الفصل التاسع

مشهد جديد

لاعبون جدد، وأدوات مستحدثة، وحوارات جديدة

ربما يكون تشبيه ما يجري بحال آدم وحواء في ملحمة جون ميلتون الشعرية «الفردوس المفقود» مبالغًا فيه بعضَ الشيء، لكن الواقع هو أن انتخابات عام ٢٠٠٨م فتحَت الستار على مشهدٍ جديد تمامًا؛ مشهد يشبه العالم الذي وجد آدم وحواء نفسَيهما فيه بعد طردهما من جنة عدْن.

طرأَت على الساحة التغيرات الجلية التي ذكرناها من قبلُ، ألا وهي: للمرة الأولى نجد اسم امرأة واسم رجلٍ أسود من بين الخيارات الثلاث الأولى المطروحة في هذا البلد ليقوم واحدٌ منها بقيادة هذا الشعب في المرحلة التالية من تاريخه التي تتسم بأنها شائكة جدًّا. مع دخولنا حربَين خارج البلاد، وقيامنا بشن حربٍ ثالثة ضد الإرهاب، ووجود اقتصادنا على شفا كارثة، فإن اختيار مَن يكون القائد التالي — والأفضل — أمرٌ حاسم جدًّا. ومن الجدير بالاهتمام أيضًا أن اثنَين من الثلاثة الذين وصلوا للمرحلة النهائية من الانتخابات ينتميان لفئاتٍ تسعى وراء مصالح محددة، ولم يسبق لها أن حظيَت بتمثيلٍ واسع على الساحة الوطنية.

أيضًا هناك تغيراتٌ قد تكون أقل وضوحًا لكنها تتمتع بالقدرة على تغيير المستقبل تمامًا مثل السمات الجديدة التي تميز الرؤساء المرتقبين.

من هذه التغيرات ما حققَته حملة أوباما من جذب المؤيدين والتواصل معهم وتنظيمهم (وجمعها لمبالغ طائلة من النقود). إن كان فضل اتخاذ خطوة استخدام الإنترنت في الحملات السياسية يرجع إلى هوارد دين، فإن الفضل يعود لأوباما في استخدام الإنترنت بحيث يؤدي إلى تغيير الحملات الانتخابية تغييرًا جذريًّا. ولنقتبس هنا ما قاله جو تريبي، خبير الإنترنت الذي كان مسئولًا عن حملة دين الانتخابية عام ٢٠٠٤م: «كنا كالأخوَين رايت.» وأضاف أن حملة أوباما «فاقت رواد البعثات الفضائية الثلاث الأولى: بوينج، وميركوري، وجميني، وصارت كفريق أبولو ١١ الذي هبط على القمر بعد أربع سنوات وحسب».1

فطريقة توظيف هذه الحملة للإنترنت غيرت تمامًا من طريقة إدارة الانتخابات، وستُغيرها بدرجة أكبر في المستقبل بلا شك، وذلك من حيث اتخاذها سبلًا مبتكرة لتحقيق التواصل الاجتماعي فتُمكِّن مؤيديها من تحقيق التنظيم والتواصل، وأيضًا استخدامها لوسائل جديدة لجمع الأموال فتمكَّنت من جمع مبالغ طائلة من مجموعةٍ متنوعة من الأشخاص، هذه المجموعة تضم آلافًا من صغار المتبرعين الذين كانت هذه أول مرة يتبرعون فيها لحملة سياسية.

ولأن اسمي مدرج في القائمة البريدية لموقع My.BarackObama.com وصلَتني رسالة إلكترونية من الحملة في منتصف يوليو كان مما جاء فيها ما يلي:

إليزابيث

لدينا أخبار رائعة نطلعك عليها.

بفضل كرمك والتزامك سنُخبر الصحافة اليوم أن حملتنا في موقفٍ مالي قوي جدًّا.

في شهر يونيو ساعدنا مؤيدونا — من أمثالك — على جمع ٥٢ مليون دولار أمريكي.

لكن المبهر أكثر من هذا الرقم هو طريقة وصولنا له. فقد أسهَم مئات الآلاف من الأشخاص العاديين في بناء الحملة التي نقودها من أجل التغيير. وكثيرٌ منهم كانوا يتبرعون بأموالهم لأول مرة ويُعطون ما تسمح به إمكاناتهم، وكان متوسط ما يتبرع به الفرد ٦٨ دولارًا أمريكيًّا.

جمعوا ٥٢ مليون دولار من متبرعين متوسط ما يمنحونه إياهم من أموال لا يتجاوز ٦٨ دولارًا أمريكيًّا، هذا مبهر! كيف تم هذا؟ إن أردتَ أن تعرف فواصل القراءة …

كما هو متوقع، جاء مع الأخبار الرائعة بشأن اﻟ ٥٢ مليون دولار أمريكي رسالةٌ ثانية تتخذ صورة رسالة بها معلومات وفي آخرها زر مكتوب عليه «اسأل». هذه الرسالة بعث بها مدير حملة أوباما ديفيد بلوف، وتدور حول الإمكانات الهائلة التي يتمتع بها جون ماكين والأموال التي تحصل عليها اللجنة القومية للحزب الجمهوري. وتدَّعي الرسالة أن كلًّا من حملة أوباما واللجنة القومية للحزب الديمقراطي لا يقبلان تبرُّعات من جماعات الضغط في واشنطن، ولا من لجان العمل السياسية، وأن جون ماكين واللجنة القومية للحزب الجمهوري، في المقابل، لا يلتزمان بهذا المبدأ.

