الفصل الثامن
قضايا العِرق والجنس والعمر
ستبقى انتخابات عام ٢٠٠٨م خالدة في الأذهان باعتبارها
انتخابات الأحداث الأُوَل. ففي هذا العام قد تنتخب البلاد أول
رئيس أمريكي ذي أصول أفريقية، أو أول امرأة لمنصب الرئيس، أو
أكبر رئيس في التاريخ يُنتخب لأول فترة رئاسية له. وأيًّا
كانت نتيجة الانتخابات، فإنها ستكون نتيجةً تاريخية. وأيًّا
كانت نتيجة الانتخابات، فإن قضايا العِرق و/أو التحيز الجنسي
و/أو التحيز ضد كبار السن ستُثار حتمًا.
انطلقَت أولى صيحات الاعتراض على ما رأى الناس أنه تعصبٌ
بعد أيام من رجحان فوز باراك أوباما بترشيح الحزب الديمقراطي.
بل بعد أن ألقت هيلاري كلينتون خطاب قَبول الهزيمة أمام باراك
وحثت مؤيديها على أن يمنحوا ولاءهم ودعمهم لمنافسها
الديمقراطي السابق، كان كثيرون من أشد مؤيدي هيلاري كلينتون
ولاءً لا يزالون يرفضون هذا رفضًا قاطعًا.
وانضم مؤيدوها بعضهم إلى بعض مشكلين مجموعات؛ منها على
سبيل المثال مجموعة المؤيدين التي أطلقَت على نفسها اسم
«بوماس»
PUMAs اختصارًا لاسم
Party Unity My Ass؛ وتعاون
آخرون في تدشين موقع اسمه
JustSayNoDeal.com
ليكون ملتقًى للأشخاص الساخطين على الحزب الديمقراطي بسبب
طريقة إدارة الانتخابات التمهيدية وما آلت إليه نتيجة هذه
الانتخابات. كما كان هناك المشروع الذي أُطلق عليه «أوبيرشن
دونيشن فاكيشن»، والذي كان في الأساس بمنزلة دعوة لإرسال
شيكات للحزب الديمقراطي يكون المبلغ المكتوب عليها هو صفر
دولار كشكل من أشكال الاحتجاج، هذا إلى جانب عددٍ كبير من
المحاولات الأخرى التي كان الهدف منها معاقبة الحزب على ما
يرى المؤيدون أنه ظلم للسيناتور هيلاري كلينتون.
1
كان سيل الشكاوى المملة متنوعًا، لكن الأمر المشترك بين
جميع الأشخاص الذين رفضوا أن ينضموا للصف ويقفوا وراء باراك
أوباما هو الغضب من فشل الحزب الديمقراطي في مواجهة أشكال
التحيز الجنسي التي تكرَّر ظهورها أثناء الحملة
الانتخابية.
وسواء اتفقت مع رأيهم أم اختلفت (فهناك كثيرون لا يتفقون
مع ما سأقول، ولتنظر كيف هاجم الناسُ المذيعة كاتي كوريك التي
تقدم برنامج «إيفنينج نيوز» على قناة «سي بي إس» بعد أن قالت:
«شئنا أم أبينا، إن أحد أهم الدروس المستفادة من تلك الحملة
هو أن دور التحيز الجنسي في الحياة الأمريكية مستمر — ومسكوت
عنه — وخاصة في وسائل الإعلام») فإن الدلائل على أن التحيز
الجنسي كان ظاهرًا في انتخابات عام ٢٠٠٨م يصعب جدًّا إنكارها.
ومن أمثلة هذا:
-
في ٢٠ مارس عام ٢٠٠٧م قال المذيع توكر كارلسون الذي
يقدم برنامج «توكر» بقناة «إم إس إن بي سي»: «هناك شيء
في [هيلاري كلينتون] يبدو وكأنه يسلب المرء رجولته،
ويوحي بالطغيان، ويبعث على الخوف.»
2
-
في السادس عشر من يوليو عام ٢٠٠٧م قال توكر: «عندما
تظهر [هيلاري] في التلفاز أجد نفسي أضع ساقًا على
الأخرى تلقائيًّا.»
3
-
في التاسع من يناير عام ٢٠٠٨م، قال كريس ماثيوز في
برنامج «مورنينج جو»، الذي يُذاع على قناة «إم إس إن بي
سي»: «أظن أن جاذبية هيلاري تكمن في أنها اجتمع لها
التمتع بالقوة والتحلي بتعاطف الناس. ودعونا لا ننسى —
ولعلي أكون قاسيًا حين أقول هذا — أن سبب توليها عضوية
مجلس شيوخ الولايات المتحدة، والسبب الذي جعلها تصبح
مرشحة للرئاسة، والسبب الذي قد يمنحها فرصةً كبيرة في
الفوز هو أن زوجها خانها. هذا هو ما جعلها تصبح عضوًا
بمجلس الشيوخ عن نيويورك. لكننا دائمًا ما نَغفُل عن
هذا. إنها لم تفُز لأنها تستحق الفوز.» بل إن ماثيو
تمادى في هذا قائلًا: «لقد فازت لأن الجميع قالوا: «يا
إلهي، هذه المرأة لم تحنِ ظهرها أمام ما تعرضَت له من
إهانة!» أليس كذلك؟»
4
-
قال مايك بارنيكل، أحد ضيوف قناة «إم إس إن بي سي»،
إن السيناتورة هيلاري كلينتون بدت مثل «زوجة أولى تقف
خارج محكمة التحقق من صحة الوصايا.»
5
-
وفي ٣٠ مايو عام ٢٠٠٨م، تحدث جلين بيك، مقدم
البرامج في قناة «هيدلاين نيوز» التابعة لقناة «سي إن
إن»، عن تجرِبة الاستماع للسيناتور هيلاري، وذلك في
برنامج «جود مورنينج أمريكا» الذي يُذاع على قناة «إيه
بي سي»، قال: «كنا نشاهد واحدًا من لقاءاتها، أو خطبها،
أو أيًّا كان هذا الذي كانت تفعله، وكانت تتحدث بنبرة
الصوت هذه التي تبدو مثل [هنا، يضع يدَيه على أذنَيه] …
لا أطيق سماعها لأنها تشبه صوتَ زوجتي وهي تقول لي:
«فلتأخذ القُمامة للخارج».»
6
-
ومن يستطيع أن ينسى السؤال الشهير الذي طرحه روش
ليمباو في السابع عشر من ديسمبر عام ٢٠٠٧م؛ إذ قال: «هل
يرغب الأمريكيون في مشاهدة امرأة تشيخ أمام أعينهم
يومًا بعد يوم؟»
7 (أفترضُ أن دلالة هذا السؤال هي أن رؤية
رجل يشيخ أهون على العين من رؤية امرأة تشيخ، أليس
كذلك؟)
خصَّصَت المنظمة الوطنية للمرأة مساحةً على موقعها
الإلكتروني تحت عنوان «قائمة العار لوسائل الإعلام في
انتخابات ٢٠٠٨م» لتسرد فيها ما ترى أنه أبشع ما تجلَّى في
وسائل الإعلام من صور التحيز ضد المرأة أثناء الانتخابات
(العديد من التصريحات التي اقتبستُها في الأعلى واردة على
الموقع). وبدءًا من مستهل شهر أغسطس سجَّل هذا الموقع تسعًا
وعشرين إساءةً من هذا النوع، كان ثلاثٌ وعشرون منها متعلقةً
بهيلاري كلينتون تحديدًا، والبقية كلها تقريبًا متعلقة بميشيل
أوباما. هذه الإساءات من بينها: الشريط الذي وُصفَت فيه ميشيل
بأنها «صاحبة باراك»، والنقد اللاذع الذي وجَّهه الصحفي كال
توماس ﻟ «النساء السوداوات الغاضبات» (وسأتناول هذا بالتفصيل
فيما بعدُ)، والمقارنة التي عقدها جاري لانجر بين السيدتَين
الأوليَين المرتقبتَين — ميشيل أوباما وسيندي ماكين — على
قناة «إيه بي سي»، وتصريح أدلى به لارس لارسون في برنامج
«فيرديكت ويذ دان أبرامز» الذي يُذاع على قناة «إم إس إن بي
سي» وأشار فيه إلى أن ميشيل أوباما «مُنحَت تعليمَها الجامعي
على طبقٍ من فِضَّة». وقال أيضًا إن الوظيفة التي تشغَلُها في
المستشفَى لا تتطلب منها أداء أية مهام.
8
وحين كانت كيم جاندي، رئيس المنظمة، تتحدث عن الموقع قالت
إن أعين الأعضاء بالمنظمة لن تَغفُل عن أية وقائعَ خاصة
بالإساءة إلى النساء في الإعلام، وإنْ كانت هيلاري كلينتون قد
خرجت من السباق. قالت كيم: «سنظل نراقب الوضع لأننا نعتقد أن
ميشيل أوباما ستتعرض للهجمات نفسها التي تعرضَت لها
هيلاري.»
9 (وبحلول منتصف شهر أكتوبر كان اسم سارا بالين
أيضًا قد ظهر على القائمة أكثر من مرة.)
