الفصل الرابع
أنت وأنا (معًا نستطيع أن نواجه العالم)
سكن باراك وملاذه. ورقته الرابحة في جولات الدعاية
الانتخابية. هي له كما كانت جاكلين لكينيدي. نصف باراك الحلو
(أو «نصفه المر» إن كنت تتحدث بلسان الكاتبة المحافظة ميشيل
مالكين). حب حياة باراك. أكثر من يملأ البيت مرحًا. هي من
تحافظ على نقاء معدنه.
كل عبارة من هذه العبارات وُظفَت في وصف ميشيل أوباما
أثناء رحلتها مع زوجها في جولات الدعاية الانتخابية. لكن كيف
أصبحَت هذه المرأة الأمريكية ذات الأصول الأفريقية القادمة من
المنطقة الجنوبية من شيكاغو وتنتمي للطبقة العاملة ملاذَ شخص
يتنافس للفوز بمنصب الرئاسة، وورقتَه الرابحة، وكيف صارت
منزلتُها عنده كمنزلة جاكلين عند كينيدي، أو كيف صارت «نصفَه
المر»؟ لكل علاقة بداية. تُرى كيف بدأَت علاقة ميشيل بأوباما؟
وما هو الوقود الذي يغذِّيها فيحافظ عليها رغم الضغوط التي
تتسبَّب فيها مهنتاهما الشاقَّتان (يمكن القول إن إحداهما هي
أكثر مهنة شاقة على مستوى العالم)، ودورُهما تجاه ابنتَيهما،
والحياةُ تحت سمع وبصر المجتمع الذي لا يغفل؟
مثلما يحدث في كثير من الزيجات، خاصة في عالم السياسة على
ما يبدو، بدأَت علاقة ميشيل روبنسون وباراك أوباما بموقف يتسم
بعدم تكافؤ موازين القوى بينهما. لكن في هذه المرة كان الوضع
التقليدي منقلبًا رأسًا على عقب؛ فعندما قابل باراك زوجة
المستقبل، كانت هي رئيستَه.
ومع أن ميشيل كانت تصغر زوجها بما يقرب من ثلاث سنوات،
فإنها سبقَته في الدراسة الجامعية إذ التحقَت بكلية الحقوق
بجامعة هارفارد بعد أن تخرجَت في جامعة برينستون مباشرة.
وبهذا مارسَت مهنة المحاماة في مؤسسة «سيدلي آند أوستن»
المرموقة عندما وصل إليها باراك صيف عام ١٩٨٩م ليتدرب أثناء
الإجازة. أما باراك، فكان قد أنهَى لتوِّه عامه الأول في كلية
الحقوق بجامعة هارفارد التي التحق بها بعد قضاء ثلاث سنوات في
العمل منظمًا للمجتمع الأهلي في مسقط رأس ميشيل.
ومع أن باراك كان يحب دراسته فقد كتب أن القلق كان يساوره
لأن اختياره لسلك المحاماة قد يعني أنه يتخلى عن مبادئه التي
آمن بها في باكورة شبابه، ويستسلم لواقع المال والسلطة
القاسي؛ أي يسلِّم بقَبول العالم على حاله، بدلًا من السعي من
أجل أن يصبح العالم على ما يجب أن يكون عليه،
1 وبهذا وصل إلى مؤسسة «سيدلي آند أوستن» وهو في
حَيرة من أمره. (وهذا يذكِّرنا بالمخاوف التي عبَّرت عنها
ميشيل في البحث الذي قدَّمَته لجامعة برينستون؛ الخوف من أنها
إن سعت وراء الأهداف التي يسعى إليها زملاؤها البيض — مثل
النجاح في الالتحاق بالدراسات العليا في إحدى الجامعات
المرموقة و/أو الحصول على وظيفة تُدر دخلًا كبيرًا في إحدى
المؤسسات الخاصة في أمريكا — فإنها بهذا تبيع نفسها للقيم
والمبادئ البرجوازية.)
في المؤسسة قيل لميشيل إن طالبًا من كلية الحقوق بجامعة
هارفارد سيقضي بعض الأشهر في المؤسسة ليتدرب، وإنها قد أُوكل
إليها مهمةُ تعليمه، وتدريبه، وجعله يشعر بالراحة في المكان.
كان ما قالته السكرتيرات اللاتي قابلنه إنه «جذاب» وإنه
أمريكي من أصلٍ أفريقي مثلها (كان عدد المحامين السود في
المؤسَّسة في ذلك الوقت قليلًا)، وإنه يحمل اسمًا غريبًا بعض
الشيء، ألا وهو «باراك». كان المحامون تحت التدريب بالمؤسسة
يتحدثون عن مدى تميُّز أدائه في السنة الأولى بكلية الحقوق،
وكان المحامون المتمرسون الشركاء في ملكية المؤسسة يُشِيدون
بروعة المذكِّرة التي كتبها يُعرِّف بها نفسه.
2
ومع كل هذا المديح فلم تعلِّق ميشيل على باراك آمالًا
عالية؛ إذ قالت في مقابلة عام ٢٠٠٤م مع الكاتب ديفيد ميندل
الذي ألَّف كتاب «أوباما من الوعد إلى السلطة»: «كان يبدو
رائعًا جدًّا لدرجة جعلَتني لا أصدق أنه يظهر حقيقته.» وقيل
إنها قالت للأصدقاء: «أنا واثقة من أنه غريب
الأطوار.»
3 وقد كتب باراك في كتاب «جرأة الأمل» أن ميشيل
اعترفَت له بهذا فيما بعدُ، وأخبرَتْه أن صورته المطبوعة في
أحد أكشاك طباعة الصور الرقمية التي أرسلها بالبريد إلى إدارة
مؤسسة «سيدلي آند أوستن» جعلَت أنفه يبدو كبيرًا. من الواضح
أنها أيضًا تشكَّكَت في وصف السكرتيرات اللاتي قابلنه له بأنه
جذاب. فقد افترضَت أنهن انبهرن برؤية رجلٍ أسود يرتدي بذلة
ويحصل على وظيفة، هذا ما كتبه باراك.
4
لكن بصرف النظر عما إذا كان الصيتُ الذي ذاع عن الوافد
الجديد مبالغًا فيه أم لا، وعما إذا كان غريبًا أم لا، وعما
إذا كان أنفه كبيرًا أم لا؛ فقد وقع على ميشيل مسئولية
الترحيب به؛ ولذا فقد دعَتْه إلى تناول الغداء معها في أول
يوم ذهب فيه إلى المؤسسة. وأثناء تناول الطعام تحدَّثا حول
الأمور المتعلقة بالعمل في مؤسسة «سيدلي آند أوستن»، وكان من
بينها نظام تحديد المقابل الذي يدفعه العملاء وَفقًا لساعات
العمل في القضية، ووجدا أن الحوار يدور بينهما في سلاسة.
وحسبما قالت لكاتي كوريك في حوارٍ أجرته معها وأُذيع في قناة
«سي بي إس نيوز» في فبراير عام ٢٠٠٨م، فقد نحَّت جانبًا على
الفور فكرة أن هذا المتدرب الجديد غريب الأطوار. وقالت: «نال
إعجابي بسرعة لأنه ليس مغرورًا رغم تمتُّعه بذكاءٍ حاد،
ولأنني وجدتُ أن تجرِبته مثيرة، وأنه شخصٌ تستمتع بالحديث
معه.»
5
وماذا عن أول انطباع أخذه باراك عن ميشيل؟ إنه لا يتذكر
الكثير عن الحوار الذي دار بينهما لكنه يتذكَّر أن مدربته
كانت ودودة بقَدْر ما كانت طويلة وجذابة في زي المحاماة. أما
عن مظهر باراك، فإنه يتذكَّر أنه كان يرتدي واحدة من البذلات
الثلاث التي اشتراها حديثًا بأسعارٍ رخيصة وحذاءً ضيقًا
للغاية، وهذا بسبب الموازنة التي يسمح بها وضعه كشخصٍ عاد
للدراسة بعد أن عمل منظمًا للمجتمع الأهلي.
6
لكن يبدو أن ميشيل لم تعبأ بملابسه كثيرًا مثلما لم تعبأ
بأنفه. ووجدَت أنها تضحك من قلبها وهي في صحبته، لكن باراك
يتذكَّر أنها مع هذا، أوضحَت له أثناء تناول الطعام أنه لا
مجال في حياتها للأمور التي تعوقُ الناس عن السير في طريقهم
كأن يكون لها عشيق على سبيل المثال. ورغم هذه الملحوظة، مضى
سيل الكلام في يسر، ولم يبدُ أنها تتعجل إنهاء اجتماع
الغداء.
7
أيضًا لاحظ باراك أن لها وجهًا آخر يختفي خلف قناع المرأة
التي لا تهتم إلا بالعمل، إذ قال: «[كنتُ أرى] لمعةً تتراقص
في عينَيها السوداوَين الواسعتَين كلما نظرتُ إليها، ولمحةً
خافتة جدًّا من الحَيْرة، وكأنها تعرف في أعماقها كم هي
ضعيفة، وأنها لو تركَت لنفسها العِنان، ولو للحظة، فإن خططها
ستنهار تمامًا.» وقد أثَّر هذا في باراك، لأنه كان يريد أن
يستكشف «هذا الجانب من شخصيتها.»
8
لذا طلب أن يخرج معها، لكنها صدَّته على الفور معتقدة أنه
من غير اللائق أن تقوم مدرِّبة بالخروج مع من تدرِّبه. قالت:
«فكَّرتُ جيدًا يا تلميذي، وأنا لا أظن أن هذا
لائق.»
9 وحاولَت في المقابل أن ترتب له موعدًا مع بعض
صديقاتها.
لكن المحاولة باءت بالفشل. فيبدو أن باراك لم يكن مهتمًّا
إلا بها، وقد قام بكلِّ ما في وسعه حتى يجعلها تستسلم،
مجادلًا إياها بأن الخروج معه مرةً واحدة لا يُعَد انتهاكًا
لقواعد المؤسسة.
10
وفي إحدى الليالي دعا باراك ميشيل لمرافقته إلى إحدى
الكنائس الواقعة في المنطقة الجنوبية من شيكاغو، وهي المنطقة
التي عمل فيها أثناء قيامه بتنظيم المجتمع الأهلي. كانت
الكنيسة تقع في منطقةٍ قريبة من المكان الذي نشأَت فيه ميشيل،
وقد وافقَت أن تصحبه لأن هذا لم يكن موعدًا غراميًّا.
وعندما وصلا إلى الطابق السفلي من الكنيسة حيث سيُعقد
اللقاء، وجدا حشدًا معظمه من الأمهات اللاتي يعشن بلا زوج،
وكان معظم هؤلاء الأمهات أمريكيات من أصولٍ أفريقية. كان
باراك ذاهبًا إلى هناك ليعطيهن دورةً تدريبيةً حول «العالم
على ما هو عليه في مقابل العالم على ما يجب أن يكون عليه» وأن
الأفراد العاديين يستطيعون أن يشكِّلوا جمعيات ويعملوا معًا
من أجل «تضييق الفجوة بين هذَين العالمَين»، حسبما تتذكر
ميشيل.
