مدخل عام
•••
- أولًا: يستند هذا المبدأ إلى المشاعر والعواطف والانفعالات أكثر من اعتماده على العقل والمنطق، ومن هنا كانت قضية تحرير المرأة تشبه، من هذه الزاوية، قضية تحرير الزنوج في الولايات المتحدة الأمريكية، التي وجد المدافعون عنها صعوبةً بالغة في إقناع الناس «بالعقل» على تغيير مشاعرهم المتأصلة في أعماق نفوسهم! بل هناك أسباب كثيرة تجعل المشاعر المتصلة بقضية المرأة أشد غورًا، وأعمق جذورًا، من كل المشاعر التي تتجمَّع حول الأنظمة والعادات القديمة وتحميها.
- ثانيًا: لأن عبء الإثبات، دائمًا يقع على الجانب الإيجابي، «فالبيِّنة على مَن ادَّعى …» فإذا ما اتُّهم شخصٌ بارتكاب جريمة قتل، كان على مَنْ يتهمونه إثبات جريمته، وليس العكس، أعني ليس عليه هو أن يثبت براءته. ومن ثَم فقد كان المفروض في قضية المرأة أن يقع عبء الإثبات والبرهان على مَنْ يقفون ضدها ويحرمونها من حقوقها المشروعة، لكن ذلك لا يحدث، وبذلك ترى الرجال يناقضون فرضًا مزدوجًا، هو معارضة الحرية وتأييد التحيُّز، ومن ثَم ينبغي أن يُفرض عليهم تقديم الدليل الحاسم دفاعًا عن قضيتهم.
- ثالثًا: يقول «مل» إن القارئ يتوقَّع مني أن أدحض جميع الحُجج التي تؤيد الإثبات، غير أن المشكلة هي أن قضية الوضع السيئ للمرأة تدعمها العادات والتقاليد التي يقدسها الناس، كما تدعمها المشاعر القوية.
- رابعًا: تصبح الصعوبة بالغةً عندما يحاول المرء التأثير على الناس، وإقناعهم عن طريق «عقولهم» ضد مشاعرهم وميولهم العملية، لا سيما إذا كان إيمانهم بالعادات والتقاليد والشعور العام أكثر مما ينبغي، كما ذكر، إلى درجة قد تبلغ حدَّ التقديس. بل إنهم يعتقدون أن انتشار عادة من العادات، وبقاءها ردحًا من الزمن، دليلٌ قوي على تحقيقها لأغراضٍ محمودة؛ فلا يصح أن نقول عنها إنها «عادة مذمومة»!١٠
ويعتقد «مل»، أن الوضع الحالي للمرأة قد نشأ منذ البدايات الأولى للمجتمع البشري؛ ففي فجر التاريخ وجدت المرأة نفسها في حالة عبودية لرجلٍ ما، ربما بسبب ضعف قُواها البدنية، ثم بدأت القوانين والنظم السياسية، كما هي الحال دائمًا، بالاعتراف بالوضع القائم، والعادات والعلاقات الموجودة بالفعل، ثم أحالت هذه الوقائع إلى قوانين؛ لأن القوانين ليست سوى تلخيص للأوضاع، والاعتراف بالعلاقات، التي تكون موجودة فعلًا بين الأقوياء، وهي بذلك تحيل الوقائع المادية إلى حقٍّ قانوني، وتُضفي عليها مشروعية بإقرارها بواسطة المجتمع!
•••
لكن قد يقال إن سيطرة الرجال على النساء ليست سيطرة قوة، ولا هي تطبيق لشريعة الغاب؛ لأن النساء يقبلنها طواعيةً، وعن رضًا، وبلا تذمُّر أو شكوى، غير أن هذا الاعتراض مردود عليه من زاويتَين:
- الزاوية الأولى: أن استسلام النساء وخضوعهن لا يعني القبول والرضا طواعيةً؛ فهناك عدد كبير من النساء لا يقبلن هذا الوضع، وعندما أُبيح للمرأة أن تعبِّر عن مشاعرها بالكتابة، سجَّل عدد متزايد منهن احتجاجهن على وضعهن الاجتماعي الراهن. بل لقد تقدَّم آلاف من النساء إلى البرلمان الإنجليزي للسماح لهن بالاشتراك في الاقتراع العام.