ثم تصل الرسالة إلى بيت القصيد فيأتي فيها: «أعرف أن هذه ليست المرة الأولى التي نطلب فيها أموالًا، ولن تكون الأخيرة. أرجوكِ تبرَّعي ﺑ ٢٥٠ دولارًا أمريكيًّا الآن … لا حيلة لنا بدونك.»

وكالعادة يظهر الزِّر الجذَّاب ذو اللون الأحمر الزاهي الذي يبدو وكأنه يصرخ «تبرَّعوا!»2 ويمكن القيام بكافة خطوات هذه العملية عبْر الإنترنت في أمانٍ تام، وذلك عن طريق الضغط على الفأرة مراتٍ قليلة وكتابة رقم البطاقة الائتمانية.)

وكما هي الحال بالنسبة إلى أية رسالةٍ تسويقيةٍ جيدة، فإن هذه الرسالة الإلكترونية أُعِدَّت بحيث تشمل رسالةً شخصية (تتمثَّل في مقولة «عزيزتي إليزابيث») وجاء المبلغ المطلوب ملائمًا لوضعي (وأنا واثقة من أنهم طلبوا مبالغ أكبر كثيرًا من آخرين)، فضلًا عن المداهنة التي تتمثل في أنني، بصفتي واحدةً منهم، اطلَّعتُ على هذه المعلومة قبل الصحافة، أو على الأقل ليس بعدها.

ولا شك في أن أعدادًا غفيرةً من الأشخاص الذين وصلَتهم رسائلُ مماثلة تجاوبوا مع هذه الرسائل على النحو الذي تتمناه الحملة.

كيف حدث هذا؟ كيف استطاع باراك أوباما أن يستغل بمهارةٍ شديدةٍ الموارد التي أتاحتها له الإنترنت؟

أحد أسباب هذا هو أنه، بصفته رجلًا في منتصف الأربعينيات، عاش ثورة الإنترنت، ويعرف كيف يمكن استخدامه. في هذا الصدد يُعَد صغَر سنه النسبي مِيزة بلا شك، خاصةً عندما نفكِّر في الإجابة التي طرحَها جون ماكين حين سُئل هل يستخدم حاسوبًا شخصيًّا أم يستخدم حاسوبًا من طراز ماكينتوش، فقد بدت إجابته وكأنها صادرة من أحد عمال عصرِ ما قبل التصنيع. هل تتذكَّرونها؟ كانت إجابته: «لا هذا ولا ذاك، فأنا أميٌّ أعتمد على زوجتي …» ربما بدت إجابة ماكين ظريفة وصادقة، لكن حملته ستُضيع فرصة جيدة إذا لم تعرف كيف يمكنها الاستفادة من مزايا التواصل الاجتماعي وجمع الأموال التي يوفِّرها عالم الإنترنت.

وكان من حسن حظ أوباما أيضًا أن رسالته لاقت قَبولًا لدى مؤيديه من الشباب ومن البارعين في استخدام الإنترنت. كان من هؤلاء كريس هيوز، وهو واحد من الأربعة الذي أسَّسوا موقع «فيسبوك»، وبلغ تأييده لأوباما درجةً جعلَته يترك وظيفته في الشركة حتى يساعد حملة أوباما فيما تقوم به من حملاتٍ إعلامية جديدة.3
وبحلول منتصف الصيف، كان هيوز وفريقه قد ساعدا حملة أوباما على جمع تبرعاتٍ بلغَت نحو مليوني دولار أمريكي، كان متوسط ما أسهم به الفرد من تبرع يقل عن ٢٠٠ دولار أمريكي. أيضًا ساعد الفريق على تنظيم المؤيدين بحيث يتمكنون من التواصل، ومن حضور المؤتمرات الانتخابية (هل تتذكرون الرسالة الإلكترونية التي أرسلَتها الحملة بشأن المؤتمر الانتخابي الذي عُقد في هارتفورد؟)، ومن الاطلاع على المعلومات وإطلاع الآخرين عليها (هل تتذكَّرون الرسالة الإلكترونية التي أرسلتها ميشيل بشأن مقطع الفيديو الذي أعده will.i.am؟)، ومن أجل تجنيد الآخرين ليدعموا القضية. وبحلول منتصف يوليو، كان نحو مليون شخصٍ قد انضموا لموقع My.BarackObama.com وصاروا أعضاءً فيه.4
وربما يكون الأكثر إثارةً من هذا، أن كريس هيوز أعلن على مدوَّنته الموجودة على موقع أوباما أن أكثر من مليون مؤيد انضموا لصفحة باراك أوباما على «فيسبوك». حسبما يقول هيوز في مدوَّنته: «عدد المؤيدين المنضمين لصفحة أوباما يتجاوز كثيرًا عدد مؤيدي أصحاب الصفحات الأخرى — سواء أكانوا سياسيين أم مشاهير أم فِرقًا موسيقية — على «فيسبوك» كافة.5 ونتساءل: لِمَ استقطب أوباما كل هذه الأصوات الشابة؟
تُعَد الأدوات التي وضعها السيد هيوز وغيره بين يدَي أوباما «عاملًا مهمًّا» من العوامل التي مكَّنَت أوباما من أن يكسِب تأييد عددٍ من الأصوات مكَّنه من الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، هذا ما قاله المرشَّح أوباما بنفسه.6
من المبادئ التي جلبها هيوز معه والتي استمدها من «فيسبوك» مبدأ «الحفاظ على الواقعية والبساطة»، هذا المبدأ يتماشى مع أفكار أوباما إذ قال لصحيفة «نيويورك تايمز»: «من المبادئ الأساسية التي أُومنُ بها منذ أن كنتُ منظِّمًا للمجتمع الأهلي هو أن التغيير الحقيقي يبدأ من القاعدة الشعبية، وأنه لا أداة أكثر فاعلية من الإنترنت في تنظيم تلك القاعدة.»7 (هنا ترد في خاطري صورة رودي جولياني وهو يستهزئ بالأيام التي قضاها أوباما في العمل منظمًا للمجتمع الأهلي، وبسخرية سارا بالين من هذا أيضًا.)
أحدث الإنترنت أيضًا تغييرًا جذريًّا في طريقة انتشار ونقل المعلومات الخاصة بالحملات الانتخابية. أندرو راسيج، الذي أسهم في تأسيس موقع TechPresident.com ويتولى إدارته، قال لصحيفة «سان فرانسيسكو كرونيكل» إنه يعتقد أن انتخابات عام ٢٠٠٨م ستمثل «نقطة تحول في ثورة الإنترنت»، وأرجع أحد العوامل المؤدية لهذا إلى قدرة الأشخاص العاديين على الوصول إلى كَمياتٍ هائلة من المعلومات السياسية عبْر الإنترنت. وأحد العوامل الأخرى هو أن العاملين بالإعلام يستطيعون استخدام الإنترنت في تغطية الحملات الانتخابية.8
فعلى حد قول راسيج فإن «عددًا كبيرًا جدًّا من الموضوعات الواردة حول الحملات الانتخابية في وسائل الإعلام المطبوعة، وفي التلفاز والمذياع، مصدرها الإنترنت. إضافة إلى هذا فإن عام ٢٠٠٨م يشهد بالفعل تطورًا، فسيصبح العام الذي تقوم فيه المواد الإعلامية — التي يكون مصدرَها الناخبون والتي تُبث بصفةٍ أساسية عبر مقاطع الفيديو — بالدور الأكبر في عملية إحداث التغيير في الحملات الانتخابية، وفي إضعاف محاولات المرشَّحين السيطرة على الرسائل التي يبعثون بها.»9