11
ما رأته ميشيل وهي تشاهد باراك يتحدث إلى هذا الحشد أثَّر
فيها تأثيرًا كبيرًا. قالت: «عندما تراه وهو يتحول من شاب
يتدرب في مؤسَّسة محاماة مرتديًا بذلة إلى شاب يذهب إلى
الطابق الأسفل من الكنيسة في صحبة أناسٍ من أمثالي، أناس
نشَئوا في الظروف نفسها التي نشأتُ فيها، وواجهوا التحديات،
وكافحوا تحت ظروفٍ لم أتعرض لها يومًا ما، وعندما تراه في ذلك
الموقف قادرًا على أن يخلع بذلته وربطة عنقه ويصبح شخصًا
مختلفًا تمامًا ويتعامل مع الناس بالكفاءة نفسها التي يتعامل
بها مع زملائنا في المؤسسة، تُدرِك أنك لن ترى في حياتك شخصًا
يضاهيه قدرةً على التعامل في المواقف المختلفة بسلاسة، وعلى
التأثير في الناس.»
12
قالت إنها اكتشفَت في ذلك الوقت وذلك اللقاء أن «هناك
شيئًا مختلفًا في هذا الشاب؛ فهو قادر على أن يتعايش مع كلا
العالمَيْن. وكان هذا مُبهِرًا، وكانت رسالتُه مؤثِّرة. أعني
أنها مسَّت شغاف قلبي حقًّا.»
13
أعادت كاتي كوريك صياغة العبارة الأخيرة من كلام ميشيل
قائلة: «وبعدها صرتِ أسيرة هواه. كان رد ميشيل: «رأيتُ أنني
من الممكن أن أواعد هذا الشاب، لقد أبهرَني، أبهرَني
حقًّا.»
14
لكن قبل أن توافق ميشيل على أن تخرج مع زميلها المتدرب في
لقاءاتٍ غرامية، كان عليه أن يجتاز اختبارًا آخر، وهذا
الاختبار ستُساعدها أسرتها في إجرائه. ففي حوار مع ميليندا
هينيبرجر، المحررة بمَجلة «سليت»، قال أخو ميشيل الأكبر كريج
إنه عندما صحبَت ميشيل زميل العمل إلى بيت الأسرة في ذلك
الصيف، ظن أفراد الأسرة أنه «سينضم إلى صفوف مَن فشلوا في
إيقاعها في هواهم.» ويبدو أنها كانت قد تقدَّم لها عددٌ من
الخُطَّاب الذين لم يكونوا أهلًا لها.
15
قال كريج: «لا أقصد أنها قد صاحبَت الكثير من الرجال؛
فهذا ليس صحيحًا؛ إذ إن رضا أختي صعب المنال.» وإنما كان كريج
يقصد أن هذا الشاب الجديد «كان عليه أن ينجح في عددٍ من
التحديات» التي مرَّ بها من سبقوه، وكان لكريج دورٌ يقوم به
في التحدي الذي وقع اختيار ميشيل عليه، ويمكن أن نطلق على هذا
التحدي «تحدي الملعب».
16
طلبَت ميشيل من كريج الذي هو أحد هدافي جامعة برينستون
الفائقي التميز، والذي حصل مرتَين على لقب أحسن لاعب كرة سلة
في دوري جامعات رابطة «آيفي ليج»، والذي يحلُم بأن يصبح
مديرًا فنيًّا لأحد فرق الجامعات التي تلعب كرة السلة مع أنه
يشغل منصبًا رفيعًا في أحد البنوك الاستثمارية؛ طلبَت منه أن
يدعو صديقَها الجديد إلى منافسته في لعبة كرة السلة. (باراك
الذي يبلغ طوله ستة أقدام وبوصة كان قد مارس هذه اللعبة في
مدرسته الثانوية، أكاديمية بوناهو بهاواي، وظل يمارس هذه
الرياضة مع أصدقائه ممارسة الهواة منذ ذلك الحين، لكن هذا لم
يكن ليؤهله لأن يقبل تحدِّي نجم كرة السلة البالغ طوله ستة
أقدام وست بوصات الذي اختاره فريق فيلادلفيا ٧٦، الذي يلعب في
الدوري الأمريكي لكرة السلة للمحترفين «إن بي إيه»، لأن يلعب
ضمن صفوفه، وإن كان النادي تراجع بعد ذلك ولم يقيِّده في
قائمته الرسمية.)
17
وقد أوضح كريج هذا قائلًا إنه هو ووالده كانا دائمًا ما
يقولان لميشيل إن المرء يستطيع أن يعرفَ الكثير من ملامح
شخصية أي إنسان في ملعب كرة السلة. «لذا عندما أخذَت ميشيل
علاقتها بأوباما مأخذ الجِد، قالت لشقيقها: «اصحَب هذا الشاب
والعَبا معًا».»
18
هل سيكون باراك أنانيًّا، أم إنه يتمتع برُوح الفريق؟ هل
سيكون جبانًا أم سيتحلى بالشجاعة ويُقدِم على المحاولة؟ هل
سيتقبل الهزيمة بصدرٍ رحْب أم لا؟ وإذا فاز، فهل سيُراعي
مشاعر منافسه أم سيستهزئ به ويتفاخر بفوزه؟ وهل سيُثير فزعَه
تفوقُ خَصمه عليه في الحجم والخبرة؟
وكانت الإجابة وَفقًا لما قاله كريج هي: ربما لا يكون
باراك لاعبًا ماهرًا لدرجة تؤهِّله لأن يلعب مع أفضل الفرق
الجامعية، «لكنه مثل جميع مَن يمارسون الألعاب الكروية ممارسة
الهواة فإن مستواه يؤهِّله لأن يلعب مع ٨٠٪ من لاعبي كرة
السلة بالعالم … وهو لم يكن أنانيًّا. وكان يتمتَّع برُوح
الفريق، وكان كل شخصٍ في المباراة رقيبًا على نفسه في ظل غياب
الحكام».
19
وبصفةٍ عامة، لم يكن باراك خَصمًا ضعيفًا على الإطلاق.
قال كريج: «لم يكن ضعيفًا. بل كان شجاعًا بلا حماقة، وسلوكه
جعلَني أحمل لأختي ردًّا بأنه ممتاز.»
20
وهذا مدحٌ له قيمتُه إذ إنه صادر من رجل سيحقِّق حُلمه في
النهاية ويصبح مديرًا فنيًّا في جامعة نُورثْوِسترن، ثم في
جامعة براون ثم في جامعة ولاية أوريجون (وسيلتحق فيما بعدُ
بفريق «نيويورك نيكس» لكرة السلة بصفته نائب رئيس تطوير
اللاعبين والمؤسَّسة). وكان لهذا التقييم أهميةٌ كبرى عند
ميشيل. فقد قالت: «نحن أسرةٌ رياضية بطبيعتها. فقد نشأنا في
صالات الجمنازيوم، وفي ملاعب البيسبول حيث كنا، في الغالب،
نشاهد كريج وهو يلعب. وكان كريج دائمًا ما يقول إن المرء
يستطيع معرفة ملامحِ شخصية أي إنسان من سلوكه الرياضي؛ لذا
كان من الجميل أن أسمع من أخي نفسه أن باراك كان قويًّا،
يُظهر ما يُبطن، ويتمتع بالثقة دون أن ينتابه الغرور، ويتمتع
برُوح الفريق. وهذه صفاتٌ تنكشفُ على أرض الملعب.»
21 إذن فميشيل كانت تريد أن تكشفَ معدِنه بأن تضعه
على النار.
بعد سنواتٍ عديدة، سيستخدم كريج تشبيهًا قائمًا على
مصطلحات كرة السلة ليُبديَ رأيه حول ما إذا كان يرى أن زوج
أخته يجب أن يرشِّح نفسه للرئاسة أم لا. ففي عام ٢٠٠٤م عندما
ألقى باراك خطبته التي صارت شهيرة فيما بعدُ، في أول ظهورٍ له
على الساحة الوطنية أثناء المؤتمر القومي للحزب الديمقراطي،
قال كريج روبنسون إنه كان يتصبَّب عرقًا لدرجة أنه لم يكَد
يتحمل هذا الأمر. لكن عندما تحدَّث مع أخته بشأن مسألة: هل
ينبغي أن يدرس باراك فكرة الترشُّح للرئاسة أم لا، كان رأيه
واضحًا وضوح الشمس.
قالت ميشيل: «قال لي كريج إن هذا الرجل [باراك] يتمتع
بالموهبة وإنه يجب أن يُقدِم على المحاولة. وقال إن الكرة
تُحبه وتُطاوعه فهو اللاعب الذي يجب تمرير الكرة إليه لأنه
دائمًا يحرز الأهداف. والبلاد متعطِّشة لأن يقودها أحدٌ مثله؛
لذا علينا ألا نضيع الفرصة. كان كريج قادرًا على أن ينتبه
لهذا قبل أن أدرك أنا أن علينا القيامَ به.»
22
في أول موعدٍ غرامي بين ميشيل وباراك، ذهبا لمشاهدة فيلم
«افعل الصواب». هذا الفيلم من إخراج سبايك لي ويدور حول
التعصُّب والصراع العِرقي في بِدفورد ستايفسانت بضاحية
بروكلين، وكان الفيلم في أيامه الأولى في دُور العرض. وزارا
أيضًا معهد الفنون بشيكاغو ثم تجوَّلا في أنحاء المدينة. قالت
ميشيل إن الأمسية كانت رائعة ومنذ تلك اللحظة ظلت علاقتهما
ناجحة.
قالت ميشيل متذكرة الموعد الغرامي الأول:
23 «كان الموعد رائعًا. وكان أوباما ساحرًا جدًّا …
ونجح. نجح في أن يوقعني في شِباك غرامه.»
بعد سنواتٍ قابل باراكُ سبايك لي في جزيرة «مارثاز
فينيارد». وقيل إنه شكره لأن أول مرة سمحَت فيها ميشيل لباراك
أن يلمس ركبتها كانت وهما جالسان في قاعة العرض يشاهدان
فيلمه.
24
عندما انقضى فصل الصيف عاد باراك إلى جامعة هارفارد
وظلَّت ميشيل تعمل في مؤسسة «سيدلي آند أوستن» في مدينة
شيكاغو. ورغم أعباء الكلية الواقعة على باراك ومسئوليات العمل
الملقاة على كاهل ميشيل، فإنهما استمرَّا في علاقتهما
وتواصَلا رغم طول المسافة بينهما.
بعد لقائهما بنحو ستة أشهر، عاد باراك إلى مدينة شيكاغو
لكن هذه العودة كانت لسببٍ مأساوي فقد عاد ليشُدَّ أزر ميشيل.
كان والدها فريزر قد تُوفي فجأة بعد إجراء عملية في الكُلى،
وعاد باراك بسرعة إلى مدينة شيكاغو ليشارك في الجنازة. وفي
كتاب «جرأة الأمل»، يحكي باراك أن مرافقة ميشيل في تلك المحنة
زادت من قوة علاقتهما. وأثناء الجنازة وعد باراك فريزرَ
روبنسون في صمتٍ بأن يعتني بابنته.
25
وحسبما علمنا، فإن وفاة والد ميشيل وما تبعها من فقدان
صديقتها العزيزة سوزان أليلي إثر إصابتها بالسرطان، كانا نقطة
تحوُّل في حياتها. فحسبما قالت لكاتي كوريك: «إن الوفاة
جعلَتني أنظر نظرة مختلفة لطريقة حياتي وأعيد النظر في الدور
الذي أقوم به من أجل تحقيق فكرة جعل العالم على ما يجب أن
يكون عليه؟ هل أقوم بهذا الدور عن طريق عملي في شركة
المحاماة؟»
26
واستمرَّا يتواصلان رغم طول المسافة بينهما أثناء دراسة
باراك بالسنتَين الثانية والثالثة بكلية الحقوق. وفي ذلك
الوقت، نجحَت ميشيل في أن تثبت براعتها في شركة المحاماة رغم
الشكوك التي كانت تنتابها، وذاع صيتُ باراك بصفته أول رئيسٍ
أسود لمَجلة «هارفارد لو ريفيو» (وفاز بعقد لتأليف كتاب — كان
هذا الكتاب هو «أحلام من أبي»).