وفي أعقاب خطاب اعتراف السيناتور هيلاري بالهزيمة أمام
أوباما، دعا هوارد دين، رئيس الحزب الديمقراطي، إلى عقد نقاشٍ
وطني حول التحيز ضد المرأة، وربما تكون هذه الدعوة قد جاءت
نتيجة لردود الأفعال الساخطة التي أظهرها مؤيدو
هيلاري.
10 وفي حوار أجرته معه جريدة «نيويورك تايمز» أقرَّ
بأن الإعلام تبنَّى توجهًا شديد التحيز ضد حملة السيناتور
هيلاري. بل إنه وصف هذا التوجُّه بأنه «مثير جدًّا للفزع»
مشيرًا إلى أن السيدة هيلاري لقيَت المعاملة نفسها التي
لاقتها الكثير من النساء على مر حياتهن. أيضًا أقر السيد
هوارد بأن رد فعله تجاه ما حدث من تحيز جاء بطيئًا وذلك لأنه
ليس ممن يديمون متابعة التلفزيون الكابلي.
وحسبما أشارت جريدة «تايمز» في مقال نُشر في ١٣ يونيو
٢٠٠٨م تحت عنوان «وسائل الإعلام متهمة بالتحيز الجنسي فيما
يخص هيلاري كلينتون»، فإن هيلاري كلينتون نفسها قد تكون هي
مَن بدأ الحوار حول التحيز الجنسي في خطاب الاعتراف بالهزيمة
أمام باراك الذي ألقته إذ قالت: «المرأة تستحق أن تحظى
باحترامٍ مماثل للذي يحظى به الرجل، وتستحق أن تتقاضى راتبًا
مساويًا للراتب الذي يتقاضاه الرجل» وأضافت أنه ليست هناك
صورٌ مقبولة للتحيز في أمريكا في القرن الحادي والعشرين. ومن
الجدير بالذكر أن جريدة «تايمز» استشفَّت من قول هيلاري «ليست
هناك صور مقبولة للتحيز» أنها كانت تشير إلى المبدأ الذي ساد
أثناء الحملة الانتخابية، والذي كان مقتضاه أن البلاد ستتسامح
مع التحيز الجنسي لكنها لن تتسامح مع العنصرية.
11
وهذا يقودنا إلى القضية الثانية، وهي قضية الأعراق
والعنصرية أثناء انتخابات ٢٠٠٨م. صحيح أن المبدأ الذي ساد
أثناء الانتخابات ربما يتمثل في أنه لن يُتسامَح مع العنصرية،
لكن مثلما يسهُل إيراد سيل من الأمثلة على حدوث التحيز
الجنسي، فإن عددًا كبيرًا من الملاحظات والصور والتلميحات
العنصرية ظهر أثناء الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٨م.
ودعونا نبدأ بأمثلة التحيز الجنسي التي تدور حول ميشيل
أوباما ووردَت على موقع المنظمة الوطنية للمرأة. لنأخذ تعبير
«الأم الصغيرة لأوباما» مثالًا. لقد قلنا بالفعل إن تعبير
«الأم الصغيرة» هو تعبيرٌ عامِّي عادةً ما يشير إلى امرأةٍ
غير متزوجة أنجبَت دون زواجٍ رسمي من والد ابنها. تقول موسوعة
«ويكيبديا» إن المصطلح نشأ في جامايكا وإنه يستُخدم بصورة
عامة في أوساط الأمريكيين من أصولٍ أفريقية، مع أن الفيلم
الذي أُنتج في صيف ٢٠٠٨م بعنوان «الأم الصغيرة» (بيبي ماما)
كان يحكي قصة امرأة بيضاء وأم بديلة بيضاء.
12
وقد ذكر فنان الهيب هوب ناصر جونز الشهير باسم «ناز» هذه
الواقعة عندما انضَم إلى
MoveOn.org وإلى موقعٍ آخر هو
ColorOfChange.org
في محاولة للحصول على ٦٢٠ ألفًا من التوقيعات التي تُرسَل إلى
قناة «فوكس نيوز» مطالبةً إياها بإنهاء سلسلة الهجمات
العنصرية التي تقوم بها ضد الأمريكيين السود. وكتب ناز أغنيةً
جديدة بعنوان «الثعلب الماكر» (سلاي فوكس) تدعو كلماتُها
الناسَ إلى إعادة النظر فيما يشاهدونه من قنواتٍ
مسمومة.
13
ومن الجدير بالذكر أن القناة قالت إن محررًا استند إلى
«رأي غير صائب» في وصفه ميشيل بأنها «أمٌّ صغيرة»؛ ولذا ربما
يكون من الممكن القول إن هذه الإساءة لم يتم التساهل معها في
النهاية. ومع هذا فقد سُمح بعرض هذا الشريط على التلفزيون
القومي، وعلى قناة «فوكس» التي تتخذ من كلمتَي «العدل
والتوازن» شعارًا لها.
والمثال الثاني الذي أوردَه موقع المنظمة الوطنية للمرأة
هو مقارنة عُقدَت بين السيدتَين الأوليَين المرتقبتَين ميشيل
أوباما وسيندي ماكين. وتُعَد العنصرية أقل وضوحًا في هذا
المثال.
ونقصد بهذا ما قاله لارس لارسون على قناة «إم إس إن بي
سي». وإليكم ما قاله في سياق حديثه عن الوظيفة التي تشغلها
ميشيل في مستشفيات جامعة شيكاغو، والتي لا تقوم فيها بأداء أي
عمل: قال لارسون إن ميشيل «لديها الكثير لتقوله عن بلدٍ منحها
تعليمًا فائق التميز في إحدى جامعات رابطة «آيفي ليج» … هل
تستحقه حقًّا؟! أم إنها وصلَت إليه عن طريق برامج رعاية
المحتاجين وسياسة السعي لتحقيق التنوع؟ أمرٌ قذر.» يبدو هذا
شبيهًا بعض الشيء بالآراء التي كانت ميشيل وبعض زملائها
الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية يلاحظون أن زملاءهم البيض
يتبنَّونها في كلية الحقوق وفي الجامعة، مثل الرأي القائل بأن
سياسة التمييز الإيجابي ربما تكون قد أعطت الطلاب المنتمين
للأقليات ميزة على حساب طلابٍ آخرين مؤهَّلين أكثر منهم لكنهم
ليسوا من الأقليات.
14
وأخيرًا نأتي إلى النقد اللاذع الذي وجَّهه كال توماس
للنساء السوداوات الغاضبات. وإليكم سياق هذا: في الرابع عشر
من يونيو؛ أي قبل أن يفوز زوج ميشيل بالترشيح بأحد عشر يومًا،
أذيع مقطع الفيديو الخاص بما قالته ميشيل عن فخرها ببلادها في
إحدى فقرات برنامج يُذاع على قناة «فوكس نيوز». وقد أطلَع
المذيعُ جون سكوت ضيفَه — وهو الكاتب الصحفي كال توماس الذي
ينشر كتاباته في عدد من الصحف — على غِلاف مَجلة «ناشونال
ريفيو» الذي جاء بعنوان «السيدة الشكَّاءة» (الذي تظهر فيه
ميشيل أوباما عابسة)، قائلًا إنه يبدو أن بعض الشخصيات القوية
جدًّا في الإعلام كوَّنَت رأيها عن ميشيل أوباما بالفعل قبل
بدء الانتخابات العامة.
15
ولا شك في أن ضيف سكوت هو واحد من الشخصيات الإعلامية
التي أشار إليها، وذلك لأن رده جاء كما يأتي: «في هذه الحملة
يُطلب منا أن نقبل ثلاثة أمور في آنٍ واحد: أول امرأة تتمتع
بفرصة قوية في أن تصبح رئيسة، وأول أمريكي من أصولٍ أفريقية
يتمتع بفرصة في أن يصبح رئيسًا، والسيدة الأولى السوداء
الغاضبة ميشيل أوباما، أيًّا كان اللقب الذي ستحصل عليه. هذا
أكثر مما يُحتمل.»
لكن الكاتب توماس بدلًا من أن يكُف عن هذا، تمادى فيه
أكثر، وتحدَّث عما وصفه بأنه الصورة الشائعة للمرأة السوداء
الغاضبة على شاشة التلفاز. فقد قال: «على الصعيد السياسي نجد
النائبة الليبرالية ماكسين ووترز التي تنتمي إلى الحزب
الديمقراطي وتشغل عضوية مجلس النواب، وهي تبدو غاضبة كلما
أطلت علينا من التلفاز. وسيندي مكيني هي امرأةٌ سوداءُ غاضبة
أخرى. ومنهن النساء السوداوات اللاتي يراهن المرء في برامج
الأخبار المحلية ليلًا في المدن في جميع أنحاء البلاد؟ إنهن
غالبًا ما يكُنَّ غاضباتٍ من أمرٍ ما. فهن إما يكُنَّ قد فقدن
ابنًا أطلق عليه شخصٌ الرصاص من سيارة وهو يمر بجواره، أو يكن
غاضباتٍ من بوش. وبهذا لا يجد المرء في ذهنه صورة لامرأةٍ
سوداءَ غير غاضبة.»
