مدخل عام

يُعدُّ جون ستيوارت مل (١٨٠٦–١٨٧٣م) أعظم فلاسفة الليبرالية في القرن التاسع عشر؛ فهو من أكثر المتحمسين للحرية والمدافعين عنها، وإن كان هذا الحماس لم يقتصر على الجانب النظري وحده، الذي تمثَّل في كتابَيه «الحرية» و«استعباد النساء»، وغيرهما، بل تعدَّاه إلى الجانب العملي، عندما حاول أن يدخل معترك السياسة، وانتُخب عضوًا في البرلمان عن دائرة وستمنستر في لندن.١
وفضلًا عن ذلك، فقد نشر العديدَ من المقالات في الصحف يدعم بها وجهة نظره التحررية، بل إنه عمل بالصحافة بضع سنين، وكتب سلسلة مقالاتٍ نشرها في مجلة The Examiner تحت عنوان «روح العصر»، أثارت إعجاب الشاعر الإنجليزي «توماس كارليل»؛ فسعى إلى التعرف بالكاتب الألمعي صاحب هذه المقالات، وانعقدت أواصر الصداقة بينهما زمنًا.٢
ولمَّا كان «مل» فيلسوفًا ليبراليًّا على الأصالة؛ فقد ارتبط كتابه «عن الحرية» بكتابنا الحالي «استعباد النساء» ارتباطًا وثيقًا، رغم اختلاف المضمون في كلٍّ منهما؛ فقد خصَّص الكتاب الأول للدفاع عن الحرية بصفة عامة: الحرية الاجتماعية، والفكرية واستقلال الفرد، وتطور الذات البشرية … إلخ،٣ في حين انصبَّ كتابه الحالي كله — تقريبًا — على موضوع واحد هو الحقوق المشروعة التي حُرمَت منها المرأة في عصره: عصر الملكة فيكتوريا، محاولًا تفسير الأصل الذي صدرت عنه الأوضاع الاجتماعية السيئة الحالية للنساء، أو هذا هو ما يبدو، على الأقل للوهلة الأولى، بسبب تركيز «مل» المتعمَّد على مشكلة واحدة، هي «استعباد النساء»، وخضوعهن المُذل للرجل؛ فهو لم يرِد تشتيت انتباه القارئ في موضوعاتٍ فرعية أخرى.
وإذا كان كتاب «الحرية» قد ظهر بعد وفاة زوجته — هاريت، مباشرة (عام ١٨٥٨م) — فقد ظهر كتاب «استعباد النساء» بعد ذلك بإحدى عشرة سنة (أي عام ١٨٦٩م) — وإن كان بعض الشُّراح يذهب إلى أنه كتبه عام ١٨٦١م كملحقٍ لكتابه الأول — وكانت الزوجة تمثِّل همزة الوصل بين الكتابَين. وإذا كان كثير من الشُّراح يركزون أثر «هاريت» في كتابه «الاقتصاد السياسي»، الذي ظهر في لندن عام ١٨٤٨م، وأعيد طبعه مراتٍ عديدة في سنوات قليلة — فإن ذكرياتها، بل وتأثيرها الحقيقي، يظهر أكثر في هذَين الكتابَين. وإن كان مؤلفهما رجلًا واحدًا — هو مل — الذي كتبهما باتساقٍ مع بقية أفكاره، ومع كل ما كتب.٤ ويرى البعض أن تأثير «هاريت» ينحصر في مزاجها المتفائل، وما كان لديها من صلابة وجلَد واستعداد للكفاح.
التقى «مل» بهاريت تايلور Harriet Taylor ١٨٣٠م — وكان في الرابعة والعشرين — وكانت امرأة مستنيرة العقل متفتحة المشاعر، متقدة الذكاء، في الثانية والعشرين من عمرها، تقترن برجل أعمال، شغله الاتجار بالأدوية والمواد الكيميائية عن إرضاء ثقافتها وإشباع عواطفها. تلك هي «هاريت» زوجة «المستر تايلور»، التي قرأت فلسفة باركلي وهي في الحادية عشرة من عمرها، ودرست المنطق وهي في سن الرابعة عشرة.٥ وفي أول لقاء جمع بينها وبين فيلسوفنا الشاب، دار الحديث حول وضع المرأة ودورها في المجتمع الإنجليزي، والعلاقات الاجتماعية القائمة بين الجنسَين، وتبادلا وجهات النظر، أو قُل جمعتْ بينهما نظرة واحدة هي الاتفاق على أن الوضع الحالي بالغ السوء، ومن ثَم كان سخطهما عليه، وإن كان سخط «هاريت»، كان قاسيًا وعنيفًا أكثر من مل؛ مما جعل الفيلسوف يميل إلى المطالبة بدورٍ أكثر إيجابية للنساء.٦
وقد راح الاثنان يبشِّران بتحرير المرأة، ويطالبان بحقوقها السياسية؛ فكتبت «هاريت» مقالًا، تحت عنوان «تحرير النساء»، نادت فيه بإتاحة جميع الفرص أمام النساء للعمل على قدم المساواة مع الرجال. وبنت فكرتها على نظرة الأجور التي تقول إن مضاعفة العمال يهبط بالأجور إلى النصف، مع أنه يضاعف كذلك دخل الأسرة (إذا ما عمل الزوجان معًا)، كما أنه ينتشل الزوجة من مستوى الخادمة، ويرفعها إلى مرتبة الشريكة.٧
ورغم ذلك كله، فمن الغلو أن نُرجع إليها الفضل في تفنيد «مل» لاستعباد المرأة، وتنديده بوضعها المتردي في المجتمع، ودعوته إلى تحريرها من الأغلال التي فرضتها عليها العادات والتقاليد، ثم أكدتها القوانين، لأنه توصَّل إلى آرائه في هذا الصدد قبل أن يتصل بهذه الصديقة، كما أن هناك من يحصر دورها في أثرها في كتابنا الحالي «استعباد النساء» في تزويد «مل» ببعض المعلومات عن النساء في المجتمع الإنجليزي، منها أن هناك عددًا كبيرًا منهن لم يتزوجن على الإطلاق، وعددًا كبيرًا آخر أرامل، وكثيرًا منهن أصبحن عاطلات بعد أن شبَّ أطفالهن عن الطوق، ونضجوا، ثم انفصلوا مكونين أسرًا جديدة … إلخ. فمن الحمق استبعاد هؤلاء جميعًا من الحياة العامة النشطة. ولا شك أن عددًا كبيرًا من النساء يصرفن قدرًا كبيرًا من طاقتهن في الزواج، لكن بالنسبة لمن لم يستطعن الزواج، أو لا يحتجن إليه، أو لا يرغبن فيه، فينبغي أن تُتاح لهن نفس فرص العمل المتاحة للرجال.٨

•••

وفي الفصل الأول من كتابه «استعباد النساء»، الذي جعلنا عنوانه «قانون القوة»، أو قانون الغاب.٩ يعترف منذ البداية بصعوبة مناقشة «قضية المرأة»، أو الحديث عنها؛ فهي قضية تتلخص في إدانة المبدأ الذي ينظم العلاقات الاجتماعية القائمة بين الجنسَين، والكشف عن أنه مبدأ فاسد من جذوره، لأنه يقوم على أساس تبعية أحد الجنسَين (النساء) للجنس الآخر (الرجال)، وهو مبدأ ينبغي هدمه ليحل محله مبدأ المساواة الكاملة، التي لا تسمح بوجود ميزة لجانبٍ على جانبٍ آخر. وهو يرى أن مبدأ «التبعية واسترقاق النساء» الذي يعوق تقدُّم المجتمع، ويمنعه من التطور، قد تغلغل في نفوس الرجال على نحوٍ يجعل من الصعب مناقشته مناقشة عقلية، وذلك لأربعة أسباب على النحو التالي:
  • أولًا: يستند هذا المبدأ إلى المشاعر والعواطف والانفعالات أكثر من اعتماده على العقل والمنطق، ومن هنا كانت قضية تحرير المرأة تشبه، من هذه الزاوية، قضية تحرير الزنوج في الولايات المتحدة الأمريكية، التي وجد المدافعون عنها صعوبةً بالغة في إقناع الناس «بالعقل» على تغيير مشاعرهم المتأصلة في أعماق نفوسهم! بل هناك أسباب كثيرة تجعل المشاعر المتصلة بقضية المرأة أشد غورًا، وأعمق جذورًا، من كل المشاعر التي تتجمَّع حول الأنظمة والعادات القديمة وتحميها.
  • ثانيًا: لأن عبء الإثبات، دائمًا يقع على الجانب الإيجابي، «فالبيِّنة على مَن ادَّعى …» فإذا ما اتُّهم شخصٌ بارتكاب جريمة قتل، كان على مَنْ يتهمونه إثبات جريمته، وليس العكس، أعني ليس عليه هو أن يثبت براءته. ومن ثَم فقد كان المفروض في قضية المرأة أن يقع عبء الإثبات والبرهان على مَنْ يقفون ضدها ويحرمونها من حقوقها المشروعة، لكن ذلك لا يحدث، وبذلك ترى الرجال يناقضون فرضًا مزدوجًا، هو معارضة الحرية وتأييد التحيُّز، ومن ثَم ينبغي أن يُفرض عليهم تقديم الدليل الحاسم دفاعًا عن قضيتهم.
  • ثالثًا: يقول «مل» إن القارئ يتوقَّع مني أن أدحض جميع الحُجج التي تؤيد الإثبات، غير أن المشكلة هي أن قضية الوضع السيئ للمرأة تدعمها العادات والتقاليد التي يقدسها الناس، كما تدعمها المشاعر القوية.
  • رابعًا: تصبح الصعوبة بالغةً عندما يحاول المرء التأثير على الناس، وإقناعهم عن طريق «عقولهم» ضد مشاعرهم وميولهم العملية، لا سيما إذا كان إيمانهم بالعادات والتقاليد والشعور العام أكثر مما ينبغي، كما ذكر، إلى درجة قد تبلغ حدَّ التقديس. بل إنهم يعتقدون أن انتشار عادة من العادات، وبقاءها ردحًا من الزمن، دليلٌ قوي على تحقيقها لأغراضٍ محمودة؛ فلا يصح أن نقول عنها إنها «عادة مذمومة»!١٠

