الفصل السادس
قوية كالجبل
أن تكون زوجة رجلٍ سياسي (أو وراء كل عظيمٍ
امرأة)
الجلَبة التي أثارها ما قالته ميشيل أوباما عن فخرها
ببلادها، والتي تتلخَّص في قيام الحزب الجمهوري ببث مقطع
الفيديو الذي أعدَّه في ولاية تينيسي على الإنترنت، وما تبع
ذلك من مطالبة زوجها معارضيه بأن يدَعوا زوجته وشأنها؛ تكشف
مدى صعوبة أن تكون المرأة زوجةَ مرشح يسعى خلف كرسيِّ الرئاسة
في يومنا هذا، وخاصة إن كانت هذه المرأة صريحةً وموهوبة.
ولنتذكر حال هيلاري رودهام كلينتون قبل أن تصبح عضوًا بمجلس
الشيوخ ثم منافِسةً على الرئاسة، عندما كانت في بداية قيامها
بدور السيدة الأولى وطَوالَ مدة قيامها بهذا الدور.
عندما ظهرَت هيلاري على الساحة القومية بجوار زوجها عام
١٩٩٢م (قبل أن تتحطَّم آمالها في الوصول إلى كرسي الرئاسة بعد
ذلك بستة عشر عامًا في أصعب ما شهدَته هذه البلاد من سباقات
على الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي)، ظهرَت في برنامج
«نايتلاين». حينها قدَّم المذيع تيد كوبل السيدة الأولى
المرتقبة قائلًا: «معنا نَموذجٌ جديد من نماذج زوجات
السياسيين. إنها امرأةٌ عاملة، لها آراؤها الخاصة. وهي شريكةٌ
لحياته بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ … والآن ثار حولها جدلٌ
واسع.»
1
ها هي امرأةٌ شديدةُ الذكاء وموهوبةٌ إلى أقصى حد — امرأة
وُضع اسمها مرتَين ضمن قائمة أفضل مائة محامٍ في البلاد التي
تُعِدها دورية «ناشيونال لو جورنال» — لكنها رغم هذا تعرَّضَت
للسخرية عندما أدلت بعبارات مثل: «أظن أنكم تعرفون أنني كان
بوسعي أن أبقى في البيت، وأخبز البسكويت، وأقيم حفلات الشاي،
لكنني قررتُ أن أواصلَ عملي الذي بدأتُه قبل أن يدخل زوجي
الحياة العامة.» ومثل: «لستُ نَموذج المرأة التي تقف وراء
زوجها وتُلغي شخصيتها، الذي دعت إليه المغنية تامي وينيت في
إحدى أغنياتها.» ودارت جلبةٌ واسعة حول زواجها، وقيامها
بتغيير تصفيفة شعرها (موقع
HillarysHair.com)
وضحكتها (ولتجرِّب أن تكتب على الإنترنت
«
Hilary Clinton Cackle»)،
بل أجزاء جسدها المختلفة. (لن أخوضَ في هذا هنا، لكنه واردٌ
في عدد مَجلة «نيويورك» الصادر في أكتوبر عام ٢٠٠٧م، في مقال
نُشر على الإنترنت بعنوان «تاريخ موجَز عن سياسة الجسد لدى
هيلاري كلينتون».)
2 ولن أتحدَّث عن الجلَبة التي أُثيرت حول قضايا
أكثر أهميةً مثل مبادرة الرعاية الصحية التي باءت بالفشل،
والقول بأن هيلاري كلينتون من الممكن أن تشترك مع زوجها في
الحكم، ويكون لأمريكا «رئيسان لا رئيسٌ واحد».
ورغم مواهبها التي لا خلاف عليها، ورغم الكثير من
النجاحات التي حققَتها بعد هذا عندما صارت عضوًا بمجلس الشيوخ
عن نيويورك، ورغم روعة أدائها عندما كانت مرشَّحة للرئاسة لا
تعرف الاستسلام، ورغم فوزها بثمانية عشر مليون صوت، فإن بعض
جمهور الناخبين كان ينظر إليها من البداية على أنها شخصٌ
منبوذ. ومع أنها كسبَت أنصارًا يُكنُّون لها ولاءً شديدًا كاد
أن يجعلهَا تفوز بترشيح الحزب الديمقراطي فإنها قط لم تتخلص
تمامًا من الانطباع الأول الذي تركَتْه في أذهان الناس عندما
كانت امرأةً عاملةً مثيرة للخلاف، وشريكة تؤازر زوجها
المرشَّح الرئاسي وتعبِّر عن آرائها الخاصة.
وأوجه الشبه بين هيلاري كلينتون وميشيل أوباما التي
كثيرًا ما يتحدث عنها الناس واضحة. فمثلما ورد اسم هيلاري ضمن
قائمة بأفضل المحامين، فقد زَيَّن اسمُ ميشيل قوائمَ أخرى.
فعام ٢٠٠٦م وضعَت مَجلة «إسنس» اسم ميشيل ضمن قائمة بأكثر ٢٥
امرأة تأثيرًا على مستوى العالم. أيضًا وضعَتْها مَجلةٌ عن
خِرِّيجي هارفارد اسمها «٠٢١٣٨» (هذا الرقم هو الرمز البريدي
لمدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس حيث تقع جامعة هارفارد) في
المرتبة الثامنة والخمسين بين ١٠٠ مرتبة رُتبَت فيها أسماء
أكثر خِرِّيجي الجامعة تأثيرًا عام ٢٠٠٧م. (وجاء زوجُها في
المرتبة الرابعة.) ولم يكن لهذا أي علاقة بإنجازاتها أو
قدرتها على التأثير في الآخرين — باستثناء خيارات الموضة
لربما — لكن ميشيل اختيرت أيضًا ضمن قائمة مَجلة «فانيتي فير»
لأكثر النساء أناقة في العالم عامَي ٢٠٠٧م و٢٠٠٨م.
ومع هذا، فمثلما كان الأمر مع هيلاري، فإن التصريحات التي
أدلت بها في بداية الحملة (والتي ربما تتمنَّى الآن لو كانت
قد عبَّرت عنها بطريقةٍ مختلفة) تأبى أن تُمحى من الأذهان.
بعض هذه التصريحات فُسرَت بمعزل عن سياقها، والناس — خاصة
المنتمين لمن يعارضونها — يأبَون النسيان.
ومثل هيلاري تعرَّض كل شيء في ميشيل للانتقاد بدءًا من
تعبيرات وجهها ووصولًا إلى اختيارها للملابس. تُرى هل تعري
رجلها أكثر من اللازم؟ كيف لا ترتدي جوارب طويلة؟ ماذا عن هذا
العبوس وهذا الغضب؟ ما الغرض من هذَين الذراعَين العاريتَين؟
(سنتحدث بالتفصيل عن هذا فيما بعدُ).
بالطبع ليست ميشيل وهيلاري الوحيدتَين من زوجات السياسيين
اللتَين استهدفهما المعارضون، لكن يبدو أن القاعدة هي أن
الانتقاد ينصَب على مَن تعبِّرن عن رأيهن بصراحة. وقد كتبَت
جوان فينوتشي الصحفية بجريدة «بوسطن جلوب»، في أواخر شهر
يونيو عام ٢٠٠٨م تقول: «إن الزوجة القوية الصريحة تجعل المرشح
يبدو ضعيفًا، وغير وطني، خاصة إن كان من الحزب
الديمقراطي.»
3
أيضًا وجدَت تيريزا هاينز كيري، زوجة المرشَّح الديمقراطي
السيناتور جون كيري، نفسها في الموقف نفسه أثناء الانتخابات
الرئاسية عام ٢٠٠٤م. فإن كتبتَ اسمَها على موقع جوجل فستظهر
لك قائمة بزلَّات لسانها، ومثال ذلك عندما تحدَّثَت عن انتشار
«الحُقراء في كل مكان». (وكان هذا في حوار مع قناة «دبليو تي
إيه إي» التلفزيونية بمدينة بيتسبرج في ردٍّ على سؤالٍ حول ما
إذا كان النُّبلاء قد اختفَوا من مجال الخدمة
العامة.)
4 وعندما سجَّل صحفي لها شريطًا تقول فيه «اخرس».
(حدث هذا في مقر المجلس التشريعي بولاية ماساتشوستس عندما
كانت تتحدث عن زيادة السلوكيات غير المتحضرة في عالم السياسة،
وقد رأت أن الصحفي أساء اقتباس كلماتها. ومارلا روماش واحدة
من المتحدثات الرسميات باسم السيدة تيريزا شرحَت الموقف
قائلة: «ما هذه إلا صيحة استياء في وجه شخصٍ يميني تافه
دائمًا ما يتعمَّد تشويه الحقائق كلما نقل كلام السيدة تيريزا
وأفراد أسرتها.»)