16
حقًّا؟ لا تجد البتة؟ ألا يجد المرء في ذهنه صورةً واحدة
لامرأةٍ سوداء غير غاضبة؟ إن كانت هناك امرأة لم تغضب حتى هذه
اللحظة فإن هذه العبارات قد تُثير سخطها.
وهناك عددٌ كبير من الأمثلة الأخرى لم ترِد على الموقع، ومنها:
من المثير هنا أن نتذكر أنه في بداية الحملة الانتخابية
مرَّت مدةٌ وجيزة كانت ميشيل أوباما تتمتَّع فيها بحب الإعلام
لها. ولنتذكَّر المدح الذي أُغدق عليها بعد حوارها الأول في
برنامج «لاري كينج لايف» وأدائها في برنامج «ذا كولبرت
ريبورت»، هذا إضافة إلى الطريقة التي كانت وسائل الإعلام
تتحدث بها عن قدرتها على التواصل مع الناخبين والأشخاص الذين
من المحتمل أن يتبرعوا للحملة.
لكن فور أن بدأَت حملة زوجها تؤتي ثمارها، أدلَت ميشيل
بالتصريح الذي قالت فيه إنها تشعر بأنها فخورة ببلادها لأول
مرة منذ أن صارت ناضجة، وقالت إن أمريكا أحيانًا تكون «خسيسة
جدًّا»، وقالت: «على مدار حياتي رأيتُ أن حياة المواطن العادي
ظلت تسير من السيئ إلى الأسوأ.»
21
للوهلة الأولى يشعر الكثيرون أن هذه العبارات ليست شديدة
السوء (خاصة عندما ننظر إليها في سياق ما كانت ترمي إليه،
وعندما ننظر إلى ما كان يتعيَّن عليها أن تقوله بشأن حال
الاقتصاد بعد أن صارت لدينا فرصة تقييم الموقف بعد التطورات
التي طرأَت على الاقتصاد.) ومع هذا، فور أن نطقَت بهذه
الكلمات بدأ الحديث الذي كان دائرًا حولها يشهد تغيرًا، وفجأة
أصبحَت النصف المر لأوباما والسيدة الشكَّاءة. لماذا؟
في مقال رأيٍ نُشر في ٢٣ يونيو بجريدة «ساكرامنتو بي»
أَعملَ روبين نافاريتي فِكره في هذا السؤال وفي سخافته. فقد
كتب يقول: «صارت ميشيل أوباما تُقدَّم للناس على أنها سيدةٌ
سوداءُ غاضبة. ويا لهذا من تشويهٍ سخيف. هذا إلى جانب كونه
مضللًا. ففي أثناء نشأة ميشيل أوباما في المنطقة الجنوبية من
شيكاغو كانت على الأرجح تُتهم بأنها «تتصرف كالبيض» لأنها
تفوقَت دراسيًّا والتحقَت بجامعتَين من الجامعات التابعة
لرابطة «آيفي ليج». لكنها الآن صارت — فجأة — واحدةً من أعضاء
جماعة النمور السود.»
22 قد كتب روبين هذا قبل أن يظهر غِلاف مَجلة
«نيويوركر» في أكشاك الجرائد وفي صناديق البريد الإلكترونية
بنحو شهر.
في المقال الذي كتبه روبين تحت عنوان «ميشيل أوباما تحت
اللهيب ولكن الأسباب ليست وجيهة» طرح السؤال الأزلي: كيف
تُضخَّم الأمور؟ إذ تساءل: «كيف يؤدي بنا قولُ امرأة إنها
صارت أخيرًا تشعر بالفخر ببلادها إلى افتراض أنها تُكِنُّ
ضغينة للبيض وتنطق بكلمات مثل «الحثالة البيض»؟»
تُرى ما الإجابة التي طرحها؟ «هذه لا تؤدي إلى تلك. هذا
ما لم تُدخل الانحياز والخوف في الأمر. وبالفعل هذا معهود في
السياسة الأمريكية. لكنه يؤدي إلى طريقٍ مسدود من الحكمة أن
نتجنَّبه.»
23
لم يكن روبين الوحيد الذي طرح هذا السؤال وتوصَّل إلى
الإجابة نفسها.
ففي الخامس والعشرين من يونيو؛ أي بعد نشر نتائج
الاستطلاع الذي قامت به جريدة «واشنطن بوست» وقناة «إيه بي سي
نيوز» كاشفة عن أن ثلاثة من كل عشَرة أمريكيين يُقِرُّون
بأنهم «تراودهم بعض مشاعر التحيُّز العرقي، على أقل تقدير»،
قدَّمَت ميشيل مارتين فِقرة في برنامج «تِل مي» الذي يُبث على
الإذاعة العامة الوطنية الأمريكية حول الصورة التي تُقدم بها
المرأة الأمريكية ذات الأصول الأفريقية في الإعلام، وتحديدًا
الصورة التي قُدمَت بها ميشيل أوباما حديثًا. وأشارت إلى أن
ميشيل وُصفت بأنها «مغرورة وغير وطنية وساخطة»، وسألت
ضيفتَيها من مَجلتَي «إيبوني» و«إسنس»: «هل سبق ورأيتما شخصًا
أمريكيًّا ذا أصولٍ أفريقية أثارت صورته مثل ردود الفعل هذه
مع أنه ليس اللاعب الأساسي على الساحة، فهي ليست
المرشَّحة؟»
24
أجابت بالنفي القاطع كلٌّ من هارييت كول، مديرة الإبداع
الفني في مَجلة «إيبوني»، وتاتشا روبرتسون المحررة الإخبارية
بمَجلة «إسنس».
25
قالت السيدة هارييت: «قطعًا لا، أظن أن ما يحدث الآن هو
أن أمريكا — وربما العالم أيضًا — في حالة صدمة بسبب وجود
مرشَّح أمريكي ذي أصولٍ أفريقية عن الحزب الديمقراطي تُرافقه
زوجةٌ أبعد ما تكون عن نَموذج الزوجة الخانعة. فهي امرأةٌ
قوية تتمتع بالذكاء وحِدَّة الذهن وتتحلى بالشجاعة وتتسم
بتنوُّع المواهب.»
26
وافقَتْها السيدة تاتشا على هذا الرأي. فقد قالت: «أرى أن
ثمَّة شيئًا مثيرًا جدًّا يحدث. فمعارضو باراك أوباما لم
يفلحوا في أن يجعلوا انتقاداتهم له تبقى راسخة. أعني أنهم
أثاروا مسألة القَس رايت، ثم أثاروا مسألة الشارة التي على
شكل علَم أمريكا، لكن كل هذا كان دخانًا ذهب مع الريح.»
وبهذا، حسبما تقول السيدة تاتشا، شعر المعارضون أنهم في حاجة
إلى أن يلجَئوا خلف خيارٍ ثانٍ، وكان هذا الخيار هو
زوجته.
27
ومسألة الأعراق — خاصة حسبما تتجسد في ميشيل — قد تكون من
الأمور التي جعلت منها هدفًا لهم، حسبما تقول السيدة تاتشا.
فباراك أوباما استطاع إلى حدٍّ ما أن يخرج من الإطارات
العِرقية المحدودة، هذا ليس ممكنًا تمامًا بالطبع، لكن مسألة
الانتماءات العرقية ليست مسألةً ضخمة … وأعتقد أن تركيز
المعارضين منصَبٌّ الآن على ميشيل أوباما.»
28
سألت ميشيل مارتين: «لمَ؟»
فأجابت السيدة هارييت: «لأن الغاية تبرِّر
الوسيلة.»
29
تبنَّى آخرون مثل هذا الرأي وساروا به إلى أبعد من هذا؛
إذ كتب إرنست هاريس في موقع «هافينجتون بوست» في الثاني من
يوليو يقول: «إن متابعة الأخبار التي ظلت تُبث منذ أن صار من
المرجح أن يصبح السيناتور أوباما مرشَّح الحزب الديمقراطي
تجعل المرء يظن أن الذي ينافس جون ماكين من أفراد أسرة أوباما
هو: ميشيل.»
30
قال هاريس إنه يؤمن أن من العدل أن نتابع عن كَثَب شركاء
حياة الأشخاص الذين من المرجَّح أن يصبحوا مرشَّحين، خاصة إذا
كان هؤلاء الشركاء يقومون بدورٍ فعَّال في الحملات
الانتخابية؛ لأنهم يُعَدون «مؤشرًا جيدًا على طريقة تفكير
المرشَّح» وقد يمثِّلون البلاد في يومٍ من الأيام «ولو على
نحوٍ غير رسمي». لكن «لِمَ تثير [ميشيل] هذا العداء الشديد في
الأشخاص المنتمين لليمين المتطرف؟» فالعبارات التي جاءت على
شاكلة «الأم الصغيرة» أوباما و«امرأة سوداء غاضبة» تتخطَّى
«كثيرًا حدود اللياقة والعدل في الخطاب السياسي، وإن كان في
الحالة التي هو عليها الآن.»
31
إلامَ ترجع مشاعر الكراهية؟ يقول هاريس إن العنصرية أحد
الأسباب، إن لم تكن السبب الوحيد. ويضيف قائلًا: «أظن أن
جزءًا من التركيز على ميشيل أوباما يرجع إلى أنها تحمل في
أعين البعض صفتَين متناقضتَين. فهي تتميز بالذكاء والقوة، وهي
في الوقت نفسه أمريكية من أصولٍ أفريقية، وأعتقد أن البعض
يجدون صعوبةً في تقبُّل ذلك.»