ويعتقد «مل»، أن الوضع الحالي للمرأة قد نشأ منذ البدايات الأولى للمجتمع البشري؛ ففي فجر التاريخ وجدت المرأة نفسها في حالة عبودية لرجلٍ ما، ربما بسبب ضعف قُواها البدنية، ثم بدأت القوانين والنظم السياسية، كما هي الحال دائمًا، بالاعتراف بالوضع القائم، والعادات والعلاقات الموجودة بالفعل، ثم أحالت هذه الوقائع إلى قوانين؛ لأن القوانين ليست سوى تلخيص للأوضاع، والاعتراف بالعلاقات، التي تكون موجودة فعلًا بين الأقوياء، وهي بذلك تحيل الوقائع المادية إلى حقٍّ قانوني، وتُضفي عليها مشروعية بإقرارها بواسطة المجتمع!

والواقع أن الناس لا تعرف سوى النزر اليسير عن مدى سيطرة «قانون القوة» أو «قانون الغاب»، بوصفه القاعدة التي كان معترفًا بها للسلوك العام طوال القسم الأكبر من تاريخ الجنس البشري، ولم يكن أحد يخجل من هذا القانون، حتى إن أرسطو، المعلم الأول، وضع نظرية شهيرة عن الرق،١١ تؤيد هذا الوضع السيِّئ للعلاقات الإنسانية. وإذا كان الرجل قد مارس قوته البدنية لإشباع حاجاته، ولتحقيق مصالحه الخاصة، فقد مارسها أيضًا مع النساء؛ فكان «خطف» المرأة يُعبِّر عن شجاعة نادرة، كما جرت العادة في بعض المجتمعات البدائية أن يقوم العريس بخطف عروسه لإظهار هذه الشجاعة النادرة، رغم أن القبيلة كلها تعلم أنهما في طريقهما إلى الزواج. وإذا كان الرجل قد مارس قوته البدنية في مجالات كثيرة، فإن له هنا ميزاتٍ وتسهيلات أكثر من أي مجال آخر لمنع الثورة ضده. فكل أنثى من المستعبَدات تعيش تحت كنف رجل من «السادة»، وتكاد تكون في يده تمامًا، وفي علاقة وثيقة مع هذا السيد أكثر بكثيرٍ من علاقاتها بزميلاتها من بنات جنسها.

•••

لكن قد يقال إن سيطرة الرجال على النساء ليست سيطرة قوة، ولا هي تطبيق لشريعة الغاب؛ لأن النساء يقبلنها طواعيةً، وعن رضًا، وبلا تذمُّر أو شكوى، غير أن هذا الاعتراض مردود عليه من زاويتَين:

  • الزاوية الأولى: أن استسلام النساء وخضوعهن لا يعني القبول والرضا طواعيةً؛ فهناك عدد كبير من النساء لا يقبلن هذا الوضع، وعندما أُبيح للمرأة أن تعبِّر عن مشاعرها بالكتابة، سجَّل عدد متزايد منهن احتجاجهن على وضعهن الاجتماعي الراهن. بل لقد تقدَّم آلاف من النساء إلى البرلمان الإنجليزي للسماح لهن بالاشتراك في الاقتراع العام.
  • الزاوية الثانية: إذا كانت الكثرة الغالبية من النساء تستسلم للوضع الراهن؛ فينبغي علينا أن نتذكر أنه ما من طبقة مستعبَدة طالبت بالحرية الكاملة مرة واحدة، فعندما ثار النبلاء في إنجلترا في وجه الملك، فإن عامة الشعب لم تطلب سوى تخفيف عبء الضرائب، وتخليصها من الاضطهاد الشديد الذي تعاني منه على يد موظفي الملك. فمن القواعد المعروفة أن مَن يعيشون تحت السيطرة لفترة طويلة لا يبدءون أبدًا بالمطالبة بالقضاء على السلطة نفسها، بل تعديل استخدامها بطريقة تعسفية تنطوي على ظلم واضطهاد.

أضف إلى ذلك أن الرجال لا يريدون أن تكون المرأة المرتبطة بهم مجرد عبد، بل تراهم يرغبون في أن تكون عبدًا بإرادتها ورغبتها، وليس بالإكراه. ومن ثَم فقد استخدموا جميع الوسائل لاستعباد عقول النساء، وها هنا لعبت التربية دورًا بارزًا لتحقيق هذا الغرض. وهكذا تنشأ المرأة على أن المثل الأعلى لشخصيتها هو النقيض المباشر لشخصية الرجل. فإذا كانت للرجل إرادة حرة، وقدرة على ضبط النفس، فإن المرأة ليست لها هذه الخِصال، بل هي تتميز، على النقيض، بالخضوع والاستسلام والطاعة لأوامر الرجل وسيطرته. فجميع القواعد المقررة في المجتمع: الأخلاقية والاجتماعية والتربوية، تؤكد لها أن واجب النساء، بل وطبيعتهن، أن يعشن للآخرين، وأن ينكرن أنفسهن إنكارًا تامًّا، وأن تتجه عواطفهن نحو الرجال الذين يرتبطن بهم، أو نحو الأطفال. ومعنى ذلك كله أن العادات والتقاليد والعُرف لعبت الدور الأساسي في تشكيل الوضع الراهن للمرأة. غير أن العادات، مهما تكن عامة وشائعة، لا تصلح أن تكون الأساس في الحكم على الأوضاع الراهنة التي تستعبد النساء، وتضعهن في حالة خضوعٍ للرجال، بل هي عادات وتقاليد سيئة، ينبغي أن تزول كلما تقدَّم المجتمع البشري.

ويعتقد «مل» أن الخاصية الأساسية، التي تميزت بها المجتمعات الحديثة، هي القول بأن الموجودات البشرية لم تعُد تُولَد في أوضاعٍ محددة سلفًا، وإنما تُولد حرة في استخدام ملكاتها، وما يُتاح لها من فرصٍ في تحقيق المصير الذي ترجوه، وذلك عكس ما كانت تأخذ به المجتمعات القديمة، التي ذهبت إلى أن الفرد يُولَد في مركز اجتماعي محدَّد وثابت، فكما أن بعض الناس يولد أبيض، وبعضهم الآخر يولد أسود، فإن البعض يولد عبيدًا والبعض الآخر يولد من نبلاء الإقطاع، أو من الدهماء. وحتى بين طبقات الصناع، لم يكن في وسع أحد أن يشتغل بالمهنة سوى مَن يولد عضوًا فيها. أما الآن، فقد زال هذا التصور، وأصبح يُترك للفرد حرية الاختيار، بلا قيدٍ، للعمل الذي يريده، ولقد جاء ذلك ثمرة ألف عام من التجربة!

لكن لا يزال تقييد النساء هو الحالة الوحيدة في البلاد المتقدمة في العصر الحاضر، التي تحدد فيها القوانين والأنظمة لشخصٍ منذ مولده أنه ممنوع طوال حياته من الدخول في منافسة من أجل أشياء معينة. ومن ثَم فإن التحريم الذي تخضع له النساء بمجرد واقعة مولدهن، هو المثل الوحيد من نوعه في التشريع الحديث. وليس هناك حالة أخرى غير هذه الحالة التي تشمل نصف الجنس البشري؛ فتُحرَّم عليها وظائف وأعمال وأنشطة معينة بسبب «صدفة المولد»، التي لا يستطيع أحد أن يتغلب عليها!

وهكذا يدور الكتاب حول الاسترقاق الذي يبيحه القانون المستمَد من عادات وتقاليد عفا عليها الزمان، وأسلوب الكتاب، والمقدمات التي ينطلق منها، تشبه ما هو موجود في كتاب «الحرية»؛ حيث يدافع في صفحاتٍ طويلة عن الأفكار الليبرالية التي يؤمن بها، وربما كان أهمها الفكرة التي تقول إنه لا يوجد شيء في هذه الدنيا يستحق التضحية بحرية الفرد، ومن ثَم، فكل امرأة يعولها زوجها — حتى ولو كانت رعايته لها جيدة — قد باعت، في الواقع، حريتها بثمنٍ بخسٍ عندما استبدلت بها الطعام والمأوى، ولا يمكن لأي إنسان حر أن يفكر في مثل هذه الصفقة، دع عنك أن يقبلها، وهي، فضلًا عن ذلك، لا يمكن أن توجد في مجتمع يُوصَف بأنه مجتمع حر.

