الفصل الأول

قانون القوة

«لا ينبغي النظر إلى قضية المرأة على أن الحُكم قد صدر فيها مقدمًا، عن طريق الواقع القائم والرأي العام السائد، بل لا بد من فتحها للنقاش على أساس أنها مسألة عدالة …»

(مل)

غايتي من هذا البحث أن أفسر، بقدر ما أستطيع من الوضوح، الأسس التي يقوم عليها الرأي، الذي أخذتُ به منذ فترة مبكرة من حياتي، عندما بدأتُ في تكوين آراء عن الشئون الاجتماعية أو السياسية — وهو رأي، بدلًا من أن يُضعفه الزمن أو يغيِّر منه — كان يزداد قوة على الدوام، مع تقدُّم الفكر وتجربة الحياة. أما هذا الرأي، فهو أن المبدأ الذي ينظم العلاقات الاجتماعية بين الجنسَين (الذكور والإناث)، ويجعل خضوع أحد الجنسَين للآخر عملًا مشروعًا، هو مبدأ خاطئ في ذاته؛ كما أنه يمثل عقبة رئيسية أمام التقدم البشري؛ ومن ثَم؛ فينبغي أن يزول ليحل محله مبدأ المساواة التامة الذي لا يسمح بوجود سلطة أو ميزة في جانب وعجز وعدم أهلية في جانب آخر.

إن الكلمات الضرورية ذاتها التي اخترتها للتعبير عن المهمة التي أخذتُ على عاتقي القيام بها، تُبيِّن صعوبة هذه المهمة. لكن سوف يكون من الخطأ أن نفترض أن هذه الصعوبة نفسها راجعة لعدم كفاية الأسس العقلية التي سوف يقوم عليها اقتناعي، أو غموض هذه الأسس، ذلك لأن مصدر الصعوبة يكمن في أن القضية تنطوي على مجموعة من المشاعر ينبغي التغلُّب عليها. فما دامت فكرة اللامساواة بين الجنسين متأصلة الجذور في مشاعر الناس، فإن قوة الحُجة ضدها يزيدها رسوخًا بدلًا من أن يزعزعها. ذلك لأن الناس عندما يقبلون فكرةً ما بناء على حُجج معينة، فإن دحض هذه الحُجج يهز أسس الاعتقاد. أما عندما يقبلون الفكرة بناءً على المشاعر وحدها، فإنه كلما قويت الحُجة ضد هذه المشاعر، زاد اقتناع أنصارها بأن مشاعرهم لا بد أن تكون أعمق غورًا من أن تصل إليها هذه الحُجج. وما دامت المشاعر باقية، فإنها تقوم، باستمرار، بتعزيز دفاعاتها، وإصلاح ما انهار من حُججها القديمة. وهناك أسباب كثيرة تجعل المشاعر المتعلقة بهذا الموضوع أشد كثافة، وأعمق جذورًا من كل المشاعر التي تتجمَّع حول الأنظمة والتقاليد القديمة وتقوم بحمايتها، حتى إنه ليس ثمة ما يدعو إلى العجب عندما نجد إنها لم تتقوض بفضل التقدم أو التحوُّل الاجتماعي والروحي الحديث، بل إنها أقل ضعفًا من بقية المشاعر الأخرى. كما يجب ألا نفترض أن البربرية (الهمجية) التي تَمَسَّك بها الناس طويلًا لا بد أن تكون أقل همجية من تلك التي تخلَّوا عنها.