- الزاوية الثانية: إذا كانت الكثرة الغالبية من النساء تستسلم للوضع الراهن؛ فينبغي علينا أن نتذكر أنه ما من طبقة مستعبَدة طالبت بالحرية الكاملة مرة واحدة، فعندما ثار النبلاء في إنجلترا في وجه الملك، فإن عامة الشعب لم تطلب سوى تخفيف عبء الضرائب، وتخليصها من الاضطهاد الشديد الذي تعاني منه على يد موظفي الملك. فمن القواعد المعروفة أن مَن يعيشون تحت السيطرة لفترة طويلة لا يبدءون أبدًا بالمطالبة بالقضاء على السلطة نفسها، بل تعديل استخدامها بطريقة تعسفية تنطوي على ظلم واضطهاد.
أضف إلى ذلك أن الرجال لا يريدون أن تكون المرأة المرتبطة بهم مجرد عبد، بل تراهم يرغبون في أن تكون عبدًا بإرادتها ورغبتها، وليس بالإكراه. ومن ثَم فقد استخدموا جميع الوسائل لاستعباد عقول النساء، وها هنا لعبت التربية دورًا بارزًا لتحقيق هذا الغرض. وهكذا تنشأ المرأة على أن المثل الأعلى لشخصيتها هو النقيض المباشر لشخصية الرجل. فإذا كانت للرجل إرادة حرة، وقدرة على ضبط النفس، فإن المرأة ليست لها هذه الخِصال، بل هي تتميز، على النقيض، بالخضوع والاستسلام والطاعة لأوامر الرجل وسيطرته. فجميع القواعد المقررة في المجتمع: الأخلاقية والاجتماعية والتربوية، تؤكد لها أن واجب النساء، بل وطبيعتهن، أن يعشن للآخرين، وأن ينكرن أنفسهن إنكارًا تامًّا، وأن تتجه عواطفهن نحو الرجال الذين يرتبطن بهم، أو نحو الأطفال. ومعنى ذلك كله أن العادات والتقاليد والعُرف لعبت الدور الأساسي في تشكيل الوضع الراهن للمرأة. غير أن العادات، مهما تكن عامة وشائعة، لا تصلح أن تكون الأساس في الحكم على الأوضاع الراهنة التي تستعبد النساء، وتضعهن في حالة خضوعٍ للرجال، بل هي عادات وتقاليد سيئة، ينبغي أن تزول كلما تقدَّم المجتمع البشري.
ويعتقد «مل» أن الخاصية الأساسية، التي تميزت بها المجتمعات الحديثة، هي القول بأن الموجودات البشرية لم تعُد تُولَد في أوضاعٍ محددة سلفًا، وإنما تُولد حرة في استخدام ملكاتها، وما يُتاح لها من فرصٍ في تحقيق المصير الذي ترجوه، وذلك عكس ما كانت تأخذ به المجتمعات القديمة، التي ذهبت إلى أن الفرد يُولَد في مركز اجتماعي محدَّد وثابت، فكما أن بعض الناس يولد أبيض، وبعضهم الآخر يولد أسود، فإن البعض يولد عبيدًا والبعض الآخر يولد من نبلاء الإقطاع، أو من الدهماء. وحتى بين طبقات الصناع، لم يكن في وسع أحد أن يشتغل بالمهنة سوى مَن يولد عضوًا فيها. أما الآن، فقد زال هذا التصور، وأصبح يُترك للفرد حرية الاختيار، بلا قيدٍ، للعمل الذي يريده، ولقد جاء ذلك ثمرة ألف عام من التجربة!
لكن لا يزال تقييد النساء هو الحالة الوحيدة في البلاد المتقدمة في العصر الحاضر، التي تحدد فيها القوانين والأنظمة لشخصٍ منذ مولده أنه ممنوع طوال حياته من الدخول في منافسة من أجل أشياء معينة. ومن ثَم فإن التحريم الذي تخضع له النساء بمجرد واقعة مولدهن، هو المثل الوحيد من نوعه في التشريع الحديث. وليس هناك حالة أخرى غير هذه الحالة التي تشمل نصف الجنس البشري؛ فتُحرَّم عليها وظائف وأعمال وأنشطة معينة بسبب «صدفة المولد»، التي لا يستطيع أحد أن يتغلب عليها!