32
هل تتذكَّرون كلمات كال توماس: «هذا أكثر مما
يُحتمل؟»
حلَّلَ مقالٌ نُشر في المَجلة البريطانية «ذي إيكونوميست»
قضية العِرق وعلاقتها برؤية الناس لكل من المرشَّح الرئاسي
وزوجته. ففي المقال الذي جاء بعنوان: هل زوجة باراك سَكَنُه
أم نصفه المر؟ وصفَت المَجلة أسرة باراك بأنها «غريبة»؛ إذ
رحل والده الأفريقي عندما كان باراك في الثانية من عمره ونشأ
هو متنقلًا بين جزيرة هاواي وإندونيسيا. أما أسرة ميشيل
فحكايتُها حكايةٌ أمريكيةٌ تقليدية. فقد ورد في المقال أن
أسرتها كانت «في عوزٍ شديد لكنها خرجَت من هذه المحنة سالمة،
والدم الذي يجري في عروقها دمٌ أسودُ خالص، وجميعهم أمريكيون
ضاربون بجذورهم في المنطقة الجنوبية من شيكاغو.»
33
وأضافت المَجلة إن هذا عاد ببعض النفع على المرشَّح باراك
أوباما. أولًا، كانت ميشيل تتمتع بعلاقاتٍ قوية داخل المجتمع
الأفروأمريكي في شيكاغو مما ساعد زوجَها على تحقيق طموحاته
السياسية. وهنا تشير المَجلة إلى علاقتها بصديقة طفولتها
سانتيتا جاكسون ابنة القَس جيسي جاكسون.
34
أيضًا تقول المَجلة إن المرأة التي تزوَّجها باراك
ساعدَته على مواجهة النظرة التي ارتسمَت في بعض الأذهان بأنه
ليس أفريقيًّا أمريكيًّا أصيلًا.
ورد في مَجلة «ذي إيكونوميست»: «عندما كان باراك يخطو
أولى خطواته في عالم السياسة رفضَه منافسوه على أساس أنه ليس
أمريكيًّا أفريقيا أصيلًا، وأنه «رجلٌ أبيض ذو وجهٍ أسود»،
لكن وجود ميشيل بجانبه ساعد على أن يبُث في قلوب السود
المتشكِّكين الاطمئنانَ إلى أنه واحدٌ منهم بالفعل. بل إن
درجة لون بشرتها الشديدة السواد ربما تكون قد ساعدَته في
الانتخابات.»
35
ومن شرائح السكان التي من المحتمل أن تكون ميشيل قد
ساعدَت باراك في كسبها مساعدةً كبيرةً شريحة النساء
السوداوات، حسبما تقول مَجلة الأخبار البريطانية. فقد ورد
فيها أن «الرجال السود المشاهير غالبًا ما يختارون زوجاتٍ
بيضاوات أو ذوات بشرة سمراء، وبعض النساء السوداوات يكرهن
هذا.» وحقيقة أن «ميشيل شديدة السواد ربما تكون قد أسهمَت في
زيادة جاذبية باراك لدى الناخبات السوداوات اللاتي كن من
الممكن أن يعطين أصواتهن إلى هيلاري كلينتون في غير هذه
الحالة.»
36
قد يكون من المثير الإشارة إلى أن ميشيل نفسها رفضَت
الإجابة على السؤال التالي: هل زوجها الذي ينتمي لعرقَين
مختلفَين «أسود بما يكفي» ليكسب في صفه الناخبين الأمريكيين
ذوي الأصول الأفريقية؟ ووصفَت ميشيل هذا السؤال بأنه
«سخيف».
37
أيضًا أدلت صحيفةٌ بريطانية أخرى بدَلْوها في هذه
المسألة؛ ففي مقال رأيٍ دار حول ما أُطلقَ عليه محاولة
«تلميع» ميشيل أوباما (وهي محاولة لتحسين صورة ميشيل أوباما
أنكرَت حملة أوباما القيام بها لكنها ذُكرَت في عددٍ من وسائل
الإعلام في شهر يونيو)، حاول روبرت كورنويل تحليل الأسباب
التي جعلَت ميشيل تتحول على نحوٍ مفاجئ من «سيدة الأناقة» في
عالم الموضة والشخص المفضَّل لدى وسائل الإعلام إلى سيدةٍ
شكَّاءة يخلع عليها الإعلامُ ثوبَ الشياطين.
38
ففي المقال الذي نُشر في جريدة «ذي إندبندنت» في الثاني
والعشرين من شهر يونيو عام ٢٠٠٨م أرجع كورنويل الاهتمام
الإعلامي بميشيل الذي كان معظمه سلبيًّا، والذي يكاد يصل لحد
الهوس إلى … إلامَ؟ حسنًا، أرجعَه إلى الملَل. أو — على أقل
تقدير — إلى حالة السكون التي شهِدَتها دوائر الأخبار
الانتخابية التقليدية.
39
إذ كتب يقول: «فالأخبار كالطبيعة تكره الفراغ.» وبحلول
نهاية شهر يونيو وجدَت الولايات المتحدة نفسها في فترة غريبة
«بين موسم الانتخابات التمهيدية المليء بالإثارة وحدثٍ جلَل
قادم عندما يعلن المرشَّحان نائبَيهما.» إذن ما الذي يتحدثون
عنه في هذه الفترة؟
يقول كورنويل إن الخيار كان سهلًا: «سُلطَت الأضواء
المتعطشة إلى الإثارة على ميشيل أوباما، وكان الدافع إلى هذا
قويًّا جدًّا. فميشيل قد تكون العامل الفارق بين خَسارة زوجها
وفوزه.»
40
ويستعرض كورنويل سيلًا من التفسيرات حول سبب اعتقاده أن
ميشيل هي القول الفصل في مصير زوجها، وكان من بين هذه
الأسباب: «سخريتها، وولعها بأن تُنزل زوجها إلى أرض الواقع.»
لكن هذا ليس كل شيء؛ فحسبما كتب كورنويل «ثم إنها، بالطبع،
سوداء.» فكورنويل يصف العِرق بأنه «عنصر لا يمكن التنبؤ
بأثره؛ فهو المجهول الأعظم في هذه الانتخابات.»
ويتفق كورنويل مع مَن سبقوه في التأكيد على أن باراك
أوباما نفسه «يعلو فوق حدود الأعراق» ويشبِّهه بلاعب الجولف
تايجر وودز وﺑ «كولين باول، لكن بدرجة أقل.»
41
ويصف كورنويل باراك بأنه «مرشَّح ما بعد العِرقية؛ فهو
ليس أسود بل هو أمريكي أفريقي بالمعنى الحرفي للكلمة، والمعنى
الذي أقصده ليس المعنى المستخدم في السياسة. وهو ابنُ أبٍ
كيني وأمٍّ أمريكيةٍ بيضاء؛ فهو لم ينحدر من صُلب العبيد ولم
يكن الكفاح من أجل الحصول على الحقوق المدنية عاملًا من
العوامل التي شكَّلَت شخصيته.»
بل إن كورنويل يواصل حديثه مُخمِّنًا أن باراك أوباما لو
كان قد تزوَّج امرأةً بيضاء «مثلما فعل وودز»، لما كانت مسألة
انتمائه العِرقي قد أُثيرت قط. (أحقًّا؟) ويتابع قائلًا:
«لكنه لم يفعل هذا. وإنما تزوَّج ميشيل لافون روبنسون، ابنة
المنطقة الجنوبية من شيكاغو التي طالما كانت أرض السود، التي
كان والدها يعمل في محطة تنقية المياه بالمدينة، وكان أجدادها
عبيدًا، وجذور أسرتها ممتدة في أعماق الجنوب في ساوث
كارولاينا.»
42
وفي مقال نُشر في ٢٥ يونيو ٢٠٠٨م في مدوَّنة «بوليتيكال
بوزيشنز» التابعة للإذاعة الوطنية العامة (إن آر بي)، درس
الرئيسُ المنتخب للمؤتمر القومي لعلماء السياسة السود هذا
الوضع مشيرًا إلى الاختلافات بين خلفية باراك أوباما المتنوعة
عِرقيًّا والحكاية الأفروأمريكية الأكثر تقليدية التي
تتبنَّاها زوجته عن نفسها. وفي النهاية يخلص الكاتب جيمس لانس
تيلور إلى أن السبب الذي جعلَ ميشيل مستهدفةً وجعلَها عُرضةً
للنقد، رغم أنها ليست واحدةً من اللاعبين المسجَّلين في هذه
المباراة، يسهُل إرجاعه إلى العِرق وتحديدًا إلى تاريخ
الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية في الولايات
المتحدة.