وأثناء الحملة رأينا المخاطر الكامنة في عالم الإنترنت الجديد هذا، فقد حاربَت حملة أوباما من أجل التعامل مع أمور مثل الإعلانات التي بثَّها الحزب الجمهوري عبْر «يوتيوب» والتي شكَّكَت في وطنية ميشيل، وكذلك الشائعات التي انتشرَت عبْر الإنترنت وكانت تدور حول ادعاء أن ميشيل انتقدَت بشدة «الحثالة البيض» و/أو أن باراك مسلم.

أيضًا رأينا كيف استطاعت الحملة أن تستخدم الإنترنت في شن هجومها المضاد ضدَّ بعض الشائعات الفتَّاكة التي هدَّدَت بأن تهُدَّ قوى الحملة تمامًا، كما فعلَت جماعة «سويف بوت فيتيرانز فور تروث» بجون كيري في الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٤م. على الرغم من صعوبة مراقبة نجاح شيء مثل موقع FightTheSmears.com مقارنةً بموقع يهدف إلى تحقيق أهدافٍ قابلة للقياس مثل جمع التبرعات أو أعداد العضوية، إلا أن الحملة تمكَّنَت على الأقل من مكافحة حرب الشائعات عبْر الإنترنت ببعض الأسلحة الإلكترونية الخاصة بها.
كان هناك شيءٌ واحد واضح: حملة أوباما قدَّرَت الفارق الذي يمكن أن يُحدثه العالم عبْر الإنترنت. لدرجة أنه، في حال انتخابه، قال باراك أوباما إنه سيوظف رئيسًا للموظفين التقنيين.10

من التغيرات الأساسية الأخرى التي حدثَت؛ النقاشات التي دارت حول الأعراق، بل إن مجرد طرح هذه المسألة للنقاش، وأحيانًا كان هذا الطرح جريئًا جدًّا بعد أن كانت هذه المسألة تواجه تعتيمًا عليها، تغيرٌ كبير. هل تتذكَّرون ما قالته هيلاري كلينتون في خطاب الاعتراف بهزيمتها أمام أوباما الذي ألقته حول أن المرأة تستحق أن تحظى باحترام كالذي يحظى به الرجل، وتستحق الحصول على راتبٍ مساوٍ لذلك الذي يحصل عليه، وأن كافة صور التحيز غير مقبولة في القرن الحادي والعشرين؟ وهل تتذكَّرون أن «نيويورك تايمز» فهمَت من هذا أن هيلاري تريد أن تقول إن بعض الناس لا يزالون يؤمنون بأنه لا عيب في أن يكون المرء متحيزًا ضد المرأة، لكن العيب كل العيب أن يكون عنصريًّا؟

مثلما سلطت هيلاري الضوء على قضية التحيز ضد المرأة، بدا أن حملة أوباما أثارت نقاشًا جديدًا حول العنصرية والتعصب، سواء عن قصد أم عن غير قصد. أحد أمثلة هذا هو الرسم النقدي الساخر الذي نُشر في مَجلة «نيويوركر» عن باراك أوباما وزوجته ميشيل. ففي يوم الأحد الذي تلا نشر هذا الغِلاف الساخر نُشر في أولى صفحات القسم الخاص بمقالات الرأي بصحيفة «هارتفورد كورانت» مقالان يتبنيان وجهتَي نظر مختلفتَين عن المقال. أولهما كتبته جينا باريكا، أستاذة اللغة الإنجليزية ونظرية النسوية بجامعة كونيتيكت، تحت عنوان «عمل طفولي لا يأتي سوى بالصدمة والإهانة»، والثاني كتبَتْه إيريني بابوليس، أستاذة المقال بترينيتي كوليدج، تحت عنوان «غِلاف يجعلنا نتلوى ألمًا، لكنه يُجبرنا على الحوار.»

