مشهد جديد
لاعبون جدد، وأدوات مستحدثة، وحوارات جديدة
ربما يكون تشبيه ما يجري بحال آدم وحواء في ملحمة جون ميلتون الشعرية «الفردوس المفقود» مبالغًا فيه بعضَ الشيء، لكن الواقع هو أن انتخابات عام ٢٠٠٨م فتحَت الستار على مشهدٍ جديد تمامًا؛ مشهد يشبه العالم الذي وجد آدم وحواء نفسَيهما فيه بعد طردهما من جنة عدْن.
طرأَت على الساحة التغيرات الجلية التي ذكرناها من قبلُ، ألا وهي: للمرة الأولى نجد اسم امرأة واسم رجلٍ أسود من بين الخيارات الثلاث الأولى المطروحة في هذا البلد ليقوم واحدٌ منها بقيادة هذا الشعب في المرحلة التالية من تاريخه التي تتسم بأنها شائكة جدًّا. مع دخولنا حربَين خارج البلاد، وقيامنا بشن حربٍ ثالثة ضد الإرهاب، ووجود اقتصادنا على شفا كارثة، فإن اختيار مَن يكون القائد التالي — والأفضل — أمرٌ حاسم جدًّا. ومن الجدير بالاهتمام أيضًا أن اثنَين من الثلاثة الذين وصلوا للمرحلة النهائية من الانتخابات ينتميان لفئاتٍ تسعى وراء مصالح محددة، ولم يسبق لها أن حظيَت بتمثيلٍ واسع على الساحة الوطنية.
أيضًا هناك تغيراتٌ قد تكون أقل وضوحًا لكنها تتمتع بالقدرة على تغيير المستقبل تمامًا مثل السمات الجديدة التي تميز الرؤساء المرتقبين.
فطريقة توظيف هذه الحملة للإنترنت غيرت تمامًا من طريقة إدارة الانتخابات، وستُغيرها بدرجة أكبر في المستقبل بلا شك، وذلك من حيث اتخاذها سبلًا مبتكرة لتحقيق التواصل الاجتماعي فتُمكِّن مؤيديها من تحقيق التنظيم والتواصل، وأيضًا استخدامها لوسائل جديدة لجمع الأموال فتمكَّنت من جمع مبالغ طائلة من مجموعةٍ متنوعة من الأشخاص، هذه المجموعة تضم آلافًا من صغار المتبرعين الذين كانت هذه أول مرة يتبرعون فيها لحملة سياسية.
إليزابيث
لدينا أخبار رائعة نطلعك عليها.
بفضل كرمك والتزامك سنُخبر الصحافة اليوم أن حملتنا في موقفٍ مالي قوي جدًّا.
في شهر يونيو ساعدنا مؤيدونا — من أمثالك — على جمع ٥٢ مليون دولار أمريكي.
لكن المبهر أكثر من هذا الرقم هو طريقة وصولنا له. فقد أسهَم مئات الآلاف من الأشخاص العاديين في بناء الحملة التي نقودها من أجل التغيير. وكثيرٌ منهم كانوا يتبرعون بأموالهم لأول مرة ويُعطون ما تسمح به إمكاناتهم، وكان متوسط ما يتبرع به الفرد ٦٨ دولارًا أمريكيًّا.
جمعوا ٥٢ مليون دولار من متبرعين متوسط ما يمنحونه إياهم من أموال لا يتجاوز ٦٨ دولارًا أمريكيًّا، هذا مبهر! كيف تم هذا؟ إن أردتَ أن تعرف فواصل القراءة …
كما هو متوقع، جاء مع الأخبار الرائعة بشأن اﻟ ٥٢ مليون دولار أمريكي رسالةٌ ثانية تتخذ صورة رسالة بها معلومات وفي آخرها زر مكتوب عليه «اسأل». هذه الرسالة بعث بها مدير حملة أوباما ديفيد بلوف، وتدور حول الإمكانات الهائلة التي يتمتع بها جون ماكين والأموال التي تحصل عليها اللجنة القومية للحزب الجمهوري. وتدَّعي الرسالة أن كلًّا من حملة أوباما واللجنة القومية للحزب الديمقراطي لا يقبلان تبرُّعات من جماعات الضغط في واشنطن، ولا من لجان العمل السياسية، وأن جون ماكين واللجنة القومية للحزب الجمهوري، في المقابل، لا يلتزمان بهذا المبدأ.