43
وفي مقال بعنوان «الأمريكيون غير الأمريكيين: أو لماذا
تُعَد ميشيل أوباما صيدًا سهلًا»،
44 كتب السيد تيلور — أستاذ العلوم السياسية بجامعة
سان فرانسيسكو — يقول: «مثل معظم الأمريكيين واجه أوباما
صعوبات أثناء نشأته «بلا عِرق» ولا أبٍ ولا إحساسٍ بالانتماء
للمجتمع، حسبما يقول. لكن مهما كان الاغتراب الذي شعر به وهو
ينشأ في حال لا هو أفريقيٌّ خالص ولا هو أمريكيٌّ خالص، ينشأ
شبه مهجور من والده الأفريقي، وقد أمضى جزءًا من حياته على
جزيرة هاواي وجزءًا آخر في ولاية كِنساس، فإن أحدًا من أجداده
لم يخضع قط لحكم المحكمة العليا الذي صدر في قضية دريد سكوت،
والذي يقضي بأنه لا حق للعبيد في المواطنة أو العتق مثلما حدث
مع جميع السود الذين عاشوا في الولايات المتحدة، ولم يُطبَّق
على أيٍّ من أجداده قوانينُ الفصل والتمييز العنصري المعروفة
ﺑ «قوانين جيم كرو»، ولم يَعِش أيٌّ منهم في حي من الأحياء
المخصَّصة للأقليات بأمريكا.»
أما حكاية زوجته فمختلفة تمامًا. يكتب تيلور قائلًا: «أما
ميشيل أوباما فستكون أول أمريكية تسكن البيت الأبيض وهي تحمل
في عروقها تاريخ العبودية، إن نحَّينا جانبًا الرؤساء الذين
كان أجدادهم من مالكي العبيد. واستغلال المدونات المضللة
وبرامج الأخبار ووسائل الإعلام المطبوعة قولَها «لأول مرة،
منذ أن صرتُ ناضجة، أشعر حقًّا بأنني فخورة ببلادي» في إثارة
الشكوك حول وطنيتها مع أن المفعول المطلَق «حقًّا» يعكس أن
هذا الشعور بالفخر ببلادها كان يُداخلها من قبل، أقول إن هذا
التصرف صار ممكنًا لأن وطنية الأمريكيين السود في هذا البلد
تُوضَع موضع الشك لا لشيء إلا لسواد بشرتهم.»
45
ويخلص تيلور من هذا إلى أن «ميشيل أوباما تمثل بعض جوانب
أمريكا السوداء على نحوٍ لا يتسنَّى لأوباما، وهذه هي
خطيئتُها السياسية. إن كان من الممكن للناس أن يقبلوا نصف
أوباما الأسود، فلا يمكنهم أن يقبلوا نصفه الحلو:
ميشيل.»
46
وصلَت قضية الأعراق، والخلاف حول ما يمكن نقدُه في عالم
السياسة وما لا يمكن، إلى ذروتَيْهما في منتصف شهر يوليو
عندما نشرت مَجلة «نيويوركر» على غِلافها صورة أصبحت سيئة
السمعة الآن. في هذه الصورة تظهر ميشيل مرتديَةً زيًّا
عسكريًّا وتحمل بندقية من طراز إيه كيه ٤٧ وشعرها مصفَّف على
الطريقة الأفريقية بحيث يكون قصيرًا مجعَّدًا أشعث (وبهذا
تبدو مثل أنجيلا ديفيز المتطرفة التي برز اسمها في ستينيات
القرن العشرين). ويظهر أوباما في الصورة مرتديًا زي المسلمين
التقليدي (عمامة وجلبابًا وخفًّا). كان الزوجان واقفَين في
حجرة خالية (ترى هل تشير الحجرة إلى المكتب البيضاوي؟)
ويؤديان حركة اليد التي اشتُهرا بها. وفي المِدفأة الموجودة
بالحجرة علم أمريكي يحترق، وفوقها صورة لأسامة بن
لادن.
لا شك في أن هذا الرسم الكاريكاتوري الذي وُضع له عنوان
«سياسة الخوف» كان مقصودًا منه الاستهزاء بالتحيزات السياسية
والدينية والعرقِية، لكن هذا لم يُثر ضحك الكثير من
الناس.
ديفيد ريمنيك رئيس تحرير مَجلة «نيويوركر» — وهي مَجلة
ثقافية وأدبية معروفٌ عنها أنها تميل إلى الليبرالية (وقد
نشرَت في الواقع عددًا من المقالات الإيجابية عن حملة أوباما
كان من بينها نبذة عن حياة ميشيل وشخصيتها نُشرت في مارس
٢٠٠٨م) — قال إن هذه الصورة التي رسمها الفنان باري بليت
«تجمع الكثير من المعلومات المشوَّهة عن أوباما وزوجته
والأكاذيب والأفكار الخاطئة التي ثارت عنهما وتُسلط عليها
الضوء حتى تكشف حقيقتها.»
47
وقد قال الرسام الكاريكاتوري بليت في رسالة بعثها إلى
موقع «هافينجتون بوست» بالبريد الإلكتروني إن الغرض من
الغِلاف كان الكشف عن مدى سخافة بعض الأفكار الخاطئة التي من
بينها أن أوباما وزوجته ليسا وطنيَّين، وأنه مسلم، وأن حركة
اليد التي قاما بها قد تكون «لكمة إرهابية». وقال: «بدا لي أن
تجسيد هذه الأفكار في رسم سيكشف عن أنها سخافةٌ الغرض منها
التأثير على سلوك الناس بإثارة الخوف في قلوبهم، وهذه هي
حقيقتها.»
48
لماذا إذن لم يستطع الناس أن يرَوا السخافة التي تكشف
عنها الصورة؟
أحد الأسباب وراء ذلك أن هذه الصورة نُشرت في أعقاب
استطلاع للرأي أجرته مَجلة «نيوزويك» وتبين عن طريقه أن ١٢٪
من الذين أُجري عليهم الاستطلاع لا يزالون يؤمنون بأن باراك
أوباما يعتنق الإسلام ويمارس شعائره، وأن ١٢٪ منهم يعتقدون
أنه وضع يده على القرآن وليس على الإنجيل وهو يقسم يمين عضوية
مجلس شيوخ الولايات المتحدة. (وكلا الأمرَين ليس بالصحيح،
حسبما أوضح موقع حملة أوباما
FightTheSmears.com
بلهجةٍ قاطعة.)
ومع أن أوباما نفسه لم يكن لديه أي تعليق عندما سُئل في
بادئ الأمر عن غِلاف المَجلة فإن حملته وحملة ماكين اعترضتا
على هذه السخرية على الفور تقريبًا. وقال أحد المتحدثين باسم
حملة أوباما إنها «مهينة ولا ذوق فيها» ووصفها السيناتور
ماكين بأنها «غير لائقة على الإطلاق».
لكن لم يحدث أن سارع الجميع بشراء نسخة من هذا العدد. بل
إن مارك ألن كتب في إحدى مدوَّنات صحيفة «شيكاغو تريبيون»
يقول: «لن أشتريَ مَجلة «نيويوركر» أو أقرأها ثانية أبدًا!!
فأنا أرى أن الغِلاف الحالي الذي يدور حول أوباما وزوجته مهين
جدًّا وجارح وعنصريٌّ، ولا تستحق المَجلة أن أكافئها بمواصلة
شراء ما تُصدِره.»
49 أيضًا كتب أحد زوَّار مدوَّنة «ذا توب أوف ذا
تيكيت» التابعة لصحيفة «لوس أنجلوس تايمز» تعليقًا يحلف فيه
ألا يزور نيويورك أبدًا فضلًا عن العيش فيها.
50
بل إن موقع قناة «الجزيرة» نفسه أدلى بدَلْوه في هذا
الموضوع وذلك على الصفحات الإنجليزية من الموقع الناطق
بالعربية. إذ أوردَت وكالة الأنباء القطرية هذه الواقعة في
مقال بعنوان «كاريكاتير أوباما «إهانة للمسلمين»» اقتبسَت فيه
ما قاله السيناتور أوباما أثناء ظهوره في برنامج «لاري كينج
لايف» الذي يُذاع على قناة «سي إن إن».
51
فقد قال: «أتعلمون، يوجد أمريكيون مسلمون رائعون في جميع
أنحاء أمريكا وهم يقومون بأعمالٍ رائعة، واستغلال معتقداتهم
الدينية في الإساءة إليهم أو إثارة الشكوك حولهم أمرٌ سخيف في
رأيي.»
52
ومع هذا، فقد دافع عن حق مَجلة «نيويوركر» في نشر هذه
الصورة — وهو أستاذ القانون الدستوري — إذ قال: «كان هذا رأي
رئيس التحرير، وكما قلتُ هو في النهاية مجرد رسمٍ
كاريكاتوري.»
53
أيضًا أقرَّ أوباما بأنه ربما لم يكن قويًّا بما يكفي في
حربه للأفكار المغلوطة التي ثارت حول معتقداتهم الدينية، وأنه
ربما يكون على الحملة أن توجه اهتمامَ عددٍ أكبرَ من الناس
إلى موقع
FightTheSmears.com.
أيضًا كان موقع
MichelleObamaWatch.com
يتابع الأخبار المتعلقة بغِلاف «نيويوركر». فجينا ماكولي التي
دشنت موقع
WhatAboutOurDaughters.com،
وإحدى المسئولين عن موقع
MichelleObamaWatch.com،
قالت إن الرسم الكاريكاتوري الساخر الذي نُشر في مَجلة
«نيويوركر» يذكِّرنا بصورة أخرى لميشيل أوباما ظهرَت قبل هذا
على موقع
DailKos.com.
