الأمومة الوظيفة الأولى للسيدة الأولى
برنامج ميشيل أوباما كزوجة
لا أعرف طموحًا يسعى إليه الأب أنبل من طموح أن يصبح أبناؤه أفضل الرجال.
إذن كيف تضمن الأم أن حياة ابنتَيها تسير على ما يُرام في هذا العصر الذي لم يعُد فيه ضابط للأبناء، والآباء الذين كَثُرت مشاغلهم حتى تشتتَت عقولهم؟ يتحقَّق هذا عن طريق الجمع بين النظام التقليدي الجيد، ووضع الحدود، والحضور الدائم (بالنفس لا بالمال فحسب) في حياة الأبناء، وإحاطتهما بالحب. وحسبما قالت ميشيل نفسها، فإنها وجدَت قدوةً حسنة في والدَيْها.
وبالتأكيد ما رأيناه من سلوك الفتاتَين في الحملة يؤكِّد صحة القول بأن أمهما تقوم بدورها جيدًا. في معظم الوقت كانت ماليا وساشا تظلان وراء الستار، لكن من حين لآخر كنا نشاهد فتاتَين صغيرتَين جميلتَين تلوِّحان لنا وتبتسمان (وأحيانًا ما تتجهمان أو تتثاءبان) من فوق المِنصة أثناء مؤتمرٍ انتخابي، أو تظهران من السيارة وهما في الطريق إلى إحدى فعاليات الحملة الانتخابية التي نادرًا ما تحضُرانها. ومثل معظم أبناء الأشخاص الذين كانوا رؤساء مرتقبين في المدة الأخيرة، فقد ظلت حياة الفتاتَين هادئة وبعيدة عن كل ما يحدث أمام الكاميرات. لذا علينا أن نصدِّق ما يقوله الآخرون عن أن ابنتَي أوباما ناضجتان وبسيطتان تمامًا، وأنهما من جميع النواحي تُشبِهان جميع الفتيات الصغيرات اللاتي يلعبن الكرة، ويعزفن على البيانو، ويُحببن مسلسل «هانا مونتانا» وفرقة جوناس براذرز.
ثم جاء ذلك اليوم من شهر يوليو — وتحديدًا الرابع من يوليو، يوم ميلاد البلاد وميلاد كبرى ابنتَي أسرة أوباما — عندما قُدِّمت الفتاتان للناس في هذه الأجواء الاحتفالية.
قالت حملةُ أوباما وبرنامجُ «أكسيس هوليوود» إنه لم يكن من المخطَّط أن يحدث هذا، لكنه حدث ووصلَت للعالم صورةٌ حقيقية عن الأسرة التي من المرتقَب أن تسكن البيت الأبيض، وفي عصرنا هذا الذي تُبَثُّ فيه المعلومات على مدار الساعة، يمكن أن تُشاهَد هذه الصورة مرارًا وتَكرارًا، وليلَ نهارَ على شاشة التلفاز وعبْر الإنترنت.
واللقاء الذي كان من المخطَّط أن تديره ماريا مينونوس مراسلة برنامج «أكسيس هوليوود»، كان من المزمع أساسًا أن يستضيف الوالدَيْن فقط أثناء احتفال الأسرة بهذه المناسبة في مدينة بيوت بولاية مونتانا. لكنَّ ماريا والفتاتَين قضَين بعض الوقت معًا وهن في انتظار بدء التصوير، وانخرطن في الحديث عن الاهتمامات المشتركة مثل فرقة جوناس براذرز (يبدو أن ماريا كانت قد أجرت معهما حوارًا في مدة الانتظار هذه). وعندما حان وقت بدء الحوار جلست الفتاتان بجوار والدَيْهما، وعلى الفور ثبَّت المخرجون مكبرات الصوت.
ما الذي عرَفناه من هذا اللقاء؟ عرَفنا أن الفتاتَين تتمتعان باللباقة بقَدْر ما تتمتعان بالقدرة على إثارة حب الناس لهما (وأنهما تبدوان جذابتَين على شاشة التلفاز بقَدْر ما تبدوان جذابتَين في الصور). وعرَفنا أنهما تبدوان ناضجتَين مثلما قال الناس تمامًا. وعرَفنا أن علاقتهما الأسرية أيضًا تتسم بالتلقائية والبساطة وأنها تقليدية، وأن العلاقة بين هذَين الوالدين وابنتَيهما قوية ويسودها الود تمامًا مثل العلاقة بين باراك الزوج وزوجته.