كانت هذه أول مرة يقيم فيها باراك علاقةً بهذا العمق
تستمر كل هذا الوقت. ومع أنه أقام فيما مضي علاقاتٍ مع فتياتٍ
أخريات، فإن علاقته بميشيل كانت مختلفة. وقد اعترف أنه كان
صبيانيًّا إلى أقصى حدٍّ فيما مضى، لكن بدا أن شيئًا يتغير
وهو على أعتاب الثلاثينيات؛ إذ بدأ يفكِّر في قيمة إقامة
علاقةٍ قوية، ثم الزواج وبناء أسرة.
27 ولكن هذا لا يعني أن هذه الأفكار جعلَته يتسرع في
إقامة علاقة تسرعًا يتجرَّع مرارة تبعاته بعد هذا.
عندما تخرَّج باراك عام ١٩٩١م عاد إلى مدينة شيكاغو حيث
اختار أن يلتحق بمكتب محاماة صغير مختص بالقضايا المتعلقة
بالصالح العام والحريات العامة بدلًا من العمل في مؤسَّساتٍ
كبيرة تهتم بالربح مثل مؤسسة «سيدلي». وفي هذا العام قرَّرَت
ميشيل أن تترك عملها في عالم المؤسسات وتلتحق بالعمل في
الحكومة بادئةً بوظيفة في مكتب العمدة دالي، وقد شجَّعها على
هذا وجود باراك معها والتزامه بالسعي إلى جعل العالم على ما
يجب أن يكون عليه بدلًا من الاستسلام للعالم على ما هو
عليه.
وفي ظل هذه الظروف استمرَّت علاقتهما الرومانسية
وتطوَّرَت، لكن لم يبدُ أنها ستأخذ شكلًا رسميًّا. وكان هذا
مصدر توتُّر كبير في علاقتهما؛ فخلفية ميشيل كانت تقليدية
أكثر من خلفية باراك؛ ولذا فإنها كانت بكل كيانها تفضِّل
الزواج عاجلًا وليس آجلًا. أما باراك، الذي وُلد لأبوَين غير
تقليديَّين، فظل يجادل أن الزواج — باعتباره عُرفًا — ليس له
أي معنًى.
28
قالت ميشيل في حوار مع مَجلة «نيويوركر»:
29 «طَوال علاقتنا، كنا دائمًا ما نتجادل حول هل
الزواج ضروري أم لا. وكانت هذه نقطةَ خلافٍ جوهرية؛ لأنني
كنتُ من الفتيات اللاتي يقلن: «اسمع يا رجل، لستُ واحدةً من
هؤلاء اللاتي يُحببن أن يقضين حياتهن في التسكُّع.» لستُ
منهن.»
أما باراك عشيقها، فقال، بحسب ما تذكَّرته ميشيل: «الزواج
ليس مهمًّا، ما يهم هو شعورنا أحدنا تجاه الآخر.»
30
لكن في أحد الأيام كانا يتناولان الطعام في مطعم
«جوردونز»، وهو مطعمٌ فاخر يقع في شارع كلارك بمدينة شيكاغو،
وقالت ميشيل لعشيقها إنها تريد لعلاقتهما أن تأخذ شكلًا
جادًّا، وأن تكون علاقةً جادة. لم يرتبك باراك. وبعد
انتهائهما من الطبق الرئيسي، قُدم طبق الحلوى، وكان عليه
صندوقٌ صغير. أمسكت ميشيل بالصندوق، ثم فتحَتْه وإذا بها
تُفاجأ بوجود خاتم الخطوبة فيه. وتتذكَّر ميشيل أنه قال لها:
«أفحمتُكِ، أليس كذلك؟»
31
بعد سنوات، عندما سُئلَت ميشيل عن صنف الحلوى الذي
تناولاه بعد أن حصلَت على الخاتم، لم تستطع أن تُجيب. قالت:
«لا أتذكر. بل لا أظن أنني تناولتُ الحلوى. كنتُ في حالة
صدمة، وكنتُ أشعر بشيء من الإحراج لأنه أفحمَني
فعلًا.»
32
تزوَّجا في الثالث من أكتوبر عام ١٩٩٢م. ورقص العروسان
أولى رقصاتهما في حفل الزِّفاف على أغنية «لا يُنسى»
(أَنفُورجيتابُل)، وهي الأغنية التي ذاعت شهرتُها عندما
غنَّاها نات كينج كول، ثم غنَّتها ابنته ناتالي بعد هذا. ثم
كانت أغنية «أنت وأنا، معًا نستطيع أن نواجه العالم» (يو آند
آي وي كان كونكر ذا وورلد) التي غنَّاها ستيفي وندر، وعنوان
هذه الأغنية وكلماتها يبدُوان كالنبوءة اليوم.
33 غنَّت سانتيتا جاكسون في حفل الزِّفاف، وترأَّس
القَس جيريمايا رايت قدَّاس الزواج في كنيسة «ترينيتي يونايتد
تشرتش أوف كرايست.»
34
وبقية القصة معروفة تقريبًا. التحقَت ميشيل بعددٍ من
الوظائف الحكومية، وكتب باراك مذكِّراته عن نشأته ابنًا لأبٍ
أفريقي وأمٍّ أمريكية بيضاء، وعمل في مؤسَّسة محاماة مختصًّا
بالقضايا المتعلقة بالصالح العام والحريات العامة ودرَّس
القانون الدستوري ثم بدأ يدخل عالم السياسة تدريجيًّا. وبعد
هذا بمدةٍ وجيزة انخرط تمامًا في عالم السياسة، وهذا القرار
نال ترحيب ميشيل لكن ستكون له آثارٌ بالغة على أسلوب
حياتهما.
بعد مرور ستِّ سنوات على زواجهما أنجبا أولى ابنتَيهما.
وفي حوار مع مَجلة «يو إس ويكلي» قال أصدقاء ميشيل إنها كانت
تتوق إلى أن تكون أمًّا منذ طفولتها، لكن هذا لم يكن سهلًا
كما كانت تتمنَّى. قالت إيفون دافيلا، التي تعمل مديرة
علاقاتٍ عامة، وظلت صديقةً حميمة لميشيل طَوال عشرين عامًا:
«واجهَتْ صعوبات حتى تصبح حاملًا، في الواقع حملتُ قبلها
لكنني لم أُرِد أن أخبرها. وعندما دقَّت بابي ذات يوم وقالت:
«أنا حامل»، انهمرَت دموعي.»
35
وكانت ماليا آن هي أولى فرحتهما، وهي «طفلة وطنية»، حسبما
يحب والداها أن يطلقا عليها؛ إذ إنها وُلدت في اليوم الموافق
ليوم الاستقلال من عام ١٩٩٨م؛ أي في الرابع من يوليو. ثم
رُزقا بناتاشا — المعروفة بساشا — في السابع من يونيو عام
٢٠٠١م.
وفي غضون هذا انتُخب باراك عضوًا بمجلس شيوخ ولاية إلينوى
وبدأ القيام بمهام هذا المنصب عام ١٩٩٧م. وعام ٢٠٠٠م قام
بمحاولة فاشلة لدخول مجلس النواب الأمريكي، وعام ٢٠٠٤م أصبح
عضوًا بمجلس شيوخ الولايات المتحدة. وفي العام نفسه ألقى
خطابه المهم في المؤتمر القومي للحزب الديمقراطي، وهو الحدث
الذي سيجذب إليه الأضواء على مستوى الأمة، وسيؤدي إلى فوزه
بالمنصب الذي فاز به في نهاية عام ٢٠٠٨م، ألا وهو منصب رئيس
الولايات المتحدة الأمريكية. ويا لها من إنجازاتٍ كبيرة في
سنوات لم تتجاوز العشر.
وفي حين كان هذان الزوجان الخارقان — اللذان وصفتهما
ميشيل للحاضرين في أحد المؤتمرات الانتخابية ﺑ «الوالدَين
الخارقَين» — يواصلان حياتهما اليومية، تحت جناح الخصوصية
تارة وتحت سمع وبصر المجتمع الذي لا يغفل تارةً أخرى، كانا
يحاولان تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة الأسرية ومتطلبات
العمل — مثلنا جميعًا — وكانت العواصف أحيانًا ما تهبُّ على
حياتهما. لم تكن ميشيل واثقة من أنها تُحب الحياة السياسية،
وقد وصفَتها بأنها أحيانًا ما تكون «حقيرة». وبصفتها أمًّا
عاملة، لم يكن لديها متسع من الوقت للأمسيات والمؤتمرات التي
يُنتظر من زوجات السياسيين أن يحضرنها.
وقد تحدَّث باراك في كتاب «جرأة الأمل» بصراحةٍ عن
المُشادَّات الكلامية التي كانت كثيرًا ما تدور بينه وبين
زوجته حول تحقيق التوازن بين العمل والأسرة على نحوٍ عادل
لكلٍّ منهما وفي الوقت نفسه يراعي مصلحة الأبناء.
36 وقد زادت درجة التوتُّر بعد أن وُلدَت ساشا،
وبدأَت ميشيل تشعر بأن باراك يهتم بنفسه أكثر مما ينبغي. وعلى
حد قول باراك فإنها كانت كثيرًا ما تقول له إنها لم تتزوَّج
لتربي الأبناء بمفردها.
37
بعد سنوات، عندما بدأَت الابنتان تذهبان للمدرسة، بدأ
باراك يفهم ما كانت زوجتُه تمر به. أدرك أنه فور الإنجاب،
صارت ميشيل هي من يقدِّم جميع التنازلات، رغم أنه يؤمن
إيمانًا راسخًا بأنها لا تقلُّ عنه شيئًا وأن أهدافها ومهنتها
لهما أهمية مهنته وأهدافه نفسها.
38
أما ميشيل فكانت لها نظرةٌ مختلفة للموضوع؛ إذ قالت في
حوارٍ أجرته معها صحيفة «شيكاغو تريبيون» عام ٢٠٠٤م: «ما
لاحظتُه عن الرجال، جميع الرجال، هو أن ترتيب أولوياتهم هو
كالتالي: نفسي ثم أسرتي ثم يأتي الدين في مرتبةٍ ما بعد ذلك،
لكن «نفسي» دائمًا ما تحتل المرتبة الأولى. أما عن النساء ﻓ
«نفسي» تحتل المرتبة الرابعة، وهذا ليس أمرًا
جيدًا.»
39
ومثل الكثير من الأزواج، توتَّرت علاقتُهما بسبب مشكلاتٍ
مادية. فطَوال سنواتٍ عديدة ظل الزوجان ميشيل وباراك غارقَين
في الدَّين الذي اقترضاه لاستكمال دراستَيهما، وقد زاد الأمرُ
سوءًا بسبب القرارَين اللذَين اتخذاهما بترك عالم المؤسَّسات
الخاصة، والاتجاه نحو وظائفَ هدفُها خدمة المجتمع. ومع أن
وظيفة ميشيل الأخيرة في مستشفيات جامعة شيكاغو أدرَّت عليها —
أخيرًا — دخلًا كبيرًا، فإن ما مكَّنهما من سداد القروض هو
أرباح كتابَي زوجها: «أحلام من أبي» و«جرأة الأمل».