إن العبء الذي يحمله أولئك الذين يأخذون على عاتقهم مهاجمة رأي، يكاد يجمع الناس عليه، هو عبء ثقيل من كل وجه. فهم لا بد أن يكونوا محظوظين جدًّا، وعلى درجة غير عادية من الكفاءة لو أصاخ لهم الناس السمع على الإطلاق. فهناك صعوبة كبيرة في أن ننتزع من الناس اعترافًا بأن هناك قضية (خاصة بالمرأة)، وهي صعوبة تزيد على الصعوبة التي يواجهها الآخرون في الحصول على قرار أو حكم. فإذا نجحنا في انتزاع هذا الاعتراف، وأصاخوا السمع، فرضوا علينا مطالب منطقية، تختلف اختلافًا تامًّا عما يُطلَب من غيرنا من الناس. فمن المفروض أن عبء البرهان، في جميع القضايا الأخرى، يقع على من يريد أن يثبت شيئًا، فإذا ما اتُّهم شخص بجريمة قتل، مثلًا، وقع عبء البرهان على مَن اتهموه؛ فإن عليهم وحدهم مسئولية إثبات ارتكابه للجريمة، وليس عليه هو أن يُثبِت براءته. وإذا وقع خلاف في الرأي حول واقعة تاريخية مزعومة، لا تهم مشاعر الناس كثيرًا، بصفة عامة، كحصار طروادة، مثلًا، فإن أولئك الذين يؤكدون وقوع «حصار طروادة» عليهم أن يثبتوا ذلك، وأن يقدموا براهينهم، قبل أن يُطلَب من المعارضين أن يقولوا شيئًا، بل لا يُطلب منهم، في أي وقت، أكثر من تفنيد البراهين التي يقدمها المؤيدون لواقعة الحصار، وبيان أنها لا قيمة لها، وقُل مثل ذلك في المسائل العلمية؛ فالمفروض أن يقع عبء البرهان على أولئك الذين يعارضون الحرية، ويدافعون عن كل قيد، وكل تحريم، إما بتقييد الحريات العامة للأفعال البشرية، وإما بحرمان أي شخص أو مجموعة من الأشخاص من مزايا يتمتع بها غيرهم. فالافتراض السابق لأي افتراض آخر يؤيد الحرية، وعدم التمييز بين الناس. إذ من المفروض ألَّا تكون هناك قيود إلا ما يتطلَّبها الصالح العام، وألَّا يميز القانون بين الناس، بل يعاملهم جميعًا على قدم المساواة، اللهم إلا إذا كان التمييز في المعاملة لأسبابٍ موضوعية، تتطلَّبها العدالة أو السياسة العامة للدولة. ولكن أولئك الذين يعتنقون الرأي الذي أذهب إليه (ويدافعون عن قضية المرأة) لا يُسمَح لهم بالاستفادة من أية قاعدة من قواعد الإثبات هذه. في رأيي، إنه من نافلة القول أن نشير إلى أن أولئك الذين يذهبون إلى أن للرجال حقَّ الأمر، وأن على النساء واجب الطاعة، أو أن الرجال يصلحون للحكم وإدارة شئون الدولة، في حين أن النساء لا يصلحن لذلك، يمثِّلون الجانب الإيجابي في هذه القضية، ومن ثَم فعليهم مهمة الإثبات، وتقديم البراهين والأدلة الإيجابية، التي تثبت ما يؤكدونه أو أن ترفض دعواهم. ومن نافلة القول أيضًا أن نذكر أن أولئك الذين ينكرون على النساء أي حق في الحرية أو ميزة يتمتع بها الرجال، يؤكدون افتراضًا مسبقًا مزدوجًا ضد أنفسهم هو: معارضتهم للحرية، وتأييدهم للتحيز، وأنهم مطالبون بتقديم الدليل الحاسم على صدق دعواهم، وما لم ينجحوا في إزالة أي شك في قضيتهم، فإنه يتعيَّن صدور الحكم ضدهم. وربما نذهب إلى أن هذه المواقف سليمة وصحيحة، وأنها عادلة في أية قضية عامة، لكنها، مع ذلك كله، لن تكون كذلك في قضية المرأة. ولذلك فإن القارئ يتوقع مني — حتى يكون لديَّ أمل في التأثير عليه — لا أن أرد فقط على كل ما يمكن أن يقولوه، وأبحث عن مبرراته، وأرد عليها. وإلى جانب تفنيد حجج الإثبات كلها، سأكون مطالبًا بتقديم حُجج إيجابية حاسمة لإثبات السلب (أي سلب موقفهم، وهو تأييد حقوق المرأة)، وحتى إذا استطعتُ أن أقوم بذلك كله، وتركتُ حزب المعارضة (أي خصوم المرأة) أمام مجموعة كبيرة من الحُجج لا تُدحض، ولم أترك حُجة واحدة بغير تفنيد، فإن ذلك كله سوف يُعتبَر عملًا ضئيل الشأن، من المفترض أن قضيتهم (أي معارضة حقوق المرأة) يدعمها العُرف العام من ناحية، والمشاعر القوية لدى الناس من ناحية أخرى، بطريقة تفوق أي اقتناعٍ يعتمد على العقل، حتى إن العقل لن يكون له سلطان إلا عند فئة قليلة من المثقفين.