5 ومن الأمثلة الأخرى قولها إنها لم تعرف أن لورا
بوش «عملَت في وظيفة ذات قيمة أبدًا»، وأضافت: «أعني منذ أن
صارت ناضجة.» وبعد هذا اعتذرَت السيدة تيريزا قائلة: «لقد
نسيتُ أن السيدة لورا عملَت مدرِّسة، وأمينة مكتبة، ولا وظيفة
أهم من تعليم أبنائنا.»
6
هنا يفكر المرء في أنها لو وقفَت بجوار زوجها مبتسمة دون
أن تنبس ببنت شفة، لصارت الأمور إلى غير ما صارت إليه. لكنها
لم تفعل هذا، بل أطلقَت للسانها العِنان وصار كل ما يتحدث عنه
الناس هو سوء اختيارها للكلمات (أو مظهرها، وثراؤها الفاحش،
وأنها «غريبة»، وهذا لا يجعلها مؤهلة لتكون سيدةً أولى جيدة؛
إذ إنها امرأة تحمل تراثًا برتغاليًّا).
بل إن السيدة الأولى بتي فورد نفسها لم تأمن هذا. كانت
بتي من أقوى مؤيدي التعديلات المقترحة على الدستور الأمريكي
التي تمنح المرأة حقوقًا مساوية للرجل، ولحقِّ المرأة في
اختيار عملها، وقد قال البعض إن السيدة بتي وما تتصف به من
ميل إلى التعبير عن آرائها — في برنامج «ستون دقيقة» — هي أحد
الأسباب التي أدت إلى خَسارة زوجها في الانتخابات. وبالطبع
إلى جانب التعبير عن رأيها بشأن القضايا الخاصة بالمرأة يجب
ألا ننسى أنها تحدثَت بصراحة عن موضوعاتٍ أخرى مثل مشكلاتها
الشخصية الخاصة بإساءة استخدام العقاقير، وبفضل هذا الميل إلى
إطلاع الناس على قصَّتها وبفضل شجاعتها مع العالم، أُنشئ مركز
علاجي يحمل اسمها ويساعد كثيرين غيرها في معركتهم مع الإدمان.
ومع هذا فقد تساءل البعض بصوتٍ مرتفع: هل من اللائق أن تنشر
سيدةٌ أولى غسيلها المتسخ أمام الناس.
وبالطبع كانت كبيرة هؤلاء السيدات الأُوَل الصريحات، ذوات
الرأي، المثيرات للخلاف هي إليانور روزفلت، وهي امرأة ظلَّت
تحت الأضواء مدةً طويلة أثناء القرن العشرين، وأثَّرت في
العالم بقَدْر ما أثَّر فيه زوجها الرئيس فرانكلين ديلانو
روزفلت، بل يمكن القول إن تأثيرها عليه كان أكبر من تأثير
زوجها.
ومثل الكثير من السيدات الأُول اللاتي سرن على نهجها،
صارت السيدة إليانور كاختبار رورشاخ لقياس الشخصية: فالناس
انقسموا بين محب لها وكاره. فمحبوها رأَوا أنها ذكية، وشجاعة،
ومليئة بالحماس، وعملية، ودائمًا ما تعمل من أجل أن يصبح
العالم في حالة أفضل. أما منتقدوها فرأَوا أنها شخصٌ متطفل،
بلا خبرة سياسية، وأنها تتجاوز حدود دورها كسيدة أولى.
لكنَّ هناك أمرًا لا خلاف عليه، وهو أن إليانور روزفلت
سيدةٌ أولى غير عادية بكل المقاييس. فقد كانت تكتب مقالاتٍ
وتنشرها في عددٍ من الجرائد والمَجلات، وكانت تقدم برنامجًا
في الإذاعة، وكانت تعقد مؤتمراتٍ صحفية وتشارك في المؤتمرات
السياسية. وبعد وفاة زوجها ظلت تشارك في الحياة العامة بصفتها
ممثلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة حيث ساعدَت في إقرار
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
غير أن صراحة إليانور روزفلت الشديدة، وميلها إلى خدمة
بلادها مع زوجها، القائد المنتخب، ثم الاستمرار في خدمتها بعد
رحيله، جعلها عُرضةً للنقد. لكنها تعلمَت كيف تتعامل مع هذا
النقد ومع الحياة تحت سمع وبصر العامة مع أنها كانت شديدة
الخجل وهي طفلة. وقد كتبَت ذات مرة تقول: إن «كل امرأة تشارك
في الحياة العامة يجب أن تجعل نفسها في قوة الجبال.»
7
وفي أثناء انتخابات عام ٢٠٠٨م، وطَوال موسم الانتخابات
التمهيدية الطويل الذي سبقها، كانت ميشيل تنمِّي قوَّتها
لتصير كقوة الجبل. وفي هذا العالم الجديد الذي تنتشر فيه
المعلومات في لمح البصر، كانت تتعلم أنه من المهم أن يصون
المرء لسانه. بل إنها بعدما نجحَت في أن تفعل هذا، تعلمَت أن
الكلمات يمكن أن تُفسر بمعزل عن سياقها أو أن تُختلق من
الأساس؛ ولذا يجب أن يكون المرء على استعداد لتقبل النقد بصدر
رحْب.
لم يُضطر أحد لأن يلقن لورا بوش هذا الدرس، فقد رأت مخاطر
التعبير عن رأيها عندما كان والد زوجها، جورج بوش الأب، يسكن
البيت الأبيض (ولا شك أنها تعلمَت الكثير عن تبعات أن يتفوه
المرء بكلام قبل أن يفكر فيه من زوجها)، وأمضت لورا السنوات
الثمانية التي قضتها في البيت الأبيض مبتسمة ابتسامةً لائقة،
ممتنعة عن التكلم إلا فيما ندر، محجمة عن الكتابة إلا في
الموضوعات غير الخلافية التي تُحبها. وقُرب انتهاء مدة ولاية
زوجها ظهرَت على شاشة التلفاز عدة مراتٍ لكنها عادة ما كانت
تتحدث عن موضوعات غير خلافية مثل زِفاف ابنتها المرتقَب، أو
عن كتاب الأطفال «اقرأ كل شيء عنه» الذي اشتركَت في تأليفه مع
ابنتها جينا.
لذا فقد كان الأمر مثيرًا بعض الشيء عندما أعربَت السيدة
لورا بوش عن رأيها أثناء رحلة قامت بها مع زوجها إلى جمهورية
سلوفينيا في شهر يونيو من عام ٢٠٠٨م، بعدما بدا أن السباق على
لقب مرشح الحزب الديمقراطي قد حُسم مباشرة. ففيما بدا أنه
إظهار للتضامن مع زوجة المرشَّح المرتقَب للرئاسة عن الحزب
الديمقراطي قالت السيدة الأولى، لورا بوش، إنها لا تظن أن
ميشيل قصدَت أن تقول إنها لم تكن فخورة ببلادها أبدًا،
وأضافت: «أرى أن الأرجح أنها تقصد أن تقول إنها أكثر فخرًا
الآن.» وأسدت المرأة — التي كانت تشغل منصب السيدة الأولى
حينها — نصيحةً للسيدة الأولى المرتقَبة وهي: «عليكِ أن
تفكِّري جيدًا فيما تقولين؛ لأن كل ما تتفوَّهين به سيخضع
للنقد، ولسوء التأويل في كثيرٍ من الأحيان.»
8
ولنذكِّرْ بهذه الواقعة فنقول إنه أثناء لقاء في ولاية
ويسكونسن منحَت ميشيل معارضي زوجها فرصة على طبقٍ من فضة إذ
قالت: «لأول مرة، منذ أن صرتُ ناضجة، أشعر حقًّا أنني فخورةٌ
ببلادي.» الآن جميعُنا نعرف ما قالت إنها تَعْنيه بهذا — وهو أنها كانت فخورة لأن عددًا
كبيرًا من الناس يشارك في العملية
الانتخابية — لكن الجلَبة التي أثارتها هذه الجملة الواحدة لم
تهدأ حتى بعد هذا بشهور. وتساءل الناس: ماذا عن سقوط سور
برلين؟ وماذا عن قيام ملايين الأمريكيين بمساعدة ضحايا إعصار
تسونامي الذي ضرب جنوب شرق آسيا عام ٢٠٠٤م؟
9
وقبل الانتخابات التمهيدية في ولاية تينيسي بثَّ الحزب
الجمهوري في هذه الولاية مقطع فيديو مدته أربع دقائق على موقع
«يوتيوب» تنطق فيه ميشيل بعبارتها ستَّ مراتٍ تفصل بينها صور
للمقيمين في هذه الولاية يعلنون عن فخرهم بأنهم
أمريكيون.