40
وفي كتاب «أوباما من الوعد إلى السلطة»، يحكي ديفيد ميندل
عما عانَياه في إحدى الأزمات الاقتصادية التي مرَّت عليهما
عام ٢٠٠٠م قبل أن تنفرج الأزمة ويجني أوباما أرباح الكتابَين.
كان أوباما قد سحب أقصى مبلغٍ تسمح به بطاقته الائتمانية —
وكان أحد أسباب هذا الدَّين الذي تراكَم عليه جرَّاء قيامه
بحملةٍ انتخابية للحصول على مقعد في مجلس النواب ثم فشله في
الفوز بهذا المقعد — وكان لا يزال مَدينًا بالقرض الذي حصل
عليه ليستكمل دراسته، ومع هذا اشترى تذكرة طيرانٍ رخيصة
للذهاب إلى مدينة لوس أنجلوس لحضور المؤتمر القومي للحزب
الديمقراطي. لكن عندما وصل إلى مطار لوس أنجلوس، رفضَت شركة
تأجير السيارات التعامل ببطاقته الائتمانية، قال أوباما
لميندل: «أفلستُ. وليس هذا فحسب، بل كانت زوجتي ساخطة عليَّ
لأنني ترشَّحتُ لمجلس النواب مع أننا مسئولان عن طفلة … كانت
مرحلةً صعبةً في حياتي.»
41
في ذلك الوقت كان الشك قد بدأ يتسرَّب إلى آراء ميشيل حول
الاشتغال بالسياسة؛ ففي البداية عندما أخبرها باراك أنه يريد
أن يجرِّب الاشتغال بالسياسة شجَّعَتْه لأنها كانت واثقةً من
أنه يتمتع بكافة الصفات التي يتطلع الناس إلى وجودها فيمن
ينتخبونهم من المسئولين. لكن بعد هذا، عندما زادت المشكلات
المادية والهموم الأخرى، بدأَت ترتاب في صحة موقفها.
42
وعندما أطلَعها باراك على نيَّته الترشُّح لمجلس الشيوخ
أبدَت حماسًا أقلَّ كثيرًا من الذي أبدَتْه في المرة السابقة.
وقالت إن خياراته المهنية تُلحِق بهم ضررًا ماديًّا بالغًا،
وأضافت: «رأيي هو، هذا قرارٌ طائش، فلنفترِض أنك فزت، كيف
ستتحمَّل التبعات المادية لهذه الخطوة الرائعة؟ وكان رده:
«حسنًا، سأكتب كتابًا، كتابًا جيدًا.» قلتُ لنفسي: «النتيجة
نفسها، تأليف كتاب! آه، هذا مُجْدٍ حقًّا! تظن أن هذا سيجعل
السماء تُمطِر عليك ذهبًا.»»
43
طبعًا نعرف ما حدث. لقد ألَّف زوجها الكتاب، وأمطرَت
السماء عليه ذهبًا، وفاز في الانتخابات أيضًا.
ساعدَتْه أرباح كتابَيه اللذَين كانا الأفضل مبيعًا في
سداد القرضَين اللذَين حصلا عليهما لاستكمال دراستَيهما،
ومكَّنَتْه من شراء بيت به ستُّ حجرات نوم يقع في حي هايد
بارك بالمنطقة الجنوبية من شيكاغو قريبًا من جامعة شيكاغو،
وهذا الحي سكانه متباينون عِرقيًّا وبه العديد من المؤسَّسات
الثقافية. وقد اشترى أوباما هذا البيت المبني من الطوب على
الطراز الجورجي في مقابل ١٫٦٥ مليون دولار أمريكي عام ٢٠٠٥م.
44
وفي مقالٍ نُشر في مَجلة «بيبول» في الرابع من أغسطس عام
٢٠٠٨م كتبَت ساندرا سوبيراج ويستفول إن هذا البيت يبدو للوهلة
الأولى مثل جميع البيوت الأمريكية إلى أن تخرج ساشا من البيت
متوجِّهة إلى المدخل الأمامي فيرفع أحد أفراد الحرس السري،
المنوط به حماية الرئيس وأسرته، يده إلى فمه ويقول بصوتٍ
منخفض: «المدخل الأمامي.»
45
ومنزل أوباما يبدو عليه الرغَد؛ ففيه بيانو للبنتَين، وفي
حجرة المكتب الكثير من الكتب، وعلى الجدران أعمالٌ فنية
أفريقية وآسيوية جلباها من أسفارهما. وعلى أحد الجدران تجد
صورة للأسرة رسمَتها آني ليبوفيتز. غير أنه لم يتوفَّر
لأوباما وزوجته متسعٌ من الوقت للاهتمام بالديكور الداخلي
للمنزل، ودائمًا ما تعتذر ميشيل لزائريها وهم على أعتاب حجرة
الطعام عن وجود مصباحَين غير متطابقَين. قالت: «أعلم أن هذا
سيِّئ. لكنني أنوي تغييرهما منذ عامَين!» أظن أن هذا هو ما
يحدث عندما يكون على المرء أن يعمل ويعتني بأبنائه ويساعد
زوجه في معركة الانتخابات الرئاسية.
46
في أكتوبر عام ٢٠٠٨م؛ أي قبل الانتخابات العامة بما يقرب
من شهر، احتفل ميشيل وباراك بعيد زواجهما السادس عشر. وقياسًا
على كل الدلائل الظاهرة، يبدو أن زواجهما ناجح. إذ يردِّد
باراك عبارات مثل: «حب حياتي»، و«سكَني وملاذي»، و«الورقة
الرابحة» في حملات الدعاية الانتخابية. ونشاهد لقطاتٍ يظهر
فيها الزوجان السعيدان وهما يحتضن أحدهما الآخر، ونقرأ سيل
المدح الذي أمطر به باراك زوجته في كتاب «جرأة الأمل»، وهذا
الجزء من الكتاب يبدو وكأنه قصيدةٌ يتغنى فيها باراك قائلًا
إن الرجال عندما يقابلون أم طفلتَيْه، فإن سحرها يغمرُهم
تمامًا. وعندما يستمع الناس إلى حديث ميشيل يُخبرونه بأنه
زوجٌ رائع لكن روعة زوجته تفوق الوصف. وفي أفضل مجاملة ينطق
بها هذا الرئيس القادم، قال إن ميشيل لو فكَّرت في أن تنافسه
على أحد المناصب العامة، فسيصبح في مأزق. لكنها لحسن الحظ لا
تهتم بالسياسة حسبما يقول زوجها. فهي تقول له إنها لا تتمتع
بالصبر اللازم لهذا. ويكتب باراك معلقًا على ما قالته: «إنها
تنطقُ بالحقيقة كعادتها.»
47
تُرى ما هي مفاتيح سعادة أسرة أوباما؟ كيف ينجحون في
الحفاظ على علاقتهم؟
لا شك في أن أحد هذه المفاتيح هو خفَّة الظل.
حسبما قالت ميشيل لراشيل راي في برنامجها التلفزيوني
أثناء المعركة الانتخابية للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، فإن
الضحك يساعدهم في مواجهة الأوقات العصيبة. قالت ميشيل: «أنا
أكثر أفراد المنزل مرحًا، ودائمًا ما أستطيع أن أرسم الضحكة
على شفاه باراك.»
48
وعندما سألها أحد الصحفيين: كيف تجد تجرِبة أن تكونَ
زوجةَ رجلٍ سياسي؟ أقرَّت ميشيل بأنها تجرِبة شاقة، ثم أضافت
مازحة: «ولهذا يعترف باراك بجميلي عليه.»
49
وتتعدَّد المواقف التي أظهرَت خفة ظلها أثناء جولات
الدعاية الانتخابية. ففي إحدى المحطات الانتخابية في ساوث
كارولاينا مزحَت ميشيل حول أحوالها المادية هي وزوجها والوقت
الذي استغرقاه حتى يسدِّدا القرضَين اللذَين حصلا عليهما
ليستكملا دراستَيهما. فقالت: «ما زلتُ أنتظر ميراث باراك،
لكنني سمعتُ أن ديك تشيني قد يكون قريبه، فعرفتُ أننا على
أعتاب المشاكل!»
50
وفي لقاء في مدرسة «إنديا بوليس» الإعدادية قالت إن
الأمريكيين «شعبٌ طيب» وإنهم على استعدادٍ لأن يكدُّوا
ويضَحُّوا ما دام هذا في حدود المعقول. وأضافت: «أنا وباراك
نعرف هذا جيدًا؛ لأننا نُخبويان» مشدِّدة على كلمة «نخبويان»
وهي تقول هذا وكأنها تشير إلى أزمة بيترجيت، وما وُجِّهَ
لباراك من اتهاماتٍ بأنه نخبوي بعد ما قاله عن الدين
والبنادق.
51
وفي حوارٍ أجرته مَجلة «إيبوني» مع ميشيل عام ٢٠٠٦م
تحدثَت عما قالته لزوجها عندما أخبرَها أنه يريد الترشح لمجلس
الشيوخ، فألقَت طُرفة لا تنم عن الاحترام. قالت: «قلتُ له:
لقد تزوجتُك لأنك وسيم وذكي، لكن هذا هو أغبى شيءٍ استشرتَني
في القيام به.»
52
وباراك مرِح أيضًا. ففي مقالٍ آخر نُشر في المَجلة نفسها،
تحدث باراك مازحًا عن عيوبه كزوج، فقال لِلِين نورمنت مصطنعًا
الشكوى: «عندما أكون في البيت لا بد أن أثبت وجودي وأهمل في
ترتيب حاجياتي. فحسبما تُحب ميشيل أن تقول: «أنت رجلٌ جيد،
لكن هذا لا ينفي أنك من جنس الرجال.» فأنا أترك جواربي في غير
مكانها. وأعلِّق بنطالي على الباب. وأُلقي الجرائد في أي
مكان، لكنها تكون لي بالمرصاد عندما لا أتصرف على نحوٍ سليم.
وبعد مرور أربعة عشر عامًا على ارتباطنا أستطيع أن أقول إنها
تمكَّنَت من ترويضي.»
53
وإضافة إلى خفة الظل نجد الصدق والصراحة، وهذا شيءٌ عُرفت
به ميشيل على وجه الخصوص. ويمكن هنا أن نقتبس مرةً أخرى
المقولة التي دائمًا ما يردِّدها زوجها «إنها تنطق بالحق
كعادتها.»
وفي فقراتٍ وردَت بها أسئلة القراء وأُلحقَت بحوارٍ
أجرَتْه مع ميشيل الكاتبة تونيا لويس — زوجة المخرج سبايك لي
الذي ورَدَ ذكره في سياق الحديث عن أول موعدٍ غرامي بين ميشيل
وأوباما — في مَجلة «جلامور» سأل قارئٌ ميشيل: لِمَ، في
رأيها، تعرضَت للنقد بسبب ما قالته عن أن زوجها يترك جواربه
ملقاة على الأرض.
54 (بعد نشر هذا المقال، وجَّه لميشيل نقدًا لأنها
قالت للسيدة تونيا إن رائحة زوجها تكون «سيئة» في الصباح وإنه
يكون «مزعجًا».)
55
أجابت ميشيل: «أظن أن [معظم] الناس فَهِموا المفارقة
الكامنة في موقفنا؛ إذ تبيَّن لهم أن هذه هي طريقة حياتنا
جميعًا، أكرِّر وأقول جميعًا. وباراك لا يختلف عن باقي الناس.