ثم تصل الرسالة إلى بيت القصيد فيأتي فيها: «أعرف أن هذه ليست المرة الأولى التي نطلب فيها أموالًا، ولن تكون الأخيرة. أرجوكِ تبرَّعي ﺑ ٢٥٠ دولارًا أمريكيًّا الآن … لا حيلة لنا بدونك.»
وكما هي الحال بالنسبة إلى أية رسالةٍ تسويقيةٍ جيدة، فإن هذه الرسالة الإلكترونية أُعِدَّت بحيث تشمل رسالةً شخصية (تتمثَّل في مقولة «عزيزتي إليزابيث») وجاء المبلغ المطلوب ملائمًا لوضعي (وأنا واثقة من أنهم طلبوا مبالغ أكبر كثيرًا من آخرين)، فضلًا عن المداهنة التي تتمثل في أنني، بصفتي واحدةً منهم، اطلَّعتُ على هذه المعلومة قبل الصحافة، أو على الأقل ليس بعدها.
ولا شك في أن أعدادًا غفيرةً من الأشخاص الذين وصلَتهم رسائلُ مماثلة تجاوبوا مع هذه الرسائل على النحو الذي تتمناه الحملة.
كيف حدث هذا؟ كيف استطاع باراك أوباما أن يستغل بمهارةٍ شديدةٍ الموارد التي أتاحتها له الإنترنت؟
أحد أسباب هذا هو أنه، بصفته رجلًا في منتصف الأربعينيات، عاش ثورة الإنترنت، ويعرف كيف يمكن استخدامه. في هذا الصدد يُعَد صغَر سنه النسبي مِيزة بلا شك، خاصةً عندما نفكِّر في الإجابة التي طرحَها جون ماكين حين سُئل هل يستخدم حاسوبًا شخصيًّا أم يستخدم حاسوبًا من طراز ماكينتوش، فقد بدت إجابته وكأنها صادرة من أحد عمال عصرِ ما قبل التصنيع. هل تتذكَّرونها؟ كانت إجابته: «لا هذا ولا ذاك، فأنا أميٌّ أعتمد على زوجتي …» ربما بدت إجابة ماكين ظريفة وصادقة، لكن حملته ستُضيع فرصة جيدة إذا لم تعرف كيف يمكنها الاستفادة من مزايا التواصل الاجتماعي وجمع الأموال التي يوفِّرها عالم الإنترنت.
وأثناء الحملة رأينا المخاطر الكامنة في عالم الإنترنت الجديد هذا، فقد حاربَت حملة أوباما من أجل التعامل مع أمور مثل الإعلانات التي بثَّها الحزب الجمهوري عبْر «يوتيوب» والتي شكَّكَت في وطنية ميشيل، وكذلك الشائعات التي انتشرَت عبْر الإنترنت وكانت تدور حول ادعاء أن ميشيل انتقدَت بشدة «الحثالة البيض» و/أو أن باراك مسلم.