وكما نعرف فإن هذا الفيديو جعل زوج ميشيل، الذي لم يكن قد
دخل في معارك حتى تلك اللحظة، ينتقد هذا الهجوم السلبي بقوة؛
إذ قال لبرنامج «جود مورنينج أمريكا» الذي يُبث على قناة «إيه
بي سي»: «لو أصبحت المرشَّح فسيكون من حق الحزب الجمهوري أن
يقول ما يشاء عني وعن تاريخي، أما لو ظنوا أنهم سيحاولون أن
يجعلوا من ميشيل موضوعًا للنقد في هذه الحملة، فعليهم أن
يحذروا لأنني لن أقبل فكرة أن يهاجم شخصٌ ما زوجتي أو أفراد
أسرتي.»
10
ربما لم يكن من المفترض أن يفاجئ مقطع الفيديو حملة
أوباما؛ إذ كانت هذه هي الولاية نفسها التي أصدر فيها الحزب
الجهوري بيانًا إخباريًّا ورد فيه اسم المرشَّح كما يأتي:
«باراك حسين أوباما» (وتعمد التركيز على اسم الأب، وهو اسم من
أسماء المسلمين)، وزعم أيضًا أنه يأخذ المشورة من مستشارين
معادين للساميَّة.
11
أيضًا عرض البيان الصحفي الذي أصدره الحزب الجمهوري
بولاية تينيسي صورة لباراك مرتديًا زيًّا ادَّعَوا أنه «زي
إسلامي». لكن في الواقع كان هذا الزي هو الزي التقليدي
للصوماليين — وهو جلباب أبيض وعمامة — وقد ارتدى باراك هذا
الزي أثناء زيارة قام بها لمدينة واجير التي تقع في أقصى
الشمال الشرقي لكينيا عام ٢٠٠٦م. وقد تسبَّب نشر هذه الصورة،
التي ظهرَت على موقع
DrudgeReport.com،
في حدوث هياجٍ في كينيا إذ هدَّد زعماء القبائل الكينيون
بفرضِ غرامة على منظِّمي حملة هيلاري كلينتون إذا لم يعتذروا،
يدفعونها في صورة ماشية. وقد أنكرَت الحملة أنها صرَّحَت بنشر
الصورة، وقالت إن عدد مَن يعملون فيها يبلغ نحو ٧٠٠ شخص وإنه
ليس بوسعهم أن يتأكدوا من أنها أُرسلَت في ظل موافقةٍ رسمية
من الحملة.
12
ومن الأشخاص الذين انتقدوا البيان الصحفي في ذلك الوقت
جون ماكين مرشحُ الرئاسة عن الحزب الجمهوري؛ إذ طالب بأن تكون
سمة المناظرات التي تُعقد أثناء جولات الدعاية الانتخابية هي
مراعاة الاحترام. أيضًا بعد هذا طالب البلاد بأن تحترمَ
النساءَ اللاتي من المحتمَل أن تصبحن سيداتٍ أُول.
لكن أثناء احتدام الخلاف حول مقطع الفيديو الذي بثه الحزب
الجمهوري بولاية تينيسي على موقع «يوتيوب»، لم يُدلِ جون
ماكين بأية تصريحات، وكانت زوجتُه أول من انقضُّوا على ميشيل
بعد أن ألقت بتصريحاتها المهينة الأولى. فقد قالت سيندي ماكين
في مؤتمرٍ انتخابي عُقد في ولاية ويسكونسن في ١٩ فبراير: «أنا
فخورةٌ ببلادي.» وأضافت: «لا أعرفُ ماذا عنكم — وما إذا كنتم
قد سمعتُم هذه الكلمات من قبلُ — لكنني فخورةٌ ببلادي.» بعد
أشهر اقتبس وزير الخارجية الأسبق لورانس إيجلبرجر هذه العبارة
عندما قدَّم سيندي أثناء إحدى الحفلات المقامة لجمع التبرعات
في شهر يونيو قائلًا إن السيدة سيندي «تشعُر بالفخر ببلادها،
وإن هذا الشعور لم يُراوِدْها مرةً واحدة وحسب بل ظل مصاحبًا
لها دائمًا.»
13 وفي حوارٍ أجراه معها برنامج «جود مورنينج
أمريكا» على قناة «إيه بي سي»، وأُذيع في ١٩ يونيو ٢٠٠٨م،
كرَّرَت سيندي الهجوم الذي بدأَته في عباراتها السابقة قائلة:
«لكل شخصٍ تجارِبه، وأنا لا أعرف لمَ قالت ما قالته، لكن كل
ما أعرفه هو أن الفخر ببلادي لم يَغِب عني قَط.»
14 (بعد هذا أوضحَت أن تصريحاتها نبعَت من كونها
زوجةً وأمًّا لرجلَين عسكريَّين «تؤمن» بالخدمة
العسكرية.)
وعندما طالَب أوباما باحترام زوجته وأسرته طالب بأن
ينطبقَ هذا على شتى ألوان الطيف السياسي فقال: «أيًّا كان
الشخص المسئول عن الحزب الجمهوري في ولاية تينيسي فإنه يجب أن
يفكِّر طويلًا وكثيرًا في نوع الحملة التي يريد أن يديرها،
وأظن أن هذا ينطبق على الجميع سواء أكانوا ديمقراطيين أم
جمهوريين.»
15
وبعدما طالَب أوباما الناس بأن يدَعوا زوجته وشأنها أضاف:
«[ميشيل] تحب هذا البلد. وأظن أن محاولتهم تشويه ما قالته
والتلاعب به على نحوٍ يسيء إليها أمرٌ شائن، وأظن أن معظم
الأمريكيين يتفقون معي في هذا.»
16
أما عن ميشيل فقد أخبرَت قناة «إيه بي سي» أنها تظن أن
الناس مستعدون لأن يتخطَّوا هذا ويركِّزوا على الأمور ذات
الأهمية الحقيقية. وقالت: «نحن نثق بأن الناخبين الأمريكيين
على استعدادٍ لأن يتحدَّثوا عن القضايا المهمة وليس عن الأمور
التي ليس من شأنها أن تحسِّن حياة الناس.»
17
وأثناء ظهور ميشيل في برنامج «ذا فيو» على قناة «إيه بي
سي» في يونيو؛ إذ شاركَت في تقديم البرنامج، انتهزَت هذه
الفرصة وشكرَت السيدة لورا بوش على الملأ لما قدَّمَته من دعم
لها وهي في جمهورية سلوفينيا؛ إذ قالت إنها تأثَّرَت بكلمات
السيدة لورا وأعلنَت أن التأثر بلغ بها حدًّا جعلَها تكتب لها
رسالة شكر. وقالت لمذيعي البرنامج الذين كان من بينهم باربرا
والترز، ووُوبي جولدبرج، وغيرهما: «ما أُحبُّه في لورا بوش هو
هذا الأسلوب الهادئ العقلاني في التعامل مع مثل هذه الأمور.
وأنا أتعلَّم منها؛ فهي متزنة. وحبُّ الناس لها لم يأتِ من
فراغ. بل هو مبنيٌّ على أنها ليست من هواة سكب البنزين على
النار.»
18
سواء استطاعت ميشيل تجنُّب أن تسكُب هي بنفسها البنزينَ
على النار أم لا، فإن مقطع الفيديو الذي بثَّه الحزب الجمهوري
لم يكن إلا كقمة الجبل الجليدي. فقد مضى الناس في لغطهم حول
أمورٍ لن تؤدي إلى تحسين حياة الناس كثيرًا، إن أدت إلى هذا
من الأساس. إذ ثارت شائعاتٌ حول مقطع فيديو مزعوم ادَّعى
الناس أن ميشيل انتقدَت فيه «الحثالة البيض» بقسوة. هذا
الفيديو لم يظهر إلى الوجود أبدًا، لكن عندما سألَت إحدى
الصحفيات باراك أوباما عنه تسبَّب هذا السؤال في أن تظهر عليه
أماراتُ الانزعاج التي نادرًا ما ترتسم على وجهه، بل إننا لا
نبالغ إذا قلنا إن وجهه احتُقن غضبًا.
قال أوباما للصحفية: «شائعات وأكاذيب» تنتشر عبْر البريد
الإلكتروني «وتتداولها الألسن كثيرًا حتى تأتي أنتِ الصحفية
التي تسير مع التيار وتسأليني عنها. وهذا يَزيد من
قوَّتها.»
19
وواصل أوباما حديثه قائلًا: «مجرد ترديد بعض الأقاويل
عبْر البريد الإلكتروني يجب ألا يكون دليلًا على مصداقيتها.