فالصورة التي نشرها الموقع رُكِّبَت باستخدام الحاسوب وتظهر
فيها ميشيل أوباما وهي تتعرَّض للتعذيب على يد أحد أفراد
منظمة «الكلو كلوكس كلان» العنصرية. وكان الغرض من هذه الصورة
انتقاد الهجمات العنصرية وسياسة المتاجرة بالخوف، كما هي
الحال في صورة غِلاف مَجلة «نيويوركر». ومثلما هي الحال مع
صورة بليت، رأى الكثيرون أن هذه الصورة منافية للذوق، وفي
النهاية حُذفَت.
54
وبدا أن البعض اندهش من أن الناس لم يفهموا الدعابة التي
كانت مَجلة «نيويوركر» ترمي إليها، خاصة هؤلاء الذين كانوا
يكتبون تعليقاتٍ غاضبة عن المدونات الليبرالية التي تؤيد
أوباما. فقد قال آرت سبيجلمان، وهو رسام كاريكاتوري وأحد
العاملين بمَجلة «نيويوركر»، لمَجلة «سان فرانسيسكو كرونيكل».
«يبدون نُخبويين جدًّا؛ ففحوى ما يقولونه هو: «نحن نفهم معنى
الرسم لكننا لا نثق بأن هؤلاء الناس الذين يقطنون ولاية
كِنساس سيفهمونه».»
55
لذا فأثناء هذا، تعرضَت حملة أوباما ومَن أعربوا عن
اعتراضهم على الرسم الكاريكاتوري لانتقادٍ قوي استنادًا إلى
أنهم يفتقدون حس الدعابة. ففي مقال كتبته مورين دود تحت عنوان
«هل يمكن أن نسخر يا باراك» ونُشر في جريدة «نيويورك تايمز»
في ١٦ يوليو تشير الكاتبة إلى مقال نُشر في جريدتها ذلك اليوم
كتبه بيل كارتر بعنوان «تريد الضحك على أوباما؟ اكتب عنه نكتة
أولًا». ويبدو أن مُعِدِّي البرامج المسائية التي تُذاع على
شاشة التلفاز بعد الساعة الحادية عشرة مساءً يواجهون بعض
المتاعب عند البحث عن أمور ينكتون حولها بشأن مرشح الحزب
الديمقراطي. فحسبما قال أحد المؤلفين الذين يكتبون النكات
السياسية لهذه الحلقات فإن «المشكلة تكمن في أنه ليس به أي
شيء يثير الضحك.»
56
وفي عمود نُشر في صحيفة «لوس أنجلوس تايمز»، قال جيمس
ريني، عندما سُئل عن غِلاف مَجلة «نيويوركر»، إن أوباما كان
يجب أن يلجأ هو نفسه إلى المزاح «بدلًا من قوله المقتضب «لا
تعليق» كان عليه أن يستغل إحدى كبرى مميزاته — ألا وهي سعة
صدره — ويرد بعبارة مثل: «حسنًا، أرى أن ميشيل تبدو رائعة في
هذا الزي التنكُّري».»
57
(قد تكون سعة الصدر هي الميزة التي يتمتع بها أوباما، لكن
زوجته هي مَن يتمتع بالقدرة على إلقاء التعليقات القصيرة
الذكية. وإن كان الناس يبحثون عن المزاح فإنه لمن المؤسف أن
أحدًا لم يسأل ميشيل عن رأيها في غِلاف مَجلة «نيويوركر». فلا
شك أن هذه المرأة التي «دائمًا ما تنطق بالحق» وهي في الوقت
نفسه مصدر الضحك في البيت كانت ستنطق بتعليقٍ حاذق
ومضحك.)
إذن هل ما دار يثير الضحك أم لا؟ هل هو فعلٌ تنويري أم
لا؟ هل يفيد الخطاب السياسي أم لا؟ يجب ألا يتوقع المرء أن
يُبَتَّ في القضايا المتعلقة بالأعراق، وبتحديد ما يليق وما
لا يليق عما قريب. فحسبما تقول جينا صاحبة موقع
WhatAboutOurDaughters.com:
«نحن نواجه وضعًا جديدًا إذ نتعامل مع اثنَين أمريكيَّين من
أصول أفريقية يسعيان خلف البيت الأبيض. وهذا سيضع الليبراليين
البيض في اختباراتٍ لم يمرُّوا بها من قبلُ. وسيضع الأمريكيين
ذوي الأصول الأفريقية في اختباراتٍ كذلك. ولا بد لهذا البلد
أن يجتاز هذه المرحلة.»
58
وحقيقة أن قضية الأعراق أُثيرت أثناء الانتخابات لم تدهش
المرشَّح الديمقراطي وزوجته. ففي آخر شهر يونيو قال باراك
أوباما لمؤيديه في فلوريدا إنه يتوقع بدرجةٍ كبيرة أن يوظِّف
منافسوه قضية الأعراق في إثارة مخاوف الناس.
59
قال: «سيحاولون أن يثيروا خوفكم مني. وسيقولون إنني صغير
بلا خبرة، وإنني أحمل اسمًا مضحكًا، وسيقولون إنني
أسود.»
60
وقال السيناتور إنه مستعد لمواجهة الهجوم الذي قد تتعرض
له زوجته أيضًا. فقد قال: «نعرف هذه السياسة؛ لأنهم كشفوا عن
أوراقهم بالفعل. وفي نهاية المطاف، أعتقد أن الشعب الأمريكي
يدرك أن هذه الموروثات القديمة لم تَسِر بنا إلى الأمام،
وأنها أحدثَت بيننا انقسامًا.»
61
أيضًا كان التفاؤل سمة توقعات ميشيل. فقد قالت في حوار
أُجري في مايو عام ٢٠٠٧م في برنامج «جود مورنينج أمريكا» الذي
يُذاع على قناة «إيه بي سي»: «كما قلنا جميعًا نحن أعضاء
مجتمع السود، لا يُظهر الإعلام كل ملامحنا، وإنما يعرض للناس
لمحاتٍ خاطفة من مجتمعنا وصورًا مشوهة له. [هل كانت تتنبأ بما
قيل عن «النساء السوداوات الغاضبات»؟] لذا فإن العالم لديه
فكرة عن أنني أنا وباراك مختلفان على نحوٍ ما، وأننا فريدان
من نوعنا، لكننا لسنا كذلك. كل ما هنالك أن عين العالم لم
ترَنا من قبلُ.»
62
بعد إذاعة هذا التصريح على شاشة التلفاز، نُشر في مقال
على موقع «إيه بي سي نيوز» على الإنترنت تحت عنوان «ميشيل
أوباما تقول: أنا جريئة». وقد كان من المناسب اختيار هذا
العنوان لحوار مع امرأة علَّمها والداها أن تفصح عن آرائها،
ويقول زوجها إنها دائمًا ما تنطق بالحق، وتتلقى ابنتاها
تشجيعًا على أن تُعبِّرا عن رأيَيْهما أيضًا. وإليكم اقتباسًا
آخر من هذا الحوار:
لا أريد أن أرسم لكم صورةً غير واقعية عنا حتى إذا
سقط القناع وكنا قد خيَّبنا هذه التوقعات غير الواقعية،
فسيشعر الناس أننا خذلناهم بطريقةٍ ما. إليكم حقيقتنا:
أنا جريئة، وأستفز زوجي، وهو بالغ الذكاء، ويتمتع بقدرةٍ
خارقة على التعامل مع النساء القويات، وهذا أحد العوامل
التي تؤهله لأن يصبح رئيسًا؛ فيكفيه أنه قادر على أن
يتعامل معي.
63
ربما نجد في قول ميشيل كشفًا عن السبب الذي جعل زوجها لا
يُبدي رد فعل قويًّا عندما سُئل عن غِلاف مَجلة «نيويوركر»،
وهو أنه من الصعب استفزازه (الأرجح أن هذه ليست سمةً سيئة
فيمن يمكن أن يشغل منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إن
أمعنَّا التفكير في الأمر). ويبدو أن الفضل في هذا — أو على
الأقل جزء منه — يعود إلى زوجته المستفزة.
لكن دعونا نطرح فكرة على كُتاب الكوميديا المكتئبين: إن
كان مذيعو البرامج المسائية يتحَّرقون شوقًا إلى مادة يهاجمون
بها أوباما — على سبيل المزاح بالطبع — فقد يجدون بغيتهم في
استشارة زوجته. (أو ربما ابنتَيه اللتَين أظهرتا قدرة لا تقل
عن قدرتها في التهكُّم عليه حين مازحتاه بشأن ذوقه — أو
بالأحرى انعدام ذوقه — في الحلوى، واللبان، والملابس؛ في
الحوار الذي أُجري في برنامج «أكسيس هوليوود» في الرابع من
يوليو. فربما توحيان لهم ببعض طرائف تُعجبهم، أليس
كذلك؟)
أو ربما يكون الحل هو انتظار ظهور شخصٍ آخر على الساحة؛
فمايك سويني، المشرف على فريق الكُتاب الذي أعد حلقات برنامج
«آخر الليل» (ليت نايت) الذي قدمه كونان أوبراين صرَّح لصحيفة
«نيويورك تايمز» في شهر يوليو: «نأمل حقًّا أن يقع اختياره
على شخصٍ أحمق يكون نائبًا له.»