لذا علينا ألا نرفعه فوق مستوى البشر لأن ما نفعله دائمًا هو
أننا نرفع الناس إلى السماء السابعة ثم نهوي بهم إلى مكانٍ
سحيق. وهناك أفكارٌ راسخة في أذهان الناس عن دور الزوجة في
هذا، وهو دورٌ تقليدي يتلخَّص في الحب الأعمى. أما النموذج
الذي أمثِّله فمختلف قليلًا، وأظن أن معظم الزيجات الواقعية
مثل زيجتي.»
وقد ردَّدَت ميشيل مثل هذا الكلام في الحوار الذي أجرَتْه
معها كاتي كوريك في قناة «سي بي إس نيوز»، وذلك عندما أشارت
كاتي كوريك إلى أن بعضَ الناس يَصِفون باراك بأنه رجلٌ فوق
مستوى البشر سيُخلص العالم من الشرور. فكان رد ميشيل: جميعُنا
بشرٌ بلا استثناء. وقالت: «ولهذا فإننا نحاول أن نسخر من
أنفسنا حتى تبقى صورتنا عن أنفسنا في حجمها المعقول. ولهذا
فقد سخرتُ من باراك بسبب عدم وضع الجوارب في مكانها، وغير هذا
من الأمور التي تعرفونها. ولهذا أحاول أن أتأكَّد أنه يستطيع
إعداد شطيرة الزبد، وهذا لا يعني أنني أحاول أن …»
هنا سألتها السيدة كاتي: «تنفي رجولته؟»
فردَّت ميشيل: «نهائيًّا. كل ما هنالك أن باراك في
النهاية بشر مثل أي قائد. وأنا أرى أن التحدي الذي نواجهه في
هذا البلد لا يكمن في إيجاد شخصٍ يخلِّصنا من شرور أنفسنا،
فالتحدي يكمُن فينا نحن. فالتحدي الذي تواجهه هذه البلاد هو:
كيف سنغيِّر من أنفسنا، نحن أفراد هذا المجتمع؟»
56
وحسبما تقول كايتي ماكورميك ليليفيلد المتحدثة الرسمية
باسم ميشيل، فإن ميشيل عندما تهزأ بزوجها «يكون هناك منطقٌ
يدفعها لهذا العمل المجنون». فإنها تكشف عن أن زوجها «شخصٌ
عاديٌّ يسهُل أن نقابل أمثاله وأنه بشر، مجرد بشر».
57
لكن لا يُجمع الناس على تقدير صراحة أوباما وزوجته وخفة
ظلَّيهما، ويشعر البعض أن أسلوبهما ليس أفضل الخيارات
السياسية على المدى البعيد. فقد كتب مورين دود في مقال بجريدة
«نيويورك تايمز»: «أشعر بشيء من الألم عندما توبِّخ ميشيل
زوجها قائلة إنه مجرد بشر، وهي تقوم بهذه المهزلة باستمرارٍ
مبرِّرة هذا بأننا نراه في منزلة الآلهة. لكن ليس من الذكاء
أن تهزأَ به على نحوٍ يجعلنا نكُف عن النظر إليه على أنه مبهر
كالرئيس كينيدي، ويجعله في نظرنا كالرئيس جيرالد فورد العادي
الذي كان يُعِد إفطاره بنفسه. إن كان لدى السيناتور أوباما ما
يمنحُه السحر والجاذبية، فلمَ تسعى لنزعهما عنه؟»
58
أيضًا، رغم أن صديقي الصحفي البريطاني بن ماكنتاير منبهرٌ
بشخصية كلٍّ من ميشيل وباراك وبعلاقتهما، فإنه قال «إن ما
تفعله ميشيل محفوفٌ بالخطر لأنها إن رأت أنها تستطيع أن
توبِّخه فسيحذو الآخرون حذوها».
وأضاف: «عندما تقول إن رائحة فمه تكون كريهةً في الصباح،
فإننا جميعًا نعرف أن هذا من الأمور الطبيعية في الحياة لكن
ما قالته قد يثير المتاعب مستقبلًا. فقد يصبح ما يقوله الناس
هو «يا إلهي، إنها لا تحترمه نهائيًّا»، و«إنها لا تفهم قواعد
اللعبة»، و«إنها ساذجةٌ جدًّا»، و«إنها لا تكُف عن
الانتقاد».» لكنه أضاف أن ما قالته هو من ناحيةٍ أخرى قمة في
الصراحة. قال: «أرى أن هذا مبهر. فالعلاقة التي نراها تتجسَّد
أمام أعيننا هي علاقة سِمتُها الصراحة.»
59
من مفاتيح السعادة الأخرى إصرار الزوجَين على أن يُوجِدا
وقتًا لأسرتهما بصرف النظر عما يجري في حياتيهما المليئة
بالأشغال.
قالت ميشيل لصحيفة «شيكاغو صن تايمز»: «أنا وباراك لا
نحيا حياة سِمتها الإثارة، ولم يحدث هذا قط. وإنما نحن أشخاصٌ
نهتم بالحياة الأسرية. وعندما نخرج معًا، فإننا إما نتناول
الطعام في الخارج أو نشاهد فيلمًا لأننا لا نستطيع أن نطيل
السهر حتى نفعل كلا الأمرَين.»
60
طبعًا، أصبح رجال الأمن السري يخرجون معهم الآن، لكن هذا
لم يغيِّر طريقة حياة هذه الأسرة تغييرًا كبيرًا. فقد قالت
ميشيل إنهم يحترمون خصوصيتهم.
61 ويبدو أن ماليا وساشا لا تنزعجان من فكرة أنهما
مُضطرَّتان لإشراك رجال الأمن في حياتَيهما. قالت ميشيل: «إن
وجود رجال الأمن لا يزعجهما. وهما تسمِّيانهم «العملاء
السريين».»
62
وفي صفحة ميشيل على موقع فيسبوك، كتبَت تحت عنوان
«الأنشطة»: «الخروج مع زوجي باراك ومع ابنتيَّ، والقيام
بجولات الدعاية الانتخابية، وممارسة التمرينات الرياضية».
وتحت عنوان: «الاهتمامات» كتبت: «القيام بدور الأم، ولعب
السودوكو.» وتحت عنوان «الفيلم المفضَّل» كتبت: «حديثًا لم
أشاهد إلا أفلام الأطفال، وشاهدتُ فيلم «إنشانتد» منذ وقتٍ
ليس ببعيد.» وخمِّنوا ماذا كتبَتْ تحت عنوان «الكتب
المفضَّلة». كتبت: «نقرأ الكثير من كتب الأطفال في بيتنا.
ومنذ وقتٍ قريب قرأنا «هاري بوتر».»
أو بعبارةٍ أخرى، فإن المحاميَةَ التي تلقَّت تعليمها في
جامعتَي برينستون وهارفارد، وزوجها الذي تلقَّى تعليمه في
جامعتَي كولومبيا وهارفارد والذي من المحتمل أن يصبح الرئيس
القادم للولايات المتحدة اختارا أن يقضيا وقتهما في القيام
بالأمور نفسها التي يقوم بها معظم الآباء الذين لهم أبناءٌ
صغار؛ أي في: مشاهدة أفلام الأطفال، وقراءة كتب الأطفال،
والخروج معًا. قد لا يكون هذا مبهرًا، لكنه يصُب في
مصلحتهما.
في نهاية شهر يونيو عام ٢٠٠٨م؛ أي بعد فوز باراك بترشيح
الحزب الديمقراطي بنحو أربعة أسابيع، التقط أحد المصوِّرين
الذين يقومون بتغطياتٍ إخبارية جماعية صورةً لباراك وميشيل
على حين غرَّة تعكس إحدى اللحظات الخاصة؛ إذ كانا يستجمَّان
في إحدى مباريات الكرة التي تلعبها ابنتاهما. (في مقال نُشر
في الخامس من يوليو عام ٢٠٠٨م، قال المراسلان الصحفيان كيم
تشابمان وكريستين جونسون اللذان يعملان في قناة «بلومبرج» إن
عملية التغطية الإخبارية الجماعية هذه يُطلَق عليها «بودي
ووتش»؛ أي المراقبة اللصيقة ومهمَّتها تسجيل كل خطوة يتخذها
مهما كانت تافهة بما في ذلك جلسات التدريبات الرياضية
والحلاقة.) كان باراك قد عاد إلى بيته مسافرًا بالطائرة لقضاء
إجازة مع أسرته، مثلما يفعل كلما تسنَّى له هذا. ارتدى باراك
وميشيل ملابس غير رسمية مثل جميع الآباء الذين كانوا في ملعب
الكرة ذلك اليوم. وكان الفارق الوحيد بينهما وبين أولئك
الآباء هو أن المراسلين الصحفيين كانوا يراقبون كل حركةٍ من
حركاتهما، وكذلك أفراد الأمن.
فتح الزوجان كرسيَّيهما اللذَين جلباهما من محلات «سبورتس
أوثورُتي» وجلسا يشاهدان المباراة، وكانا يقفزان من حينٍ لآخر
— مثل غيرهما من الآباء — ليصفِّقا مشجعَين ابنتَيهما على
لعبةٍ جيدة أو ليهتفا ببعض التعليمات الفنية. وفي إحدى
اللحظات بدا أن ميشيل كانت تقول لزوجها أن يغلق تليفونه من
نوع البلاك بيري. وفي لحظةٍ أخرى الْتُقطَت صورة لباراك وهو
يميل نحو زوجته مبتسمًا ابتسامةً عريضة وهو يهمس لها بأمرٍ
ما. ومهما كان ما قاله، فلا بد أنه كان بذيئًا إلى حدٍّ ما
لأنه كان يضحك وميشيل تدفعُه بعيدًا عنها بلطف. وقد سجَّل
المصور هذا في الرسالة المكتوبة المصاحبة للفيديو إذ جاء
فيها: «٨:٣٠ – ميشيل وباراك يداعب أحدهما الآخر.»
63
وهذا يقودنا إلى المفتاح التالي لسعادتهما الزوجية، إلى
هذه الرابطة الغريبة أو هذا الوقود الذي يغذِّي علاقتهما،
والذي يبدو، في حالتهما، صادقًا وجليًّا لأعين المحيطين بهما.
لدرجة أن المراسل الصحفي لم يملك إلا أن يلاحظ هذا الارتباط
القوي بينهما ويسجِّله.
في موضوعٍ بعنوان «لمَ يحبُّها باراك»، تناول زواج أوباما
وكان موضوع غِلاف مَجلة «يو إس ويكلي»، كتب كيفين أوليري
يستعرض أجواء المؤتمر الانتخابي الذي عُقد في ولاية مينيسوتا
في الثالث من يونيو بعد أن فاز باراك بترشيح الحزب
الديمقراطي، ثم يستطرد واصفًا لحظاتٍ حميمةً خاصة تلت هذا
المؤتمر بأربعة أيام.
ففي الثالث من يونيو، صعِد مرشَّح الرئاسة وزوجته
المتألقة في ردائها الأرجواني إلى المِنصة أمام ١٨ ألفَ شخصٍ
يفور حماسًا في مدينة سان بول بولاية مينيسوتا. وعلى إيقاع
أغنية «يوم سعيد» (بيوتيفول داي) التي غنَّتها فرقة «يو تو»
والتصفيق الحاد، حيَّيا مؤيدِيهِما، وبعدها أدَّيَا حركة
تعبِّر عن حبهما، وذاك حين جعل أوباما قبضته تلمس قبضة زوجته
في حركة أصبحَت الآن سيئة السمعة قبل أن يتوجه إلى مكبر الصوت
ليلقي خطبة قَبول الترشح للرئاسة.