فمصداقية هذه الأقاويل لا تزيد عن مصداقية ما يسمعه المرء من
أقاويل تتردد على ناصية الطريق. وأظن أن وظيفة الصحافة ليست
أن تنشرَ شائعاتٍ سفيهةً مثل هذه ما دام ليس لها سندٌ من
الواقع، وليس عليها أي دليل يكون برهانًا على صحتها، وليست
مبنية على أي أساس من الصحة.»
20
بعد هذا كتبَت مارجريت تاليف، الصحفية في جريدة
«ماكلاتشي» التي طرحَت هذا السؤال على أوباما، في مدوَّنتها
إنه كان من الجلي أن مجرد أن يطلب أحدٌ من أوباما أن يعطي
قيمة لهذه الشائعة بالحديث عنها، ولو لنفيها، أثار غضبه، وهذا
هو موقف مَن يعملون معه نفسه.
21
وبعد أن طُرح على أوباما مباشرة السؤال الخاص ﺑ «الحثالة
البيض» دشَّنَت الحملة موقع
FightTheSmears.com
على الفور. قال الموقع: «أكذوبة، لا وجود لهذا الشريط. لم
تتحدث ميشيل أوباما على منبر هذه الكنيسة ولم تتفوه بهذه
الكلمة.» وواصل الموقع حديثه قائلًا إن من ادَّعوا أن هذا
الشريط موجود فشلوا في أن يأتوا به وسلَّموا الآن بأن هذا
الشريط «قد يكون مؤامرة».
22
وأنكر الموقع أيضًا الشائعات التي كانت منتشرة لبعض الوقت
عن المرشح نفسه، الشائعات التي تقول إنه مسلم وإنه لم يُولَد
في الولايات المتحدة (ويعرضُ الموقع صورةً من شهادة ميلاده)،
وإنه لن يؤدي يمين الولاء للولايات المتحدة، بل سيؤدي اليمين
الدستوري حالفًا على القرآن، الكتاب المقدَّس للمسلمين (ويعرض
الموقع صورةً له وهو يحلفُ اليمين على الإنجيل الخاص بأسرته)
… إلخ.
23
وفي تكتيكٍ فريد بعض الشيء، يعتمد الموقع في نشر
المعلومات على طريقة «استوحاها من فكرة انتشار الفيروسات» وهي
تشبه طريقة انتشار الشائعات الأساسية. إذ يطلب من القُراء أن
يشتركوا في الموقع، ويبعثوا بواحدة من الرسائل الإلكترونية
التي تحارب الشائعات إلى صديق أو أصدقاء. وبهذا يتمكن مَن
يستقبلون هذه الرسائل من إرسالها إلى أصدقاءَ آخرين حتى
تنتشرَ انتشارًا واسعًا. وقد قال بعض النقاد إن هذا الأسلوب
قد يأتي بنتائجَ عكسية. فنشر الحملة هذه المعلومات المحاربة
للشائعات يجعل عددًا لا حصر له من الناس يصبح على علمٍ
بالشائعات، مع أنها قد تكون غير حقيقية.
قبل إنشاء هذا الموقع أرسلَت خدمة «تنبيهات جوجل»
تنبيهاتٍ تكشفُ عن وجود ما يزيد على ٤٠ مقالًا و/أو مدونةً
تتحدَّث عن ميشيل أوباما ويركِّز معظمها على القيل والقال،
والشائعات التي لا أساس لها من الصحة، وكثيرٌ منها يسلط الضوء
على عبارة «الحثالة البيض» التي زُعم أن ميشيل قالتها. لكن
بعد تدشين الموقع بأيامٍ قليلة، لم يعد يُرسَل إلا عددٌ قليل
من تنبيهات جوجل المتعلقة بميشيل أوباما يوميًّا، ومعظمها
تكشفُ عن كتاباتٍ تتناول أمورًا مثل الملابس التي ارتدَتها في
أحد الأيام، أو المحاولات التي تقوم بها الحملة ﻟ «تلميع»
صورتها.
وأوضَح تومي فيتور المتحدث الرسمي باسم أوباما السببَ من
إنشاء الموقع فقال: «إن حملة أوباما لن تسمح للشائعات المغرضة
أن تنتشر عبْر الإنترنت دون أن تردَّ عليها. ومتى واجهَتْنا
هذه الأكاذيب فسنردُّ عليها بقوة الحقيقة، وسنُساعدُ مؤيدينا
على كشف زيف الشائعات التي لا أساس لها من الصحة والتي تنتشر
عبْر الإنترنت.»
24
(بالقراءة عن هذا التكتيك عام ٢٠١٨م، مع تحديث هذا الكتاب
وإعادة إصداره، من المؤسف أن تكتيكات مكافحة التشهير والرد
على الأكاذيب لم تستمر بعد الحملة الانتخابية. ربما كنا في
مكانٍ مختلف تمامًا الآن.)
وقد قالت ميشيل لصحيفة «نيويورك تايمز» إنها أحيانًا كانت
تندهش من مدى افتراء هذه الأكاذيب. وقالت: «أقصد بهذا
الشائعةَ الخاصة بكلمة «الحثالة البيض»! فهذه كلمة قد تتفوَّه
بها شخصية جورج جيفرسون [وهو شخصية كانت تظهر في مسلسل «عائلة
جيفرسون» الذي كان يُعرَض في سبعينيات وثمانينيات القرن
العشرين.] وأي شخصٍ يقول إنني تفوهتُ بهذا لا يعرفني، ولا
يعرف الحياة التي عشتُها، ولا يعرف أي شيءٍ عني.»
25
واقعة شائعة «الحثالة البيض» ما هي إلا واحدة من أمثلة
عديدة. إذ ثارت تعليقاتٌ سخيفة، يبدو أنها لن تنتهي، عن حركة
اليد التي يقوم بها كلٌّ من ميشيل وباراك أوباما تعبيرًا عن
الحب أو التهنئة أو تمنِّي الحظ الطيب قبل خطبة باراك في
الليلة التي حُسم فيها السباق على الترشيح الرئاسي عن الحزب
الديمقراطي لمصلحته. ولا شيء مثير للمخاوف في هذه الحركة، بل
لا شيء غريب فيها، وهي الحركة التي يقوم بها كلُّ أمريكي يلعب
البيسبول في مسابقة «ليتل ليج»، وكل من يدرِّب هذه الفرق، بل
يقوم بها الآباء عندما يقوم أبناؤهم بضربةٍ موفقة، أو يفشلون
في هذا، بل عندما يتوجَّهون إلى المكان الذي سيقذفون منه
الكرة (وهذه الحركة تتم بأن يضُم شخصٌ قبضةَ يده ويضرب بها
قبضةَ شخصٍ آخر، ويمكن أن نسمِّيها تحية الرياضيين، أو آخر
صيحةٍ من صيحات المصافحة). (وصدِّقوني أنا أعلم هذا. فقد
قضيتُ أيامًا وليالي طويلة في مدرجات ملاعب كرة البيسبول في
جميع أنحاء البلاد، وأقول إن هذه الحركة منتشرة انتشار الفول
السوداني والفشار.)
ومع هذا فقد تساءلَت إحدى الصحف البريطانية: هل الحركة
التي قام بها أوباما وزوجتُه استعراضٌ لقوة السود، وتساءلَت
إديث هيل، المذيعة بقناة «فوكس نيوز»، هل هذه الحركة «لكمة
إرهابية». (لقد اعتذرَت بعد هذا، وأُلغي برنامجها الذي كان
يُذاع في الساعة الحادية عشرة صباحًا، لكن قناة «فوكس» قالت
إن إلغاء البرنامج لم يكن بسبب هذه التصريحات.)
26 وأتساءل: ألَمْ تقُم السيدة إديث بزيارة ملعب كرة
قط؟ ألَمْ تفتح التلفاز لترى ماني راميرز أو ديريك جيتر
يطوفان بالمكان الذي يضربان منه الكرة بعد قيامهما بضربةٍ
موفَّقة؟ بالتأكيد كانت سترى ضربة اليد هذه في تلك المواقف،
هل يمكنها أن تقول إن ما يقومان به هو لغة إشارةٍ إرهابية
سرِّية؟ من أي كوكبٍ أتت هذه المذيعة؟
مقارنةً بالاتهامات التي وُجهَت إليهما، تبدو بعض هذه
الأقاويل التي ثارت حول ضربة اليد مضحكة بعض الشيء. فقبل شهر
من بدء الانتخابات، بدأَت سارا بالين تتحدث عن علاقة تربط
أوباما وزوجته بويليام أيرز، الأستاذ بكلية التربية بجامعة
إلينوي بمدينة شيكاغو الذي أسَّس منظمة «ويذر أندرجراوند»
الإرهابية في ستينيات القرن العشرين.