وأنا لا أذكر هذه المصاعب والعقبات على سبيل الشكوى:

  • أولًا: لأن الشكوى لا غناء فيها؛ فالمصاعب والعقبات لا بد منها إذا ما أراد المرء التأثير على عقول الناس ضد مشاعرهم وعواطفهم وميولهم أو اتجاهاتهم العملية.
  • ثانيًا: إن عقول الغالبية العظمى من البشر يجب أن تصل إلى مستوًى أعلى مما وصلت إليه في أي وقت، قبل أن يُطلب إليها الاعتماد على قدرتها الخاصة في تقييم الحُجج، والإقلاع عن المبادئ العملية التي وُلدوا فيها، وعاشوا معها — والتي هي الأساس للجانب الأكبر من النظام الاجتماعي القائم في العالم — عند أول هجوم بالحُجج، وإنما لثقتهم الشديدة في هذه المبادئ العامة، وإيمانهم بالعادات، والتقاليد، والمشاعر العامة، أكثر مما ينبغي.
  • ثالثًا: إحدى الخصائص المبتسرة للعقل في القرن التاسع عشر ضد عقلانية القرن الثامن عشر هي أنه وصف العناصر اللامعقولة في الطبيعة البشرية بالعصمة من الخطأ، وهي الصفة التي كان يعزوها القرن الثامن عشر للعناصر العقلية وحدها.١ فاستبدلنا بتأليه العقل تأليه الغريزة.

ونحن نُطلِق كلمة «الغريزة» على كل ما نجده في أنفسنا، ولا نستطيع أن نعثر له على أساسٍ عقلي. إن عبادة هذا الصنم «الغريزة» لهو أكثر انحطاطًا بكثيرٍ من عبادة الأصنام الأخرى، وأشد ضررًا من جميع العبادات الأخرى الزائفة التي تسود عصرنا الحاضر؛ بل إن «عبادة الغريزة» لَتمثل الآن الدعامة الرئيسية لجميع العبادات الأخرى، وسوف تظل قائمة، في الأعم الأغلب، إلى أن تتراجع أمام علم نفسٍ سليمٍ، يكشف عن الجذور الحقيقية لكثيرٍ مما ننحني أمامه بوصفه نية «الطبيعة»، وقصدها، وخطة «الله» وأوامره. أما بخصوص المشكلة الراهنة (وهي حقوق المرأة)، فأنا أوافق عن طِيب خاطر على الشروط والظروف غير المحبوبة التي تعيِّنها لي الأحكام المبتسرة. فأنا أسلِّم أن العادات والمشاعر تنتمي في كل عصر إلى أسبابٍ أخرى غير كونها صحيحة، وأنها تستمد قوتها من أسوأ جوانب الطبيعة البشرية، وليس من أفضل جوانبها … وأنا أقبل، عن طِيب خاطر، أن يصدر الحكم ضدي ما لم أستطع أن أثبت أن هناك تلاعبًا مع القاضي، وليس ذلك أمرًا عسيرًا كما قد يبدو، بل إن إثباته هو أسهل جوانب مهمتي.