•••

ومن العناصر البارزة في كتاب «استعباد النساء» اهتمام «مل» بعلم الإثنولوجيا Ethnology، أي: علم الأعراق البشرية (وإن كان «مل» يعتقد أنه علم الأخلاق، أو هو يقابل فن التربية بمعناه الواسع). كما أن «مل» ينتقد في كتابه الفكرة الذائعة الانتشار، والتي تقول إن العلاقات البشرية القائمة مسألة «طبيعية». ودخل منذ بداية الكتاب في معركة عنيفة ضد الخلط المبتذل في تفكير الناس، الذي يوحِّد بين العادات الاجتماعية وإرادة الله، أو بين هذه العادات والطبيعة. كما يهاجم طول الكتاب ما يُسمَّى «بطبيعة المرأة»، ويرى أننا لا نعرف على وجه التحديد ما هي «طبيعة الأنثى» التي تختلف عن طبيعة الذكر، وكل ما نعرفه أن شخصية المرأة تشكَّلت من نوع التربية التي نشأت عليها منذ الماضي السحيق … وما يتوهمه الناس من فروقٍ جوهرية بين الجنسَين مردُّه إلى الظروف الاجتماعية التي اكتنفت حياة كلٍّ منهما. ولو كان التمايز بين الرجل والمرأة يعود إلى اختلاف «طبيعة» كلٍّ منهما، ما احتاج الأمر إلى قوانين تحمي سيادة الرجل، وتكفل عبودية المرأة. وإذا كانت طبيعة المرأة هي التي عاقتها عن أداء بعض الوظائف، فلماذا لجأنا إلى سن القوانين لإقرار عجزها، وإزالة أهليتها لمزاولة هذه الوظائف؟ إن العدالة كانت تقتضي أن نترك المرأة والرجل — منذ الماضي السحيق — في ميدان المنافسة الحرة، وكان المنتظَر أن يمضي كلٌّ منهما إلى حيث تؤهله قدراته، وعندئذٍ كانت تتكشَّف حقيقة كلٍّ منهما. وما من شك أن البشرية لو غيَّرت الأوضاع الاجتماعية الجائرة التي عاشت المرأة في ظلِّها، لمَا وجدنا اليوم فروقًا جوهرية — من الناحية العقلية والجسمية — تميز بين المرأة والرجل. ولكن قانون القوة لا يزال قاعدة العلاقة التي تقوم بين الجنسَين، وهو قانون يحتفظ بكل آثاره الهمجية، ومع هذا يرتضيه عالم متمدين، ينزع إلى الرقي، وينشد التقدم. وهكذا يعلن «مل» أن التراث الذي يحكم العلاقة بين الرجل والمرأة تراثٌ متخلف، عفا عليه الزمان، منذ أصبحت القوة البدنية لا تُوضع في الحُسبان. ويسخر من الذين يدافعون عن القوة البدنية عند الرجال، ويعتبرونها «ميزةً» وتفوقًا يتمتع به الرجال دون النساء، ويتساءل، في تهكُّم، أتراهم حقًّا على استعدادٍ للدفاع عن القوة البدنية عند «الفيل»، ويعتبرونها، بنفس المنطق، «ميزةً» وعلامة تفوق تتمتع بها «الفيلة» دون الموجودات البشرية؟! إنه لمن الخُلف اللامعقول أن نُبقي على هذه الخرافات القديمة، أو أن نتمسَّك بها.١٢

ويتوقف «مل» طويلًا، في الفصل الثاني عند «أوضاع الزواج»، ما دام الزواج هو «المصير الذي حدَّده المجتمع للنساء». لقد كان المفروض أن تُبذل الجهود ليصبح الزوج مقبولًا عند النساء، بحيث لا يكون لديهن أي مبرر للأسف من أنهن حُرمن من أي اختيار آخر، لكن إذا كانت المرأة في المجتمعات البدائية تُؤخذ بالقوة، أو يبيعها والدها لمن يشاء، فما زال للأب، في كثيرٍ من المجتمعات الأوروبية، حق التصرف في ابنته بتزويجها لمن يتراءى له دون أدنى اعتبار لرغبتها. والحق أن قوانين الزواج في عصر «مل» لم تكن منصفة للمرأة على الإطلاق. فهي إذا تزوجت حُرمت من حق التملُّك؛ لأن ما تملكه، ولو كان قد آل إليها عن طريق الميراث، يئول إلى زوجها. وهي إذا تركت منزل الزوجية لا تستطيع أن تأخذ شيئًا معها، لا أطفالها، ولا أي شيء مما كانت تملكه. كما أن المجتمع قد أنكر عليها أي مصير آخر في الحياة سوى أن تكون خادمةً لشخصٍ مستبد، بل لا يسمح لها القانون بالقيام بتجربة الزواج سوى مرة واحدة. إن بعض قوانين الرق تجعل في استطاعة العبد أن يُجبر سيده قانونًا على بيعه، إذا ما تعرَّض لظروفٍ معينة، مثل إساءة استخدام السُّلطة. ولكن مهما بلغت إساءة استخدام الزوج لسُلطته — فضلًا عن خيانته الزوجية لها — فإن الزوجة في إنجلترا لا تستطيع أن تتخلص من معذِّبها! ولهذا كله، فقد أعلن «مل» عندما اقترن بصديقته «هاريت» أن زواجه منها لن يُفقدها حقًّا من حقوقها التي تمتعت بها قبل الزواج، فما ينبغي أن يقضي زواج امرأة على حقٍّ لها، ولا أن يكون مبررًا للعدوان على فرديتها، واستقلال شخصيتها. فإن قيل إن هناك أزواجًا طيبين يعاملون زوجاتهم معاملة طيبة، قلنا إنَّ القوانين تُوضع للسيئين، لا للطيبين من البشر، والزواج ليس نظامًا موضوعًا للقِلة المختارة. إن أحدًا لا يطلب من الرجل قبل حفل الزواج أن يُثبت، بشهادة الشهود، أنه جدير بممارسة السُّلطة المطلَقة التي يمنحها له الزواج.

وإذا كانت الأسرة في أفضل صورها مدرسة الحب، والتعاطف، والحنان، وإنكار الذات، فهي بالنسبة لرب الأسرة مدرسة للسُّلطة والعجرفة والأنانية المستترة: فحتى رعاية الأطفال أو العناية بالزوجة إنما يتم من زاوية أنهم جزء من ممتلكاته ومصالحه الشخصية؛ بحيث تتشكَّل سعادتهم الفردية، من كل وجه، تبعًا لما يفضِّله، ويرغب فيه.

وإذا قيل لنا إن الزوجة تستطيع أن تجعل حياة الزوج جحيمًا لا يُطاق، وفي استطاعتها — بهذه القدرة على «النكد» — أن تنفِّذ رأيها في كثيرٍ من الأمور، سواء أكان من حقِّها أن تفعل أم لا، كان ردنا: إنَّ هذه الوسيلة لحماية الذات لا تصلح إلا لنوعٍ معين من النساء سليطات اللسان؛ فهي سلاح المرأة المشاكسة المزعجة.

وفضلًا عن ذلك، فإن قدرة الزوجة على إزعاج زوجها لا تؤدي — في الأعم الأغلب — إلا إلى طغيانٍ مضاد، بل إنها قد تجعل الزوج «الطيب»، يجنح إلى الطغيان!

ويعتقد «مل» أنه ليس ثمة ما يعوِّض الزوجة عن إهمال زوجها لها، أو تهوره، أو معاملته السيئة. وقد بدأ إصلاح هذه القوانين وتعديلها بعد عَقدين من الزمان.١٣ ومع ذلك فيصعب أن نقول إنها انتهت الآن تمامًا حتى في إنجلترا نفسها! فحقوق الزوجة في حماية نفسها ضد الأضرار البدنية التي يُلحقها بها زوجها لا تزال قليلة. ولقد كتب «مل» عدة مقالات في الصحف — ربما بتشجيعٍ من زوجته هاريت — يلفت فيها انتباه المجتمع إلى واقعة أن القانون لا يقوم بحماية الزوجة إذا أُهينت أو أُلحق بها الأذى، وهي التي تُجبَر على الحياة تحت سقفٍ واحدٍ مع مَن يهينها أو يؤذيها، وكانت شكوى «مل» من التقاليد والقوانين القائمة، متوقعة بعد كتابه «عن الحرية». لقد وقع الرجل في مجتمعه فريسة لعاداتٍ استبدادية، وأصبحت شخصيته، إلى هذا الحد متوحشة، أو على الأقل فَظَّة، بينما وقعت المرأة فريسة لعاداتٍ أخرى، هي الخنوع والاستسلام والانضواء تحت مظهرٍ كاذب، فضلًا عن التبعية والخضوع الذليل، ومن هنا أصبحت شخصيتها ضعيفة.