قالت سارا بالين في حديث وجَّهَتْه للمتبرِّعين في أحد
المطارات بإنجلوود في ولاية كولورادو: «إن منافسنا … شخصٌ يرى
أمريكا — فيما يبدو — بلدًا يعجُّ بالنقائص، حتى إنه يُقيم
صداقاتٍ مع إرهابيين لا يتورَّعون عن إيذاء بلدهم.»
27 ثم عادت وكرَّرَت التصريح نفسه خلال لقاءَين في
كاليفورنيا.
وفي حين رأى الكثيرون أن هذه العلاقة تستحق الانتقاد، فإن
ردود الفعل العنيفة التي أثارتها تعليقات سارا بالين دقت جرس
الإنذار. كان من بين أسوأ الإساءات التي رُمي بها باراك أثناء
المؤتمرات الانتخابية القاسية الخاصة بالحزب الجمهوري:
«إرهابي!»، «اقطَعوا رأسه!» «اقتلوه!».
كذلك، لم تسلم ميشيل من محاولة الربط بينها وبين
الإرهابيين. فحسبما ورد في صحيفة «ديلي نيوز» التي تصدر في
نيويورك: «لحقَت ميشيل أوباما بزوجها في القائمة التي وضعها
جون ماكين للأشخاص الوثيقي الصلة بالإرهابيين.»
لكن ما جريمتها؟ أنها عملَت في مكتب سيدلي آند أوستن «في
الوقت نفسه الذي عملَت فيه برناردين دورن زوجة بيل أيرز به.
أوردَت الصحيفة هذا النبأ وأضافت: «عام ١٩٨٧م كان هناك ١٨٠٠
شخص آخر يعمل في هذا المكتب.» وقد صدر هذا الادعاء بأن لميشيل
علاقةً بالسيدة برناردين في مكالمةٍ جماعية قامت بها حملة
ماكين، ونشرَتْها صحيفة «ديلي نيوز» وغيرها من وسائل
الإعلام.
حقًّا تبدو الجلبةُ التي أثارتها حركة اليد بسيطةً جدًّا
مقارنةً بالغل الذي ساد الأجواء قبل الانتخابات
بأسابيع.
وبعد أسابيع قليلة من الجلبة التي ثارت حول حركة يد
أوباما الشهيرة، قام الرئيس جورج بوش بمثل هذه الحركة هو
الآخر، ولن تصدِّقوا، لم تصدر أية صيحاتٍ تقول بأن هذا سلوكٌ
شائن. وقد قام بوش بهذه الحركة مع صبي في الثانية عشرة من
عمره نال تكريمًا بفضل قيامه بأعمالٍ تطوعية، وذلك عندما كان
يقوم بزيارةٍ رسمية لولاية أركنساس. قال الصبي إن الرئيس رفع
قبضته وأضاف: «وأنا فهمتُ ماذا يريد …»
28 (لم ينطق أحد بكلمةٍ واحدة عن عملٍ إرهابي أو عن
قوة السود. لكن علينا أن نذكُر أيضًا أن هذا هو الرئيسُ الذي
داعب أحد خِرِّيجي أكاديمية القوات الجوية بأن صدم بطنه ببطنه
في حفل خِرِّيجي أكاديمية القوات الجوية الأمريكية في مدينة
كولورادو سبرنجز قبل هذا بأسابيعَ عديدة، ومرَّ هذا دون أن
يثير جلبةً كبيرة. ربما يقوم مرشَّحو الرئاسة بهذه الحركة مع
زوجاتهم عندما يفوزون بالترشيح في المرات القادمة وينسَون أمر
قبضة اليد!)
29
وفي حوارٍ أجراه المذيع براين ويليامز الذي يعمل في قناة
«إن بي سي» قال باراك أوباما إن حركة اليد التي قام بها مع
زوجته على المنصة في سانت بول تجسِّد ما يحبه في زوجته ألا
وهو أنه رغم كل الأضواء المسلطة عليهما فإنها لا تنسى أبدًا
أنه زوجها وأحيانًا ما يقومان بأفعالٍ سخيفة.
30 سواء أكان ما فعلاه سخيفًا أم لا، فإنهما ليسا
أول من يفعل هذا. والسخيف حقًّا هو الجلبة التي ثارت حول
هذا.
ثم جاءت واقعة «عشيقة باراك»، وكانت هي الأخرى بفضل قناة
«فوكس نيوز»؛ إذ عُرض فيها شريط (أو تصميم جرافيك تقوم فكرته
على الكتابة) مع تقريرٍ إخباري قيل فيه إن ميشيل هي «عشيقة
باراك». وقد حدث هذا عندما كانت المذيعة ميجين كيلي تجري
حوارًا مع المدونة المحافظة ميشيل مالكين حول هجوم المحافظين
على ميشيل أوباما. وبينما كانتا تتحدثان، ظهرَت رسالة على
الشاشة. جاء فيها: «أيها الليبراليون الساخطون: كُفوا عن
الاستهزاء بعشيقة باراك!» الجلي أن كلمة «عشيقة» هي كلمةٌ
بذيئة تشير إلى امرأة أنجبَت من شخص دون زواجٍ شرعي.
31 ولك أن تتخيل أنه كان هناك عددٌ قليل من الكتابات
الساخطة على المواقع الإلكترونية والمدونات بعد هذا.
وأيضًا هناك كتاباتٌ وردَت على موقع
MichelleObamaWatch.com.
بعضها كان سخيفًا، وبعضها كان متجاوزًا لحدود العقل، والبعض
الآخر يجعل القلوب تنفطر لأنه ينتهك جميع الحدود انتهاكًا
صارخًا (ولهذا لن أكرِّره هنا).
وبسبب قسوة بعض هذه الشائعات، قرَّرَت حملة أوباما أن
تعطي ميشيل مزيدًا من العون. في منتصف يونيو، عُيِّنَت لها
رئيسة موظفين جديدة شهيرة هي ستيفاني كاتر، التي عملَت متحدثة
باسم السيناتور جون كيري أثناء سعيه الفاشل للفوز بمنصب
الرئيس. والأرجح أنها لُقنَت درسًا عن الشائعات عام ٢٠٠٤م، هل
تذكُرون واقعة سويفت بوت؟
في حال كان أحدٌ يحتاج إلى تذكرة، نقول إن حملة السيناتور
كيري تلقَّت ضربةً قوية، بل صفعةً مدمِّرة، عندما أعلَنت
الجماعة المسماة «سويفت بوت فيتيرانز فور تروث» عن تشكُّكها
في شرعية الميداليات التي حصل عليها كيري وعن مشاركته في حرب
فيتنام. وعلى عكس الجدل الذي دار حول ما قالته ميشيل أوباما
عن الفخر ببلادها أو حول ما قالته هيلاري كلينتون عن الوقوف
وراء زوجها، فإن الجدل الذي دار حول ما قالته جماعة «سويفت
بوت» لم يكن سببه أي عملٍ قام به السيناتور كيري أو قام به
أحد العاملين في حملته أو تصريح تفوه به أيٌّ منهم.
ومنذ ذلك الوقت دخلَت عبارة «سياسة السويفت بوتينج» معجم
المصطلحات السياسية الأمريكية، وهذا ما يوضِّحه مقالٌ نشرَتْه
كلية الاتصالات بجامعة ولاية بنسلفانيا على إحدى المدوَّنات.
إذ ورد مقالٌ بعنوان «سقوط حملة الانتخابات الرئاسية لجون
كيري عام ٢٠٠٤م» يعرض حالة من بين حالات اختارها طلاب
العلاقات العامة لإجراء دراسة عليها، ويبدأ هذا المقال بتعريف
لهذه العبارة ورد فيه: «استراتيجية تواصُلٍ شديدة التطور
تُنفِق بموجِبها جماعاتٌ معزولة — وهي واجهة لجماعاتٍ أخرى —
مبالغَ طائلةً على إعلاناتٍ تلفزيونية تتضمن هجومًا شرسًا،
وهذه الجماعات واثقة من أن وسائل الإعلام الإخبارية ستنقل هذا
الهجوم.» ثم يستعرض المقال تحليلًا لنقاط القوة والضعف في
حملة كيري التي باءت بالفشل وللفرص التي أُتيحت لها
والتهديدات التي واجهَتْها، واستنتج من هذا التحليل أن حملة
التشويه التي قام بها سويفت بوت من أسباب الفشل
الرئيسية.
32
ومع أن هذا المصطلح نُحِتَ بعدما حدث لحملة كيري، فإن
السيناتور كيري لم يكن أول مرشَّح يتعرض للمعاناة بسبب
الشائعات والتشويه، والأرجح أن ميشيل وباراك لن يكونا آخر من
يعاني بسببهما.
