة ابنتَيها، ومجلس إدارة مدرسة
«شيكاغو لاب سكول»، ومجلس إدارة مؤسسة «سبرينج»، ومجلس إدارة
منظمة «فيسينج هيستوري آند أَوَرْسِلفس» غير الهادفة للربح،
ومجلس إدارة شركة «مونتو دانس»، ومجلس شيكاغو للشئون
العالمية، ومجلس إدارة متاجر «تري هاوس فودز».
وقد واجهَت ميشيل بعض الانتقادات عندما قبلَت وظيفتها في
متاجر «تري هاوس فودز»، وهي إحدى منافذ بيع منتجات شركة «وول
مارت»، وكانت قد عملَت في هذه الوظيفة في الوقت الذي أصبح فيه
زوجها عضوًا بمجلس شيوخ الولايات المتحدة. ثم استقالت بعدما
قال زوجها إنه لن يشتري من المتاجر التي تُعارِض قرارات
النقابات العمالية، لكن المتجر قال إن سبب الاستقالة هو «كثرة
مطالب» ميشيل. أما عن ميشيل فقد قالت: «مع زيادة الالتزامات
الواقعة على كاهلي تجاه الحملة الانتخابية، زادت صعوبة إعطاء
مهامِّي الوظيفية التركيز الذي أحبُّ أن أعطيه لها.» وقالت إن
ترك العمل يصُب في مصلحة أسرتها ومصلحة الشركة. ويكشف إقرار
ميشيل الضريبي أنها ربحَت ٥١٢٠٠ دولارٍ أمريكي من «تري هاوس»
عام ٢٠٠٦م.
37
رفضَت ميشيل أن تفصح عن أجندتها عندما تصبح سيدة أولى،
وكان كل ما قالته هي أنها ستعمل على ضمان حصول ابنتَيها على
الرعاية اللازمة. (فقد قالت لمَجلة «إيبوني»: «بصراحةٍ شديدة
وظيفتي الأولى ستظل وظيفة «أم»، وضمان أن هذا التغيُّر الذي
ستقع أكبر تبعاته على البنتَين لن يمسَّ استقرارهما بسوء،
وضمان أن تعرفا أنهما ستظلان محور حياتنا إلى
الأبد.»
38 ومع هذا، فقد ناقشَت القضايا الثلاث الأساسية
التي تهتم بها، وجميع هذه القضايا تعكس الخيارات المهنية التي
اتخذَتْها وتعكس واقع حياتها كأمٍّ عاملة.
قالت في حوارٍ مع كاتي كوريك في محطة «سي بي إس نيوز»:
«كنتُ أدير برنامجًا للخدمة الوطنية؛ لذا فإنني أهتم اهتمامًا
بالغًا بها. وأنا أعمل في مركزٍ طبي تابع للجامعة؛ ولذا فإنني
أعرف التحديات التي نواجهها في قطاع الرعاية الصحية. وأنا
أمٌّ وامرأةٌ عاملة وزوجة. ولذا فإنني أعرف المعارك التي
تخوضُها النساء في سبيل تحقيق التوازن بين متطلبات العمل
والحياة والأسرة.»
39
يبدو أن هذا الأمر الأخير هو ما يحرِّكها حقًّا.
فقد قالت إن محاولة تحقيق التوازن بين متطلبات العمل
والحياة والأسرة هو صراعٌ تدخل فيه كل امرأة تعرفها. أيضًا كل
أسرةٍ أمريكية «تتأثر بالتحديات التي نواجهُها عندما نحاول أن
ننجز كل شيءٍ دون أن تتوفَّر لنا الموارد اللازمة ونتمتَّع
بالدعم اللازم.»
40
قالت ميشيل إن الأمر الوحيد الذي يجعلها تنجح في هذا هو
عونُ والدتها وأصدقائها، والمرونة التي توفِّرها وظيفتها —
هذا قبل أن تحصل على إجازة لتركِّز جهودها على الحملة — إذ
قالت: «لأنني نائب الرئيس فإنني أستطيع أن أغيِّر مواعيدي متى
احتجتُ إلى هذا». «نظم الدعم غير الرسمية» هذه ساعدَتْها لكن
«بالله، كيف تتصرف الأمهات اللاتي يقمن بدور الأب والأم في
آنٍ؟! كيف تتصرَّف الممرضات والمعلمات وجميع
العاملات؟»
41
قالت: «واقع الأمر هو أن مدى قوَّتنا في هذا المجتمع
يعتمد على سلامة أسرنا وسلامة مَن يرعى هذه الأسر.» وأضافت:
«لكننا لم نتحدث بما يكفي عن هذا من الناحية العملية. أعني
أنني بصفتي امرأة يُقال لي، حتى هذه اللحظة، «يمكنك أن
تتمتَّعي بجميع حقوقك، لكن عليك أن تديري جميع شئونك.» وكدتُ
أفقد عقلي وأنا أحاول العيش بهذه الطريقة. فهذا مستحيل.