وهكذا يدور الكتاب حول الاسترقاق الذي يبيحه القانون المستمَد من عادات وتقاليد عفا عليها الزمان، وأسلوب الكتاب، والمقدمات التي ينطلق منها، تشبه ما هو موجود في كتاب «الحرية»؛ حيث يدافع في صفحاتٍ طويلة عن الأفكار الليبرالية التي يؤمن بها، وربما كان أهمها الفكرة التي تقول إنه لا يوجد شيء في هذه الدنيا يستحق التضحية بحرية الفرد، ومن ثَم، فكل امرأة يعولها زوجها — حتى ولو كانت رعايته لها جيدة — قد باعت، في الواقع، حريتها بثمنٍ بخسٍ عندما استبدلت بها الطعام والمأوى، ولا يمكن لأي إنسان حر أن يفكر في مثل هذه الصفقة، دع عنك أن يقبلها، وهي، فضلًا عن ذلك، لا يمكن أن توجد في مجتمع يُوصَف بأنه مجتمع حر.
•••
ويتوقف «مل» طويلًا، في الفصل الثاني عند «أوضاع الزواج»، ما دام الزواج هو «المصير الذي حدَّده المجتمع للنساء». لقد كان المفروض أن تُبذل الجهود ليصبح الزوج مقبولًا عند النساء، بحيث لا يكون لديهن أي مبرر للأسف من أنهن حُرمن من أي اختيار آخر، لكن إذا كانت المرأة في المجتمعات البدائية تُؤخذ بالقوة، أو يبيعها والدها لمن يشاء، فما زال للأب، في كثيرٍ من المجتمعات الأوروبية، حق التصرف في ابنته بتزويجها لمن يتراءى له دون أدنى اعتبار لرغبتها. والحق أن قوانين الزواج في عصر «مل» لم تكن منصفة للمرأة على الإطلاق. فهي إذا تزوجت حُرمت من حق التملُّك؛ لأن ما تملكه، ولو كان قد آل إليها عن طريق الميراث، يئول إلى زوجها. وهي إذا تركت منزل الزوجية لا تستطيع أن تأخذ شيئًا معها، لا أطفالها، ولا أي شيء مما كانت تملكه. كما أن المجتمع قد أنكر عليها أي مصير آخر في الحياة سوى أن تكون خادمةً لشخصٍ مستبد، بل لا يسمح لها القانون بالقيام بتجربة الزواج سوى مرة واحدة. إن بعض قوانين الرق تجعل في استطاعة العبد أن يُجبر سيده قانونًا على بيعه، إذا ما تعرَّض لظروفٍ معينة، مثل إساءة استخدام السُّلطة. ولكن مهما بلغت إساءة استخدام الزوج لسُلطته — فضلًا عن خيانته الزوجية لها — فإن الزوجة في إنجلترا لا تستطيع أن تتخلص من معذِّبها! ولهذا كله، فقد أعلن «مل» عندما اقترن بصديقته «هاريت» أن زواجه منها لن يُفقدها حقًّا من حقوقها التي تمتعت بها قبل الزواج، فما ينبغي أن يقضي زواج امرأة على حقٍّ لها، ولا أن يكون مبررًا للعدوان على فرديتها، واستقلال شخصيتها. فإن قيل إن هناك أزواجًا طيبين يعاملون زوجاتهم معاملة طيبة، قلنا إنَّ القوانين تُوضع للسيئين، لا للطيبين من البشر، والزواج ليس نظامًا موضوعًا للقِلة المختارة. إن أحدًا لا يطلب من الرجل قبل حفل الزواج أن يُثبت، بشهادة الشهود، أنه جدير بممارسة السُّلطة المطلَقة التي يمنحها له الزواج.
وإذا كانت الأسرة في أفضل صورها مدرسة الحب، والتعاطف، والحنان، وإنكار الذات، فهي بالنسبة لرب الأسرة مدرسة للسُّلطة والعجرفة والأنانية المستترة: فحتى رعاية الأطفال أو العناية بالزوجة إنما يتم من زاوية أنهم جزء من ممتلكاته ومصالحه الشخصية؛ بحيث تتشكَّل سعادتهم الفردية، من كل وجه، تبعًا لما يفضِّله، ويرغب فيه.
وإذا قيل لنا إن الزوجة تستطيع أن تجعل حياة الزوج جحيمًا لا يُطاق، وفي استطاعتها — بهذه القدرة على «النكد» — أن تنفِّذ رأيها في كثيرٍ من الأمور، سواء أكان من حقِّها أن تفعل أم لا، كان ردنا: إنَّ هذه الوسيلة لحماية الذات لا تصلح إلا لنوعٍ معين من النساء سليطات اللسان؛ فهي سلاح المرأة المشاكسة المزعجة.
وفضلًا عن ذلك، فإن قدرة الزوجة على إزعاج زوجها لا تؤدي — في الأعم الأغلب — إلا إلى طغيانٍ مضاد، بل إنها قد تجعل الزوج «الطيب»، يجنح إلى الطغيان!