وسنستعرض معًا بعضَ الأمثلة لوقائع قريبة العهد حدثَت؛
فأثناء الانتخابات الرئاسية عام ١٩٨٨م، ساعد في هزيمة مايكل
دوكاكيس مرشح الحزب الديمقراطي وحاكم ولاية ماساتشوستس ما دار
حوله من شائعات وما تم من تعريض به. فالإعلان الشهير الذي
يظهر فيه المجرم الأسود «ويلي هورتون» وهو يرتكب جرائم
الاغتصاب والقتل أثناء خروجه في إذنٍ مؤقَّت من السجن مَسَّ
جميع الموضوعات التي تهم المجتمع، بما فيها الأعراق والخوف،
وأثار مشاعر مكبوتة أسهمَت في إلحاق الهزيمة بدوكاكيس.
ولم تسلَم أسرة هذا المرشح من الشائعات في هذه
الانتخابات. فبينما هو يصارع لخطف مقعد الرئاسة من بين يدَي
الجمهوريين، تعرضَت زوجتُه كيتي لانتقاداتٍ شديدة عندما
ادَّعى ستيف سيمس الذي ينتمي للحزب الجمهوري ويشغل عضوية مجلس
الشيوخ عن ولاية أيداهو، أنها أحرقَت العلم الأمريكي احتجاجًا
على حرب فيتنام.
33
بالطبع جميعنا يعلم أن الحملة سارت من سيئ لأسوأ، وأن
الجمهوريين فازوا في النهاية. لكن الأسوأ من هذا هو أن كيتي
دوكاكيس في النهاية وقعَت هي الأخرى في محنة. فبعد مرور عام
على الانتخابات أُدخلَت مصحة بعد أن شربَت كحول الإيثانول
السام. وفي عام ١٩٩١م حكَت بصراحةٍ عن معركتها مع إدمان
الكحول في مذكِّراتها التي نُشرَت بعنوان «الآن تعرفون». وفي
هذا الكتاب حكت عما عانته من إدمان، وكتبَت أيضًا عن المصاعب
التي واجهَتها بصفتها زوجة رجلٍ سياسي.
(رأيتُ بأم عيني كيف من الممكن أن تكون الحملات
الانتخابية قاسية على المستوى الشخصي. فعام ١٩٨٨م كنتُ أعملُ
صحفيةً تحت التدريب في وكالة «أسوشيتد برِس» في مدينة
ميلووكي، وهي أولُ وظيفةٍ عملتُ بها بعد تخرُّجي من كلية
الصحافة. وأتذكَّر أن الجريدة أرسلَتني إلى ضاحيةٍ بعيدة
لتغطية مؤتمرٍ انتخابي يعقده دان كوايل، نائب الرئيس جورج بوش
الأب — كان هو نفسه ضحية الكثير من العبارات القاسية التي دار
معظمها حول مقدار ذكائه. ولن أنسى أبدًا الفتاتَين الصغيرتَين
اللتَين رأيتُهما في المؤتمر. كانت الفتاتان ترتديان جونلتَين
وبلوزتَين كلٌّ منهما مكوَّنة من قطعتَين ملتصقتَين،
وتزيِّنان رقبتَيهما بعِقدَين وتربطان شعرَيهما بتوكتَين من
لون البلوزتَين نفسه، وتبدُوان مثالًا للفتيات الجامعيات
الرائعات. كانت الفتاتان تبتسمان وتلوِّحان بلافتةٍ مصنوعة
يدويًّا ومكتوب عليها: «لنُلقِ بكيتي على الجمر». بعد عام من
هذه الواقعة، عندما قرأتُ عن أنهم ذهبوا بكيتي إلى المستشفَى
بعد أن شربَت كحول الإيثانول السام، لم أستطع أن أمنع نفسي عن
التفكير في هاتَين الفتاتَين. أتساءل هل شعَرَتا بالذنب أو
الخزي أو الحزن؟)
وكان لسيندي ماكين نصيبٌ من النقد مع أنها كانت تميل إلى
أن تقفَ وراء زوجها حقًّا دون أن تفتح فمها كثيرًا (فهي أقرب
إلى نموذج لورا بوش). فأثناء انتخابات عام ٢٠٠٠م وقعَت ضحية
لحيلةٍ قذرة أثناء الانتخابات التمهيدية لولاية ساوث
كارولاينا، وذلك حين وزَّع معارضوهم وريقاتٍ تظهر فيها صورة
لزوجها مع طفلٍ أسود البشرة. وادَّعَت الأوراق أن الطفل هو
ابنٌ غير شرعي للسيناتور ماكين، لكن في الحقيقة كانت هذه
الصورة صورة بريجيت ابنة ماكين التي تبنَّاها من
بنجلادش.
34
وفي حوارٍ مع مَجلة «نيوزويك» قالت سيندي إنها تأمل ألا
يصل إلى مسامع ابنتها هذا اللغط. لكن منذ وقتٍ ليس ببعيد
كتبَت بريجيت اسمها على موقع جوجل ووجدَت المقالات الصحفية
التي تتحدث عن هذا الأمر، وسألَت والدتَها، وهي الآن في
السادسة عشرة من عمرها، لماذا يكرهها الرئيس بوش. قالت سيندي
للمَجلة: «بذلتُ كل ما في وسعي لأقنعها أن مَن فعل هذا لم يكن
الرئيس بوش. لكن ما لا تستطيع أن تستوعبه هو: كيف يمكنُ للناس
أن يتفوَّهوا بكلمات كهذه؟»
35
من الطبيعي أن هذه التجرِبة جعلَت سيندي ماكين تفكر ألف
مرة قبل أن تعطي زوجها الضوء الأخضر للدخول في السباق
الانتخابي عام ٢٠٠٨م. وتُقر سيندي بأنها لا تزال لديها قائمة
بأسماء أعدائها تضع فيها أسماء الأشخاص الذين تعتقد أنهم
أضرُّوا زوجها وأسرتها.
«أظن أن أية أم ستتفق معي فيما أقول: يمكن للناس أن
يلاحقوني لكن عليهم أن يبتعدوا عن أبنائي.»
36 (حدْسي يخبرني أن ميشيل أوباما ستُحيِّي سيندي
ماكين بحركة يدها الشهيرة لما قالته.)
أيضًا كان على سيندي أن تواجه قضيةً شخصيةً مؤلمة أخرى
تحت سمع وبصر العامة. عندما أدمنَت المسكنات التي لا تُصرف
إلا بإذن الطبيب في تسعينيات القرن العشرين بعد أن أجرت
جراحةً في ظهرها (وبدأَت تسرقُ أقراصَ الدواء من المؤسسة
الخيرية العلاجية التي أنشأَتها)، لم تكن معركتُها معركةً
خاصة على الإطلاق. وقد وصفَت سيندي هذه المدة بأنها «أسود
مراحل» حياتها.
37
بعد أن كُشف النقاب عن إدمان سيندي، دفعَت تعويضًا عما
سرقَته، وحضرَت جلساتٍ علاجية، وقامت بخدمة المجتمع. ولما
كانت تعلم هي وزوجها أن هذه الأخبار مصيرها إلى التسرُّب،
أطلعا مجموعة من الصحفيين الذين يثقون بهم عليها؛ ولذا أصاب
سيندي الهلع عندما اكتشفَت في اليوم التالي وجود رسمٍ
كاريكاتوري في صحيفة «أريزونا ريبابليك» يظهر فيه شخصٌ مدمن —
يشير إلى سيندي — «يفتِّش الأطفال الرضَّع بحثًا عن أقراص
الدواء».
38
ثم جاءت الواقعة التي أُطلق عليها «فضيحة الوجبات»؛ إذ
قام شخصٌ يتلقى تدريبًا في القيام بأعمال الحملات الانتخابية
بسرقة وصفاتٍ غذائية من قناة «فوود نت» المتخصِّصة، وقدَّمها
على أنها بعض الوصفات «المفضَّلة» لسيندي ماكين، وكان هذا
موضوع عددٍ من العناوين الرئيسية.
وفي بداية صيف عام ٢٠٠٨م، لم تَزِغ الأبصار عن سيندي
عندما تأخرَت في تقديم إقرارها الضريبي. قالت سيندي قبل أن
تقدِّم الإقرار أخيرًا في شهر يونيو: «هذا أمرٌ متعلق
بالخصوصية؛ فأنا لستُ المرشح»، موضحةً أن لها ذمةً مالية
منفصلة عن زوجها. (ورثَت سيندي ثروة من تجارة المشروبات
الكحولية تقدَّر بأكثر من مائة مليون دولار أمريكي.)