وربما اعترض معترض، على وصف الزوج بأنه شخصية مستبدة، متسائلًا: كيف يمكن لأي مجتمعٍ أن يُوجَد بغير حكم؟ إنه لا بد في الأسرة، كما هو الحال في الدولة، أن يكون هناك شخص تُرجَع إليه الأمور، ويكون بمثابة الحكم النهائي.

ويجيب «مل» على هذا التساؤل بقوله: لا شك أنه توجد في الأسرة أمورٌ يومية ينبغي اتخاذ قرار بشأنها، وهي أمور ومشاكل قد لا تستطيع أن تحل نفسها بنفسها بالتدريج، ولا يمكن أن تتطلَّع إلى حلٍّ وسط، بل ينبغي لإرادة شخصٍ واحدٍ أن تتخذ فيها قرارًا، وأن تُقسَّم السلطات بين الاثنين؛ بحيث يصبح كلٌّ منهما حاكمًا مطلقًا في القطاع الخاص به. ولا يمكن للقانون أن يضع هذا التقسيم مقدمًا، أو أن يتحدد سلفًا في عقد الزواج، اللهم إلا بموافقة الطرفَين. وإن كان للزوج عادة، بعض الميزات؛ فهو الأكبر سنًّا في معظم الحالات، كما أنه مصدر دخل الأسرة، إذا لم تعمل المرأة، الذي يجلب لها وسائل العيش.

وهنا نصل إلى فكرة «مل» عن «الند» أو «النظير»، التي يرى أنها الحل الأمثل للمشكلات الناجمة عن أوضاع الزواج الحالية. فإذا كانت التربية الأخلاقية للبشر قد ظلَّت، حتى الآن، تنبثق أساسًا من قانون القوة، الذي يخلق السيد والعبد، بحيث يصبح «الند» هو العدو، فإن هذا الوضع ينبغي أن يتغير؛ لأن القواعد الأخلاقية التي تنبثق عنه هي أساسًا علاقة أمرٍ وطاعة، مع أن المفروض أن الأساس الطبيعي هو المساواة، وليس الأمر والطاعة سوى حالاتٍ استثنائية في الحياة، أما التعامل على قدم المساواة، فهو ينبغي أن يكون القاعدة العامة للمجتمع الديمقراطي.

والواقع أن الزواج الذي يتم بين أندادٍ أو نظراء متساوين، بصفة خاصة في التعليم والثقافة، وفي عدم الخوف، والشعور بالأمان، هي تجربة مشجعة ومغرية، أكثر بكثيرٍ من تجربة الزواج بين طرفٍ أعلى وطرفٍ أدنى. والرجال الذين يعملون على ترك النساء في حالة من التبعية، يمنعون أنفسهم من الاستفادة من نصف مواهب العالم، وهم بذلك يفشلون في إقامة حياة زوجية سعيدة، كما يفشلون من الاستفادة مما كان يمكن للنساء القيام به في تنظيم المجتمع ليكون أكثر كفاية وعدالة وإنسانية. وفضلًا عن ذلك، فإنهم يمنعون أنفسهم من الاستفادة من التجربة العاطفية التي يقدمها نصف الجنس البشري. إن الزواج بين أطراف أو شركاء غير متجانسين لا يقدِّم متعة لأيٍّ منهما، بل قد يؤدي إلى شقاء دائم. في حين أن الزواج الذي يتم بين أندادٍ ونظراء متساوين، هو شيء مختلف عن ذلك أتمَّ الاختلاف. ومن هنا فإن «مل» يدعو إلى إقناع المرأة وحثِّها على المطالبة بتركيز قدرٍ من الحرية والمساواة. وإذا كانت هناك مجموعة من النساء الطيبات يعتقدن أنهن سعداء على نحو ما هن عليه، فإن علينا توعيتهن بأن هذه سعادة زائفة، وأن عليهن أن يطمحن إلى سعادة أفضل، وإلى حياة أرقى، تنبعث من احترام الذات، وتنبع من الشخصية المستقلة.١٤ وإذا كانت أخلاق العصور الأولى قد قامت على أساس الالتزام بالخضوع للسُّلطة، فإن أخلاق العصور التالية، قد قامت على حق الضعيف في أن يقوم القوي بحمايته. ومعنى ذلك أنه كانت هناك أخلاق الخضوع، ثم جاءت بعدها أخلاق الفروسية، والشهامة، والكرم، وقد آن الأوان لتحقيق أخلاق العدالة. وكانت المجتمعات كلما تقدمت في الماضي نحو المساواة، تأكدت العدالة كأساسٍ للفضيلة، وهكذا أُعلن، نظريًّا، على الأقل، أن حقوق الموجود البشري، بما هو كذلك، حقائق أساسية مقررة، تسمو على اختلافات: الجنس، والعِرق، والطبقة، والمركز الاجتماعي … إلخ.

غير أن الحقيقة الأساسية للبشر هي التنفيذ العملي لهذه الحقوق، والعيش معًا في سلامٍ؛ بحيث لا يطالبون لأنفسهم بشيء إلا ما يسمحون به للآخرين. وينبغي أن يسود هذا المبدأ حياة الأسرة؛ فلا تكون العلاقة بين الزوج والزوجة علاقة قيادة وتبعية، بل علاقة الند بالند. وقد يكون من المناسب تقسيم الواجبات بينهما؛ فيقوم الرجل بالحصول على الدخل (في حالة عدم عمل المرأة)، وتقوم الزوجة بالإشراف على الإنفاق المالي؛ بحيث تتولى الزوجة، إلى جانب المعاناة البدنية في حمل الأطفال، والمسئولية الكاملة في العناية بهم وتربيتهم في سنواتهم الأولى، القيام بعملية تنظيم وإنفاق ما يكسبه الزوج، مما يحقق الراحة للأسرة.

وقد شدَّد «مل» على موضوع الطلاق والزواج مرة أخرى، حتى إن أصدقاءه ذهبوا إلى أن آراءه كانت في هذا الصدد بالغة العنف، أما هو، فقد كان يرى أن من حق أولئك الذين فشلوا في الحصول على السعادة مرة، أن يحاولوا مرة أخرى، وأن يُسمح لهم بذلك.

•••

بقي أن نختم هذا الجزء بالحديث عن «الدين»، ومناقشة بعض الآراء التي ساقها «مل» في هذا الموضوع:

يعتقد «مل» أن أنصار حرمان المرأة من حقوقها، والإبقاء على استعبادها، يلجئُون، في بعض الأحيان، إلى الدين الذي يفرض، في رأيهم، واجب الطاعة على الزوجة. ومن ثَم كان خضوع الزوجة وطاعتها له «حكمًا من أحكام الدين»، معتمدين في ذلك على أقوال القديس بولس: «أيتها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب؛ لأن الرجل هو رأس المرأة، كما أن المسيح هو رأس الكنيسة …»١٥
وجواب «مل» هو أن القديس بولس يقول أيضًا «أيها العبيد، أطيعوا في كل شيء ساداتكم …»١٦ وهذا يعني أن القديس بولس يعترف بالأمر الواقع؛ فلم تكن من مهمته، ولا هو مما يتفق مع غرضه (الذي هو نشر المسيحية) أن يحض الناس على التمرد ضد القوانين القائمة. ومن هنا، فإن القديس بولس كان يقبل جميع الأنظمة الاجتماعية على نحو ما هي عليه في عصره، غير أن ذلك لا يعني عدم الدعوة إلى تغييرها وتحسينها كلما لاحت الفرصة، وجاء الوقت المناسب، ولا لكانت عبارته «ليس من سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله … إلخ.»١٧ تُقدِّم تبريرًا وتصديقًا للاستبداد العسكري بوصفه الصورة المسيحية الوحيدة للحكم السياسي، أو هي تعني الأمر بالطاعة السلبية لهذا الاستبداد.
وليس لدينا اعتراض على تأويل «مل» لعبارات القديس بولس؛ فقد سبق لنا أن ذكرنا رأينا في هذا الموضوع في مكانٍ آخر.١٨ ولكنا نريد أن نقف عند عبارة غريبة ذكرها «مل» بعد هذا الحديث مباشرة، ويقول فيها: «إن القول بأن المسيحية تتجه نحو المحافظة على الصورة القائمة للحكم وللمجتمع، وحمايتهما من التغيُّر، يعني الانحطاط بمستواها، وردَّها إلى مستوى الإسلام والبرهمية. مع أن المسيحية لم يُقصَد بها ذلك، ولهذا السبب وحده كانت ديانة الجزء التقدُّمي من البشر، في حين كانت البرهمية والإسلام أديان الأجزاء الجامدة، أو بالأحرى الأجزاء المنهارة، لأنه لا توجد مجتمعات جامدة. لقد كان هناك، في جميع العصور المسيحية، الكثير من الناس الذين حاولوا أن يجعلوا المسيحية على هذا القدر من الجمود، كما أرادوا تحويلنا إلى نوعٍ من المسلمين المسيحيين، وتحويل الكتاب المقدس إلى قرآن، وبذلوا جهودًا مضنية لتحريم كل إصلاح، وكانت قوتهم عظيمة …»