64
وبالفعل، مثَّل لهم السيناتور بايدن مخرجًا عندما انضم
إلى لائحة أوباما، لكن ظهور نائبة ماكين على الساحة بعد
أسابيع قليلة وضع هذه البرامج على بداية الطريق الذي أرادته
حقًّا. فقد وضعَت سارا بالين منجم ذهب بين يدي برامج التلفاز
المسائية يتلخص في كلمتَين هما: تينا فاي. وعندما ظهرَت حاكمة
ولاية ألاسكا نفسُها في البرنامج نفسِه عاد هذا بمزيد من
الخير على البرنامج؛ إذ شاهده ١٤ مليون شخص ليتابعوا أداءها،
وهذه أعلى نسبة متابعة حظي بها البرنامج منذ عام
١٩٩٤م.
65
صرَّح لورن مايكل، المنتج المنفِّذ لهذا البرنامج الذي
يُذاع على قناة «إن بي سي»، لصحيفة «نيويورك تايمز»: «لقد
ضحكَت لنا الأقدار عندما انضمَّت السيدة سارا بالين للمعركة
الانتخابية. فاختيار هذه السيدة لا يختلف كثيرًا عن اختيار
ميت رومني بكل زلَّات لسانه، وأرى أن الموقف سيشهد تطورًا
كبيرًا.»
66 وقد شهد البرنامج ارتفاعًا في شعبيته بين
المشاهدين بلغَت نسبتُه ٥٠٪ أثناء موسم الانتخابات.
ولم تواجه البرامج المسائية مشكلات في العثور على نكاتٍ
قائمة على القضية الثالثة التي أُثيرت في انتخابات عام ٢٠٠٨م،
وهي قضية التحيز ضد كبار السن. بالطبع مقارنة بقضايا الأعراق
والجنس تبدو قضية التحيز ضد كبار السن أخفَّ حدة، وربما كان
هذا هو السبب الذي جعل القائمين على هذه البرامج لا يشعرون
بأي تحفُّظ في استغلال هذا إلى أقصى حد.
بل إن جون ماكين — الذي سيكون عمره في يوم التنصيب ٧٢
عامًا مما يجعله أكبر رئيس يتقلد هذا المنصب في فترته الأولى،
سَخِر هو نفسه من كبر سنه النسبي واصفًا نفسه بأنه طاعن في
السن وبأن عدد الندبات التي به أكبر من عدد ندبات فرانكشتاين.
وعندما ظهر السيناتور ماكين في برنامج «ساترداي نايت لايف» في
شهر مايو أعطى مذيعي الفِقرات المسائية مادةً دسمة
للحوار.
فقد قال: «سأطرح عليكم سؤالًا: ما الصفات التي نبحث عنها
في رئيسنا التالي؟ بالتأكيد أن يكون طاعنًا جدًّا جدًّا في
السن.»
67
وفي إحدى فِقراته الكوميدية في البرنامج نفسه ظهر في
إعلانٍ انتخابي زائف تقوم فكرة الطرفة فيه على تقدُّم سنه
أيضًا.
إذ كان يقول في هذا الإعلان الهَزْلي: «إن ترشيد الإنفاق
الحكومي لا يتوقف على الجمهوريين أو الديمقراطيين وحسب، بل
على قدرة المرء على ألا يخجل أو يخاف من أبنائه، أو في حالتي
من أبنائي، وأحفادي، وأحفاد أحفادي، وأحفاد أحفاد أحفادي،
الذين أوشك أصغرهم على التقاعد.»
68
لكنه لم يتوقف عند هذا. بل أضاف: «وأنا أتمتع بما يلزم
لهذا من شجاعة وحكمة وخبرة وكبَر سن، وهذا هو الأهم. ذلك
الكبَر اللازم لحماية أمريكا وتشريفها وحبها وتدليلها كما
يجب.»
69
أثناء الحملة الانتخابية استمتعَت وسائل الإعلام بالإشارة
إلى كل الأشياء التي لم يكن لها وجود عام ١٩٣٦م عندما وُلد
جون ماكين. نُشر في «أسوشيتد برس» مقال يبدأ ﺑ «إذن كم عمر
جون ماكين؟ لقد ظهرَت بعد أن ولد جون ماكين كلٌّ من عبوات
البيرة المحتوية على ست زجاجات وتُباع وحدةً واحدة، ونواقل
الحركة الأوتوماتيكية في السيارات، وبطاقات الائتمان التي
تصدرها مؤسسة «أمريكان إكسبرس»، فضلًا عن الحاسوب الذي أقرَّ
بأنه لا يستخدمه.»
70
أثناء السباق على نَيل ترشيح الحزب الجمهوري للانتخابات
الرئاسية، طُرح على ماكين ومنافسيه على الترشُّح داخل الحزب
سؤال شهير وهو: هل يستخدمون الحواسيب الشخصية أم الحواسيب من
طراز ماكنتوش؟ وعندما حان دور ماكين، جاءت إجابته: «لا هذا
ولا ذاك. فأنا أميٌّ أعتمد على زوجتي في الحصول على أية
مساعدةٍ ممكنة.»
71 هذه التعليقات وغيرها يُسَلَّط عليها الضوء في
موقع
ThingsYoungerThanMcCain.com
الذي دشنه مصمم الجرافيك جو كوينت، يقول جو في مقدمة موقعه:
«هل أنا منحاز ضد كبار السن؟ ربما نعم. وربما لا. عالمنا على
درجةٍ كبيرة من التعقيد الآن ولا أظن أن هذا هو الوقت المناسب
لاختيار أكبر رئيس على الإطلاق، ولتُقاضُوني إن
شئتم.»
72
وهنا يجب أن نذكُر أنه بالإضافة إلى سيندي فإن ابنة ماكين
ماهرة هي الأخرى في استخدام الحاسوب. بل إنها في الواقع ماهرة
جدًّا لدرجة أنها أثناء الحملة كانت تُدير مدوَّنة
McCainBlogette.com
وهي مدوَّنة تحمل عنوان «تأملات حول جولات الدعاية الانتخابية
وما بها من ثقافة شعبية».
معظم النكات والتعليقات المتعلقة بقضية السن تتبنى توجهًا
مرحًا، لكن الواقع هو أن كبَر سن ماكين النسبي وافتقار أوباما
النسبي إلى هذه الصفة كان عنصرًا مهمًّا من عناصر النقاش الذي
دار أثناء الانتخابات، تمامًا مثل العِرق والجنس.
فقد كشف استطلاع للرأي أجراه موقع «ياهو نيوز» بالاشتراك
مع وكالة «أسوشيتد برِس» أن ٢٠٪ من الناخبين الذين أُجريَ
عليهم الاستطلاع قالوا إن «بالغ الكبَر» هي «خير» وصف
للسيناتور ماكين، في حين يؤمن ١٤٪ منهم أن أوباما «بالغ
الصغَر».
73
بعمر ماكين البالغ الثانية والسبعين يكون أكبر رئيسٍ جديد
يتولى هذا المنصب، فقد أتم رونالد ريجان السبعين بعد أن حلف
يمين فترته الرئاسية الأولى بمدة وجيزة، لكنه كان تقريبًا في
الرابعة والسبعين عندما بدأ الفترة الثانية. أما أوباما فقد
أتم السابعة والأربعين في أغسطس ٢٠٠٨م، مما يجعله أكبر من
أصغر الرؤساء على الإطلاق — ألا وهو جون إف كينيدي — بنحو
أربع سنوات.
وإليكم مجموعةً من بعض أهم النقاشات التي أُثيرت حول
مسألة السن أثناء الانتخابات:
-
في مقال بعنوان «ما مدى ذكاء الجَد؟ ما الذي يمكن
توقُّعه من عقل في السبعينيات من عمره؟» قالت الكاتبة
ميشيل تساي إن إجابة هذَين السؤالَين تتوقف على الشخص
المعني. لكن المهارات البصرية المكانية تتدهور «قبل سن
الأربعين عادة»، وبعدها تتدهور القدرة على تعلُّم أمورٍ
جديدة (وتخزينها في الذاكرة القصيرة المدى والمتوسطة
المدى). وأضافت الكاتبة أنه عادةً ما «يفقد الناس نحو
خُمس سعة الذاكرة العاملة فيما بين سن الأربعين
والسبعين»، لكن هذه النسبة تختلف من شخص لآخر. وبعد أن
تبدأ الذاكرة «في التدهور يفقد المرء تدريجيًّا القدرة
على اتخاذ قراراتٍ سديدة وَفقًا لمعلوماتٍ جديدة.»
لكنها، مع هذا، تُضيف قائلة: «لكن الأشخاص الذين وصلوا
إلى السبعينيات من عمرهم وهم يتمتعون بوظيفةٍ إدراكية
متميزة يكونون أقلَّ عرضة لتدهور المهارات العقلية مع
تقدُّم العمر، وربما يكون ماكين واحدًا من
هؤلاء.»