معظم الذين تحدثتُ معهم نظروا للموضوع نظرة السيدة جينا نفسها، مع أنني لم أقابل أحدًا وظف التشبيه نفسه الذي وظفته في مقالها. فعلى حد قولها: «غِلاف مَجلة «نيويوركر» الذي يظهر فيه أوباما في هيئة مسلم وتظهر زوجته في هيئة أحد الانفصاليين السود المسلحين ليس فيه من الإبداع إلا بقَدْر ما في الرسوم البذيئة من إبداع … فهو بكل المقاييس سطحيٌّ جدًّا.»11

غير أن السيدة إيريني وصلَت إلى فهمٍ عميق لهذا الرسم. قالت إيريني إنها عندما رأت الغِلاف للمرة الأولى انتابها الغضب على الفور. ثم تحدثَت عن تجرِبة مشاهدة ضيوف البرامج التلفزيونية وهم يتحدثون عن الجوانب الإيجابية في هذا العمل الفني، أو عن افتقاره للَّمسات الفنية، وكان أغلب الناس يتبنَّون الرأي الثاني. وقالت إنها صُعقَت عندما وصف أحدُ ضيوف الحلقات التلفزيونية — وهو شخصٌ لم تتذكر اسمه — هذا الرسم بأنه «رسمٌ ساخر رائع جدًّا». فقد صرخَت «ماذااااااااا؟» على حد قولها.

قالت: «وانتقده المذيع وباقي الضيوف. كيف يمكنه أن يقع في هذا الخطأ؟!» وحكت أنها مضت بعد هذا تمارس أنشطتها اليومية لكن رأي الضيف لم يفارق ذاكرتها. وبعد أن فكَّرت في الموضوع مرارًا وتكرارًا، توصلت للرأي التالي: «لكن ماذا لو أن الغِلاف يحقق الهدف الذي رُسم من أجله؛ إذ إنه يثير هذا النوع من النقاش؟ ماذا لو أنه يجبر الناس، أغبياءً كانوا أم أذكياء، على مواجهة مواقفهم — ومواقفنا — غير المعلنة تجاه أوباما وزوجته؟ هل ينظر إليهما بعضُنا على أنهم «آخرون مختلفون عنا»؟ إن كان هذا صحيحًا، فما هي نظرتنا لهما على وجهٍ التحديد؟»

وتواصل حديثها قائلة إن الغِلاف «يكاد يُجبرك على أن تتحدث عنه مع الآخرين، وما يُثار بين الناس من حوار قد يجعلهم يغيِّرون نظراتهم. فالنقد الذي يمثله الغِلاف يدعونا نحن أهل هذه البلاد إلى مواجهة عنصريتنا الخفية وإلى طرحها للنقاش». وتضيف أن الفن يمكن أن «يؤدي أفضل مهامه عندما يستفز مشاعرنا على نحوٍ يحفِّز على التفكير ويُجبرنا على بدء النقاشات».12 ولا شك في أن غِلاف مَجلة «نيويوركر» يؤدي إلى هذه النتيجة. وأستطيع أن أقول إن وجود أوباما وزوجته في هذه الانتخابات يؤدي إلى هذه النتيجة نفسها أيضًا.
لكن هذا لا يعني أن مشكلة العنصرية قد انتهت. ففي استطلاع للرأي قامت به «سي بي إس» و«نيويورك تايمز» ونُشر في ١٦ يوليو عام ٢٠٠٨م اتضح أن الأمريكيين لا يزالون «منقسمين انقسامًا كبيرًا بسبب الأعراق» في الوقت الذي تسير فيه البلاد نحو الانتخابات. (بعد عشر سنوات، تزداد الحاجة إلى إنجاز هذا العمل إلحاحًا.) فوَفقًا لهذا الاستطلاع فإن ٦٠٪ من السود الذين أُجريَ عليهم الاستطلاع قالوا إن العلاقات بين ذوي الأعراق المختلفة سيئة بصفةٍ عامة، في مقابل ٣٤٪ من البيض قالوا بهذا الرأي. إضافة إلى هذا فإن كل أربعة من بين عشَرة سود قالوا: «لم تشهد السنوات الأخيرة تقدمًا على صعيد القضاء على التمييز العِرقي»، في حين أيد هذا الرأي عددٌ «أقل من اثنين من بين كل عشَرة بيض.»13

ومع هذا، ففي الوقت نفسه، كانت قناة «سي إن إن» تبث برنامجًا بعنوان «السود في أمريكا» في الذكرى الأربعين لاغتيال القَس الدكتور مارتن لوثر كينج التي جاءت في نفس العام الذي شهد صعود نجم رجلٍ أمريكي من أصلٍ أفريقي ليكون مرشحًا للرئاسة.