ومع أن باراك أوباما أعرب عن ندمه على اضطراره ألا يقضيَ الكثير من الوقت مع ابنتَيه بسبب المهنة التي اختارها، فيبدو أن العلاقة بينه وبين ابنتَيه طبيعية تمامًا مثل العلاقة بين أي أبٍ وابنتَيه. ومثل معظم الآباء فإنه أحيانًا ما يتسبَّب في إحراج ابنتَيه.
وكان للسيناتور أوباما تعقيبٌ على هذا الموقف. فقد قال: «إنها تتجنَّب إحراجي لها في الأساس عن طريق إعطائي هذه النصائح. ولا سيما عندما أكون بين أصدقائها.»
ومع أن باراك هو الرئيس القادم للبلاد فإنه أحيانًا ما يفعل أشياء مزعجة لابنتَيه. ومن ذلك مثلًا أنه معتاد أن يرمي حقيبته بجوار الباب مباشرة وهو داخل إلى المنزل في مكانٍ يمكن أن يتعثر فيه أفراد أسرته. قال والدهما، المرشَّح الشجاع: «هذا صحيح، أنا أضعُها على الأرض بسبب أنني أكون سعيدًا جدًّا بعودتي إلى البيت وبرؤيتهن.» وإلى الآن لا يزال يرميها بجوار الباب.
أضافت الصغيرة ساشا، التي كانت تترك دَفة الحديث لوالدَيها وماليا طَوال الوقت: «على حذائي!»
علمنا أيضًا أن والدهما لا يُحب الحلوى كثيرًا، ومع أن ابنتَيه تجدان هذا غريبًا، فإن هذا الأمر يساعد في تفسير كيف يحافظ على رشاقته في حين أن وزن المرشَّحين الآخرين يميل إلى الازدياد أثناء الحملات الانتخابية الطويلة والمرهقة. (وربما يعود هذا أيضًا إلى إيمانه القوي بالرياضة.)
وقد علمنا بكراهية السيناتور أوباما للحلوى عندما بدأَت ساشا، التي كانت في السابعة من عمرها، تملُّ الجلوس في صمت والاستماع لكل هذا الحديث أثناء اللقاء، مثلما يفعل كلُّ مَن هم في مثل سنها. وفجأة، وأثناء دوران الكاميرا التفتَت إلى والدتها وقالت: «أمي، متى سنأكل آيس كريم؟»
فأجابت ماليا (بتلقائية وبسعادةٍ واضحة، مثلما تفعل أية فتاة في العاشرة يُحتمل أن تتناول الآيس كريم): «هل سنأكل آيس كريم؟ الآيس كريم هو طعامي المفضَّل. أتمنى أن أتناوله للأبد.»
فقالت ساشا الصغيرة: «الطبيعي أن يحبَّ الجميع الآيس كريم. إلا أبي. أبي لا يُحب الحلوى.»
حينها شعر المرشَّح أن عليه أن يعترف. فقال: «لستُ من المولَعين بالحلوى»، مع أنه أشار هو وماليا إلى أنه يضعُف أمام بعض أصناف الحلوى خاصة قرع العسل. (على الأرجح أن هذه لم تكن مفاجأةً كبيرةً لمن تابع الحملة الانتخابية، إذ وردَت أخبارٌ من قبلُ عن العادات الغذائية «الصارمة» للسيناتور. وفيما أُطلق عليه فيما بعدُ «لحظة الجرجير»، قال أوباما أثناء زيارة لمحل «هول فودز» في الأيام الأولى لحملته الانتخابية إنه لا يستطيع أن يصدِّق مدى ارتفاع سعر الجرجير. وقد رأى البعض أن طريقة تعامل أوباما مع سعر الجرجير جعلَته يبدو منعزلًا عن رجل الشارع، مثلما بدا جورج بوش الأب عندما أظهر ذهولَه من وجود الماسحات الضوئية في محلات البقالة عام ١٩٩٢م.)
أيضًا كشفَت ساشا عن أن والدها يفضِّل اللبان بطعم النعناع عن اللبان الذي يسهُل تحويله إلى فقاعات، وحينها شعَر والدُها أن عليه القيام باعترافٍ آخر: «حسنًا، ذوقي في اللبان تقليدي بعض الشيء.»