من التغيرات الأساسية الأخرى التي حدثَت؛ النقاشات التي دارت حول الأعراق، بل إن مجرد طرح هذه المسألة للنقاش، وأحيانًا كان هذا الطرح جريئًا جدًّا بعد أن كانت هذه المسألة تواجه تعتيمًا عليها، تغيرٌ كبير. هل تتذكَّرون ما قالته هيلاري كلينتون في خطاب الاعتراف بهزيمتها أمام أوباما الذي ألقته حول أن المرأة تستحق أن تحظى باحترام كالذي يحظى به الرجل، وتستحق الحصول على راتبٍ مساوٍ لذلك الذي يحصل عليه، وأن كافة صور التحيز غير مقبولة في القرن الحادي والعشرين؟ وهل تتذكَّرون أن «نيويورك تايمز» فهمَت من هذا أن هيلاري تريد أن تقول إن بعض الناس لا يزالون يؤمنون بأنه لا عيب في أن يكون المرء متحيزًا ضد المرأة، لكن العيب كل العيب أن يكون عنصريًّا؟
مثلما سلطت هيلاري الضوء على قضية التحيز ضد المرأة، بدا أن حملة أوباما أثارت نقاشًا جديدًا حول العنصرية والتعصب، سواء عن قصد أم عن غير قصد. أحد أمثلة هذا هو الرسم النقدي الساخر الذي نُشر في مَجلة «نيويوركر» عن باراك أوباما وزوجته ميشيل. ففي يوم الأحد الذي تلا نشر هذا الغِلاف الساخر نُشر في أولى صفحات القسم الخاص بمقالات الرأي بصحيفة «هارتفورد كورانت» مقالان يتبنيان وجهتَي نظر مختلفتَين عن المقال. أولهما كتبته جينا باريكا، أستاذة اللغة الإنجليزية ونظرية النسوية بجامعة كونيتيكت، تحت عنوان «عمل طفولي لا يأتي سوى بالصدمة والإهانة»، والثاني كتبَتْه إيريني بابوليس، أستاذة المقال بترينيتي كوليدج، تحت عنوان «غِلاف يجعلنا نتلوى ألمًا، لكنه يُجبرنا على الحوار.»
غير أن السيدة إيريني وصلَت إلى فهمٍ عميق لهذا الرسم. قالت إيريني إنها عندما رأت الغِلاف للمرة الأولى انتابها الغضب على الفور. ثم تحدثَت عن تجرِبة مشاهدة ضيوف البرامج التلفزيونية وهم يتحدثون عن الجوانب الإيجابية في هذا العمل الفني، أو عن افتقاره للَّمسات الفنية، وكان أغلب الناس يتبنَّون الرأي الثاني. وقالت إنها صُعقَت عندما وصف أحدُ ضيوف الحلقات التلفزيونية — وهو شخصٌ لم تتذكر اسمه — هذا الرسم بأنه «رسمٌ ساخر رائع جدًّا». فقد صرخَت «ماذااااااااا؟» على حد قولها.
قالت: «وانتقده المذيع وباقي الضيوف. كيف يمكنه أن يقع في هذا الخطأ؟!» وحكت أنها مضت بعد هذا تمارس أنشطتها اليومية لكن رأي الضيف لم يفارق ذاكرتها. وبعد أن فكَّرت في الموضوع مرارًا وتكرارًا، توصلت للرأي التالي: «لكن ماذا لو أن الغِلاف يحقق الهدف الذي رُسم من أجله؛ إذ إنه يثير هذا النوع من النقاش؟ ماذا لو أنه يجبر الناس، أغبياءً كانوا أم أذكياء، على مواجهة مواقفهم — ومواقفنا — غير المعلنة تجاه أوباما وزوجته؟ هل ينظر إليهما بعضُنا على أنهم «آخرون مختلفون عنا»؟ إن كان هذا صحيحًا، فما هي نظرتنا لهما على وجهٍ التحديد؟»
ومع هذا، ففي الوقت نفسه، كانت قناة «سي إن إن» تبث برنامجًا بعنوان «السود في أمريكا» في الذكرى الأربعين لاغتيال القَس الدكتور مارتن لوثر كينج التي جاءت في نفس العام الذي شهد صعود نجم رجلٍ أمريكي من أصلٍ أفريقي ليكون مرشحًا للرئاسة.