وربما اعترض معترض، على وصف الزوج بأنه شخصية مستبدة، متسائلًا: كيف يمكن لأي مجتمعٍ أن يُوجَد بغير حكم؟ إنه لا بد في الأسرة، كما هو الحال في الدولة، أن يكون هناك شخص تُرجَع إليه الأمور، ويكون بمثابة الحكم النهائي.
ويجيب «مل» على هذا التساؤل بقوله: لا شك أنه توجد في الأسرة أمورٌ يومية ينبغي اتخاذ قرار بشأنها، وهي أمور ومشاكل قد لا تستطيع أن تحل نفسها بنفسها بالتدريج، ولا يمكن أن تتطلَّع إلى حلٍّ وسط، بل ينبغي لإرادة شخصٍ واحدٍ أن تتخذ فيها قرارًا، وأن تُقسَّم السلطات بين الاثنين؛ بحيث يصبح كلٌّ منهما حاكمًا مطلقًا في القطاع الخاص به. ولا يمكن للقانون أن يضع هذا التقسيم مقدمًا، أو أن يتحدد سلفًا في عقد الزواج، اللهم إلا بموافقة الطرفَين. وإن كان للزوج عادة، بعض الميزات؛ فهو الأكبر سنًّا في معظم الحالات، كما أنه مصدر دخل الأسرة، إذا لم تعمل المرأة، الذي يجلب لها وسائل العيش.
وهنا نصل إلى فكرة «مل» عن «الند» أو «النظير»، التي يرى أنها الحل الأمثل للمشكلات الناجمة عن أوضاع الزواج الحالية. فإذا كانت التربية الأخلاقية للبشر قد ظلَّت، حتى الآن، تنبثق أساسًا من قانون القوة، الذي يخلق السيد والعبد، بحيث يصبح «الند» هو العدو، فإن هذا الوضع ينبغي أن يتغير؛ لأن القواعد الأخلاقية التي تنبثق عنه هي أساسًا علاقة أمرٍ وطاعة، مع أن المفروض أن الأساس الطبيعي هو المساواة، وليس الأمر والطاعة سوى حالاتٍ استثنائية في الحياة، أما التعامل على قدم المساواة، فهو ينبغي أن يكون القاعدة العامة للمجتمع الديمقراطي.
غير أن الحقيقة الأساسية للبشر هي التنفيذ العملي لهذه الحقوق، والعيش معًا في سلامٍ؛ بحيث لا يطالبون لأنفسهم بشيء إلا ما يسمحون به للآخرين. وينبغي أن يسود هذا المبدأ حياة الأسرة؛ فلا تكون العلاقة بين الزوج والزوجة علاقة قيادة وتبعية، بل علاقة الند بالند. وقد يكون من المناسب تقسيم الواجبات بينهما؛ فيقوم الرجل بالحصول على الدخل (في حالة عدم عمل المرأة)، وتقوم الزوجة بالإشراف على الإنفاق المالي؛ بحيث تتولى الزوجة، إلى جانب المعاناة البدنية في حمل الأطفال، والمسئولية الكاملة في العناية بهم وتربيتهم في سنواتهم الأولى، القيام بعملية تنظيم وإنفاق ما يكسبه الزوج، مما يحقق الراحة للأسرة.
وقد شدَّد «مل» على موضوع الطلاق والزواج مرة أخرى، حتى إن أصدقاءه ذهبوا إلى أن آراءه كانت في هذا الصدد بالغة العنف، أما هو، فقد كان يرى أن من حق أولئك الذين فشلوا في الحصول على السعادة مرة، أن يحاولوا مرة أخرى، وأن يُسمح لهم بذلك.
•••
بقي أن نختم هذا الجزء بالحديث عن «الدين»، ومناقشة بعض الآراء التي ساقها «مل» في هذا الموضوع:
تلك هي العبارة الغريبة التي نريد أن نقف عندها قليلًا، وهي تدل دلالة واضحة على أن الفيلسوف الكبير لم يكن يعلم عن الإسلام شيئًا، كما أنه لم يقف على وضع المرأة وحقوقها في هذه الديانة، وإنما استمد معلوماته من مصادر مغرِضة، أو من أوضاع المسلمين المتردية؛ فظنَّ أن هذا هو ما يأمر به الإسلام! ذلك لأن القاعدة الكلية في الإسلام هي أن النساء متساويات مع الرجال … وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (البقرة: ٢٢٨). وللمرأة قبل الزواج شخصيتها المدنية المستقلة عن شخصية أبيها، أو مَن تحت رعايته؛ فلا يجوز أن تتزوج كرهًا، ففي الحديث الشريف «تستأمر النساء في أبضاعهن، والثيب يُعرب عنها لسانها، والبكر تستأمر في نفسها، فإن سكتت، فقد رضيت.» أيضًا «الأيِّمُ أحق بنفسها من وليها …» وإذا كان ذلك لا يُنفَّذ في المجتمعات الإسلامية؛ حيث تُكرَه الفتاة على زيجة معينة؛ فالخطأ هنا هو خطأ المسلمين لا الإسلام. وخطأ العادات والتقاليد التي أضفوا عليها قدْرًا من القداسة، حتى حلَّت محل مبادئ الدين السامية، حتى وإن تشدَّقوا بها في كل مناسبة دون أن يربطوا بين المثال والواقع.