إن عمومية ممارسة من الممارسات، أو عادة من العادات، هي، في بعض الحالات، دليلٌ قوي على أنها تحقق، أو كانت تحقق، غاياتٍ محمودة. وتلك هي الحال عندما نأخذ بهذه العادة لأول مرة، أو عندما تستمر في تواجدها بعد ذلك، كوسيلةٍ لتحقيق مثل هذه الغايات، وتكون قد تأسست بعد تجربة الطريقة التي تؤدي، أكثر من غيرها، إلى بلوغ الغايات. فإذا كانت سُلطة الرجال على النساء عندما بدأت أول الأمر، كانت نتيجة لمقارنة واعية بين الطرق المختلفة التي تنظم حكم الجماعة، أي أنه إذا كان قد تقرر بعد تجربة الطرق المختلفة التي تقوم بعملية التنظيم الاجتماعي، أعني تجربة سيطرة النساء أو حكمهن على الرجال، ثم تجربة المساواة بين الجنسين، والطرق الأخرى من الحكم المختلطة والمنقسمة التي يمكن ابتكارها، واستقر الرأي على أن الوضع الاجتماعي الذي يكون فيه النساء تحت سيطرة الرجال وحكمهم تمامًا، بحيث لا يكون لهن نصيب على الإطلاق يشاركن به في الشئون العامة؛ مما يترتب عليه أن تُلزَم كل امرأة — قانونًا — بالطاعة للرجل، الذي ارتبط مصيرها به، هذا الوضع هو أفضل طريقة تشهد بها التجربة، وهي تؤدي إلى سعادة الجنسين معًا ورفاهيتهما، فإن القبول العام لهذا الوضع يمكن أن يُعد دليلًا على أنه كان أفضل الأوضاع في الوقت الذي أُخذ به فيه. وإن كان حتى في هذه الحالة يمكن أن تكون الاعتبارات التي أدَّت إلى الأخذ به قد انتهت، ولم يعُد لها وجود، شأنها شأن كثير من الوقائع الاجتماعية البدائية ذات الأهمية الكبرى.

لكن الوضع في قضية المرأة هو عكس ذلك من جميع النواحي:

  • أولًا: إن الرأي الذي يؤيد النظام الحالي الذي يخضع فيه الجنس الضعيف خضوعًا تامًّا للجنس الأقوى، يقوم على النظرية فحسب، بمعنى أنه لم يحدث قَط تجربة أي نظام آخر، وهكذا لا نستطيع أن نقول التجربة بمعناها البسيط، الذي يجعلها تقابل النظرية، قد أصدرت حكمها في هذا الموضوع.
  • ثانيًا: لم يكن الأخذ بهذا النظام الحالي، نظام اللامساواة، الذي يجعل المرأة خاضعةً للرجل، نتيجةً للتفكير أو التروِّي أو بُعد النظر، أو نتيجةً لأية أفكار اجتماعية، أو أية أفكار عمَّا هو صالح للمجتمع، أو يعمل لخير البشرية. بل إنه انبثق، ببساطة، من واقعة أنه منذ الخيوط الأولى لفجر المجتمع البشري، وكل امرأةٍ تجد نفسها في حالة عبودية لرجلٍ ما (تبعًا للقيمة التي يضفيها عليها الرجال مصحوبة بضعف قوتها البدنية). وتبدأ القوانين السياسية باستمرارٍ بالاعتراف بالعلاقات التي تجدها قائمةً بالفعل بين الأفراد، فهي تحيل الواقع المادي إلى حقٍّ مشروع، وتُضفي عليه تصديقًا من المجتمع، وهي تهدف أساسًا إلى إحلال الوسائل العامة، التي تؤكد هذه الحقوق وتحميها، محلَّ صراع القوة المادية، الذي لا يخضع لتنظيمٍ أو قانون. وهكذا يصبح أولئك الذين أُرغموا على الطاعة (النساء أو العبيد) ملزَمين بها عن طريق القانون. وبدلًا من أن تكون العبودية مسألة قوة بين السيد والعبد، تصبح منظَّمة، وموضع اتفاق، بين السادة الذين يلتزمون الواحد قِبَل الآخر بتوفير الحماية المشتركة لممتلكات كلٍّ منهم الخاصة، بما فيها عبيدهم، وهي حماية تضمنها قوتهم الجماعية. وفي العصور الأولى كانت الغالبية العظمى من الرجال عبيدًا، كما كان الأمر كذلك بالنسبة لكل النساء. وانقضت عصور كثيرة، كان بعضها عصور ثقافة رفيعة، قبل أن تظهر لدى أي مفكر الجرأة الكافية ليطرح السؤال عن مدى مشروعية عبودية هذا الجنس أو ذاك، وعن الضرورة الاجتماعية المطلَقة لهذه العبودية. وبالتدريج ظهر أمثال هؤلاء المفكرين، وفي النهاية تم إلغاء عبودية جنس الرجال، على الأقل في كل بلاد أوروبا المسيحية (وإن كان هذا الإلغاء لم يتم في أحد هذه البلاد إلا في السنوات القليلة الماضية)، أما عبودية النساء، فقد تغيَّرت بالتدريج إلى صورةٍ معتدلة من التبعية. إلا أن هذه التبعية — على نحو ما توجد في الوقت الحاضر — ليست نظامًا أصيلًا بدأ بدايةً جديدة، منطلِقًا من اعتبارات خاصة بالعدالة أو المصلحة الاجتماعية، بل استمرت الحالة البدائية للعبودية، بعد أن مرَّت بألوانٍ متعاقِبة من التخفيفات والتعديلات، دفعت إليها الأسباب نفسها التي لطَّفت الطرائق العامة للسلوك، وأخضعت جميع العلاقات البشرية أكثر فأكثر لسيطرة العدالة ونفوذ الإنسانية. وإن كان هذا النظام لم يفقد، حتى الآن، سِمة أصله الوحشي. والشيء الوحيد الذي يمكن افتراضه لتأييده، لا بد أن يقوم على أساس أن هذا النظام ظل قائمًا حتى الآن، في الوقت الذي انتهت فيه كثير من الأشياء الأخرى التي انحدرت إلينا من هذا المصدر الكريه نفسه. والواقع أن هذا هو السبب الذي يجعل غريبًا على الأذن العادية أن تسمعنا نقول إن اللامساواة في الحقوق بين الرجال والنساء تعود أساسًا إلى قانون الأقوى، وليس لها أصلٌ سواه.