سوليداد أوبرين مذيعة «سي إن إن» التي تقدم حلقات البرنامج والتي تنتمي لكلا العِرقَين (إذ إن والدها أبيض ووالدتها سوداء) قالت: «أظن أن الناس مهتمون جدًّا بالحوارات التي تدور حول الأعراق، وأحد أسباب هذا يعود إلى باراك أوباما والسبب الآخر يعود إلى [إعصار] كاترينا. وهذا الاهتمام موجود بالأخص بين الشباب السود الذين أجرينا لقاءاتٍ معهم والذين يعتبرون أنفسهم قادة، إذ قالوا إن الوقت قد حان لأن يمسكوا بزمام الأمور، ويختاروا طريقهم.»14
كانت حلقات البرامج هذه وليدةَ رغبة في عرض رؤية أكثر شمولًا عن موضوع الأعراق في أمريكا. مارك نلسون، نائب رئيس وحدة إنتاج البرامج الوثائقية في قناة «سي إن إن»، ورئيس المنتجين المنفذين بها قال لجريدة «نيويورك تايمز»: «هل تُوجد في أمريكا قضية أكثر تعقيدًا من قضية الأعراق؟»15
وبالفعل كُشفَت واحدة من أكثر النقاط تعقيدًا في قضية العِرق عن غير قصد في لحظة سهوٍ أُذيعَت مصادفة على التلفاز. ففي استراحة أثناء لقاء مع قناة «فوكس نيوز»، أدلى المرشح السابق للرئاسة القَس جيسي جاكسون بتعليقه، الذي صار الآن شهيرًا، والذي أعرب فيه عن رغبته في أن يسلخ جلد [أوباما]. هذا التعليق نبه أمريكا إلى ما رأى البعض أنه انقسامٌ بين الحرس الجديد والحرس القديم من القيادات الأفروأمريكية. القَس جاكسون، الذي أدلى بهذا التصريح حين كان يظن أن مكبر الصوت قد أُغلق، كان يعبِّر عن قلقه من أن باراك أوباما صار يتحدث إلى السود «بتعالٍ». كان جاكسون، الذي ترشح للرئاسة عامَي ١٩٨٤م و١٩٨٨م، يعترض أساسًا على تصريحاتٍ قالها السيناتور أوباما في خطبة ألقاها يوم عيد الأب قال فيها إن الرجال السود في حاجة إلى أن يتحمَّلوا مسئولية أبنائهم، وقال إن مبادرات المؤسسات الدينية قادرة على مواجهة انهيار المدارس وارتفاع مستوى البطالة.16 افترض البعض أن جاكسون يريد بانتقاده أن يسأل: أين هي مسئولية الحكومة في المساعدة على مواجهة مختلِف أشكال عدم المساواة؟

من المهم أن نتذكر أن باراك أوباما وجيسي جاكسون كليهما من أبناء البيئة السياسية نفسها التي سادت شيكاغو، وأن ابن هذا القَس، جيسي جاكسون الابن، من المسئولين عن حملة أوباما على مستوى الولايات المتحدة بأَسْرها. وميشيل أوباما وسانتيتا جاكسون — ابنة القَس جاكسون — صديقتان منذ الطفولة. ومرة أخرى نقول إن سانتيتا هي أم ماليا أوباما بالعماد.

عندما أدرك القَس أن كلماته سُجلَت اعتذر سرًّا وجهرًا لأوباما وقال إنه ملتزم بأن يقدم كافة أشكال الدعم لحملة أوباما. وفي غضون هذا أدلى جاكسون الابن بتصريح قال فيه إنه يشعر «بعظيم الغضب والإحباط بسبب التصريحات الطائشة التي أدلى بها القَس جاكسون»، وقال: «القَس جاكسون والدي وسأظل أحبه أبدًا، وهو يجب أن يعرف كم تعبتُ في السنة والنصف الأخيرة [من أجل أوباما] … لذا فإنني أرفض تمامًا حديثه القبيح وأتبرأ منه.» أرجع الكثيرون تعليقات جاكسون الابن وكلَّ ما يلاحَظ من انقسام بين الحرس الجديد والقديم إلى الفجوة بين الأجيال، لكنَّ جاكسون نفسَه قال إن هذا الادعاء لا أساس له من الصحة. إذ قال لواشنطن بوست: «هذه ليست مواجهة بين الكبار والصغار، هذا تعليلٌ سخيف.»17 شيريل كاشين، أستاذة القانون بجامعة جورج تاون والكاتبة في مجال الأعراق، قالت لكيفين ميريدا الذي يعمل في صحيفة «واشنطن بوست» إن تصريحات جاكسون جعلَتها تتساءل: هل جاكسون يشعر بالغَيرة من أوباما؟ وأضافت: «من الصعب على جيل الرجال السود، الذي نشأ في عصر لم يكن فيه أي شيء سهلًا، أن يرى نجم هذا الشاب يصعد دون عناء تقريبًا.»18
لكنَّ هناك آخرين أشاروا إلى أن أوباما لم يكن ليحقق ما وصل إليه دون نفوذ جاكسون وكثيرٍ غيره من القادة الأفروأمريكيين الذين تبعوه في مسيرة الكفاح من أجل الحقوق المدنية. فحسبما قال جاكسون نفسُه — بعد أن ذكر الإنجازات الرائعة من أمثال الحصول على الحكم بإلغاء الفصل العنصري في المدارس، واستصدار القانون الخاص بحقوق التصويت، وبعد أن أعرب مجددًا عن فخره وسعادته — فإن السيناتور أوباما «يتسابق في الجولة الأخيرة من سباق ظل الأمريكيون من أصولٍ أفريقية يسلِّمون رايته فيه بعضهم لبعض طَوال أربعة وخمسين عامًا.»19
وقال أيضًا: «وإنه لمن دواعي سروري يا إخواني أن أرى هذا يحدث بأم عيني وأنا حي … فالمرء عندما يكون عضوًا في فريق ويحقق عضوٌ من أعضاء هذا الفريق إنجازًا، فإن النجاح يكلِّل الفريق كله، أيًّا كان الشخص الذي حقق الإنجاز.»20
دونا برازيل التي كانت عام ١٩٨٤م مسئولة عن الأبحاث الميدانية التي تُجريها حملة جاكسون، ثم أصبحَت مديرة حملة آل جور الانتخابية بعد هذا، أشارت هي أيضًا إلى أن القَس جاكسون هو عضو لا ينفصل عن جسم هذا الفريق سواء أدلى بتعليقات طائشة أم لا. قالت: «فهو لم يمكِّن السود من أن يتمتعوا بما أتيح لهم من مكانة وحسب، بل أن ينتزعوا أية مكانة يريدون، إنه لي في مجال السياسة بمنزلة الأب الرُّوحي.»21

وإضافة إلى النقاش الذي دار أثناء الانتخابات حول الأعراق و«الزعماء السياسيين» فإن الناس كانوا يتحدثون أيضًا عن ميشيل أوباما وموقعها في تاريخ النساء الأمريكيات من أصلٍ أفريقي.