تلك هي العبارة الغريبة التي نريد أن نقف عندها قليلًا، وهي تدل دلالة واضحة على أن الفيلسوف الكبير لم يكن يعلم عن الإسلام شيئًا، كما أنه لم يقف على وضع المرأة وحقوقها في هذه الديانة، وإنما استمد معلوماته من مصادر مغرِضة، أو من أوضاع المسلمين المتردية؛ فظنَّ أن هذا هو ما يأمر به الإسلام! ذلك لأن القاعدة الكلية في الإسلام هي أن النساء متساويات مع الرجال … وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (البقرة: ٢٢٨). وللمرأة قبل الزواج شخصيتها المدنية المستقلة عن شخصية أبيها، أو مَن تحت رعايته؛ فلا يجوز أن تتزوج كرهًا، ففي الحديث الشريف «تستأمر النساء في أبضاعهن، والثيب يُعرب عنها لسانها، والبكر تستأمر في نفسها، فإن سكتت، فقد رضيت.» أيضًا «الأيِّمُ أحق بنفسها من وليها …» وإذا كان ذلك لا يُنفَّذ في المجتمعات الإسلامية؛ حيث تُكرَه الفتاة على زيجة معينة؛ فالخطأ هنا هو خطأ المسلمين لا الإسلام. وخطأ العادات والتقاليد التي أضفوا عليها قدْرًا من القداسة، حتى حلَّت محل مبادئ الدين السامية، حتى وإن تشدَّقوا بها في كل مناسبة دون أن يربطوا بين المثال والواقع.

وتستمر شخصية المرأة المدنية — الشخصية المستقلة الكاملة — حتى بعد الزواج؛ فالزواج في الإسلام لا يُفقِد المرأة اسمها، ولا أهليتها في التعاقد، ولا حقها في التملُّك، بل تظل المرأة المسلمة بعد زواجها محتفظة باسمها، واسم أسرتها، وبكامل حقوقها المدنية، وأهليَّتها في تحمُّل الالتزامات، وإبرام مختلف العقود من بيعٍ وشراء، ورهن، وهِبة، ووصية، وما إلى ذلك. ومحتفظة بحقها في التملك تملكًا مستقلًّا عن غيرها؛ فلها ثروتها الخاصة، وذمتها المالية، وهي في هذا كله مستقلة عن شخصية زوجها، وثروته، وذِمته، ولا يجوز للزوج أن يأخذ شيئًا من مالها، بل ولا يحق له أن يسترد شيئًا كان قد أعطاها إياه: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا … (البقرة: ٢٢٩)، وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً … (النساء: ٤)، ولا يحل للزوج أن يتصرف في شيء من أموالها إلا إذا أذنت له بذلك، أو وكَّلته في إبرام عَقد بالنيابة عنها.

أما الآيات الكريمة التي أُسيء تفسيرها طويلًا، وقام الرجل بتأويلها حسب مزاجه ومصالحه الخاصة — مثل وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (البقرة: ٢٢٨) والرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ (النساء: ٣٤)، فهي لا تتحدث عن الرجل والمرأة بإطلاق، بل عن العلاقة بين الزوج والزوجة داخل الأسرة، ولمَّا كانت الأسرة مفهومًا أخلاقيًّا، أساسًا، وليست مفهومًا سياسيًّا، ولمَّا كان دور الأسرة هو تربية الأطفال وغرس القِيَم، تطلَّب الأمر أن تتجمَّع الخيوط في يد طرفٍ يكون له «درجة» أعلى في حسم الأمور الخلافية، لا سيما الأخلاقية منها بوجهٍ خاص، وهي تكون عادة في يد الزوج بوصفه مصدرًا لدخل الأسرة؛ فالرجال قوَّامون على النساء بما أنفقوا من أموالهم، وهو ما ينادي به «مل» تمامًا! فليس وضع المرأة في الأسرة منحطًّا، وكيف يمكن أن نقول ذلك بعد ما ذكرنا لها من حقوقٍ في التملُّك والأهمية … إلخ؟ بل إن من الجائز شرعًا أن تكون «العصمة» في يدها، وأن تقوم هي بتطليق الرجل! فمن الغَبن، إذن، أن يوضع الإسلام في مرتبة واحدة مع البرهمية، التي تعتبر الاستيلاء على المرأة بالقوة لتكون زوجة في طبقة الكشاترية (الجند) وسيلةً مشروعة! وهم يسمونها الزواج بطريقة الجبابرة أو العمالقة! بل حتى ولا مع اليهودية، التي تبيح للأب بيع ابنته، وتجعل من الأرملة زوجة تلقائية لشقيق زوجها المتوفَّى، رضيت بذلك أو كرهت!

إن المرأة المتزوجة في أوروبا كانت — على عهد «مل» — تُوصَف بالقصور المدني؛ فلا يجوز لها أن تهب شيئًا من مالها، أو أن تنقله إلى غيرها، ولا أن ترهن شيئًا … إلخ إلا باشتراك الزوج في العَقد، وموافقته عليه موافقةً كتابية! كما أنها، كما هو معروف، تفقد اسمها، واسم أسرتها، بمجرد زواجها، وتحمل اسم زوجها وأسرته، وهذا يعني فقدان الشخصية المدنية، واندماجها في شخصية زوجها … كما سبق أن ذكرنا، وهي كلها أمور يرفضها الإسلام، وإن كان المسلمون، بسبب تخلُّفهم، يتركون جوهر الدين لتتحوَّل العادات والتقاليد إلى أمورٍ مقدسة لا ينبغي المساس بها!

•••

ويتحدث «مل»، في الفصل الثالث، عن «عمل المرأة»، وهو يعتقد أن هناك مبدأ هامًّا تحتِّمه فكرة المساواة العادلة بين الرجل والمرأة، وهو السماح للمرأة بالعمل في جميع الوظائف والمهن التي ظلَّت حتى الآن حكرًا على الرجال. ولا شك أن تحريم عمل المرأة يعود إلى رغبة الرجل في الإبقاء عليها داخل الحياة المنزلية لأنه لم يعتَد بعدُ فكرة العيش مع شخص كفء أو ندٍّ أو نظير له، وإلَّا لوافق الرجل على أن من الحيف أن نستبعد نصف الجنس البشري من كثير من المهن والوظائف التي يمكن أن يكون لها دور بارز فيها، وذلك بأن يفرض عليها منذ المولد أنها لا تصلح إلا لعمل المنزل.

وكانت الحُجة التي تُساق ضد عمل المرأة تسير على النحو التالي:

من الخير للمرأة ألَّا تعمل، لأنها لن تقدر على العمل من ناحية، وذلك بسبب ضعفها، ولأنها، من ناحية أخرى، سوف يكون نجاحها باهرًا في الأعمال المنزلية، كما أنها، من ناحية ثالثة، سوف تجد السعادة الحقيقة والراحة التامة في البيت! ثم تعلو نغمة الحُجة قليلًا لتقول إن النساء، بصفة عامة، أقل موهبة من الرجال، من حيث القدرات والمَلَكات العقلية، وأن أذكى النساء أقل في قدراتها العقلية من أتفه الرجال الذين يتولون حاليًّا القيام بالوظائف والأعمال المختلفة.١٩

غير أن هذه الحُجة باطلة في رأي «مل» لأن تجربة العصور الماضية — إلى جانب تجربة العصور الحديثة — أكدت قدرة النساء على القيام بنجاح بأي شيء، وكل شيء، يقوم به الرجال، وبطريقة مشرِّفة، بل الواقع يقول إن كثيرًا من الوظائف الموجودة في المجتمع يشغلها رجالٌ أقل كفاءة وصلاحية من العديد من النساء، ولو أنهم دخلوا معهن في منافسة عادلة لهُزموا بسهولة، مع اعترافنا أن هناك عددًا من الرجال يشغلون وظائف أخرى قد يكونون أصلح لها من النساء، وتلك مسألة طبيعية تُوجد في جميع ألوان التنافس.

وينتهي «مل» من ذلك إلى القول بأنه ليس من العدل، ولا من الإنصاف، ولا من الأخلاق أن ننكر حق النساء — مثل بقية الموجودات البشرية — في اختيار العمل الذي يقمن به تبعًا لمَا يفضِّلنه على مسئوليتهن. والواقع أن تحريم العمل على النساء لا يقتصر ضرره عليهن فقط، بل يلحق أيضًا بمن يستفيد من خدماتهن. فنحن عندما نحرِّم على أشخاص معينين مهنة الطب أو المحاماة أو عضوية البرلمان، فإن الضرر الناجم عن هذا التحريم لا يقع على عاتق هؤلاء الأشخاص وحدهم، بل يلحق أيضًا بمن يتعاملون مع الأطباء أو المحامين، أو ينتخبون أعضاء البرلمان، لأنهم سيُحرَمون من ثمار اشتداد المنافسة. ويركز «مل»، بصفة خاصة، على ثلاثة أمور هي:

أولًا: حق الاقتراع أو التصويت Suffrage

أو المشاركة في الانتخابات البرلمانية والبلدية. وكذلك حق المساهمة في اختيار مَن ستئول إليهم أيَّة مهمة عامة، وإذا كنا نعطي المرأة الحق في اختيار الزوج، ألَا ينبغي بالأحرى أن نعطيها الحق في اختيار مَن سيتولَّون حكمها، وإدارة دفة الأمور في البلاد؟!