ويبدو أنه ليس مولعًا أيضًا بشراء الملابس. فقد استمتعَت كل من تنتمي إلى الجنس اللطيف في البيت بالسخرية قليلًا من رجل البيت إذ أشرن إلى أن البنطال الذي يرتديه «عمره عشر سنواتٍ تقريبًا»، ورجَوْن المصوِّرين ألا يصوِّروا حذاءه أو حزامه. (وحقيقة أنه لا يحبُّ التسوق قد تُفاجئ عالم الموضة الذي مدح ذوق أوباما في اختيار ملابسه. فقد وضعت مَجلة «إسكواير» اسمه في القائمة التي تُعِدها لأكثر الرجال أناقة عن عام ٢٠٠٧م، وظهر على غِلاف مَجلة «جي كيو».)
وفي لحظةٍ بعثَت إلى تأمل الذات سُئلَت الفتاتان عن الأمور التي تفعلانها ويكرهها والداهما، فأجابتا: «الشكوى.» ثم بعد مزيدٍ من التفكير أضافت ماليا: «الشجار هو الأسوأ لأنه يجعل والدينا يطلبان منا الجلوس، ثم يقولان لنا: «تعلمان أن كلًّا منكما ليس لديها أغلى من أختها. والحياة لم تمنحنا شيئًا أفضل من علاقتنا بعضنا ببعض.»»
(هل تتذكرون القاعدة الأولى؟)
وأثناء اللقاء دار حديثٌ عن أنهما أحيانًا عندما تذهبان مع والدَيْهما في جولات الدعاية الانتخابية فإنهما تُحضِران معهما ألعابًا مثل مسدَّسات المياه حتى يسعدا باللعب في أوقات الاستراحة.
قالت ميشيل بأسلوبها المستفز الذي اشتُهرَت به: «هذا أفضل كثيرًا من الاستماع لحديث والدهما.» عندها رفعَت الصغيرة ساشا يديها وفتحَت قبضة يدها ثم أغلقَتها وهي تقول: «كلام كلام كلام.»
قال والد ساشا: «عادةً ما يغربون عن وجهي عندما [أبدأ الكلام]»، وهو مَن شُبِّهَت موهبته في الخطابة بموهبة جون كينيدي وأبراهام لينكولن. لكن يبدو أن هذه الموهبة تحديدًا لا تؤثِّر في الفتاتَين إطلاقًا.
وفي الحوار الذي أجراه معهما برنامج «أكسيس هوليوود» أقرَّت ماليا بأنها تجد أن رؤية والدَيها على أغلفة المَجلات قد تكون أمرًا جيدًا لكنها تحرص على أن تجعلَهما على علم بأنها ترى أنهما ليسا من المشاهير الحقيقيين، ليسا في مصافِّ النجوم «المهمين فعلًا». وقالت ماليا متذكرة ردَّ فعلها عندما رأت صورة والدتها على صفحات جريدةٍ أسبوعية شهيرة: «رأيتُ الجريدة وقلتُ: «يا إلهي، أمي إن صورتك في الجريدة»، لأنني لم أرَ أبدًا صورة أمي في هذه الجريدة. وإنما عادةً ما أرى أناسًا مثل أنجلينا جولي.»
قالت ميشيل: «أناسًا مهمين فعلًا.»
وافقَتها ماليا قائلة: «أناسًا مهمين فعلًا»، ثم نظرَتْ إلى والدتها وقالت مبتسمة: «لم أقصد شيئًا.»
وكشف لنا اللقاء عن المتعة التي تراها ماليا في احتمال العيش في البيت الأبيض. فقد قالت: «سيكون هذا رائعًا، وأروع ما فيه أنني سأغير زينة حجرتي.»
وأخيرًا، علمنا رد فعل البنتَين تجاه تلك اللحظات الخاصة التي تمُر بعيدًا عن الكاميرات عندما يتصرف باراك وميشيل كأي زوج وزوجة. ماذا يكون شعور الفتاتَين عندما تشهدان ما وصفه الآخرون بأنه «توافقٌ طبيعي» بين باراك وميشيل؟ وهل تُحبان رؤية والدَيهما ممسكًا أحدهما بيد الآخر أو يحتضن أحدهما الآخر؟
قالت ماليا المرحة: «أحيانًا عندما ندخل في مرحلة المراهقة يرى الناس أن هذا محرج. لكنني أُحبُّ هذا.»