ففي مقال بعنوان «الهجوم على إنجازات النساء السوداوات» نُشر في جريدة «واشنطن بوست» كتبَت صوفيا نيلسون: لا شيء جديد في الكاريكاتير الذي نشرته مَجلة «نيويوركر» والذي يُظهر ميشيل أوباما في صورة متطرفة تحمل السلاح. إن تشويه صورة ميشيل أوباما «أسخطَنا جميعًا»، لكنَّها لم تكن مفاجأة «فهذا هو عالمنا»، هذا ما كتبَتْه صوفيا عن الغِلاف الذي نُشر عندما كانت هي وصديقاتها مجتمعات في واشنطن للاحتفال بمئوية النادي النسائي «ألفا كابا ألفا»، وهو أول نادٍ نسائي يتخذ من اليونانية اسمًا له تؤسسه نساءٌ أمريكيات من أصلٍ أفريقي، وصوفيا تعمل محاميَةً في إحدى المؤسَّسات وترأس منظمة IASK, Inc، وهي منظمة للنساء العاملات من الأمريكيات ذوات الأصول الأفريقية.22
«تابعنا بمزيج من الفخر والقلق كيف تحملَت زوجة أول مرشحٍ رئاسي أمريكي ذي أصولٍ أفريقية جادَّ الصعاب التي واجهَتْها أثناء الحملة الانتخابية. فقد اتهمها البعضُ بأنها تفتقد الولاء للوطن بسبب مقولةٍ عفْوية نطقَت بها، ووُصفَت بأنها متطرفة بسبب بحث كتبَتْه منذ ما يربو على ٢٠ عامًا، ورُسمَت لها في الأذهان صورةٌ مشوَّهة ألا وهي أنها «امرأة سوداء ساخطة». ثم اضطُرت بحكم الضرورة السياسية إلى أن تخضع ﻟ «عملية تجميل» بهدف تلميع صورتها وجعلها على هيئة يقبلها معظم الأمريكيين.»23
لكن ما مرَّت به ميشيل أوباما ليس جديدًا على «النساء العاملات من الأمريكيات ذوات الأصول الأفريقية؛ فنحن نتعرض لهذا النوع من التشويه طَوال الوقت.» وتحكي عن بعض الصورة المشوَّهة التي تُرسم في أذهان الناس عن النساء الأمريكيات ذوات الأصول الأفريقية؛ فهن يُقَدَّمْن للناس على أنهن «خادماتٌ حمقاواتٌ مغرورات مثل شخصية بريسي في رواية «ذهب مع الريح»، أو على أنهن «مديراتُ منزل لا تخبو الابتسامة من على وجوههن ويتمتعن بالقدرة على الاجتهاد في العمل دون كلَل أو تعَب، مثل شخصية العمة جيميما الشهيرة.» إضافةً إلى هذا فإنهن يُقدَّمن للناس في صورة نساء «شرساتٍ عنيفاتٍ غالبًا ما يكنَّ بديناتٍ جدًّا» كما هو الحال في بعض الأفلام من أمثال فيلم «نوربيت» وفيلم «منزل بيج ماما.»24

وتتحدث الكاتبة عن الإنجازات التي حققَتها النساء السوداوات العاملات، وعن أن الأنظار لا توجَّه إليهن رغم هذا. وتُورِد إحصاءاتٍ تكشف عن أن ٧٠٪ من النساء العاملات السوداوات غير متزوجات، وأن النساء السوداوات أكثر عُرضة من النساء البيض لأن يبلغوا الأربعين دون زواج بخمس مرات.

وجُل أمل الكاتبة أن تنجح ميشيل أوباما في «مواجهة الصور المشوَّهة الشائعة» عن النساء السوداوات، وأن تثبت للعالم أن وجود نساءٍ سوداواتٍ عاملات قويات ليس مستحيلًا. وتختم صوفيا مقالها باقتباس مقولة لصديقة تقول عنها إنها أمٌّ عاملة متزوجة لها ثلاثة أبناء. فقد كتبَت لها صديقتُها حديثًا تقول: «أظن أن أحد أكثر الأمور إثارة بشأن ميشيل أوباما هو أن ما تفعله هي وزوجها هذه الأيام ثوريٌّ جدًّا، وأنا لا أعني بهذا الترشُّح للرئاسة. فأنْ يتمتع رجلٌ أسود وامرأةٌ سوداء بزواجٍ سعيد في الولايات المتحدة ويكون لهما أبناء ويعملان معًا كالشركاء لبناء حياة — فضلًا عن أن هذه الحياة التي يبنيانها تصُب في نفع الآخرين — وفي الوقت نفسه يشتركان معًا في تربية ابنتَيهما؛ فإن هذا ثوريٌّ تمامًا.»25
فحسبما تقول السيدة صوفيا: «إننا نأمل أن تهُبَّ علينا رياح التغيير بعد طول انتظارٍ إن أصبحَت ميشيل أوباما السيدة الأولى.»26

ما رأيناه من حديث عن وجود شقاق، حقيقي أو مزعوم، في صفوف القادة السياسيين الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية، وحديث عن واقع أن تكون المرأة امرأةً عاملةً أمريكية ذات أصولٍ أفريقية، وعن الحاجة إلى التغيير، وما رأيناه من برنامج يُذاع على قناة «سي إن إن» ويصُب اهتمامه على مغبة أن يكون المرء «أسود في أمريكا»؛ كل هذه النقاشات العلنية الصريحة هي واقعٌ جديد. وحسبما تقول شيريل كاشين، أستاذة القانون بجامعة جورج تاون، ما على المجتمع الأفروأمريكي إلا أن يحافظ على استمرار هذه النقاشات.