ثانيًا: الوظائف العامة

إذا كانت الأوضاع السياسية تستبعد الرجال غير المناسبين من شغل الوظائف العامة، فإنها تستبعد أيضًا النساء غير الصالحات لشغل هذه الوظائف؛ ومن ثَم فلو كنا نعترف أن هناك عددًا صغيرًا من النساء يصلحن لهذه الوظائف، فإن القوانين التي تُغلق الباب في وجه هذه الاستثناءات لا يمكن تبريرها بالالتجاء إلى قدرات النساء بصفة عامة.

ثالثًا: الفروق العقلية

لا شك أن هناك فروقًا عقلية بين الرجال والنساء، ولكنها ليست سوى الأثر الطبيعي للاختلاف في التربية، والظروف الاجتماعية والاقتصادية … إلخ، لكنها لا تدل أبدًا على أي اختلافٍ جذري خلقته الطبيعة. فلا شك أنه كانت هناك عباقرة على مدار التاريخ من النساء، سواء في العصور القديمة أو الحديثة، رغم القيود والظروف الاجتماعية الخانقة التي تعمل فيها المرأة.٢٠ ويسُوق «مل» نماذج كثيرة من مجال السياسة نفسه، الذي يقال إن المرأة غير قادرة على العمل فيه: فهناك الملكة إليزابيث (١٥٢٣–١٦٠٣م)، التي حكمت إنجلترا (١٥٥٨–١٦٠٣م) وكان عهدها من أزهى العصور في التاريخ الإنجليزي. ودَبورة Deborah وهي امرأة من أنبياء إسرائيل: «كانت قاضية، وكان بنو إسرائيل يصعدون إليها للقضاء». أو مثل جان دارك (١٤١٢–١٤٣١م) القديسة والبطلة الفرنسية، التي حاربت الإنجليز الذين احتلوا وطنها وهزمتهم بإرادتها الحديدية في كثير من المعارك، إلى أن تمكَّن منها المستعمرون، وقبضوا عليها وحاكموها وأعدموها حرقًا. وقل مثل ذلك في ملكة إنجلترا العظيمة الملكة فيكتوريا (١٨١٩–١٩٠١م)، التي حكمت إنجلترا ما يقرب من ثلاثين عامًا، وبلغت البلاد خلال حكمها الطويل أوج عظمتها وازدهارها، حتى لُقِّب العصر باسمها؛ فقيل «العصر الفيكتوري». ولولا أن الملكة فيكتوريا — أو الملكة إليزابيث — ورثت العرش، لما أمكن أن يُعهد إليها بأتفه الأعمال أو أصغر الواجبات، ولا أدنى الوظائف السياسية التي أثبتت فيها كفاءة منقطعة النظير!
ومن العجيب أن الميدان الذي لا يُسمح للنساء القيام فيه بأي دور — وهو ميدان السياسة — هو الميدان الذي أثبتن فيه كفاءةً عالية ومهارة نادرة. فعن طريق الفرص الضئيلة جدًّا التي أتيحت لهن، والتي جاءت عن طريق الوراثة، أثبتن جدارة في الحكم، وقدرة على تسيير أمور الدولة، رغم أن نسبة الملِكات في التاريخ أضأل كثيرًا من نسبة الملوك، بل تفوقن في حالات كثيرة في خصائص تُعد الضد المباشر لشخصية المرأة المألوفة، التي راجت بيننا: فقد تميَّزن بالحزم، والحيوية، والصلابة، والذكاء، والجَلد والشجاعة. وفضلًا عن الملِكات هناك «الوصيات على العرش»، اللائي كن حاكمات مرموقات للجنس البشري. ويسجل التاريخ الفرنسي أن مَلِكَين تركا إدارة الأمور سنوات طويلة لامرأتين، الأول: هو شارل الثامن (١٤٧٠–١٤٩٨م)؛ فقد كانت أخته «آن دي بوجيه» وصية عليه، وهي التي دبَّرت أمر زواجه من «آن دي بريتاني». أما الثاني، فهو لويس التاسع الشهير باسم لويس القديس (١٢١٤–١٢٧٠م)، الذي كانت أمه وصية عليه، كما كانت من أكبر مستشاريه حتى وفاتها. كما كانت مارجريت النمساوية (١٤٨٠–١٥٣٠م) ابنة الإمبراطور «مكسميليان الأول» نائبة عن الملك في الأراضي المنخفضة، ووصية على ابن أخيها شارل الخامس (١٥٠٠–١٥٥٨م)، كما كانت من أكبر من أثَّر فيه في شبابه، وهي تُعَد في نظر المؤرخين أقدر شخصية سياسية في عصرها، فضلًا عن أن حكمها اتسم بالاعتدال والحكمة. وأمثال هذه الشخصيات السياسية كثيرة في التاريخ الإسلامي أيضًا.٢١ فهل من المعقول أن نذهب إلى أن أولئك الذين يصلحون لأكبر المناصب السياسة، وأرفع المراتب في الدولة، لا قدرة لهن على التكيف مع وظائف أقل؟ وهل مما يقبله العقل أن نقول إن زوجات الأمراء وأخواتهم يمكن أن يكون لهن نفس قدرات الأمراء وكفاءتهم في القيام بالعمل السياسي، إذا ما استدعى الأمر، أما زوجات وأخوات رجال السياسة والمواطنين العاديين، ورؤساء الشركات والمصالح العامة … إلخ، فهن غير قادرات على القيام بعمل إخوتهن وأزواجهن؟ ذلك طبعًا وَهمٌ باطل، والأدنى إلى الصواب أن نكشف عن السبب الحقيقي، وهو أن الأميرات كن في مرتبة فوق عامة الرجال، بسبب مركزهن المَلَكي، ولسن في مرتبة أقل بسبب جنسهن؛ ولهذا لم يجرؤ أحد قَطُّ أن يقول لهن إن الاشتغال بأمور السياسة، والاهتمام بشئون المجتمع، عملٌ لا يليق بهن، أو إنهن لا يصلحن للعمل في ميدان السياسة، وهكذا أتيحت لهن الفرصة، رغمًا عن الرجال، لإظهار مواهبهن! فسيدات الأسر الحاكمة هن السيدات الوحيدات في المجتمع اللائي يُسمَح لهن بالاهتمام بنفس المجالات التي يهتم بها الرجال. ومن ثَم لم يكن يشعرن بأي نقصٍ عن هؤلاء الرجال! ويعتقد «مل» أن ذلك دليل واضح على أنه إذا ما تُركت الفرصة لطبيعة النساء لتنمو بحرية وبلا قيود — كالرجال — فلن تكون هناك فروق، ولا اختلافات، في الطبائع والقدرات التي ستظهر وتعبِّر عن نفسها؛ فالاختلافات والفروق الموجودة الآن هي نتيجة للتربية والظروف الاجتماعية وحدها، كما سبق أن ذكرنا.

•••

في الفصل الرابع والأخير يناقش «مل» النتائج أو المزايا والفوائد المترتبة على «تحرير المرأة»، وهو يعتقد أن أعظم هذه الفوائد يكمن أساسًا في تنظيم العلاقات البشرية تنظيمًا جديدًا يقوم على العدل لا الظلم، مما يترتب عليه زوال الكثير من الصفات السيئة كالأنانية، وعبادة الذات وتفضيل المرء لنفسه تفضيلًا غير منصف … إلخ، فهذه الرذائل جميعًا تستمد، في رأي «مل»، غذاءها الرئيسي من الوضع الحالي السيئ للعلاقة بين الرجل والمرأة؛ فالطفل الذي ينشأ في ظل العلاقات القائمة، ويبلغ مبلغ الرجال وهو يعتقد أنه وُلد ذكرًا، وحتى إذا ما كانت هناك امرأة تقوم بتوجيه سلوكه، فسوف يعتقد — إذا كان غبيًّا — أنها لا تساويه، ولا يمكن أن تساويه في رجاحة العقل، والقدرة على الحكم. أما إذا كان ذكيًّا، فسوف يفعل ما هو أسوأ؛ لأنه سوف يكتشف أنها أسمى منه، لكنه، من حقه — رغم ذلك — أن يأمرها، وعليها السمع والطاعة.