من المهم أن نتذكر أن باراك أوباما وجيسي جاكسون كليهما من أبناء البيئة السياسية نفسها التي سادت شيكاغو، وأن ابن هذا القَس، جيسي جاكسون الابن، من المسئولين عن حملة أوباما على مستوى الولايات المتحدة بأَسْرها. وميشيل أوباما وسانتيتا جاكسون — ابنة القَس جاكسون — صديقتان منذ الطفولة. ومرة أخرى نقول إن سانتيتا هي أم ماليا أوباما بالعماد.
وإضافة إلى النقاش الذي دار أثناء الانتخابات حول الأعراق و«الزعماء السياسيين» فإن الناس كانوا يتحدثون أيضًا عن ميشيل أوباما وموقعها في تاريخ النساء الأمريكيات من أصلٍ أفريقي.
وتتحدث الكاتبة عن الإنجازات التي حققَتها النساء السوداوات العاملات، وعن أن الأنظار لا توجَّه إليهن رغم هذا. وتُورِد إحصاءاتٍ تكشف عن أن ٧٠٪ من النساء العاملات السوداوات غير متزوجات، وأن النساء السوداوات أكثر عُرضة من النساء البيض لأن يبلغوا الأربعين دون زواج بخمس مرات.
ما رأيناه من حديث عن وجود شقاق، حقيقي أو مزعوم، في صفوف القادة السياسيين الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية، وحديث عن واقع أن تكون المرأة امرأةً عاملةً أمريكية ذات أصولٍ أفريقية، وعن الحاجة إلى التغيير، وما رأيناه من برنامج يُذاع على قناة «سي إن إن» ويصُب اهتمامه على مغبة أن يكون المرء «أسود في أمريكا»؛ كل هذه النقاشات العلنية الصريحة هي واقعٌ جديد. وحسبما تقول شيريل كاشين، أستاذة القانون بجامعة جورج تاون، ما على المجتمع الأفروأمريكي إلا أن يحافظ على استمرار هذه النقاشات.
هل هذه التغيُّرات الظاهرة في مجتمع السود تعني أن هناك تغيراتٍ ستطرأ على المجتمع الأمريكي بأَسْره؟
ورد بخاطري الآن الحوار الهاتفي الذي أجريتُه مع زوجة شقيق جارتي لويز أمبلر أوسبورن التي كانت في دفعة ميشيل نفسها في جامعة برينستون، والتي لم تكن تعرفُها رغم هذا، وحالها في هذا هو حال جميع الزملاء البيض الذين تحدثتُ معهم.
تجُول في خاطري الآن صورة تلك الفتاة الصغيرة التي تحدثَتْ عنها ميشيل أوباما أثناء الخطابات التي ألقَتْها في الانتخابات التمهيدية، تلك الفتاة الصغيرة التي كانت في مركز تجميل بولاية ساوث كارولاينا والتي قالت لميشيل إنه إن انتُخب زوجها رئيسًا فإنها ستستطيع أن تُطلِق العِنان لأحلامها.
فأنا لديَّ قصةٌ شبيهة بهذه.
بينما كنتُ في خِضَم كتابة هذا الكتاب كان عليَّ أن أُعِدَّ حقائبي، وأضع فيها المسَوَّدة المبدئية التي كتبتُها، في إحدى عطلات نهاية الأسبوع وأستقل السيارة مع ابنتي ذات الخمسة عشر عامًا إلى دوريِّ كرة قدم يستمر ليومَين في ولايةٍ أخرى. كان هذا الدوريُّ في الأساس حدثًا تنظمه الجامعات حتى تعطيَ لمدربيها فرصة التعرف على المواهب الواعدة.
ومثلما نفعل حينما نكون مقبلين على هذه المباريات التي تُقام بعيدًا جدًّا عن بيتنا فقد اتفقتُ مع والدة لاعبةٍ أخرى أن أُوصل البنتَين ذَهابًا وتُوصلَهما هي إيابًا. وكما هو حال باراك أوباما، كان والد هذه الفتاة أسود ووالدتها بيضاء. وكانت أسرتها هي الأخرى تتابع الانتخابات عن كَثَب، واكتشفنا أنها كانت قد حضرَت مثلنا المؤتمر الانتخابي الذي عقده أوباما في هارتفورد في شهر يناير.