74
-
الدكتور ويليام توماس، اختصاصي أمراض الشيخوخة
والأستاذ بكلية إريكسون لدراسات الشيخوخة بجامعة
ماريلاند في مقاطعة بالتيمور كتب في مقال نُشر في
«أسوشيتد برس» في الخامس عشر من يوليو يقول: إن «هناك
جلبةً كبيرةً أُثيرت في الحملة الانتخابية حول دور تقدم
السن، وكثيرٌ من هذه الجلبة مبني على معلوماتٍ خاطئة.
فسن الإنسان ليست عائقًا أمام الإبداع.»
75
-
في هذا المقال نفسه، قال الدكتور ديفيد روبن، رئيس
قسم أمراض الشيخوخة بكلية ديفيد جيفين للطب التابعة
لجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، إن ماكين يبدو في حالةٍ
صحية جيدة. «بصفتي طبيبًا، عندما أفحص كبار السن أنظر
في قوَّتهم الجسدية، هل هي على ما يُرام؟ وأنظر إلى
الجُمل التي ينطقون بها، هل هي متسقة؟ وإلى أفكارهم، هل
هي مترابطة منطقيًّا؟ وإلى قدرتهم على التركيز، هل يسهل
تشتيتُها؟ وماكين يبدو على ما يُرام.»
76
وفي حين بدا أن الناس أجمعوا بصفةٍ عامة على أن السن —
سواء أكانت كبيرة جدًّا أم صغيرة جدًّا — لا تشكل عقبة في
الانتخابات، فإن حقيقة أن الناس رحَّبوا جدًّا بنقاش قضية
السن تكشف أنه كان حاضرًا في أذهانهم، على أقل تقدير.
ويرى الكثيرون أن النكات التي دارت حول تقدم سن ماكين لم
تعُد مضحكة بعد أن بدأ الناس يشيرون إلى أن النائبة التي
اختارها — والتي ستحل محله إن مات — لا تتمتع بخبرةٍ كبيرة في
الاقتصاد، ولا تعرف البلاد كما ينبغي، وليست لها أية خبرة
بالسياسة الخارجية على الإطلاق.
قال الممثل مات دامون في مهرجان تورنتو السينمائي: «إذا
عملنا جدولًا لتوقع الوفَيَات في سنٍّ معيَّنة، فسنجد أن هناك
احتمالًا بنسبة واحد إلى ثلاثة، إن لم يكن أكثر، ألا يعيش
ماكين حتى يُنهي الفترة الرئاسية الأولى وبهذا تصبح سارا
بالين هي الرئيس. أنا لا أفهم لمَ لا يتحدث الناس عن سخافة
هذا الوضع؟! هذا احتمالٌ مفزع حقًّا.»
77
إلامَ يقودنا هذا؟ كيف سننظر بعد سنوات لانتخابات ٢٠٠٨م؟
بالطبع كانت مدة الانتخابات زاخرةً بدلائل وجود التحيز
الجنسي، والعنصرية، والتحيز ضد كبار السن، إضافة إلى ضراوة
التنافس التي بلغت حدًّا لا يُنسى، والتي لم تتخلَّلها
اللحظات السعيدة إلا نادرًا. ومع هذا، فإن الشخصيات الأساسية
الثلاث — باراك أوباما، وجون ماكين، وهيلاري كلينتون — بقصصهم
الخاصة (أول أمريكي من أصولٍ أفريقية، وأكبر رئيس، وأول
امرأة) ألبسوا هذه الانتخابات ثوبًا جديدًا تمامًا. وظهور
سارا بالين على الساحة — الذي جاء مواكبًا تقريبًا لانهيار
الأسواق المالية — زاد من إحساسنا بأننا مقبلون على وضعٍ جديد
تمامًا. إذن ماذا نتوقع بعد هذا؟
مرةً أخرى، قد نجد أفضل إجابة لدى ميشيل أوباما. أثناء
لقائها بالصحفيين والناخبين في مدينة بيتسبرج في أبريل ٢٠٠٨م،
تحدثَت عن الخلاف الذي ثار بعد إذاعة المواعظ الشائنة التي
ألقاها القَس جيريمايا وإلقاء زوجها الخطبة التي تُعرف الآن
ﺑ «خطاب عن الأعراق».
وصفَت ميشيل كلمات زوجها بأنها «صادقة ومؤثِّرة»، وقالت:
«ما فعلَه باراك أوباما في خطبته هو أنه عبَّر عن جميع
المشاعر التي تعتمل بداخلي.» ولما كانت ميشيل تتمتع بنفاذ
البصيرة بقَدْر ما تتمتع بالصدق فقد قالت إننا نستطيع أن
نتوقع أن نعيش مزيدًا من هذه اللحظات التي تمسُّ شغافَ
قلوبنا.
قالت ميشيل: «هذا لا يأتي من فراغ. إذ يتعين أن نجتهد،
وسنبكي في بعض الأحيان. فالتغيير سيكون صعبًا. إذ يتطلب منا
أن نخرج من شرانقنا، ونتجاوز خلافاتنا. ينبغي أن نتخلَّص من
مخاوفنا.»
78
وقُرب نهاية المعركة الانتخابية، قبل الانتخابات العامة
بأسابيعَ قليلة، طرحَت ميشيل على الناس ما رأت أنه دليل على
أن هناك تغيرًا حقيقيًّا يحدث. فعندما سُئلَت في حوارٍ أجرته
معها مَجلة «جود هاوسكيبنج» هل ترى أن الحملة غيَّرت نظرة
الناس للأعراق في أمريكا، أجابت: «أعتقد هذا. نحن نتحدث عن
قضايا لم نكن نتحدث عنها علانيةً قط. ونتحدث في كافة الأمور
سواء ما يستحق الإشادة أو ما يستحق النقد.»
«أظن أن رؤية احتمالاتٍ مختلفة لما قد يحدث أمرٌ مهم، على
الأقل للأطفال الذين أعرفهم، ولا أقصد بهذا الأطفال
الأمريكيين من أصولٍ أفريقية فقط. فالكثير من الأطفال لا
يرَون من يمثلهم في هذا العالم بسبب العِرق الذي ينتمون إليه،
أو ظروفهم الاقتصادية، أو المكان الذي يعيشون فيه. وعندما لا
يرى الأطفال من يمثلهم، لا يرون الفرص المتاحة أمامهم. وعندما
يرى الشباب هيلاري كلينتون وباراك أوباما يعامَلان باعتبارهما
مرشحَين قويَّين وقادرَين على تحقيق النجاح — باعتبارهما
شخصَين من الممكن أن يصبح أيٌّ منهما رئيسًا للولايات المتحدة
— فإن هذا يغيِّر كل شيء.»
79
ولسببٍ ما فإن كلمات ميشيل عن التغيير، والخروج عن
المألوف والتحرر من الخوف ذكَّرني بقصيدة «الفِردَوس المفقود»
التي كتبها جون ميلتون. ففي نهاية الملحمة الشعرية الرائعة
التي كتبها ميلتون في القرن السابع عشر عن آدم وحواء وطردهما
من الجنة نجد الزوجَين الشابَّين يهيمان على وجهَيهما
مواجهَين مستقبلهما المجهول. ونجد إحساسًا بالتشاؤم يسود
الأجواء وأبوانا يستعدان لحمل أعباء البشرية جمعاء. (في
أمريكا عام ٢٠٠٨م، تتمثل هذه الأعباء في انهيار الاقتصاد،
ووقوع المواطنين في أَسْر الخوف، والدخول في حروب على جبهاتٍ
متعددة.) ومع هذا فهناك إحساس بالتفاؤل أيضًا؛ إذ إن آدم
وحواء يسيران معًا إلى الأمام، يدًا في يد، ليواجها التحديات
التي تنتظرهما بما تحمله من انتصارات وهزائم على هذه الأرض
البعيدة عن الكمال:
كان العالم كله أمامهما
حيث اختارا مكان إقامتهما وطريق رشدهما.
سارا متشابكَي اليدين بخطًى بطيئة متخبطة
ومن جنة عدْن خرجا لطريقهما الموحش.
وفي النهاية بصرف النظر عمن سيكون الفائز في انتخابات
الرابع من نوفمبر، وبصرف النظر عمن سيحلف اليمين في ٢٠ يناير
٢٠٠٩م، أحرزَت البلاد تقدمًا، وذلك بفضل جون ماكين وزوجته
سيندي، وبيل كلينتون وزوجته هيلاري، وباراك أوباما وزوجته
ميشيل (وبالطبع سارا بالين وجو بايدن). الخطوات التي قطعَتْها
البلاد قد تكون خطواتٍ متخبطةً وبطيئة (وأحيانًا يصاحبها
حديثٌ مرير بذيء و/أو صورٌ مهينة قادرة على إثارة الغضب) لكن
لا شك في أن هناك تغيراتٍ قد حدثَت، وأن الناس خرجوا من
شرانقهم، ولو لدرجةٍ طفيفة على أقل تقدير. بل ربما يكونون قد
قطعوا شوطًا كبيرًا في تجاوز الانقسامات التي بينهم، وفي
التحرر من مخاوفهم، ويبقى الحكم في هذا للتاريخ.