وتستمر شخصية المرأة المدنية — الشخصية المستقلة الكاملة — حتى بعد الزواج؛ فالزواج في الإسلام لا يُفقِد المرأة اسمها، ولا أهليتها في التعاقد، ولا حقها في التملُّك، بل تظل المرأة المسلمة بعد زواجها محتفظة باسمها، واسم أسرتها، وبكامل حقوقها المدنية، وأهليَّتها في تحمُّل الالتزامات، وإبرام مختلف العقود من بيعٍ وشراء، ورهن، وهِبة، ووصية، وما إلى ذلك. ومحتفظة بحقها في التملك تملكًا مستقلًّا عن غيرها؛ فلها ثروتها الخاصة، وذمتها المالية، وهي في هذا كله مستقلة عن شخصية زوجها، وثروته، وذِمته، ولا يجوز للزوج أن يأخذ شيئًا من مالها، بل ولا يحق له أن يسترد شيئًا كان قد أعطاها إياه: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا … (البقرة: ٢٢٩)، وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً … (النساء: ٤)، ولا يحل للزوج أن يتصرف في شيء من أموالها إلا إذا أذنت له بذلك، أو وكَّلته في إبرام عَقد بالنيابة عنها.
أما الآيات الكريمة التي أُسيء تفسيرها طويلًا، وقام الرجل بتأويلها حسب مزاجه ومصالحه الخاصة — مثل وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (البقرة: ٢٢٨) والرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ (النساء: ٣٤)، فهي لا تتحدث عن الرجل والمرأة بإطلاق، بل عن العلاقة بين الزوج والزوجة داخل الأسرة، ولمَّا كانت الأسرة مفهومًا أخلاقيًّا، أساسًا، وليست مفهومًا سياسيًّا، ولمَّا كان دور الأسرة هو تربية الأطفال وغرس القِيَم، تطلَّب الأمر أن تتجمَّع الخيوط في يد طرفٍ يكون له «درجة» أعلى في حسم الأمور الخلافية، لا سيما الأخلاقية منها بوجهٍ خاص، وهي تكون عادة في يد الزوج بوصفه مصدرًا لدخل الأسرة؛ فالرجال قوَّامون على النساء بما أنفقوا من أموالهم، وهو ما ينادي به «مل» تمامًا! فليس وضع المرأة في الأسرة منحطًّا، وكيف يمكن أن نقول ذلك بعد ما ذكرنا لها من حقوقٍ في التملُّك والأهمية … إلخ؟ بل إن من الجائز شرعًا أن تكون «العصمة» في يدها، وأن تقوم هي بتطليق الرجل! فمن الغَبن، إذن، أن يوضع الإسلام في مرتبة واحدة مع البرهمية، التي تعتبر الاستيلاء على المرأة بالقوة لتكون زوجة في طبقة الكشاترية (الجند) وسيلةً مشروعة! وهم يسمونها الزواج بطريقة الجبابرة أو العمالقة! بل حتى ولا مع اليهودية، التي تبيح للأب بيع ابنته، وتجعل من الأرملة زوجة تلقائية لشقيق زوجها المتوفَّى، رضيت بذلك أو كرهت!
إن المرأة المتزوجة في أوروبا كانت — على عهد «مل» — تُوصَف بالقصور المدني؛ فلا يجوز لها أن تهب شيئًا من مالها، أو أن تنقله إلى غيرها، ولا أن ترهن شيئًا … إلخ إلا باشتراك الزوج في العَقد، وموافقته عليه موافقةً كتابية! كما أنها، كما هو معروف، تفقد اسمها، واسم أسرتها، بمجرد زواجها، وتحمل اسم زوجها وأسرته، وهذا يعني فقدان الشخصية المدنية، واندماجها في شخصية زوجها … كما سبق أن ذكرنا، وهي كلها أمور يرفضها الإسلام، وإن كان المسلمون، بسبب تخلُّفهم، يتركون جوهر الدين لتتحوَّل العادات والتقاليد إلى أمورٍ مقدسة لا ينبغي المساس بها!