ثم عاد الاهتمام ينصَب على الوالدَين: كيف يجدان وقتًا للرومانسية رغم كل أعباء الحملة الانتخابية؟
قالت ميشيل ناظرةً إلى زوجها: «باراك رومانسي جدًّا. لقد أحضر لي وردًا منذ أيام … إنه دائمًا ما يجلب لي الورد.»
سُئلَت ميشيل: «ما آخر لمسةٍ رومانسية أضفتِها لحياة زوجك؟» فصمتَت وفكَّرت لبعض الوقت ثم قالت لزوجها: «أنا أعتني بابنتَيك. هذا هو الحب.»
بعد أن بدأ بثُّ اللقاء الذي أجراه برنامج «أكسيس هوليوود» على شبكة الإنترنت وعلى شاشة التلفاز، صار هذا اللقاء محور حديث الناس. وكان ما أعجب المشاهدين في الأساس هو أن الفتاتَين بدتا طبيعيتَين وتلقائيتَين جدًّا، وأنهما كانتا لبقتَين وعميقتَي التفكير جدًّا، وخاصة ماليا التي قال الكثيرون إنها بدت «أكبر من عمرها» كثيرًا.
وقد علَّق الناس على علاقتهم الأسرية التي يسودها السكن والحب والمرح في آنٍ واحد؛ أي التي هي خير مثال للأسرة الأمريكية. خطَر على بالي وصف باراك أوباما لبيت أسرة روبنسون. فعندما زار أسرة ميشيل كتب في كتاب «جرأة الأمل» يقول إن تجرِبة زيارة هذه الأسرة شبيهةٌ بأن يحلَّ المرء ضيفًا على ممثلي مسلسل «دَعِ الأمر لبيفر». ورؤية أسرة أوباما جعلَتني أشعر بأنني أشاهد نَموذجًا عصريًّا من أسلوب حياة أسرة روبنسون هذا نفسه.
ولم يكن ما أزعج المرشَّح هو شيء جلل نتج عن اللقاء، وإنما خشي أن يكون هو وميشيل قد فتحا المجال أمام زيادة اهتمام الإعلام بابنتَيهما الصغيرتَين عن طريق السماح لوسائل الأعلام بأن تسبر أغوار أسرتهم لأول مرة. فقبل اللقاء الذي أجراه برنامج «أكسيس هوليوود»، كان الزوجان قد أوضحا أنه يجب أن تبقى الفتاتان «بعيدًا» عما يحدث إلى حدٍّ ما. هل سيغيِّر اللقاء من الأمر شيئًا؟
ليس إن تدخَّل الزوجان. قال باراك في برنامج «جود مورنينج أمريكا»: «لا أرى أن هذا أمرٌ جيد، وسنتجنَّب حدوث مثل هذا في المستقبل.»
ومن الجدير بالاهتمام أن الزوجَين شملا أبناء منافسيهما السياسيين بهذا الحرص على حماية الأطفال. فعندما أعلنَت سارا بالين بعد ترشيحها لمنصب نائبة للرئيس أن ابنتها ذات السبعة عشر عامًا حامل، أعلن الزوجان على الفور أن أبناء الحاكمة بالين يمثلون خطًّا أحمر. بل إن باراك أوباما قال إن أي عضو من أعضاء حملته سيثير هذا الموضوع بهدف تحقيق مكسبٍ سياسي سيُفصل.
قالت ميشيل: «أحد الأسباب التي تجعلني فخورة جدًّا بزوجي وتجعلني أحبه هو أنه كان يشمل ابنتَينا بالحماية القصوى طَوال هذه العملية.»
لكن المدوَّنات لم ترحم سارا وزوجها. وانتشرَت رسائل البريد الإلكتروني منتقدة نفاق أعضاء اليمين المسيحي الذين ظلوا يعظون الناس بقيمة العفة طويلًا، لكنهم الآن يرَون أن قرار بريستول بالين بألا تُجهضَ طفلها، وأن تتزوَّج أباه، قرارٌ يستحق المدح. وسأل أصحاب المدوَّنات: ماذا لو كانت ابنة ميشيل أوباما المراهقة هي مَن حملَت؟ كيف كان سيصبح رد فعل المسيحيين المحافظين حينها؟
لكن كان هناك آخرون أقل تسامحًا مع استعداد الزوجَين لأن يجعلا البنتَين تظهران في وسائل الإعلام.