في السابع من يونيو، أثناء إقامة مأدبة بمناسبة حفل عيد
الميلاد السابع لابنتهما الصغرى ساشا، تجمَّعَت مجموعة من
الأصدقاء ومن أفراد الأسرة بالقرب من منزلهما في شيكاغو
ليشاركوا في الاحتفال. وكان من بين الحضور إيفون دافيلا إحدى
أقرب صديقات الأسرة، وقد وصفَت لحظةً حميميةً خاصة مرَّت
أثناء الاحتفال بعيد الميلاد.
قالت لأوليري، المحرر بمَجلة «يو إس ويكلي»: «غنَّينا
أغنية «عيد ميلاد سعيد» (هابي بيرذداي). ولمحتُه ينظر نحو
زوجته ثم بدا وكأن الابتسامة ترتسم على شفتَيه. لم يكن على
وعي بما يفعل، لكنني رأيتُه، وقد أثَّر فيَّ ما فعله
كثيرًا.»
64
وعام ٢٠٠٧م وضعَت مَجلة «إيبوني» اسمَي باراك وميشيل في
قائمة أفضل عشر أزواج. وكان من بين من ذُكروا في القائمة
أزواج مبهرون مثل بيونسيه، وجاي زي.
65
أيضًا انبهر صديقي بن بما رآه من ودٍّ واضح بين باراك
أوباما وزوجته. ووصف تعاملهما معًا بأنه «غير مصطنع على
الإطلاق»، وقال إن «التوافق» يسود علاقتهما. وقال «إنهما
يتعانقان كثيرًا جدًّا»، ثم أضاف «أو ربما أنني لا أقاوم
الالتفات إلى هذا. لكن علاقتهما تتميز بكثرة لمس أحدهما
للآخر، وهذا أمرٌ غير عادي … ربما يكون هذا أسلوبهما. فهو
يبدو غير مصطنع. إذ لا يبدو أنهما يفكِّران قبل أن
يتصرفا.»
66
من مفاتيح السعادة الأخرى، ثقة — بل إيمان — كلٍّ منهما
بالآخر، وبالمستقبل.
فمع أن ميشيل لم ترحِّب في البداية باتخاذ باراك خطوة
الترشُّح للرئاسة فقد قالت إنها لم تستطع أن تستمرَّ على
موقفها هذا عندما فكَّرت فيما قد يعنيه ترشُّحه لابنتَيها
وللمستقبل.
قالت في الحوار الذي أجرته معها كاتي كوريك: «نحن نحتاج
شخصًا يوحِّد صفوفنا، هل تفهمين مقصدي؟ نحتاج شخصًا يوحِّد
هذا البلد … وباراك يتمتع بالقدرة على تخطِّي الحواجز الحزبية
وعلى أن يخلق نوعًا من التوافق بين الولايات الموالية للحزب
الجمهوري (الولايات الحمراء) وتلك الموالية للحزب الديمقراطي
(الولايات الزرقاء) مما سيمكِّننا من تكوين أغلبيةٍ مؤثِّرة
في الكونجرس ويساعدنا في حل بعض المشكلات.»
67
وقد قالت لتونيا لويس التي تعمل في مَجلة «جلامور»: «أشعر
بحماسٍ شديد لعملية الترشُّح هذه. فعندما اتخذنا قرار الدخول
في هذه المعركة الانتخابية، كان بداخلي صوت يقول: «يا إلهي!
هذا سيُخل بنظام حياتنا الشخصية، لِمَ نُقحم أنفسنا في هذا؟»
لكن بعد هذا تركتُ العِنان لنفسي بأن أحلم بثمار وصول زوجي
للرئاسة، وسرَت قُشَعْريرة في جسدي.»
68
أما عن باراك فقصيدة المدح التي غنَّاها لزوجته في كتاب
«جرأة الأمل»، والطريقة التي يتحدث بها عنها في جولات الدعاية
الانتخابية — إذ يقول إنها «الورقة الرابحة»، و«حب حياته»،
و«سكَنه وملاذه» — يكشفان عما يُكنُّه لها.
وثقة كلٍّ منهما بالآخر بلغت حدًّا جعل كلًّا منهما يؤمن
بإخلاص الآخر له. فمع أننا رأينا أن زيجات السياسيين تواجه
بعض التحديات مع مرور السنين فإن ميشيل ترفض أن تقلق بشأن
أمور مثل الخيانة. وقالت: «لا أُقلق نفسي أبدًا بشأن الأمور
التي لا يد لي فيها، وفيما يتعلق بالإخلاص فإن هذا أمرٌ
يخصُّني أنا وباراك.»
69
هذا لا يعني أن ذلك الموضوع لم يُطرح في وسائل الإعلام.
ففي أعقاب الفضيحة الجنسية لحاكم ولاية نيويورك إليوت سبيتزر
الخاصة بتورُّطه مع إحدى فتيات الدعارة، نشرَت مَجلة «فانيتي
فير» مقالًا عن الخيانة الزوجية بعنوان «إنها الخيانة الزوجية
يا غبي!» وأجرت تحقيقًا صحفيًّا دقيقًا حول جميع المرشَّحين
للرئاسة وحول السياسيين المشهورين، وثبتَت براءة أوباما
وزوجته.
فقد كتب الكاتب مايكل وولف يقول: «لا غبار تقريبًا على
سمعة باراك أوباما فيما يتعلق بعلاقاته الجنسية الخاصة. وهذا
يمثل تحولًا جذريًّا في الصورة الراسخة في أذهان الناس عن
طباع ذوي الأعراق المختلفة؛ فالرجل الأبيض أصبح هو المنحرف
جنسيًّا الذي لا يوجد ضابط لتصرفاته (ويُستثنى من هذا مِت
رومني وهيلاري كلينتون) والرجل الأسود هو رمز الدفء الأسري
الجميل الذي تتسم به الطبقة الوسطى.»
70
ويقتبس وولف ما قاله أحد أصدقائه وهو «طبيب أبيض في منتصف
العمر يؤيد أوباما بقوة»، إذ قال إن باراك لن يقع أبدًا في
المشكلات الجنسية نفسها التي وقع فيها بعض السياسيين وهم في
منتصف العمر لأن ميشيل ستكون له بالمرصاد. أو بعبارةٍ أخرى:
فإن حال الرجل لا ينصلح إلا بسياسة العصا. ويصف وولف أوباما
بأنه «الوحيد في هذه الساحة الذي يبدو أنه لا يعاني أزمةً
جنسية. وهذا تجسيدٌ لنظرتنا لما يجب أن تكون عليه الحياة
الجنسية للرجل الليبرالي القويم.»
71
وقد أثار هذا الموضوع ميندل في كتاب السيرة الذي ألَّفه
عن أوباما بعنوان «أوباما من الوعد إلى السلطة». فمثلما يحدث
دائمًا مع الكثير من الرجال المشتغلين بالسياسة وجد أوباما
نفسه فجأة محل اهتمام النساء. وقد قال دان شومون، المستشار
السابق لحملة أوباما، لميندل إن أي إنسانٍ لن يروقَ له أن
تلتقي المرأة التي يحبها مع أوباما؛ لأن كل النساء يقعن في
هواه.
72
وقد قالت إحدى الصديقات لميشيل إنها سمعَت مصادفةً بعض
النساء في أحد النوادي الصحية يتحدَّثن عن زوجها ويقلن إنهن
يودُّنَّ لو شاهدنه وهو يمارس الرياضة.
73 وقالت فاليري جاريت الصديقة الحميمة لأسرة أوباما
إن ميشيل لا تُقلِق نفسها بشأن تأثير زوجها المغناطيسي لأنها
تعرف أنه يعلم ما ستفعلُه به إن خانها. قالت جاريت وهي تضحك:
«ستقتُله أولًا، وبعدها قد تتركُه وشأنه.»
74
ومن الأمور الأخرى التي لا تُحب ميشيل أن تُقلق نفسها
بشأنها هو ما قد يحدث، أو قد لا يحدث، أثناء أو بعد الحملة
الانتخابية إن فاز زوجها بمنصب الرئاسة. ففي الحوار الذي
أجراه معها لاري كينج في الحادي عشر من شهر فبراير قالت: «لا
أشغل ذهني بالتفكير في الأمور التي قد لا تسير على ما يُرام.
ولم أُمضِ أبدًا حياتي في التفكير فيما قد يقع من سوء، وإلا
لما كنتُ هنا الآن.»
75
وكذلك، عندما قال لاري: «جميعُنا نعرف أن ألما باول أثنت
كولين باول عن الترشُّح للرئاسة خشية أن يصيبه مكروه» بسبب
أنه سيكون أول رئيسٍ أسود، ردَّت ميشيل بكلمةٍ واحدة:
«صحيح.»
بعد أن راوغَت ولم تُجب عن السؤال تحدثَت عن أن زوجها —
وهو رجلٌ أسود — فاز في ولاياتٍ مختلفة هي ولايات: يوتا،
وساوث كارولاينا، ولويزيانا، ومين، وإلينوي. قالت: «أعني أن
زوجي أثَّر في كل من ينتمي لهذا البلد؛ في كل عِرق وكل حِزب،
في الجمهوريين وفي المستقلين. وأرى أنه لا يوحِّد الناس حول
العِرق بل حول الأمل.»
وقد كتبَت شايلا ديوان في جريدة «نيويورك تايمز» إنه في
شهر يونيو تحدثَت ميشيل أمام حشدٍ معظمُه من السود في مدينة
أتلانتا مشيرةً إلى المخاوف التي أُثيرت حول ما قد يتعرَّض له
زوجها من خطر بسبب ترشُّحه للرئاسة. وقالت إنه لا تزال هناك
أصوات، داخل مجتمع السود نفسه، لا تتحدَّث إلا بما قد يقع من
مكروه، لكن تاريخ العنصرية يجب ألا يمنع زوجها وأمثاله من
الترشُّح لهذا المنصب.
76 وبدلًا من التركيز على المخاوف، فإن ميشيل تفضِّل
دائمًا التركيز على الفكرة الأساسية التي تدور حولها الحملة،
ألا وهي: الأمل.
من الأمور الأخرى التي تُسهِم في تحقيق سعادتهما الزوجية
هي رغبة كلٍّ منهما في أن يكون قدوةً حسنة لابنتَيه وللآخرين،
وأن يساعد الآخر في تحقيق هذا.
عندما أخبر باراكُ ميشيلَ أنه يريد الترشُّح للرئاسة،
طرحَت عليه سؤالَين وأملت عليه شرطًا. كان السؤالان متعلقَين
بأمور مثل: كيف سيتحمَّلان النفقات التي تتطلَّبها الحملة؟
وما أثرُها على حياتهما الأسرية؟ أما الشرط فكان: أن يقلع عن
التدخين.
وأمر التدخين متعلق بتجرِبة شخصية مرَّت بها ميشيل؛
فعندما كانت هي وكريج طفلَين، وكان والداهما يدخِّنان، كانت
تقوم هي وأخوها بتفريغ سجائر والدَيهما من التبغ ووضعها في
الصلصة الحارة. والإقلاع عن التدخين يصُب في مصلحة أسرتهما،
وخاصةً في مصلحة ماليا التي تعاني الربو، مع أن ميشيل تقول إن
زوجها لا يدخِّن أبدًا أمام ابنتَيه. غير أن الأهم من هذا هو
أن ترك هذه العادة يتعلق بمسألة القدوة الحسنة. فبحسب ما
أخبرَت ميشيل صحيفة «شيكاغو تريبيون»:
77 «في رأيي هذا الأمر يتعلق بمسألة القدوة الحسنة.