•••
ويتحدث «مل»، في الفصل الثالث، عن «عمل المرأة»، وهو يعتقد أن هناك مبدأ هامًّا تحتِّمه فكرة المساواة العادلة بين الرجل والمرأة، وهو السماح للمرأة بالعمل في جميع الوظائف والمهن التي ظلَّت حتى الآن حكرًا على الرجال. ولا شك أن تحريم عمل المرأة يعود إلى رغبة الرجل في الإبقاء عليها داخل الحياة المنزلية لأنه لم يعتَد بعدُ فكرة العيش مع شخص كفء أو ندٍّ أو نظير له، وإلَّا لوافق الرجل على أن من الحيف أن نستبعد نصف الجنس البشري من كثير من المهن والوظائف التي يمكن أن يكون لها دور بارز فيها، وذلك بأن يفرض عليها منذ المولد أنها لا تصلح إلا لعمل المنزل.
وكانت الحُجة التي تُساق ضد عمل المرأة تسير على النحو التالي:
غير أن هذه الحُجة باطلة في رأي «مل» لأن تجربة العصور الماضية — إلى جانب تجربة العصور الحديثة — أكدت قدرة النساء على القيام بنجاح بأي شيء، وكل شيء، يقوم به الرجال، وبطريقة مشرِّفة، بل الواقع يقول إن كثيرًا من الوظائف الموجودة في المجتمع يشغلها رجالٌ أقل كفاءة وصلاحية من العديد من النساء، ولو أنهم دخلوا معهن في منافسة عادلة لهُزموا بسهولة، مع اعترافنا أن هناك عددًا من الرجال يشغلون وظائف أخرى قد يكونون أصلح لها من النساء، وتلك مسألة طبيعية تُوجد في جميع ألوان التنافس.
وينتهي «مل» من ذلك إلى القول بأنه ليس من العدل، ولا من الإنصاف، ولا من الأخلاق أن ننكر حق النساء — مثل بقية الموجودات البشرية — في اختيار العمل الذي يقمن به تبعًا لمَا يفضِّلنه على مسئوليتهن. والواقع أن تحريم العمل على النساء لا يقتصر ضرره عليهن فقط، بل يلحق أيضًا بمن يستفيد من خدماتهن. فنحن عندما نحرِّم على أشخاص معينين مهنة الطب أو المحاماة أو عضوية البرلمان، فإن الضرر الناجم عن هذا التحريم لا يقع على عاتق هؤلاء الأشخاص وحدهم، بل يلحق أيضًا بمن يتعاملون مع الأطباء أو المحامين، أو ينتخبون أعضاء البرلمان، لأنهم سيُحرَمون من ثمار اشتداد المنافسة. ويركز «مل»، بصفة خاصة، على ثلاثة أمور هي:
أولًا: حق الاقتراع أو التصويت Suffrage
أو المشاركة في الانتخابات البرلمانية والبلدية. وكذلك حق المساهمة في اختيار مَن ستئول إليهم أيَّة مهمة عامة، وإذا كنا نعطي المرأة الحق في اختيار الزوج، ألَا ينبغي بالأحرى أن نعطيها الحق في اختيار مَن سيتولَّون حكمها، وإدارة دفة الأمور في البلاد؟!
ثانيًا: الوظائف العامة
إذا كانت الأوضاع السياسية تستبعد الرجال غير المناسبين من شغل الوظائف العامة، فإنها تستبعد أيضًا النساء غير الصالحات لشغل هذه الوظائف؛ ومن ثَم فلو كنا نعترف أن هناك عددًا صغيرًا من النساء يصلحن لهذه الوظائف، فإن القوانين التي تُغلق الباب في وجه هذه الاستثناءات لا يمكن تبريرها بالالتجاء إلى قدرات النساء بصفة عامة.