مستحيل. إننا نضع المرأة والأسرة في وضعٍ يجعل كلًّا منهما
خاسرًا.»
42
وعندما كانت تتحدث إلى النساء في أرجاء البلاد أثناء
الحملة الانتخابية، كان هذا هو الموضوع الذي يهيمن على حديثها
من حين لآخر. فعندما كانت تتحدث لحشد يرفع شعار «النساء يؤيدن
أوباما» في شيكاغو في نهاية شهر يوليو، أشارت إلى أهمية أصوات
النساء في الانتخابات الرئاسية. قالت بلغت نسبة النساء ٥٤٪ —
من بين جمهور الناخبين — عام ٢٠٠٤م، وأضافت: «نحن من يحدِّد
نتيجة هذا السباق.»
43
وتغيير سياسات البلاد بحيث تدعم الأسر ليس بالمهمة
السهلة، لكن ميشيل مقتنعة بأنه إن كان هناك قائدٌ سياسي قادر
على أن يفعل هذا، فهذا القائد هو زوجها. وهذا يرجع في الأساس
إلى أنه يفهم هذه المشكلة.
أولًا: لأن والدته كانت «صغيرة جدًّا وكانت هي الأم والأب
معًا عندما أنجبَته.»، وثانيًا: لأنه يرى أمامه ميشيل زوجته
التي تواجه كل يومٍ الشعور بالذنب الذي تحمله كل النساء في
أعماق قلوبهن، ذنب أنَّ خيار البقاء في المنزل ليس مطرُوحًا
أمامهن، وأضافت: «بل إننا نشعر بأننا مذنباتٌ وإن كان لدينا
هذا الخيار.»
44
واستطردَت مخاطبة النساء: «لقد رآني أصارع هذا الشعور
طَوال حياتي. فلتثِقْن بي، باراك يفهم مشكلات
النساء.»
45
إذن ما الذي سيقدِّمه زوجها لحل هذه المشكلات عندما يصبح
رئيسًا؟ عندما كانت تتحدث إلى النساء في ولاية ميشيجان تحدثَت
عن تحسين فرص الحصول على الرعاية الصحية الجيدة، وعن اختلاف
رواتب النساء والرجال، وعن القرارات الصعبة التي تُضطر المرأة
إلى اتخاذها بسبب حالة الاقتصاد المزرية.
قالت: «يُضطر الناس للاختيار ما بين تزويد السيارة
بالبنزين للذَّهاب إلى العمل أو شراء مستلزمات البيت من
المواد الغذائية» وتحدثَت عن أن هذا الوضع يجب أن
يتغيَّر.
46
في الأمسية التي رُفع فيها شعار «النساء يؤيدن أوباما»
التي جرت فعاليتها في مدينة شيكاغو في الثامن والعشرين من
يوليو عام ٢٠٠٨م، أُعطي الحضور كُتيبًا أزرق به الخطَّة التي
يطرحها زوجها لمساعدة النساء والأسر في زيادة الأمن
الاقتصادي، وتحقيق التوازن بين العمل والأسرة، وضمان سلامة
صحة أفراد الأسرة. ويظهر في الكُتيب سلسلةٌ من الاقتراحات
منها جعل الحكومة الفيدرالية مكان عملٍ ممتاز من حيث تبنِّي
جداول عمل مرنة، ومضاعفة التمويل المخصَّص لأبحاث السرطان
التي تقوم بها الحكومة. وتشمل الإجراءات الأخرى المقترحة:
إلزام جميع جهات العمل بأن تجعل الإجازة المرضية مدفوعة الأجر
ما لم تتجاوز سبعة أيام، وزيادة الائتمان الضريبي على الدخل
المكتسب، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتعديل القانون الخاص
بالإجازات المرضية وإجازة رعاية الأسرة.
وفي رسالةٍ شخصية واردة على غِلاف الكُتيب، يعترف
السيناتور أوباما لثلاثة نساء بالفضل في إلهامه، وهن: أمه
وجدَّته وزوجته. وكتب في تمهيدٍ للكتاب جاء بعنوان: «رسالة من
باراك»: «أمامنا فرصة لأن نسير بأمريكا في اتجاهٍ مختلف
تمامًا، والخطوة الأولى في سبيل تحقيق هذا هي تمكين النساء،
وتقوية الأسر. هذا الاعتقاد راسخٌ في كياني لأنني لم أكن
لأترشَّح لمنصب الرئيس اليوم لولا نساءٌ قويات، موهوبات،
مُحبات، ذكيات في حياتي.»