إذ قالت: «إن مجتمع السود هو أحوج الآن من أي وقتٍ مضى إلى تأمُّل الذات، إلى منابر نتحدث عليها بجديةٍ عن مسئولياتنا وأبنائنا، والقيم التي نريد أن ينشأ أبناؤنا عليها. ليس لدينا منابرُ كافية نتحدَّث عليها بصراحةٍ تامة عن أسلوب تربيتنا للأبناء وعن انخفاض نسبة الزواج بيننا.»27

هل هذه التغيُّرات الظاهرة في مجتمع السود تعني أن هناك تغيراتٍ ستطرأ على المجتمع الأمريكي بأَسْره؟

ورد بخاطري الآن الحوار الهاتفي الذي أجريتُه مع زوجة شقيق جارتي لويز أمبلر أوسبورن التي كانت في دفعة ميشيل نفسها في جامعة برينستون، والتي لم تكن تعرفُها رغم هذا، وحالها في هذا هو حال جميع الزملاء البيض الذين تحدثتُ معهم.

قالت لويز: «أرى أن أبنائي في حالٍ أفضل بكل تأكيد؛ فهم بلا شك أكثر تفتحًا ومروا بتجارِب أثناء نشأتهم تفوق كثيرًا التجارِب التي مررتُ بها طَوال حياتي. وأكثر ما نطمح إليه أن يكون الجيل الصاعد أفضل حالًا وأكثر وعيًا.»28

تجُول في خاطري الآن صورة تلك الفتاة الصغيرة التي تحدثَتْ عنها ميشيل أوباما أثناء الخطابات التي ألقَتْها في الانتخابات التمهيدية، تلك الفتاة الصغيرة التي كانت في مركز تجميل بولاية ساوث كارولاينا والتي قالت لميشيل إنه إن انتُخب زوجها رئيسًا فإنها ستستطيع أن تُطلِق العِنان لأحلامها.

فأنا لديَّ قصةٌ شبيهة بهذه.

بينما كنتُ في خِضَم كتابة هذا الكتاب كان عليَّ أن أُعِدَّ حقائبي، وأضع فيها المسَوَّدة المبدئية التي كتبتُها، في إحدى عطلات نهاية الأسبوع وأستقل السيارة مع ابنتي ذات الخمسة عشر عامًا إلى دوريِّ كرة قدم يستمر ليومَين في ولايةٍ أخرى. كان هذا الدوريُّ في الأساس حدثًا تنظمه الجامعات حتى تعطيَ لمدربيها فرصة التعرف على المواهب الواعدة.

ومثلما نفعل حينما نكون مقبلين على هذه المباريات التي تُقام بعيدًا جدًّا عن بيتنا فقد اتفقتُ مع والدة لاعبةٍ أخرى أن أُوصل البنتَين ذَهابًا وتُوصلَهما هي إيابًا. وكما هو حال باراك أوباما، كان والد هذه الفتاة أسود ووالدتها بيضاء. وكانت أسرتها هي الأخرى تتابع الانتخابات عن كَثَب، واكتشفنا أنها كانت قد حضرَت مثلنا المؤتمر الانتخابي الذي عقده أوباما في هارتفورد في شهر يناير.

بسبب اقتراب الموعد النهائي بسرعة، كان آل أوباما يشغلون بالي كثيرًا خلال البطولة. وقبل إحدى المباريات الأولى للفتاتَين مباشرة، قالت ابنتي وصديقتُها إنهما بحاجة إلى الاستماع إلى بعض «الموسيقا الحماسية»، وعندما فشلَت إذاعة شمال ولاية نيويورك في توفير أي أغانٍ مناسبة، اقترحتُ أن أقرأ فقرة من المخطوطة التي كانت أمامي بانتظار التحرير. كان هناك اقتباسٌ لميشيل أوباما اعتقدتُ أنه قد يكون له تأثير الموسيقا الصاخبة ذات الإيقاع القوي نفسه.

فتحتُ المخطوطة قرب نهاية الفصل الأول؛ حيث تتحدث ميشيل عما أصبحنا نسمِّيه في منزلنا «اقتباس الطاولة». تعلمون، ذلك الاقتباس حول تجاهل المتشائمين والمُضي قُدمًا ببساطة.

سأقرأ هنا كلامها، محاولًا محاكاة أسلوبها البلاغي القوي: «نواجه في كل مكان أناسًا يتشككون في إمكانية تحقيق النجاح. هم أناس يقولون لنا إننا لن نستطيع تحقيق أي شيء. يقولون إننا لسنا مؤهَّلين. ويقولون إننا لسنا أكْفَاء بما يكفي. ويقولون إننا لا نتمتع بالذكاء الكافي. ويقولون إننا أطول قامةً مما يجب.

كل واحدٍ منكم هنا سمع وشعر بتلك الحواجز، شخص يدفعك إلى الأسفل، يحدِّد حدودك، من أنت؟ أنت تعلم جيدًا ما أنت قادر على فعله …» سأتابع القراءة محاولًا زيادة الصوت والإيقاع للوصول إلى ذروة معينة نحو النهاية.