ثالثًا: الفروق العقلية
•••
في الفصل الرابع والأخير يناقش «مل» النتائج أو المزايا والفوائد المترتبة على «تحرير المرأة»، وهو يعتقد أن أعظم هذه الفوائد يكمن أساسًا في تنظيم العلاقات البشرية تنظيمًا جديدًا يقوم على العدل لا الظلم، مما يترتب عليه زوال الكثير من الصفات السيئة كالأنانية، وعبادة الذات وتفضيل المرء لنفسه تفضيلًا غير منصف … إلخ، فهذه الرذائل جميعًا تستمد، في رأي «مل»، غذاءها الرئيسي من الوضع الحالي السيئ للعلاقة بين الرجل والمرأة؛ فالطفل الذي ينشأ في ظل العلاقات القائمة، ويبلغ مبلغ الرجال وهو يعتقد أنه وُلد ذكرًا، وحتى إذا ما كانت هناك امرأة تقوم بتوجيه سلوكه، فسوف يعتقد — إذا كان غبيًّا — أنها لا تساويه، ولا يمكن أن تساويه في رجاحة العقل، والقدرة على الحكم. أما إذا كان ذكيًّا، فسوف يفعل ما هو أسوأ؛ لأنه سوف يكتشف أنها أسمى منه، لكنه، من حقه — رغم ذلك — أن يأمرها، وعليها السمع والطاعة.
فما هو أثر هذا الدرس في شخصيته عندما يشب عن الطوق، ويبلغ مبلغ الرجال؟ سوف يؤدي ذلك، بالقطع، إلى انحراف كيان الرجل كله، كفردٍ وكائنٍ اجتماعي. وهو شعور يوازي بالضبط شعور الملك أنه أسمى من الآخرين جميعًا لأنه وُلد ملِكًا، وشعور النبيل بسموه لأنه وُلد نبيلًا. ومن الواضح أن ذلك يؤدي في الحال إلى عبادة الذات عند الذكور. ذلك لأن الموجودات البشرية لا تنشأ منذ نعومة أظفارها على امتلاك ميراثٍ لم تكسبه بنفسها دون أن يترك فيها ذلك أثرًا سيئًا عندما يجعلها تشعر بالتفاخر الزائف بسبب تقدير المرء لذاته، بناءً على ميراثٍ عارضٍ لم يكسبه بنفسه، وليس من صُنع يده، وعلى هذا النحو تتشكَّل شخصية الرجل المبنية على زهوٍ كاذبٍ وعجرفة وغرورٍ فارغ، وفظاظة لا معنى لها، إذا استطاع كبحها مع أنداده من الرجال — لأنه سيلقى منهم مقاومة — فإنها تنفجر في جميع مَن هم في وضعٍ يُرغمهم على تحمُّله: موظفون يعملون تحت إدارته، أو عمال في مصنعه، أو زوجة مسكينة في منزله … إلخ.
إن الحياة الزوجية، بوضعها الحالي، تقوم على علاقة تتناقض مع أول مبدأ من مبادئ العدل الاجتماعي، وهي لهذا السبب تؤدي في الحال إلى انحراف شخصية الرجل، أو تشكيل شخصية غير سوية، وها هنا تكون الفائدة الكبرى التي نجنيها من هذه العلاقة، هي أن نصل إلى المبدأ الأساسي في الأخلاق والسياسة، وهو أن السلوك وحده هو الذي يؤدي إلى الاحترام، أعني أن حق الرجل في التقدير والاحترام، لا يتوقف على وضعه، بل على عمله، وأن السبيل الوحيد المشروع للحصول على السلطة هو التفوق، وليس مجرد أنه وُلد ذكرًا.
أما الفائدة الثانية، التي نتوقعها من «تحرير المرأة»، وفتح أبواب العلم أمامها، وتشجيعها بنفس المكافأة التي تُدفع للرجل، هي مضاعفة المَلَكات العقلية المتاحة لخدمة البشر، فحيثما يوجد الآن شخص واحد مؤهل لخدمة المجتمع، كأن يكون طبيبًا أو مهندسًا أو مدرسًا، أو مديرًا لبنك … إلخ، فسوف تكون هناك فرصة لوجود شخصَين. فإذا عرفنا أن التفوق العقلي الآن، في كل مكان، أقل كثيرًا من المطلوب، أدركنا أن هناك نقصًا شديدًا في الأشخاص ذوي الكفاءة للقيام بالأمور التي تتطلب إتقانًا ومقدرةً كبيرة؛ بحيث إن خسارة العالم تكون فادحة، إذا ما رفض استخدام نصف ما يمتلك من مواهب، بحرمان المرأة من مشاركة الرجل في العمل في الوظائف المختلفة.