فما هو أثر هذا الدرس في شخصيته عندما يشب عن الطوق، ويبلغ مبلغ الرجال؟ سوف يؤدي ذلك، بالقطع، إلى انحراف كيان الرجل كله، كفردٍ وكائنٍ اجتماعي. وهو شعور يوازي بالضبط شعور الملك أنه أسمى من الآخرين جميعًا لأنه وُلد ملِكًا، وشعور النبيل بسموه لأنه وُلد نبيلًا. ومن الواضح أن ذلك يؤدي في الحال إلى عبادة الذات عند الذكور. ذلك لأن الموجودات البشرية لا تنشأ منذ نعومة أظفارها على امتلاك ميراثٍ لم تكسبه بنفسها دون أن يترك فيها ذلك أثرًا سيئًا عندما يجعلها تشعر بالتفاخر الزائف بسبب تقدير المرء لذاته، بناءً على ميراثٍ عارضٍ لم يكسبه بنفسه، وليس من صُنع يده، وعلى هذا النحو تتشكَّل شخصية الرجل المبنية على زهوٍ كاذبٍ وعجرفة وغرورٍ فارغ، وفظاظة لا معنى لها، إذا استطاع كبحها مع أنداده من الرجال — لأنه سيلقى منهم مقاومة — فإنها تنفجر في جميع مَن هم في وضعٍ يُرغمهم على تحمُّله: موظفون يعملون تحت إدارته، أو عمال في مصنعه، أو زوجة مسكينة في منزله … إلخ.

إن الحياة الزوجية، بوضعها الحالي، تقوم على علاقة تتناقض مع أول مبدأ من مبادئ العدل الاجتماعي، وهي لهذا السبب تؤدي في الحال إلى انحراف شخصية الرجل، أو تشكيل شخصية غير سوية، وها هنا تكون الفائدة الكبرى التي نجنيها من هذه العلاقة، هي أن نصل إلى المبدأ الأساسي في الأخلاق والسياسة، وهو أن السلوك وحده هو الذي يؤدي إلى الاحترام، أعني أن حق الرجل في التقدير والاحترام، لا يتوقف على وضعه، بل على عمله، وأن السبيل الوحيد المشروع للحصول على السلطة هو التفوق، وليس مجرد أنه وُلد ذكرًا.

أما الفائدة الثانية، التي نتوقعها من «تحرير المرأة»، وفتح أبواب العلم أمامها، وتشجيعها بنفس المكافأة التي تُدفع للرجل، هي مضاعفة المَلَكات العقلية المتاحة لخدمة البشر، فحيثما يوجد الآن شخص واحد مؤهل لخدمة المجتمع، كأن يكون طبيبًا أو مهندسًا أو مدرسًا، أو مديرًا لبنك … إلخ، فسوف تكون هناك فرصة لوجود شخصَين. فإذا عرفنا أن التفوق العقلي الآن، في كل مكان، أقل كثيرًا من المطلوب، أدركنا أن هناك نقصًا شديدًا في الأشخاص ذوي الكفاءة للقيام بالأمور التي تتطلب إتقانًا ومقدرةً كبيرة؛ بحيث إن خسارة العالم تكون فادحة، إذا ما رفض استخدام نصف ما يمتلك من مواهب، بحرمان المرأة من مشاركة الرجل في العمل في الوظائف المختلفة.

وهذه الإضافة الكبيرة للمقدرة الذهنية للجنس البشري، ولمقدار القدرات العقلية المتاحة لإدارة الأمور إدارة طيبة، سوف تتحقق عن طريق تربية النساء تربيةً ذهنيةً أفضل مع تنشئة الرجال بنفس الطريقة التي تجعل المساواة بين الجنسَين حقيقةً واقعية؛ فينتهي بذلك غرور الرجل وعجرفته. وهكذا نستطيع أن نقول، في اطمئنان، إن تحطيم الحواجز التي تعوق تحرير المرأة، وتمنعها من الانطلاق، سيكون ذا فوائد جمة، فضلًا عن أنه، في حد ذاته، فضيلة تربوية ذات قيمة كبرى.

كما يذهب «مل»، أيضًا إلى أن تحرير المرأة سوف يجعل تأثير النساء في معتقدات البشر ومشاعرهم تأثيرًا أفضل مما كان عليه في الماضي، فلا شك أنه كان للنساء تأثيرٌ قوي في المعتقدات والمشاعر على مَر التاريخ. ويشير «مل» بصفةٍ خاصة إلى أن اعتناق الأنجلو ساكسون للديانة المسيحية بدأ بزوجتَي ملِكَين هما «إثلبرت»، «وكلوفيس». كما يشير كذلك إلى الأثر العارم الذي كان للنساء في عصر الفروسية؛ فقد بلغ تأثير النساء في المشاعر والتهذيب الأخلاقي للجنس البشري ذروته في المثال الأعلى للفروسية. ولا يمكن أن نقول إن تأثير النساء في الوقت الحاضر أصبح أقل من ذلك، أو إنه انتهى بانتهاء عصر الفروسية، وكل ما هنالك أنه لم يعُد محددًا واضح المعالم كما كان.

ويعتقد «مل» أنه ما زال لتأثير النساء قيمة كبيرة في سِمتَين من أبرز سِمات الحياة الأوروبية الحديثة هما: نفورها من الحرب، واتجاهها نحو الأعمال الخيرية، وهما صفتان ممتازتان، وكثيرًا ما كان لهما تأثير قوي في الرأي العام، لا سيما إذا ما صدرا عن شخصية نسائية تتمتع بالاستقلال والحرية، قادرة على إلقاء الدروس حول هذه الأمور في جمعٍ من الناس. غير أن المرأة التي رضيت منذ مولدها بمصيرها الحالي، لن تستطيع تقدير قيمة الشخصية المستقلة، لأنها هي نفسها ليست مستقلة بذاتها؛ فقد أصبح قدرها أن تتلقَّى كلَّ شيء من الآخرين، فكيف يمكن، إذن، أن تشعر أن ما ترضى به هو نفسه شيء سيئ بالنسبة للفقراء؟!

وهكذا يشدِّد «مل» على أهمية الشخصية الحرة المستقلة القادرة على احترام نفسها واحترام الآخرين، سواء أكانت شخصية الرجل، أم شخصية المرأة. ومن هذه الزاوية يصل التشابه بين كتاب الحرية، وكتاب «استعباد النساء» إلى أقصى مدًى، عندما نصل إلى دعوة «مل» في نهاية الفصل الأخير إلى ضرورة الثورة على عاداتنا الاجتماعية التي تنظم العلاقة بين الرجل والمرأة، وذلك لكي نبني الشخصية المستقلة، وحتى يصبح الرجل والمرأة ندَّين؛ فالحُجة هنا مستمدة أساسًا من فكرته عن «الفردية المستقلة»، التي شرحها بالتفصيل في كتاب «الحرية».

•••

والواقع أن «مل» حظي بمكانة مرموقة بين المدافعين عن حقوق المرأة، لا فقط بسبب موقفه التاريخي المناضل من أجل المساواة بين الجنسَين، بل أيضًا بسبب تعارض نظريته مع المنظور البيولوجي الواضح عند «فرويد» (١٨٥٦–١٩٣٩م).

فقد رفض الأخير كتاب «مل» وسخط عليه، وراح يؤكد لخطيبته أنه يريد أن يجنِّبها قسوة العالم، وما فيه من شرور، وأنه لهذا السبب يرفض مقترحات «مل» العقلانية التي تدعو إلى المساواة بين الجنسَين، ويسخر منها بوصفها آراء رجلٍ ساذجٍ، بل أبله!

ومع ذلك فقد كان «مل» فيلسوفًا عقليًّا راديكاليًّا، على خلاف فرويد ونيتشه، ولهذا ذهب برتراند رسل — الابن الروحي لمل — إلى الإشادة بموقفه، بقوله: إن المرء يستطيع أن ينظر إلى كل ما في القرن العشرين من رعبٍ وآثامٍ بعين الفيلسوف الراديكالي العقلاني. ولا يستطيع أحد أن يُنكر مكانة «مل» كفيلسوفٍ من أعظم فلاسفة التحرير في القرن التاسع عشر. وإذا كان بعض الشُّراح يذهبون إلى أن آراءه لم تعُد الآن ملحَّة، كما كانت في الماضي، فإن ذلك لا يعني سوى أن نضاله في الدفاع عن الحرية الفردية قد كُلِّل بالنجاح في إنجلترا وغيرها من الدول المتقدمة (فالمثل الأعلى يموت إذا تحقق كما قال شوبنهور بحقٍّ). ولكنا ما زلنا في أمَسِّ الحاجة إلى قراءة أفكاره الليبرالية، واستيعابها وتمثُّلها، والسعي الدائب نحو تحقيقها في مجتمعاتنا العربية. بل إننا نجد واحدًا من أقدر شُراحه هو «ألان ريان» يقول: إنه إذا كانت دعوة «مل» إلى المساواة بين الجنسَين وأفكاره عن العلاقة بينهما، قد أصبح يُنظَر إليها الآن على أنها دعوة عفا عليها الزمان. فإن الأمر المثير للدهشة، حقًّا، هو أننا سوف نكتشف بعد مائة سنة أن الكثير منها لم يكن كذلك.٢٢

هذا هو الكتاب الذي نقدمه اليوم إلى المرأة العربية في سلسلة «الفيلسوف … والمرأة» مساهمة منا في الدعوة إلى تحريرها من الأصفاد والأغلال التي تعوقها عن الحركة، وتمنعها من الانطلاق لتشارك الرجل في مجتمعٍ حر، بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة.

والله نسأل أن يهدينا جميعًا سبيل الرشاد.