«هذه الانتخابات تتعلق بذلك بقَدْر ما تتعلق بالتغيير؛ لأن الحقيقة هي أن هناك ملايينَ من الأضواء الساطعة مثلي تمامًا في جميع أنحاء البلاد. أطفال يعيشون في الظل، تُخبرهم مجتمعاتهم بما يمكنهم وما لا يمكنهم فعله. هذه فرصة لنا جميعًا لإرسال رسالةٍ مختلفة لتلك الأضواء الساطعة.

كما تعلمون، في كل مرة أخبرَني فيها أحدهم: «لا، لا يمكنكِ فعل ذلك»، تجاوزتُ تشكيكهم واتخذتُ مكاني على الطاولة!»

زفَرْت، ووضعْت المخطوطة، ونظرتُ إلى الفتاتَين، متلهفةً لرؤية وجهَيهما الملهِمَين، متأكدةً من أن الاقتباس سيعمل تمامًا مثل أي أغنيةٍ حماسية قديمة. ابنتي، التي كطفلةٍ ثانية خرجَت من الرحم مستعدةً لمواجهة أخيها الأكبر، إن لم يكن العالم بأَسْره، فهِمَت الأمر تمامًا. خرجَت طفلتي، المليئة بالرُّوح القتالية بطبيعتها إن لم يكن بترتيب الميلاد، من السيارة مستعدةً لإسقاط المُدافع التالي الذي يعترض طريقها. (لقبها والد إحدى اللاعبات في الفريق ﺑ «المدمِّرة» خلال البطولة.)

صديقة ابنتي، وهي طفلةٌ وحيدة ولاعبةُ كرة قدم رائعة الجمال (فضلًا عن كونها فتاةً جميلة)، بدت منزعجة تمامًا. قالت وصوتها يرتجف: «هذا جعلَني متوترة. إنه لأمرٌ يبعث على القلق الشديد.» قبل المباراة التالية، طلبَتْ مني ألا أقرأه مرةً أخرى.

في ذلك الوقت، كنتُ محتارة لماذا وجدَتْ كلمات ميشيل شديدةً للغاية. بالنسبة لي، كان أفضل حديثٍ تحفيزي على الإطلاق. ولكن بعد ذلك فكرتُ فيما يمكن أن تعنيَه تلك الكلمات لفتاةٍ صغيرة من أصولٍ أفريقية أمريكية، الفتاة الوحيدة من أصولٍ أفريقية أمريكية في فريق كرة القدم، واحدة من القلائل في البطولة، أقليَّة في بلدتها في ولاية كونيتيكت. «نواجه في كل مكان أناسًا يتشككون في إمكانية تحقيق النجاح. هم أناس يقولون لنا إننا لن نستطيع تحقيق أي شيء. يقولون إننا لسنا مؤهَّلين. ويقولون إننا لسنا أكْفَاء بما يكفي. ويقولون إننا لا نتمتع بالذكاء الكافي. ويقولون إننا أطول قامةً مما يجب. كل واحد منكم هنا سمع وشعر بتلك الحواجز، شخص يدفعك إلى الأسفل، يحدِّد حدودك، من أنت؟»

بدأتُ أفهم الأمر. ماذا لو كنتَ قد سمعتَ تلك الأشياء حقًّا — أو ربما ظننتَ أنك تسمع تلك الأشياء — طَوال حياتك؟ ماذا لو لم يكن الأمر مجرد سياق كونك الأخت الصغرى لأخيك؟ ماذا لو كنتَ تعلم أنه حتى لو لم تكن متلقيًا لتلك الرسائل بالذات بانتظام، فإن أشخاصًا مثلك تمامًا، على مَرِّ التاريخ، كانوا كذلك؟ أي نوع من العبء سيكون هذا لِتحمُّله؟

ذهبَت الفتاتان إلى المباراة. انطلقَت الصافرة وبدأ اللعب. كانت ابنتي وصديقتُها تلعبان معًا في المقدمة. مرَّرتا الكرة، ركضتا بها، مرَّرتا مرةً أخرى، وسدَّدتا بضع تسديدات على المرمى. احتُسب خطأ على صديقة ابنتي بعدما بدا لأولياء الأمور على خط التماس كتدخلٍ انزلاقي عادي، وتلقَّت تحذيرًا شفهيًّا من الحكم. (عادة ما تكون ابنتي هي التي تتلقى التحذيرات.)

في بعض الأحيان، يحافظ التحذير على اللاعب، خاصة إذا كان أقل حزمًا من ابنتي، من محاولة الحركة مرةً أخرى. لم يحدث هذا مع صديقة ابنتي، ليس هذه المرة. لقد وجدَتْ فرصةً أخرى لتدخل انزلاقي لا خطأ فيه، وركلَت الكرة بعيدًا عن الخَصم. لم يعتبر الحَكم ذلك مخالفةً للعبة. سجلَت فتياتنا هدفًا.

بدأ المدربون الحاملو لوحات الملاحظات بالظهور في الملعب. في هذه المباراة، ثم التالية، ثم التي تليها. سجلَت صديقة ابنتي هدفًا وقدمَت عدة تمريراتٍ حاسمة. لقد لعبَت ببراعةٍ مطلقة، كانت ضوءًا ساطعًا متألقًا بكل معنى الكلمة.

عندما وصلنا إلى المنزل، علمنا أنها تلقَّت مكالماتٍ هاتفيةً أو رسائلَ بريدٍ إلكتروني من خمسة مدربين جامعيين على الأقل.

أتمنى لو أنني أستطيع أن أخبرها — وأن تصدِّقني عندما أفعل ذلك — أنها تستطيع حقًّا أن تفعل أي شيء تختاره.

بدلًا من ذلك، وبرغم احتمالية أن أكون مبالِغة في الانفعال والتَّكرار، أقدم لها كلمات ميشيل أوباما:

«اتخذي مكانك على الطاولة!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