مما لا شك فيه أن آخر ما كان يقصد فعلَه باراك وزوجته هو أن يُعرِّضا ابنتَيهما ﻟ «سُم» الشهرة. لكن مثلما يعرف جميع الآباء، فإننا لسنا معصومين من الخطأ، وإنما كلُّ ابن آدم خطاء. ومثلما أقول لأبنائي فإن أجملَ ما في الأخطاء هو أننا نتعلم منها.
وبصفتي أمًّا فإنني أستطيع بالتأكيد أن أقدِّر شعور باراك وزوجته في هذا اليوم الخاص؛ إذ كانا يريدان أن يجعلا من عيد الميلاد العاشر لابنتهما الكبرى تجرِبةً سعيدة لا تُنسى، وأيضًا أن يمنحا العامة فرصة التعرف على هذا المرشَّح في هذا اليوم القومي الخاص. كانا يحاولان أن يحقِّقا ذلك التوازن بين الأسرة والعمل الذي كثيرًا ما تحدثَت ميشيل عنه، والذي فهمه باراك عندما أصبح زوجًا وأبًا.
إحدى فِقراتي المفضَّلة من كتاب «جرأة الأمل» هي الفقرة التي يظهر فيها تفهُّم باراك للتوتَّر الذي عاشته ميشيل وهي تحاول أن تقوم بالمهام التي تتطلبها الأسرة، وتلك التي يتطلبها العمل في آنٍ واحد.
لا أظن أننا نبالغ حين نقول إن باراك، المرشَّح الرئاسي، عاش هو نفسه هذا الصراع في الرابع من يوليو — أو ربما في اليوم التالي، في الخامس من يوليو — عندما أدرك أن رغبته في «التميُّز في مهنته» ربما تكون قد تصادمت مع رغبته في أن يخلق مناخًا «قويًّا يمكن الاعتماد عليه» لابنتَيه.
بوسعي أيضًا أن أتخيَّل أنني أعيش أسيرة هذه اللحظة؛ أن أقع في أَسْر سِحر تميُّز أبنائي ورغبتي في أن أجعل الآخرين يرَون هؤلاء الأطفال الرائعين المتميزين الفريدين الذين يمثلون مركز حياتي. وبوسعي أن أتخيَّل أنني أتخذ القرار نفسه الذي اتخذه باراك وميشيل ثم أندم عليه — على الأرجح — بعد هذا.
فكل أبٍ وأم يشعران بالفخر بأبنائهم (وإن لم يراودهم هذا الشعور فإن هذا عادةً ما يكون وضعًا مأسويًّا). وإلا فلِمَ نحصل على الكثير من الصور العائلية في العطلات، تلك الصور التي يظهر فيها الأطفال الرائعون وهم يضَعون أذرعهم على أكتاف بعضهم بعضًا، وهم على قمة أحد الجبال، أو وهم جالسون على رمال الشاطئ مبتسمين تحت شمس الأصيل؟ لِمَ يرسل لنا الأحباء كل هذه الخطابات الطويلة المكتوبة على الحاسوب مصحوبةً بصورٍ تَذكارية لمكان عطلتهم؟ تعرفونها، تلك الخطابات التي تبدأ ﺑ «أصدقائي الأعزاء»، والتي يُخبروننا فيها بأن فريق كرة السلة الذي تلعب فيه سوزي وصل إلى نصف النهائي في دوري الولاية، وأنها حصلَت على درجاتٍ ممتازة في جميع المواد، وأن جوني انتُخب ليكون من مساعدي رئيس اتحاد الطلبة، وأنه يكتب روايةً مع أنه لا يزال في المرحلة الإعدادية؟
وإلا فلمَ نفتح الكتب السنوية التي تُصدِرها المدرسة، ونرى الكثير من الإعلانات التي دفع ثمنَها الآباء ونرى مدحًا مثل «أنجيلا أنتِ نور حياتي. يوم ولدتِ وُلدَت المعجزات. إنكِ لم تكُفي يومًا عن إبهاري»؟ إلخ، إلخ …؟
هذا لأننا فخورون بأبنائنا. نحن نُحبهم ونريدُ أن يعرفَ العالم كم نُحبهم. نحن نريدُ أن يشهدَ العالم أروع إنجازاتنا؛ إذ إن الأبناء هم صورٌ جديدة من الآباء. هل تتذكَّرون ما قاله أفلاطون (والذي نقتبسه هنا بشيء من التصرف)؟ «لا أعرف طموحًا يسعى إليه الأب [والأم] أنبل من طموح أن يصبح أبناؤه [أبناؤهما، وبناتهما] أفضل الرجال [والنساء].»