بسبب اقتراب الموعد النهائي بسرعة، كان آل أوباما يشغلون بالي كثيرًا خلال البطولة. وقبل إحدى المباريات الأولى للفتاتَين مباشرة، قالت ابنتي وصديقتُها إنهما بحاجة إلى الاستماع إلى بعض «الموسيقا الحماسية»، وعندما فشلَت إذاعة شمال ولاية نيويورك في توفير أي أغانٍ مناسبة، اقترحتُ أن أقرأ فقرة من المخطوطة التي كانت أمامي بانتظار التحرير. كان هناك اقتباسٌ لميشيل أوباما اعتقدتُ أنه قد يكون له تأثير الموسيقا الصاخبة ذات الإيقاع القوي نفسه.
فتحتُ المخطوطة قرب نهاية الفصل الأول؛ حيث تتحدث ميشيل عما أصبحنا نسمِّيه في منزلنا «اقتباس الطاولة». تعلمون، ذلك الاقتباس حول تجاهل المتشائمين والمُضي قُدمًا ببساطة.
سأقرأ هنا كلامها، محاولًا محاكاة أسلوبها البلاغي القوي: «نواجه في كل مكان أناسًا يتشككون في إمكانية تحقيق النجاح. هم أناس يقولون لنا إننا لن نستطيع تحقيق أي شيء. يقولون إننا لسنا مؤهَّلين. ويقولون إننا لسنا أكْفَاء بما يكفي. ويقولون إننا لا نتمتع بالذكاء الكافي. ويقولون إننا أطول قامةً مما يجب.
كل واحدٍ منكم هنا سمع وشعر بتلك الحواجز، شخص يدفعك إلى الأسفل، يحدِّد حدودك، من أنت؟ أنت تعلم جيدًا ما أنت قادر على فعله …» سأتابع القراءة محاولًا زيادة الصوت والإيقاع للوصول إلى ذروة معينة نحو النهاية.
«هذه الانتخابات تتعلق بذلك بقَدْر ما تتعلق بالتغيير؛ لأن الحقيقة هي أن هناك ملايينَ من الأضواء الساطعة مثلي تمامًا في جميع أنحاء البلاد. أطفال يعيشون في الظل، تُخبرهم مجتمعاتهم بما يمكنهم وما لا يمكنهم فعله. هذه فرصة لنا جميعًا لإرسال رسالةٍ مختلفة لتلك الأضواء الساطعة.
كما تعلمون، في كل مرة أخبرَني فيها أحدهم: «لا، لا يمكنكِ فعل ذلك»، تجاوزتُ تشكيكهم واتخذتُ مكاني على الطاولة!»
زفَرْت، ووضعْت المخطوطة، ونظرتُ إلى الفتاتَين، متلهفةً لرؤية وجهَيهما الملهِمَين، متأكدةً من أن الاقتباس سيعمل تمامًا مثل أي أغنيةٍ حماسية قديمة. ابنتي، التي كطفلةٍ ثانية خرجَت من الرحم مستعدةً لمواجهة أخيها الأكبر، إن لم يكن العالم بأَسْره، فهِمَت الأمر تمامًا. خرجَت طفلتي، المليئة بالرُّوح القتالية بطبيعتها إن لم يكن بترتيب الميلاد، من السيارة مستعدةً لإسقاط المُدافع التالي الذي يعترض طريقها. (لقبها والد إحدى اللاعبات في الفريق ﺑ «المدمِّرة» خلال البطولة.)
صديقة ابنتي، وهي طفلةٌ وحيدة ولاعبةُ كرة قدم رائعة الجمال (فضلًا عن كونها فتاةً جميلة)، بدت منزعجة تمامًا. قالت وصوتها يرتجف: «هذا جعلَني متوترة. إنه لأمرٌ يبعث على القلق الشديد.» قبل المباراة التالية، طلبَتْ مني ألا أقرأه مرةً أخرى.