39
صحيحٌ أن السيدة سيندي ماكين ليست مَن تَرشَّح
للانتخابات. ولا أيٌّ من زوجات أوباما وكلينتون وكيري وبوش
وفورد. ومع هذا تعرَّض الكثير مما قالته هؤلاء النساء
وارتدَينه وأكَلنه للفحص والتمحيص، وكان موضوعًا للعناوين
الرئيسية في الصحف في جميع أنحاء العالم. وهذا ينطبق بصورةٍ
خاصة على انتخابات عام ٢٠٠٨م إذ صار نشر هذه المعلومات سريعًا
كسرعة البرق بسبب الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وموقع
«يوتيوب» (وهذا ينطبق أيضًا على المعلومات التي لا تمُتُّ
للحقيقة بصِلة).
ومن حسن حظ أوباما وزوجته أنه بحلول عام ٢٠٠٨م كان يبدو
أن الديمقراطيين قد لُقنوا درسًا بفضل ما حدث من تشهيرٍ بكيري
منذ أربع سنوات. فحسبما قال ديفيد أكسلرود مدير حملة أوباما
لمَجلة «نيوزويك» في شهر أبريل فإن أوباما «لن يجلسَ متربِّع
اليدَين يترنَّم بالمثاليات والسهام تنهالُ عليه. وأظن أن
الناس يجب أن يفرِّقوا بين حدود الأدب والاستعداد لمواجهة
التحديات المقبلة.»
40
ويبدو أن القائمين على الحملات الانتخابية قرَّروا أنهم
سيكونون في موقفٍ أفضل إذا صاروا هم أنفسهم مصدرَ أكبر عددٍ
ممكن من الأخبار، ونظرًا لقدرة الإنترنت على نشر الشائعات
والأقاويل بسرعة هي كسرعة انتشار النار في الهشيم، فقد صار
واضحًا أنهم قرَّروا أن زوجات وأزواج المرشَّحين والمرشَّحات
سيكونون في حاجة إلى دعايةٍ وبريقٍ إعلامي كالمرشَّحين
أنفسهم.
ولهذا فإنه مع بداية الصيف صار من الممكن أن ترى علامات
على بدء حملة دعايةٍ قوية تركِّز على ميشيل أوباما. وقد تناول
مقال نُشر في جريدة «نيويورك تايمز» بعنوان «ميشيل أوباما
تبحث عن بدايةٍ جديدة»، ما يرى الكاتب أنه محاولة «تجميل
ذكية» تخضع لها السيدة الأولى المُحتمَلة. وكتبَت الصحيفة
تقول إنه في حين يسعى زوجها لإزالة الحدود بين الهُويات
المختلفة فيما يبدو أنه بداية لعصرٍ جديد يتجاوز حدود
الأعراق، تظل هُوية السيدة ميشيل أقل قابلية للتغيير. فأصولها
ترجع إلى الرقيق وهي ابنة المنطقة الجنوبية من شيكاغو
المعروفة تاريخيًّا بأنها مأوى السود. وهي تميل لأن تُشعِل
النيرانَ في حين يميل هو إلى إخمادها وهذا أيضًا يجعلها
عُرضةً للهجوم.»
41 وقد قالت جريدة «تايمز» إن الحملة ستعمل على
تحسين صورتها.
وعندما أظهر استطلاع رأي أنه يبدو أن الناخبين يشعرون
أنهم لا يعرفون سيندي ماكين، بدا أن الجمهوريون قاموا بحملة
مماثلة. فأُجريَ حوار تلفزيوني معها صُوِّر أثناء قيامها
بجولة في فيتنام حيث ساعدَت الأطفال المصابين بمرض الحنك
المشقوق. ثم رأيناها تستعد لأن تلتقط لها مَجلة «فوج» صورة،
ورأيناها بعد أيامٍ قليلة مع زوجها في مَجلة «بيبول».
وبدا أن هناك سباقًا لكتابة أكبر عددٍ من المقالات
«المعسولة» عن أوباما وزوجته و/أو ماكين وزوجته، وإذاعة أكبر
عددٍ من حوارات «التلميع» في البرامج الترفيهية، وكل هذا يتم
باسم تعريف الناس بهم (ولا يتم لأنهم يتطوَّعون بأن يقولوا
الكثير).
وقد قال جون كلش، عميد كلية إدارة الأعمال بجامعة
هارفارد، إن التركيز غير المسبوق على زوجتَي المرشحَين
الأخيرَين، وعزم حملتَيهما على تقديمهما في صورةٍ مشرِّفة، قد
يكون له علاقة بخروج السيناتور هيلاري كلينتون من
السباق.
42
وقال لصحيفة «سان فرانسيسكو كرونيكل»: «بدا الأمر لي
وكأنه كان هناك ثلاثة نساء يسعَين خلف مقعد الرئيس، وصارتا
اثنتَين. وعدد من يهتمون في الولايات المتحدة بأن يرَوا
مرشحةً امرأةً كبيرٌ جدًّا لدرجة أن الاهتمام بزوجات
المرشَّحين صار شديدًا بعد انسحاب السيناتور هيلاري. فلا يزال
هناك اهتمامٌ كبير بتمثيل صوت النساء في الحوار السياسي
الدائر عن أرفع مناصب البلاد.» وهذا قد يفسِّر اختيار
السيناتور ماكين لنائبةٍ دون آخرين قد يُقال إنهم أكثر
جدارة.
43
لكن كان هناك آخرون لا يشعرون بمثل هذا اليقين في أن هناك
اهتمامًا كبيرًا بتمثيل صوت النساء في الحوار السياسي. ففي
مقال كتبَتْه جوان فينوتشي بعنوان «فلنغيِّر الآراء القديمة
وليس زوجات السياسيين» اقتبسَت فيه ما قالته زميلتُها السابقة
الصحفية إلين مكنامارا قائلة: «عندما أقرأ عن حياة النساء
كثيرًا ما يبدو لي أن الزمن قد توقَّف، وكأن الثلاثينَ سنةً
الأخيرة لم تمُر. بالطبع لدينا فضولٌ حول زوجات المرشَّحين
للرئاسة — فثقافتنا هي ثقافة شعبٍ مهووسٍ بشخصيات الناس — لكن
ألسنا ننتظر منهن أن يكُنَّ قد عِشْنَ على الكوكب نفسه الذي
نعيش عليه وفي العصر نفسه الذي نعيش فيه؟»
44
وربما يكون كلينتون وزوجتُه قد أسهما في تحفيز هذا
الاهتمام الإعلامي الشديد بطريقةٍ أخرى دون أن يتعمَّدا هذا.
فمجرد ظهور رئيسٍ سابق — هو بيل كلينتون — بصفته الرجل الأول
المرتقب، زوج السيدة الأولى المرتقبة، «خلق موقفًا تاريخيًّا
جعل الإعلام يركز على الزوجات والأزواج على نحوٍ غير مسبوق»،
هذا ما قاله فيل تراونستاين، منظم الاستطلاعات والمتحدث
السابق باسم حاكم ولاية كاليفورنيا السابق جراي
ديفيز.
45
وقد يكون هذا هو السبب في أننا وجدنا أنفسنا فجأة نسمع
حديثًا مطولًا عن أمورٍ كثيرة، سواء أكانت تمُتُّ بصِلة إلى
السباق الانتخابي أم لا. لننظر مثلًا إلى ما دار حول ذراعَي
ميشيل أوباما: هل يجب أن تتركا عاريتَين معظم الوقت أم يجب
عليها أن تغطيهما؟ قالت إحدى الإعلاميات إنها بعدما رأت
عضلاتِ ذراعَي ميشيل الجميلتَين التي تظهر كلما ارتدَت
فساتينها التي بلا أكمام صارت تحتفظ بأداةٍ من أدوات رفع
الأثقال وزنها خمسة أرطال على مكتبها بجوار الحاسوب.
46
أو أن ميشيل توقفَت عن ارتداء الجوارب التي تغطي الساق
كلها؛ إذ قالت في برنامج «ذا فيو»: «توقفتُ عن ارتداء هذه
الجوارب منذ وقتٍ طويل»، وأضافت أنها «مؤلمة» جدًّا. إن سمعتَ
البعض يتحدثون عن فكرة المشي أمام الناس بأرجلٍ عارية فستظن
أن ميشيل كانت تتكلم عن حرق حمَّالات الصدر كما فعلَت بعض
رائدات الحركة النسائية. (وقد ورد في تعليق نُشر في مدونة لين
سويت، الصحفية بجريدة «شيكاغو صن تايمز»: «إن الانطباع الذي
تتركه السيدة الأولى العارية الأرجل عن طريقة لبس السيدات
الأمريكيات اللاتي تمثلهن بلغ أقصى حدود الابتذال. لا تقولوا
لي إن في هذا تجسيدًا لسياسة خفض الانبعاثات الكربونية
الناجمة عن النشاط البشري. إن كانت سيندي تؤيد ارتداء هذه
الجوارب [أنا واثق أنها ترتدي جوارب من ماركة «ولفورد»]
فسأمنح صوتي لماكين وللسيدة الأولى التي تتمتَّع بقدرةٍ أكبر
على تحمُّل الألم ومظهر أكثر أناقة!)