فالمرء يجب ألا يجمع بين عادة التدخين وشغل منصب الرئاسة.»
(قال باراك في برنامج «ذي إلين ديجينيريس شو»
78 إن أحد الأسباب التي جعلَت محاولة الإقلاع عن
التدخين تتكلل بالنجاح هو علكة النيكوريت. وقال: «ظلِلتُ أمضغ
لبان النيكوريت الذي يشبه طعمه طعم الفلفل المطحون، لكنه
ساعدَني مساعدةً كبيرة.» أيضًا اعترف بفضل زوجته في أنها
حثَّته على هذا، وقال لإلين: «ما هذا إلا أحدُ الأمثلة على أن
زوجتي تجعلني أتغيَّر للأحسن.»)
وقد تحدَّث باراك بحماس عن أهمية أن يكون الآباء قدوة
لأبنائهم، وهذه رسالةٌ مؤثِّرة جدًّا، خاصة أنها صادرةٌ من
رجلٍ هجره أبوه هجرًا تامًّا منذ أن كان في الثانية من عمره.
وقد قال مرارًا وتَكرارًا إنه عاش الواقع الأليم الذي يعيشُه
من يَنشَئُون بلا أب، وكتب عن هذا في كلٍّ من «أحلام من أبي»،
و«جرأة الأمل».
79 بل إن موضوع كتاب «أحلام من أبي» يدور حول
محاولته أن يشكِّل هُويةً لنفسه رغم غياب والده من
حياته.
وفي الرسالة التي بعث بها في خطبة، صارت مشهورة الآن،
وجَّهها لحشدٍ معظمه من السود في كنيسة شيكاغو في يوم عيد
الأب عام ٢٠٠٥م، طالب باراك الآباء في المجتمع الأفروأمريكي
الذي ينتمي هو إليه بأن يكونوا قدوةً حسنة لأبنائهم وأن
يتحمَّلوا مسئولية أفعالهم وأن يتصرَّفوا كما يتصرف «الرجال
الناضجون.»
وقال في الخطبة التي ألقاها في ١٩ يونيو من عام ٢٠٠٥م في
كنيسة «كرايست يونيفرسال تمبل» في مدينة شيكاغو: «كثيرٌ من
الأشخاص والإخوان الذين يسيرون حولنا يبدون في هيئة رجال. فهم
طِوال القامة ولهم شوارب، وربما يكونون قد أنجبوا طفلًا. لكني
لا أراهم رجالًا ناضجين.»
وواصل حديثه قائلًا إن كثيرًا من الآباء «ينشغلون بأمورٍ
تافهة»، و«يصبُّون اهتمامهم على رغباتهم الخاصة أكثر مما
يهتمُّون بمصلحة الآخرين» حاثًّا الآباء على أن يطمحوا لبلوغ
العُلا. وقال: «إن كنا نريد أن يكون لأبنائنا آمالٌ عريضة،
فعلينا نحن أن يكون لنا آمال عريضة.»
80
وألقى أوباما خطبةً مماثلة في يوم عيد الأب أثناء
الانتخابات الرئاسية داعيًا المتعبِّدين في كنيسةٍ
أفروأمريكية أخرى في المنطقة الجنوبية من شيكاغو أن يتولَّوا
مسئولية حياتهم وأبنائهم. وبعد أن أقرَّ بأن هناك حاجةً إلى
زيادة الوظائف والفرص قال: «أيضًا نحتاج إلى أسرٍ تربِّي
أبناءنا. نحتاج إلى آباء يدركون أن المسئولية لا تنتهي عند
مرحلة الإنجاب. نحتاج إلى أن يدركوا أن معنى الرجولة لا
يتلخَّص في القدرة على الإنجاب. الشجاعة تتمثل في القدرة على
تربية الأبناء.»
81
وفي الخطبة التي ألقاها في كنيسة «أبوستوليك تشرتش أوف
جود» في ١٥ يونيو عام ٢٠٠٨م، تحدث عن أهمية الأسرة، وقد أدرك
أوباما مدى أهميتها عندما كان ابنًا وعندما أصبح أبًا. قال:
«من بين جميع الدعائم التي نؤسِّس عليها حياتنا، علينا أن
نتذكَّر اليوم أن الأسرة هي الأكثر أهمية. وعلينا أن ندرك مدى
أهمية دور كل أبٍ في هذه المؤسَّسة وأن نقدِّر هذا
الدور.»
وميشيل أيضًا كانت مهتمة بأن تمثِّل قدوةً أنثويةً حسنة
لابنتَيها. ومع أن حياة زوجها السياسية كانت تعني أن عليها أن
تُحجِّم طموحاتِها المهنيةَ لبعض الوقت على الأقل، فإنها كانت
تؤمن بأنه من المهم جدًّا أن تظل لها حياة مهنية واعدة.
(عندما زادت حاجة جولات الدعاية الانتخابية إليها خفَّضَت عدد
ساعات عملها في المستشفَى بنسبة ٢٠٪ حتى يتسنَّى لها المساعدة
في أمور الحملة، وقضاء وقتٍ مع ابنتيها لا تنشغل فيه بما
سواهما، وهذا الشق الأخير ترفض التضحية به إطلاقًا. وعندما
زادت أعباء الحملة الانتخابية زيادةً لا تُحتمل، أخذَت إجازة
بدون راتب من العمل.)
وقالت في حوارٍ أجراه معها ديفيد ميندل إنها تخاف من أنها
قد تُضطر لأن تصبح المصدر الوحيد للدعم المادي والمعنوي
لابنتَيهما إن أصاب زوجَها مكروه. وميشيل هي بالتأكيد شخصيةٌ
عملية واقعية تؤمن بالدروس التي علَّمها لها أبوها وهي صغيرة،
تلك الدروس الخاصة بالإصرار، وبتحمُّل المسئولية، والاعتماد
على الذات. أيضًا هي تعلم أنها ستجد من يتعاطف معها ويدعمها
إن وقع مكروه، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الحفاظ على حياتها
المهنية أمرٌ لا غنى عنه، ليس فقط لأنها تُحبها، بل أيضًا
لأنها سبيل يمكِّنها من الاستمرار في رعاية
ابنتَيها.
82
وهذا يقودنا إلى آخر مِفتاح من مفاتيح السعادة، وربما
يكون أهمها جميعًا، ألا وهو: الابنتان.
فباراك وميشيل يريان أن ماليا وساشا هما الحبل الغليظ
الذي يربطهما والجذر الذي يحافظ على رسوخهما في الأرض. وفي
كتاب «جرأة الأمل»، حكى باراك عن إحدى الليالي التي أمضاها في
بيته في مدينة شيكاغو؛ إذ صعد إلى الطابق العلوي ليغطي
ابنتَيه في الفراش. وكان قد عاد إلى البيت بعد أن ألقى خطبة
في مدينة بيرمينجهام بولاية ألاباما في الناحية المقابلة
للكنيسة التي فقدَت فيها أربع بناتٍ صغيرات حياتهن عام ١٩٦٣م،
إثر انفجار قنبلة زرعها عنصريون بيض. كان يفكِّر في هؤلاء
البنات الأربع وفي أمه التي كان قد فقدَها منذ وقتٍ ليس ببعيد
إثر إصابتها بالسرطان، ثم جال بخاطره حوارٌ دار بينه وبين
صغرى بناته. فقد قالت له ساشا إنها لا تريد أن تموت، فقال لها
والدها إنه لا يزال أمامها وقتٌ طويل قبل أن تبدأ في التفكير
في هذا الأمر.
لكن في تلك الليلة سأل نفسه أيضًا إن كان يجب عليه أن
يَصدُقَها القولَ ويخبرَها بأنه لا يعلم ما سيحدث بعد أن
نموتَ علمَ اليقين، مثلما لا يعلم أين الرُّوح؟ وكيف كان حال
الكون قبل الانفجار العظيم؟ وبينما هو يصعد السُّلم، فكَّر
فيما كان يأمل في حدوثه، ألا وهو «أن تكون أمي مع هاتَين
البنتَين الصغيرتَين على نحوٍ ما، وتكون قادرة على احتضانهما،
وإدخال السعادة على قلبَيهما.»
لكن الأمر الوحيد الذي لم تساوره الشكوك بشأنه هو أنه كان
يشعر وكأنه في الجنة وهو يغطِّي ابنتَيه في تلك الليلة، حسبما
كتب.
83
أما على الصعيد الدنيوي، فإن ماليا وساشا يساعدان
والدَيْهما على تحديد هويتهما.
ففي إحدى المحطات الانتخابية في وسط ولاية أوهايو، تحدث
الزوجان إلى خمسين من الطلاب الجامعيين في مدينة كولومبوس حيث
قدَّمَهما الحاكم تد ستريكلاند قائلًا إنهما زوجان خارقان،
لكن ميشيل غيَّرت هذا اللقب قائلة إنها هي وزوجها يريان
نفسيهما والدَين خارقَين.
84
وكذلك فإن الابنتَين تمثلان معيارًا لقياس سير الأمور في
جولات الدعاية الانتخابية. فعندما سُئلَت ميشيل كيف يخلقان
جوًّا إيجابيًّا في البيت في حين أن باراك المرشَّح الرئاسي،
وميشيل زوجة المرشَّح الرئاسي، يخضعان لمراقبةٍ شديدة في
وسائل الإعلام وأحيانًا ما تُوجَّه إليهما الانتقادات؟ أجابت
إنهما دائمًا ما يراقبان ردود أفعال ماليا وساشا. «ابنتاي
تفضِّلان مشاهدة مسلسل «سبونج بوب» عن مشاهدة قناة «سي إن
إن»؛ لذا فإن الحفاظ على الجو الإيجابي في البيت أمرٌ سهل،
لكن أنا وباراك دائمًا ما نتحقَّق من أنهما لا تزالان
بخير.»
85
والفتاتان تساعدانهما في الحفاظ على ترتيب أولوياتهما؛
فعندما انتقل باراك إلى واشنطن ليمارس مهام منصبه في مجلس
الشيوخ الأمريكي، اختارت ميشيل، ومعها الفتاتان، أن تبقى في
مدينة شيكاغو. وعلى الرغم من التضحيات التي يتطلَّبها هذا
القرار فإن الوالدين ارتاحا إليه لأنه الأفضل أثرًا على
البنتَين، قالت ميشيل عام ٢٠٠٥م: «كان قرارنا بالبقاء في
مدينة شيكاغو، والاستقرار هناك، قرارًا صائبًا؛ ولذا فإنه
حافظ على استقرار أسرتنا. فلم يتبع هذا حدوث تغيرٍ كبير في
حياتي وحياة البنتَين. صحيحٌ أنه أصبح يتنقل كثيرًا الآن،
لكنه هو الأكثر نضجًا. وهو عضو مجلس الشيوخ. ويستطيع أن
يتعايش مع هذا. وقد ساعد هذا كثيرًا في الحفاظ على
استقرارنا.»