في ذلك الوقت، كنتُ محتارة لماذا وجدَتْ كلمات ميشيل شديدةً للغاية. بالنسبة لي، كان أفضل حديثٍ تحفيزي على الإطلاق. ولكن بعد ذلك فكرتُ فيما يمكن أن تعنيَه تلك الكلمات لفتاةٍ صغيرة من أصولٍ أفريقية أمريكية، الفتاة الوحيدة من أصولٍ أفريقية أمريكية في فريق كرة القدم، واحدة من القلائل في البطولة، أقليَّة في بلدتها في ولاية كونيتيكت. «نواجه في كل مكان أناسًا يتشككون في إمكانية تحقيق النجاح. هم أناس يقولون لنا إننا لن نستطيع تحقيق أي شيء. يقولون إننا لسنا مؤهَّلين. ويقولون إننا لسنا أكْفَاء بما يكفي. ويقولون إننا لا نتمتع بالذكاء الكافي. ويقولون إننا أطول قامةً مما يجب. كل واحد منكم هنا سمع وشعر بتلك الحواجز، شخص يدفعك إلى الأسفل، يحدِّد حدودك، من أنت؟»
بدأتُ أفهم الأمر. ماذا لو كنتَ قد سمعتَ تلك الأشياء حقًّا — أو ربما ظننتَ أنك تسمع تلك الأشياء — طَوال حياتك؟ ماذا لو لم يكن الأمر مجرد سياق كونك الأخت الصغرى لأخيك؟ ماذا لو كنتَ تعلم أنه حتى لو لم تكن متلقيًا لتلك الرسائل بالذات بانتظام، فإن أشخاصًا مثلك تمامًا، على مَرِّ التاريخ، كانوا كذلك؟ أي نوع من العبء سيكون هذا لِتحمُّله؟
ذهبَت الفتاتان إلى المباراة. انطلقَت الصافرة وبدأ اللعب. كانت ابنتي وصديقتُها تلعبان معًا في المقدمة. مرَّرتا الكرة، ركضتا بها، مرَّرتا مرةً أخرى، وسدَّدتا بضع تسديدات على المرمى. احتُسب خطأ على صديقة ابنتي بعدما بدا لأولياء الأمور على خط التماس كتدخلٍ انزلاقي عادي، وتلقَّت تحذيرًا شفهيًّا من الحكم. (عادة ما تكون ابنتي هي التي تتلقى التحذيرات.)
في بعض الأحيان، يحافظ التحذير على اللاعب، خاصة إذا كان أقل حزمًا من ابنتي، من محاولة الحركة مرةً أخرى. لم يحدث هذا مع صديقة ابنتي، ليس هذه المرة. لقد وجدَتْ فرصةً أخرى لتدخل انزلاقي لا خطأ فيه، وركلَت الكرة بعيدًا عن الخَصم. لم يعتبر الحَكم ذلك مخالفةً للعبة. سجلَت فتياتنا هدفًا.
بدأ المدربون الحاملو لوحات الملاحظات بالظهور في الملعب. في هذه المباراة، ثم التالية، ثم التي تليها. سجلَت صديقة ابنتي هدفًا وقدمَت عدة تمريراتٍ حاسمة. لقد لعبَت ببراعةٍ مطلقة، كانت ضوءًا ساطعًا متألقًا بكل معنى الكلمة.
عندما وصلنا إلى المنزل، علمنا أنها تلقَّت مكالماتٍ هاتفيةً أو رسائلَ بريدٍ إلكتروني من خمسة مدربين جامعيين على الأقل.
أتمنى لو أنني أستطيع أن أخبرها — وأن تصدِّقني عندما أفعل ذلك — أنها تستطيع حقًّا أن تفعل أي شيء تختاره.
بدلًا من ذلك، وبرغم احتمالية أن أكون مبالِغة في الانفعال والتَّكرار، أقدم لها كلمات ميشيل أوباما:
«اتخذي مكانك على الطاولة!»