47
ولنفكر مثلًا ما الغرض من أن يُطلعنا التقرير الإخباري
الجماعي على أن الحائط المقابل لمنزل أوباما المبني من الطوب
الأحمر، والواقع في حي هايد بارك، مغطًّى بالنمل الناري، وأن
ابنتَي أوباما تحبان اللعب برشَّاش المياه في الحديقة
الأمامية، وأن ميشيل كانت تبدو رائعة في فستانها الأسود المعد
للمناسبات الرسمية (نعم كانت ذراعاها عاريتَين، وكان الفستان
مفتوحًا فتحةً كبيرة من الخلف)، وكانت تصفِّف شعرها على هيئة
كعكة وهي تتوجه مع زوجها لتناول وجبة في مطعم سبياجيا، وهو
المطعم الإيطالي ذو النجوم الأربعة الوحيد في مدينة شيكاغو،
ويبدأ سعر الوجبات فيه من خمسين دولارًا أمريكيًّا. (لم تستطع
الصحفية أن تُخبرنا كيف يبدو المطعم من الداخل — إذ لم يُسمح
لها بالدخول — لكنها تفضَّلَت وضمَّت لتقريرها الوصف الوارد
على موقع المطعم ألا وهو: «صالة طعام رائعة أرضها مصمَّمة
بشكلٍ متفاوت الارتفاع كالمدرجات، وهي مزدانة بألوانٍ هادئة
فاتحة ومفروشات لها ألوانٌ متناقضة تناقضًا يُبرز جمالها. بها
نوافذُ ضخمة يبلغ طولها ٤٠ قدمًا وهي تُطل على ناصية «أوك
ستريت» وميشيجان».)
48
هل نحن في حاجة إلى أن نعرف كل هذا؟ وكيف يمكن أن تسير
هذه الحياة التي لا خصوصية فيها؟
بالنظر إلى هذه الأمور يصبح علينا أن نتساءل: لِمَ تفكر
أي امرأة في الحصول على لقب السيدة الأولى؟
وقد أجالت المراسلة الصحفية إيما كاوينج فكرها في الفرص
المتاحة أمام المرأة التي تقف خلف «العرش» الأمريكي. إذ كتبَت
في مقال نُشر في صحيفة «سكوتسمان» تقول إن «دور السيدة الأولى
غير واضح المعالم. ورغم محاولات الكثير من السيدات الأُول
السابقات، فإن ملامحه لم تتحدد بوضوح. فهو ليس له راتب،
والسيدة الأولى لا تُنتخب وليست منوطة بها مهامُّ رسمية، ومع
هذا فإن الالتحاق بوظيفة أثناء التمتُّع بهذا اللقب أمرٌ
مُستهجَن جدًّا لدرجة أنه لا تُوجَد سيدةٌ أولى واحدة أقدمَت
على فعل هذا.»
49
ولنقارن هذا بحال المملكة المتحدة حيث «تتمتع زوجة رئيس
الوزراء [أو زوج رئيسة الوزراء في حالة مارجريت تاتشر] بحرية
العمل ولا يعمل تحت إمرتها أي موظفين حكوميين حتى تختار هي
[أو يختار هو] هذا خاصة»، حسبما تشير إيما. أما في الولايات
المتحدة فإن السيدة الأولى «يكون لها مكتبها الخاص في البيت
الأبيض ويعمل تحت إمرتها موظفون من بينهم مديرة للموظفين،
وسكرتيرة صحفية، وسكرتير البيت الأبيض للشئون الاجتماعية،
وكبير طهاة البيت الأبيض، وبالطبع كبيرة منسقي الأزهار.»
(بالطبع قامت ميشيل بأدوارٍ عديدة في المدة السابقة القصيرة
نسبيًّا من حياتها؛ إذ عملت محاميَةً ومديرةً بمستشفًى،
وموظفةً حكومية، وعضوَ مجلس إدارة، وأمًّا وزوجة، لكن لا شيء
في خبرتها حتى الآن يؤهلها لأن تتعامل مع كبيرة منسقي
الأزهار!)
50
وتمضي إيما في مقالها مقتبسةً مقولةَ ميلان فيرفير، التي
عملَت مديرة لموظفي هيلاري كلينتون عندما كانت هيلاري سيدةً
أولى، وقد وردَت هذه المقولة في كتاب سوزان جولدنبرج الذي
كتبَتْه بعنوان «سيدتي الرئيسة: هل أمريكا مستعدة لأن تصل
هيلاري كلينتون للبيت الأبيض؟» إذ قالت إن دور السيدة الأولى
دورٌ استثنائي «فالمرأة تحصل عليه بفضل زواجها وحسب، ولا تبذل
الجهد لتصل إليه بنفسها.»
51
صحيحٌ أنه لا توجد سيدة أولى واحدة في التاريخ حازت هذا
اللقب بنفسها، لكنه من الصعب جدًّا على المرء في عصرنا هذا أن
يقول إنهن لا يستحقِقْنَه. ومثلما أنه من العسير جدًّا أن
يعيش المرء تحت سمع وبصر الناس، فإنه ليس من اليسير على المرء
أن يرى رفيق حياته يمزَّق إربًا. ومثلما قالت ميشيل أثناء
المعركة الملحمية التمهيدية مع هيلاري كلينتون: «توقَّعنا أن
يفتخر بيل كلينتون بالإنجازات التي حقَّقَها في تسعينيات
القرن العشرين وأن يتحدث عن دور هيلاري في تحقيق نجاحه
السابق. وهذا أسلوبٌ عادل وتحدٍّ نحن على استعداد
لمواجهته.
لكن ما لم نتوقَّعه — على الأقل من زملائنا الديمقراطيين
— أن يتبعوا سياسة السعي لتحقيق الفوز بأي ثمن كما رأينا
أخيرًا. لم نتوقَّع منهم التفوُّه بهذه الاتهامات المضلِّلة
التي تتعمد تشويه إنجازات باراك.»
52
من الواضح أن ميشيل كانت تشير إلى التصريحات التي أدلى
بها الرئيس الأسبق بيل كلينتون متهمًا فيها منافس هيلاري
بتشويه الإنجاز الذي حقَّقه في العراق، وبإثارة الصراعات
العِرقية بهدف كسب الناخبين لصفه.
عام ٢٠٠٤م عندما كانت فكرة ترشح باراك للرئاسة لا تحتل،
على الأرجح، المكانة الأولى في قائمة أولويات ميشيل، سُئلَت
في حوار: أيُّ السيدات الأُول هي الأكثر نيلًا لإعجابها؟ تُرى
ماذا كانت إجابتها في ذلك الحين؟ الإجابة هي: هيلاري رودهام
كلينتون. إذ قالت: «إنها ذكية وكريمة الخلق، ولا خلاف بين
ظاهرها وباطنها، وهي امرأة نجحَت في تربية أطفال يبدو أنهم
ناضجون رائعون.»
53
بعد هذا بأربع سنوات، سُئلَت ميشيل في حوار أجرته معها
المذيعة كاتي كوريك في برنامج «إيفنينج نيوز» الذي يُذاع على
قناة «سي بي إس» هل ترى أوجه شبه بين منافسة زوجها السابقة
هيلاري كلينتون وبينها؟ فأجابت: «أنا واثقة من أن هناك بعضَ
[أوجه الشبه]، لكنني أرى أنني مختلفة عنها، وأرى أن كلَّ سيدة
أولى في تاريخ هذا البلد أضافت لمسةً فريدة من نوعها وأضافت
إضافةً جديدة تمامًا لهذا المنصب. أعتقد أن ما جعلَنا نصل إلى
مرحلة أتمكن فيها من أن أكون معكِ هنا بصفتي السيدة الأولى
المرتقبة — رغم ما أتصفُ به من صراحة ورغم أسلوبي في الحياة
والآراء التي أُدلي بها — لهو تطورٌ ملحوظ.»
54
سواء أكانت ميشيل ستظل على رأيها بأن هيلاري كلينتون هي
السيدة الأولى المفضَّلة لديها أم لا، وسواء استطاعت أن تدرك
أوجه الشبه الواضحة بينها وبين هيلاري بعد ما حدث في السباق
القاسي على ترشيح الحزب الديمقراطي أم لا، يبقى السؤال هو: هل
ستسير ميشيل على خطى هيلاري وتترشَّح للرئاسة؟
أجابت ميشيل: «كلا، نهائيًّا.»
55
فمع أن صلابة عود ميشيل تزداد كل لحظة، فيبدو أنه لم يبلغ
القوة الكافية بعدُ.