86
ومع أن ماليا وساشا كانتا تظهران مع والدَيْهما من حين
لآخر في اللقاءات والجولات الخاصة بالحملة الانتخابية،
وظهرَتا في حوارٍ تلفزيوني بارز، وحضرتا الخطب التي أُلقيَت
في المؤتمرات، لكن في الغالبية العظمى من الأحيان كانتا
تسيران وَفقًا لبرنامجهما المعتاد في مدينة شيكاغو أثناء
احتدام معركة الانتخابات الرئاسية الطويلة والعصيبة. في
البداية كانت ميشيل تقضي يومًا أو يومَين في جولات الدعاية
الانتخابية لكن بعدما احتدمَت المعركة الانتخابية وازدادت
أهمية وجودها أصبحَت تقضي وقتًا أطول بعيدًا عن المنزل. وعلى
الرغم من هذا فقد كانت تحاول أن تعود إلى البيت في معظم
الليالي لتكون في صحبة البنتَين، وكذلك كان باراك يحاول أن
يبقى في صحبتهما لأكبر وقتٍ ممكن، فكان يذهب إليهما في بعض
عطلات نهاية الأسبوع وفي المناسبات الخاصة مثل اللقاءات بين
المدرِّسين والآباء، ويوم عيد الحب، ويوم عيد الأم وفي أعياد
الميلاد.
وهناك مفارقة في الأمر؛ فرغم أن قرار باراك بالترشُّح
للرئاسة كان غالبًا ما يأخذه بعيدًا عن ابنتَيه، على الأقل
على مستوى مشاركتهما شئون الحياة اليومية، فإن ميشيل وباراك
قالا إن هذا ما دفعهما للمُضي قدمًا في السعي المضني خلف
الوصول إلى البيت الأبيض.
جاء عيد ميلاد ماليا في الرابع من يوليو — الموافق لعيد
الاستقلال — عام ٢٠٠٨م، فاجتمع كل أفراد الأسرة، وفيهم شقيقة
باراك لأمه مايا سوتورو إنج وغيرها من الأقرباء، في مدينة
بيوت بولاية مونتانا، للمشاركة في موكب الاحتفال بعيد
الاستقلال والخروج في نزهة، وعُقد مؤتمرٌ سياسي يحتفلون
أثناءه بعيد ميلاد ابنتَيهما. وعندما ذهبَت ميشيل إلى مكبر
الصوت لتقدِّم زوجها أثناء المؤتمر، بدأَت حديثها بأن حثَّت
الحشد على غناء أغنية «عيد ميلاد سعيد» (وهذا أمرٌ أقرَّت
فيما بعدُ أنه أحرج صاحبة عيد الميلاد إحراجًا كبيرًا). ثم
دارت ببصرها في الحشد المجتمع وقالت: إن «الصغار والأطفال
الرائعين الموجودين في هذه الحديقة» هم مصدر الإلهام الذي
يدفع زوجَها إلى الترشُّح للرئاسة على الرغم من جميع المشكلات
التي جلبَتْها هذه الخطوة على أسرة أوباما.
87
قالت: «السبب الذي يجعلُني أقف هنا اليوم هو أنه إن كان
يهتم بهذه البلاد نصف اهتمامه بابنتَيه فإن الأمور ستسير على
ما يُرام.»
88
وقد بعثَت ميشيل برسالة مشابهة في الخطبة التي ألقتها
أثناء المؤتمر حينما قالت: «آتي إلى هنا بصفتي أمًّا تَعُد
ابنتيها أهمَّ ما في عالمها؛ فهما بمنزلة القلب من الجسد وهما
أول ما أفكر فيه عندما أستيقظ في الصباح وآخر ما أفكِّر فيه
وأنا ذاهبة للنوم. ومستقبلهما، ومستقبل جميع أبنائنا، هو ما
أراهن عليه في هذه الانتخابات.»
89
ولنعُد إلى ما حدث في مونتانا في الرابع من يوليو إذ أمضت
ماليا وساشا اليوم في اللعب والضحك والاستمتاع. (أيضًا، حسبما
علمنا فيما بعدُ، شاركَتا مع والدَيْهما في حوارٍ أجراه معهم
برنامج «أكسيس هوليوود». وسنتناول هذا بالتفصيل في الفصل
القادم.) وكانتا تُقابَلان بالهتافات وبعبارة «كل عام وأنتما
بخير» أينما حلَّتا، وهذا جعل باراك يبتسم محذرًا الحضور من
أن يجعلوا ماليا تنهمك أكثر من اللازم في جوِّ
الحفلات.
90
قال والد الفتاة صاحبةِ عيد الميلاد والمرشَّحُ الرئاسي
مازحًا: «فالألعاب النارية وجميع مظاهر الاحتفال لم تعُد لها
وحدها»، فانفجر الحضور في الضحك.
91
كل هذه الأجواء جديدة تمامًا على الولايات المتحدة بما
فيها من حديثٍ مرح يتسم بالبساطة والصراحة، والفريق المرح
المكوَّن من زوج وزوجة لا ينسيان أبدًا أنهما أب وأم،
وطفلتَين هما ككل الأطفال: تعيشان حياة سعيدة يرفرف عليها
الحب، وتُحبان اللعب، وتتسمان بأنه يسهُل إحراجهما، وبأنهما
قادرتان على إثارة الحب في النفوس. وهذا الأمر لا يتعلق فقط
بأنه قد مرَّت سنوات طويلة منذ أن شهد هذا البلد رئيسًا له
أسرة سنُّ أفرادها صغيرة، وإنما بأن أسرة أوباما تقلبُ
السلوكيات التي نتوقع أن نراها تصدر من أسرة الرئيس رأسًا على
عقب.
ففي الغالب كان
نموذج أسرة الرئيس الذي رأيناه في السنوات الأخيرة — إن لم
يكن على مر العصور جميعها — نموذجًا تقليديًّا؛ فقد كنا نرى
أمامنا الرئيس الزوج والسيدة الأولى الزوجة التي تدعم زوجها
وتُحبه ودائمًا ما تشُد من أزره، بالمعنى المجازي والحرفي
للكلمة. فقد رأينا الابتسامة المفتعَلة على وجه لورا بوش،
ورأينا نظرة الحب في عينَي نانسي ريجان، ورأينا الابتسامة
المتحيِّرة على وجه باربارا بوش ورأينا مواقفها القوية،
ورأينا الدعم القوي المخلص الذي منحَته هيلاري كلينتون لزوجها
(مع أنها تُصِر على أنها ليست نَموذج المرأة التي تقف وراء
زوجها، الذي دعت إليه المغنية تامي وينيت في إحدى
أغنياتها.)
92
أما عن أبناء رؤساء
الجمهورية الذين عاشوا في البيت الأبيض حديثًا، فإننا لم نرَ
على الإطلاق ابنتَي بوش التوءمَين باربارا وجينا، بل قرأنا عن
عثراتهما وعن الكليات التي كانتا ستلتحقان بها، وعندما حان
وقتُ الزواج علمنا أنهما ستتزوجان وعلمنا مَن اللذَان
ستتزوجانهما. (بل إن جينا قالت في حوار أُجري عام ٢٠٠٨م إنها
لم تعُدَّ البيت الأبيض «بيتًا»؛ ولذا اختارت أن تقيم حفل
زِفافها في بيتها «الحقيقي»، في ضيعة الأسرة في بلدة كروفورد
بولاية تكساس، فلم يُقَمْ لها حفل كالذي أقيم لتريشيا نيكسون
في البيت الأبيض.)
93
ورأينا تشيلسي كلينتون تكبر أمام أعيننا تقريبًا، لكنَّ
الصورتَين اللتَين نتذكرهما لها هما صورة الفتاة الهادئة ذات
الشعر المموَّج التي تبتسم في حياء وهي بجوار والدَيْها،
وصورة الفتاة المراهقة وهي تمشي بين والدَيْها وكلٌّ منهما
ممسك بإحدى يدَيها وهي تبدو كالرابط (أم مانع التصادم؟) بين
والدها ووالدتها في مدةٍ عصيبة جدًّا من زواجهما. وهذه الصورة
هي أكثر الصور الراسخة في أذهاننا لها. وبالطبع نتذكَّر
كارولين كينيدي تلعب تحت مكتب والدها، وجون جون الصغير البريء
وهو يُشيِّع جنازة والده كينيدي. ونتذكَّر آمي كارتر بشكلها
الذي كانت عليه حين دخلَت البيت الأبيض وهي في التاسعة من
عمرها إذ كان بوجهها نمشٌ وكان شعرها أشقر يميل للاحمرار.
ورأيناها تكبر وتلعب ثم رأيناها مرةً أخرى بعد هذا بسنوات
عندما أصبح لها رأيها السياسي الخاص بها.
غير أن نموذج أسرة أوباما مختلف تمامًا. فكم مرةً سمعنا
سيدةً أولى تشتكي من أن رائحة نفَس زوجها أحيانًا ما تكون
سيئة في الصباح؟ ومن أنه ينسى أن يضع جواربه في موضعها؟ ومن
أنه يجب ألا يكون هناك مانع من أن يُلقي بصندوق مخلفات القطة؟
وتقول إنها سترحِّب بترشيحه للرئاسة شريطة أن يكُف عن
التدخين؟
وكم مرة يرى المرء مرشحًا رئاسيًّا يضحك على مثل هذه
التعليقات التي تفوَّهَت بها زوجته، ويعترف علنًا بنقاط ضعفه
بأسلوبٍ يجمع بين نقد الذات والمرح؟ كم مرة سمع فيها المرء
رجلًا يعمل في أي مستوًى من مستويات السياسة يُقر بأنه «في
النهاية، مجرد رجل»؟
متى كانت آخر مرة رأينا فيها الرئيس وقرينته — أو الرئيس
المرتقب وقرينته — يضعان كرسيَّيهما القابلَين للطي في مباراة
كرة قدم حتى يتسنَّى لهما مشاهدة ابنتَيهما وهما تلعبان ثم
يمزحان بدفع أحدهما الآخر بالأيدي دفعًا خفيفًا وعدسات
الكاميرات تصوِّرهما؟ متى كانت آخر مرة رأينا فيها رئيسًا
مرتقبًا وقرينته يغنيِّان أغنية «عيد ميلاد سعيد» لابنتهما في
اجتماعٍ سياسي ويقولان لها ألا تغترَّ بنفسها؛ فهذا ليس عيد
ميلادها وحدها إذ إن البلاد تحتفل بعيد ميلادها أيضًا؟
ومهما اختلفَت الآراء، فإن العلاقة الزوجية التي تربط
أوباما وقرينته علاقةٌ واقعية جدًّا وعصرية جدًّا في آنٍ
واحد. عندما يقدِّم باراك ميشيل يصفها بأنها «سكَنه وملاذه»
لأنها تُبقي قدمَيه راسختَين، كما يقول.
وفيما يتعلق بنظرة ميشيل لباراك، فيبدو جليًّا أنه يمثل
لها طرف النقيض — فبطفولته التي قضاها في بلادٍ مختلفة،
وبرغبته في أن يقحم نفسه في أمرٍ مهيب مثل الانتخابات
الرئاسية بعد قضاء أربع سنواتٍ فقط في العمل في السياسة
الداخلية، فإنه جعلَها تعيش حياة «المغامرة والمخاطرة والسفر
إلى البلاد الغريبة»، وتتمتع بأفقٍ أوسع من الأفق الذي كانت
تسمح لنفسها بالعيش فيه، ذلك الأفق الذي تحدَّث عنه في كتاب
«جرأة الأمل». ويبدو أن ميشيل أوباما — السيدة الأولى — سعيدة
بالمضي قُدمًا في هذه الرحلة، إن لم تكن منبهرة تمامًا
بها.
فذات مرة قالت ميشيل في حوار: «لم يعِدْني باراك بالثراء
بل وعدَني بحياةٍ ممتعة. وقد أوفَى بهذا الوعد.»
94