وهذه الإضافة الكبيرة للمقدرة الذهنية للجنس البشري، ولمقدار القدرات العقلية المتاحة لإدارة الأمور إدارة طيبة، سوف تتحقق عن طريق تربية النساء تربيةً ذهنيةً أفضل مع تنشئة الرجال بنفس الطريقة التي تجعل المساواة بين الجنسَين حقيقةً واقعية؛ فينتهي بذلك غرور الرجل وعجرفته. وهكذا نستطيع أن نقول، في اطمئنان، إن تحطيم الحواجز التي تعوق تحرير المرأة، وتمنعها من الانطلاق، سيكون ذا فوائد جمة، فضلًا عن أنه، في حد ذاته، فضيلة تربوية ذات قيمة كبرى.
كما يذهب «مل»، أيضًا إلى أن تحرير المرأة سوف يجعل تأثير النساء في معتقدات البشر ومشاعرهم تأثيرًا أفضل مما كان عليه في الماضي، فلا شك أنه كان للنساء تأثيرٌ قوي في المعتقدات والمشاعر على مَر التاريخ. ويشير «مل» بصفةٍ خاصة إلى أن اعتناق الأنجلو ساكسون للديانة المسيحية بدأ بزوجتَي ملِكَين هما «إثلبرت»، «وكلوفيس». كما يشير كذلك إلى الأثر العارم الذي كان للنساء في عصر الفروسية؛ فقد بلغ تأثير النساء في المشاعر والتهذيب الأخلاقي للجنس البشري ذروته في المثال الأعلى للفروسية. ولا يمكن أن نقول إن تأثير النساء في الوقت الحاضر أصبح أقل من ذلك، أو إنه انتهى بانتهاء عصر الفروسية، وكل ما هنالك أنه لم يعُد محددًا واضح المعالم كما كان.
ويعتقد «مل» أنه ما زال لتأثير النساء قيمة كبيرة في سِمتَين من أبرز سِمات الحياة الأوروبية الحديثة هما: نفورها من الحرب، واتجاهها نحو الأعمال الخيرية، وهما صفتان ممتازتان، وكثيرًا ما كان لهما تأثير قوي في الرأي العام، لا سيما إذا ما صدرا عن شخصية نسائية تتمتع بالاستقلال والحرية، قادرة على إلقاء الدروس حول هذه الأمور في جمعٍ من الناس. غير أن المرأة التي رضيت منذ مولدها بمصيرها الحالي، لن تستطيع تقدير قيمة الشخصية المستقلة، لأنها هي نفسها ليست مستقلة بذاتها؛ فقد أصبح قدرها أن تتلقَّى كلَّ شيء من الآخرين، فكيف يمكن، إذن، أن تشعر أن ما ترضى به هو نفسه شيء سيئ بالنسبة للفقراء؟!
وهكذا يشدِّد «مل» على أهمية الشخصية الحرة المستقلة القادرة على احترام نفسها واحترام الآخرين، سواء أكانت شخصية الرجل، أم شخصية المرأة. ومن هذه الزاوية يصل التشابه بين كتاب الحرية، وكتاب «استعباد النساء» إلى أقصى مدًى، عندما نصل إلى دعوة «مل» في نهاية الفصل الأخير إلى ضرورة الثورة على عاداتنا الاجتماعية التي تنظم العلاقة بين الرجل والمرأة، وذلك لكي نبني الشخصية المستقلة، وحتى يصبح الرجل والمرأة ندَّين؛ فالحُجة هنا مستمدة أساسًا من فكرته عن «الفردية المستقلة»، التي شرحها بالتفصيل في كتاب «الحرية».
•••
والواقع أن «مل» حظي بمكانة مرموقة بين المدافعين عن حقوق المرأة، لا فقط بسبب موقفه التاريخي المناضل من أجل المساواة بين الجنسَين، بل أيضًا بسبب تعارض نظريته مع المنظور البيولوجي الواضح عند «فرويد» (١٨٥٦–١٩٣٩م).
فقد رفض الأخير كتاب «مل» وسخط عليه، وراح يؤكد لخطيبته أنه يريد أن يجنِّبها قسوة العالم، وما فيه من شرور، وأنه لهذا السبب يرفض مقترحات «مل» العقلانية التي تدعو إلى المساواة بين الجنسَين، ويسخر منها بوصفها آراء رجلٍ ساذجٍ، بل أبله!
هذا هو الكتاب الذي نقدمه اليوم إلى المرأة العربية في سلسلة «الفيلسوف … والمرأة» مساهمة منا في الدعوة إلى تحريرها من الأصفاد والأغلال التي تعوقها عن الحركة، وتمنعها من الانطلاق لتشارك الرجل في مجتمعٍ حر، بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة.
والله نسأل أن يهدينا جميعًا سبيل الرشاد.