إمام عبد الفتاح إمام
١  كما تم اختياره في نفس العام مديرًا لجامعة القديس أندروز.
٢  د. توفيق الطويل، «جون ستيوارت مل»، العدد السادس من نوابغ الفكر الغربي، دار المعارف، ص٣٠.
٣  سبق لنا ترجمته مع كتاب «مذهب المنفعة العامة»، ونشرته مكتبة مدبولي تحت عنوان «أُسس الليبرالية السياسية». وقد وعدنا القارئ في مقدمة الكتاب بنشر «استعباد النساء»، و«الحكم النيابي»، على التوالي ليكونا الجزء الثاني من «أسس الليبرالية السياسية»، قارن ص٩.
٤  ومن هنا يذهب الشُّراح إلى أن ما كتبه «مل» في إهدائه كتاب «الحرية» إلى زوجته من أنها «كانت مصدر إلهامي، كما كانت، إلى حدٍّ ما، المؤلف الذي كتب أفضل ما كتبت» (راجع ترجمتنا العربية، ص١١٥)، ليس سوى ضربٍ من المجاملة؛ لأنه ينطوي على كثيرٍ من المبالغة!
٥  د. توفيق الطويل، «جون ستيوارت مل»، ص٣۷.
٦  Alan Ryan, J. S. Mill, Routledge & Kegan Paul, London 1974, p. 154.
٧  ظلت العلاقة بينهما إلى أن تُوفي زوجها في أبريل عام ١٨٤٩م، فتزوجها «مل» في أبريل عام ١٨٥١م، أي بعد واحد وعشرين عامًا من علاقته بها، فوضع بذلك حدًّا لأقاويل الناس. وقد كانت هذه العلاقة — بامرأة متزوجة — موضع شك وريبة، بل ونفور واحتقار، بين أصدقائه ومعاصريه. وإن كان «مل» يشهد بسمو أخلاقها، ويرفعها إلى أعلى مراتب التقدير والإجلال. ويؤيده في ذلك بعض شُراحه، وإن كانوا يعتقدون أن هذه «العلاقة البريئة» جاءت من برودة «مل» الجنسية، وهم يستدلُّون على ذلك من حديثه عن العملية الجنسية، التي لا يذكرها إلا باسم «العملية الحيوانية»، راجع في ذلك كتاب «ألان ريان»، السالف الذكر، عن جون ستيوارت مل، ص١٥٤.
٨  Alan Ryan, J. S. Mill, Routledge & Kegan Paul, London 1974, p. 154.
٩  لم يضع «مل» عنوانًا لأي فصلٍ من فصول كتابه الأربعة، وقد استوحينا عنوان كل فصلٍ من مضمون حديثه.
١٠  يضرب «مل» مثالًا لسيطرة العادات والتقاليد، والمشاعر التي تتكوَّن نتيجة للإلف والعادة، دهشة سكان المناطق النائية من العالم عندما يعرفون لأول مرة شيئًا عن إنجلترا، لا سيما أنها تحت حكم «ملكة»؛ فالأمر يبدو لهم غير طبيعي تمامًا، حتى لَيكاد يكون أمرًا غير قابل للتصديق. في حين أنه يبدو طبيعيًّا تمامًا بالنسبة للرجل الإنجليزي الذي اعتاد عليه، ومع ذلك فإننا نجد أنه من المفارقات الغريبة أن الإنجليز يشعرون أنه من غير الطبيعي أن تكون المرأة جندية أو عضوًا في البرلمان، لمجرد أنهم لم يألفوا هذا الوضع!
١١  انظر عرضنا لهذه النظرية في كتابنا عن «الطاغية: دراسة فلسفية لصورٍ من الاستبداد السياسي»، الطبعة الثالثة، مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٧م، ص١٦١، وما بعدها.
١٢  Alan Ryan, J. S. Mill, p. 156.
١٣  بدأ تعديل هذه القوانين في إنجلترا تدريجيًّا، بعد وفاة مل عام ١٨٧٣م؛ فاعترف القانون الإنجليزي، عام ١٨٨٢م، متأثرًا بنضال فيلسوفنا، بحق المرأة المتزوجة في الامتلاك أُسوة بزوجها، وخوَّل للأم حق الإشراف على أبنائها أُسوة بالأب، وتوالت القوانين التي قضت بنصرة المرأة في الميدان السياسي والاجتماعي، حتى نالت عام ١٩١٨م حقَّ الاشتراك في الانتخابات النيابية، متى بلغت الثلاثين من عمرها. وبعد عشر سنوات عُدِّلت السن إلى الواحدة والعشرين، وأُتيحت لها عضوية مجلس العموم … إلخ؛ مما يجعلنا لا نفقد الأمل في تعديل القوانين الجائرة في مجتمعاتنا العربية!
١٤  Alan Ryan, J. S. Mill, p. 157.
١٥  الرسالة الأولى إلى أهل أفسس، الإصحاح الخامس: ٢٠–٢٢؛ قارن كتابنا «الفيلسوف المسيحي والمرأة»، ص٥٤ وما بعدها، وهو العدد الثالث من هذه السلسلة، مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٦م.
١٦  رسالة القديس بولس إلى أهل كولوسي، الإصحاح الثالث: ٣٣–٣٥. وقارن كتابنا «الطاغية: دراسة فلسفية لصورٍ من الاستبداد السياسي»، الطبعة الثالثة، مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٧م، ص١٩٦ وما بعدها.
١٧  رسالة القديس بولس إلى أهل رومية، الإصحاح الثالث عشر: ١–٣.
١٨  في كتابنا عن «الطاغية …» الذي سبق ذِكره؛ فليرجع إليه مَن يشاء.
١٩  تلك هي في الواقع فكرة أرسطو، التي استند فيها إلى بيولوجيات زائفة، وجعل من المرأة مخلوقًا أضعف في جميع القدرات من الرجل، الذي هو «الصورة» بالمعنى الأرسطي، في حين أن المرأة هي «الهيولى»! وهو أحيانًا يقول: إنها ذَكر «مشوَّه» أو «ناقص»، أو عاجز … إلى آخر هذه الأفكار الغربية، التي سبق لنا مناقشتها (قارن كتابنا «أرسطو … والمرأة»، العدد الثاني من سلسلة الفيلسوف والمرأة، أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٦م)، وهي للأسف الفكرة التي راجت في التراث الإسلامي، ولا تزال تتردد في المجتمعات العربية؛ لأنها صادفت هوًى في نفوس الرجال. بل أُحيطت بضربٍ من القداسة، كما لو كانت وحيًا من السماء، ولم يسأل المسلمون أنفسهم: لِمَ يسايرون، في هذه الحالة، أفكار فيلسوف وثني، ويغضون الطرف عما جاء في كتابهم المقدس؟! السبب أن المسألة هنا ليست مسألةً دينية، وإنما هي تنبع أساسًا من مصلحة الرجل، فلم يقُل الإسلام بضعف قدرات المرأة العقلية، بل أشاد برجاحة عقلها ومهارتها في إدارة دفة الحكم وشئون الدولة، على نحو ما جاء في قصة بلقيس ملكة سبأ (قارن إمام عبد الفتاح إمام: «الفيلسوف المسيحي والمرأة»، ص١٧٣ وما بعدها).
٢٠  راجع كتابنا «نساء فلاسفة في العالم القديم»، أصدرته مكتبة مدبولي، القاهرة، ١٩٩٧م، وهو العدد الرابع من سلسلة «الفيلسوف … المرأة»، ويليه «نساء فلاسفة في العالم الحديث»، بإذن الله، وهو الآن تحت الطبع.
٢١  من أشهر الملكات في التاريخ الإسلامي الملكة شجرة الدر، التي حكمت مصر بعد وفاة زوجها الملك الصالح بن أيوب عام ١٢٤٠م، ثم تزوجت الأمير «عز الدين أيبك» ليكون مجرد واجهة تحكم من ورائها، لكنه عندما حاول أن يغدر بها دبَّرت له المؤامرة الشهيرة في قصرها بالقلعة، وأمرت غِلمانها بضربه بالقباقيب على رأسه حتى يموت! (قارن كتابنا «أفكار … ومواقف»، ص١١٣ وما بعدها، أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٦م). وهناك عائشة الحرة ملكة غرناطة، وزوجة الملك «علي أبو الحسن»، التي لعبت دورًا بالغ الخطورة في توجيه الأحداث التاريخية في الأندلس، خصوصًا بعد أن استسلم زوجها لإغراء الإسبانية «إيزابيل»، التي أطلق عليها اسم «ثريا». صحيح أن الملك أقصى عائشة تلبية لرغبة جاريته، غير أن ذلك أدَّى إلى تحوُّل قصر الحمراء إلى بؤرة للصراع السياسي، وهربت عائشة إلى خارجه، ونظَّمت سلسلة من الهجمات على القصر، أدارتها بنفسها، إلى أن سقط الزوج الخائن المنسحق تحت أقدام جاريته، وأجلست ابنها محمد، مكان أبيه، ووقفت إلى جواره تشاركه الحكم، وكان ذلك عام ٨٨٧ﻫ!
٢٢  Alan Ryan, ibid..

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