مَن لفَت نظري إلى هذه المقولة هو بيل باورز مدير مدرسة أبنائي؛ إذ أوردَها في واحدةٍ من آخر الرسائل التي أرسلَها للآباء قبل إجازة الصيف. كان ابني قد أنهَى المدرسة لتوِّه وكنتُ قد عشتُ لحظاتٍ خاصة ذقتُ فيها معنى أعظم طموحٍ يسعى إليه الآباء ومعنى ألا شيء على الإطلاق — بما في ذلك الكتاب الذي أكتبُه والذي يقترب موعد تسليمه بسرعة — أهم من أن يصبح أبنائي وبناتي «أفضل الرجال والنساء».
وأرى أن هذا هو الطموح الذي يوجه باراك وميشيل في القرارات التي يتخذانها بشأن ابنتَيهما. وعلى الأرجح هذا هو الطموح نفسه الذي سيُوجِّه سياسات أوباما فيما يتعلق بالأطفال الأمريكيين بعد أن يحلف اليمين ويصبح رئيسًا والسيدة الأولى إلى جانبه.
لكن في الوقت الحالي، ينصبُّ اهتمام ابنتَي أوباما على الوقت الحاضر، وفي منزل أوباما هذا يعني التفكير في أمر الكلب. حسبما قال والدا ساشا وماليا أثناء الحملة فإنهما ستحصلان على كلبٍ سواء أجاءت النتيجة «بالفوز أو الخَسارة». أما الأمر الذي يكون فيه مجالٌ للتفكير فهو نوع الكلب، وهذا أيضًا سيخضع لتضارب الآراء.
وبحلول الصيف ثار صخبٌ حول هذا الموضوع. فقد طالبَتْ مؤسسة «أمريكان كينيل كلوب» البلاد بأن تصوِّت على قائمة من خمسة أنواعٍ من الكلاب التي لا تسبِّب الحساسية، في حين حثَّت جمعية «بيست فريندز أوف أنيمال سوسايتي» ميشيل وأوباما على أن يتبنَّيا كلبًا من الملجأ! وفي هذه الأثناء أدْلَتْ جماعة «بيبول فور ذي إثيكال تريتمنت أوف أنيمالز» (بيتا) بِدَلْوها أيضًا. ففي خطابٍ أرسلَته رئيستها إنجريد نيوكيرك في الثامن والعشرين من شهر يوليو عام ٢٠٠٨م طالبَتْهما بأن يتبنَّيا أحد الكلاب العادية التي لا تنتمي لسلالةٍ أصيلة.
كتبَت في خطابها: «أعزائي السيناتور أوباما وحرمه المصون أما بعدُ، فإننا نتمنَّى أن تكونا على خير ما يُرام. نعلم أن مربِّي الكلاب الطامعين يلهثون وراء أملِ أن تُسهِم الشخصيات البارزة في ترويج تجارتهم عن غير قصد وقد يحاولون إغواءكم بفكرة شراء كلبٍ ينتمي لسلالةٍ أصيلة.»
وتُواصل حديثها قائلة: «من نافلة القول أن هذا البلد فخور بأنه بوتقة تنصهر فيها العناصر المختلفة، وفي الميل إلى شراء الكلاب التي تنتمي لسلالةٍ أصيلة فقط خطأٌ فادحٌ وتعالٍ … والأفراد العطوفون في جميع أنحاء البلاد يختارون تبنِّي الكلاب الضالة التي تعيش في حظائر الإيواء — التي تُعَد ملجأً جيدًا يُبعدها عن المجتمع الذي لا يُراعي دائمًا الحنان في تعامُله مع الكلاب «البائسة» — بدلًا من أن يسعَوا خلف إرضاء أهوائهم الخاصة دون مراعاة مصالح الكلاب …
ألا يمكن أن تحصل ماليا وساشا على كلب دون كل هذه الجلبة؟!