47
أيضًا يذكُر باراك اثنتَين أخريَين ساعدَتا في تحفيزه إلى
السعي إلى دعم النساء وتقوية الأسر، ألا وهما ابنتاه ماليا
وساشا. قال: «الآن أريد أنا وميشيل لابنتَينا أن تنشآ في بلد
تتمتعان فيه بحرية تحقيق أحلامهما ورعاية أسرتَيهما، وتُتاح
لهما فيه هذه الفرصة. أريد لساشا وماليا وبناتكم وأبنائكم أن
ينشَئوا في بلدٍ يكون فيه العمل والأسرة جزءًا لا يتجزأ من
الحُلم الأمريكي، ويكون تحقيق هذا الحلم في متناول
الجميع.»
تستطيع أن ترى تأثير ميشيل واضحًا في مقترحات باراك، وفي
المشاعر التي ولدتها. بل إن ميشيل كتبَت هي الأخرى «رسالة من
ميشيل» في الكتاب الأزرق الذي جاء بعنوان: خطة باراك أوباما
لدعم النساء العاملات وأسرهن. وجاء فيها: «الهدف من هذا
الكُتيب هو مساعدة النساء على إحياء أحلامهن الخاصة بهن
وبأُسرهن. هدفه هو مد يد العون للناس وليس مجرد إعطائهم
كُتيبًا وحسب. الموضوعات المطروحة هنا قريبة من قلبي وهي محور
هذه الحملة. لكن السياسات المطروحة لن تنجح إلا إذا لبَّت
حاجاتكم. لذا نرجوكم أن تُطلِعونا على آرائكم.»
ومع أن ميشيل تحدثَت عن هذه الأمور نفسها طَوال شهورٍ
عديدة أثناء قيامها بجولات الدعاية الانتخابية — ونستطيع أن
نقول إنها تحدثَت عنها لسنوات في بيتها — فإنها تعترف بأنه قد
يمُر بعض الوقت قبل أن تشهد البلاد تحسنًا في هذه المجالات.
(فبعد كل شيء، احتاج زوجُها لبعض الوقت حتى يدرك كمَّ الضغوط
التي تتعرَّض لها وهي تحاول أن تكون أمًّا عاملةً مثالية تقوم
بكل شيء، هذا على حدِّ اعترافها.)
قالت ميشيل: «حتى عندما يصبح باراك رئيس الولايات المتحدة
سنحتاج إلى بعض الوقت والجهد حتى نجنيَ ثمار تطبيق
استراتيجيةٍ مختلفة»، لكن ميشيل مؤمنة بأن هذا الوقت
سيأتي.
48
قالت ميشيل: «عندما نبدأ نرى عددًا أكبر من الناس يتمتع
بالرعاية الصحية، وعندما نجني ثمار تطبيق سياساتٍ اقتصادية
جديدة، وثمار التوسُّع في الاستثمار في التعليم الحكومي، أرى
أنه حينها سيبدأ الحماس يدِبُّ في عروقنا.»
49
عندما كانت ميشيل تتوقف في المحطات المختلفة لجولة
الدعاية الانتخابية، كان يبدو أنها تُحب أن تطمئنَّ على
الأطفال، وإن لم يكونوا أطفالها. ففي أكتوبر عام ٢٠٠٧م قالت
لطفلة في مقهًى في مدينة مانشستر بولاية نيوهامبشير: «أنت
لطيفة.» ثم تحدثَت عن حياتها اليومية في بيتها مع ابنتَيها
الصغيرتَين: تجهزهما للذهاب إلى المدرسة ثم تذهب إلى عملها
وتحاول أن تحل مشكلة وصولهما إلى الأماكن التي تقومان فيها
بأنشطتهما بعد المدرسة، ثم تعود إلى البيت في الوقت المناسب
لتساعدهما في أداء واجباتهما وتُعِد الغداء وتُنِيمهما. قالت:
«أعرف أن الجميع مشغولون جدًّا، لأنني أعرف طبيعة
الحياة.»
50
عندما تقول ميشيل أوباما هذا تعرف أنها عاشت الحياة نفسها
التي عشناها، وأنها لا تختلف عن باقي النساء، وأن حالها لا
يختلف عن حال أي امرأةٍ عاملة. أيضًا تشعر أنها تبذل قصارى
جهدها في أي مهمة تستجدُّ عليها، وهذا ما فعلَته على مدار
حياتها المهنية، فهي تفعل كلَّ ما بوسعها حتى تجعل «العالم
على ما يجب أن يكون عليه».