وقد يبدو في هذه العبارة شيء من المفارقة، غير أن ذلك، من بعض الجوانب، ميزة لتقدم الحضارة، وترقية المشاعر الأخلاقية للجنس البشري. فنحن نعيش الآن — أقصد تعيش أُمة أو أمَّتان من أكثر أمم العالم تقدمًا — في حالة يبدو فيها أن قانون الأقوى قد انتهى أمره تمامًا، بوصفه المبدأ الذي ينظم شئون العالم. فليس هناك مَن يدعو إليه، كما أنه لا يسمح بممارسته فيما يتعلق بالعلاقات بين الموجودات البشرية. وعندما ينجح شخص ما في هذه الممارسة؛ فإنه يَدَّعِي أن ذلك يتم بناء على مصلحة اجتماعية معينة، ولما كانت تلك الحالة الظاهرة للأمور، فإن الناس تخدع نفسها بالقول بأن قانون القوة المحض قد انتهى أمره، ولا يمكن أن يكون مبررًا لوجود أي شيء ظل يعمل بكامل قوته حتى الوقت الحاضر. وقد يُقال إنه أيًّا ما كانت البداية التي بدأت منها مؤسساتنا وأنظمتنا الحالية، فقد بقيت قائمةً في هذه الحقبة من الحضارة المتقدمة، بسبب ملاءمتها للطبيعة البشرية، وما تؤدي إليه من خيرٍ عام. وأصحاب هذا الرأي لا يفهمون مدى الحيوية العظيمة، والقدرة على البقاء التي تتسم بها الأنظمة التي تضع الحق إلى جانب القوة، ولا مدى الشدة التي تتمسَّك بها، وكيف أن المشاعر والصفات الحسنة والسيئة، على حدٍّ سواء، عند مَن يملكون القوة والسلطة في يدهم، تتَّحد بحيث تعمل على إبقائها، وكيف أن زوال الأنظمة، الواحد بعد الآخر، يحدث ببطء شديد؛ بحيث يزول في البداية أضعف هذه النظم، ولا سيما أقلها التحامًا بعادات الحياة اليومية، وكيف أنه يندر جدًّا أن يفقد القوة القانونية أو الشرعية أولئك الذين حصلوا عليها، لأنه كانت لديهم منذ البداية القوة المادية إلى أن انتقلت هذه القوة المادية إلى الجانب الآخر. غير أن هذا الانتقال للقوة المادية لم يحدث في حالة النساء، بل إن هذه الحقيقة، إلى جانب جميع الخصائص الأخرى التي اتسمت بها هذه الحالة الخاصة (حالة اللامساواة والغبن التي توجد فيها النساء)، جعلت من المؤكد منذ البداية أن هذا الفرع من نظام الحق المبني على القوة آخر ما يختفي من فروعه، على الرغم من أن حدَّته خفَّت في أشد جوانبه سوءًا، في مرحلة مبكرة من الأوضاع الاجتماعية المبنية على القوة، قائمًا وسط ألوانٍ من الأنظمة والمؤسسات التي تقوم على العدالة والمساواة، وهو بذلك يظل استثناءً فريدًا لقوانين هذه الأنظمة وعاداتها. وما دام هذا الوضع لم يعلن عن أصله، كما أن المناقشات لم تكشف عن طابعه الحقيقي، فلن يشعر أحد بأنه يتضارب مع الحضارة الحديثة، إلا بالقدر الذي كان الإغريق يشعرون معه أن فكرة «رقيق المنزل» كانت تتضارب مع فكرتهم عن أنفسهم كشعبٍ حر.

والحق أن شعوب الجيل الحاضر، والجيلَين — وربما الثلاثة — الماضيَين، فقدوا كل حسٍّ عملي بالوضع البدائي للبشرية. وليس هناك سوى قِلة ضئيلة ممن درسوا التاريخ بدقة، أو تردَّدوا كثيرًا على تلك الأجزاء من العالم التي يسكنها أناسٌ يمثِّلون العصور السحيقة الماضية، تستطيع أن تكوِّن صورةً عقلية عما كان عليه المجتمع في تلك العصور. ولا يدرك الناس على الإطلاق كيف كان قانون الأقوى هو القاعدة التي تحكم الحياة في العصور الغابرة، وكيف كان الناس يسلِّمون به صراحةً وبصورةٍ عامة. ولا أقول إنهم كانوا يفعلون ذلك لارتيابهم في نيَّات الناس ودوافعهم، ولا يفعلونه بغير خجل، لأن كلماتٍ مثل الارتياب في النوايا، أو الخجل من هذا الوضع، تنطوي على شعورٍ بأن هناك شيئًا مشينًا في هذا الوضع، ومثل هذه الفكرة لم تجد لها مكانًا في الملَكات العقلية عند أي شخصٍ في تلك العصور، اللهم إلا إذا كان فيلسوفًا أو قديسًا. ويقدم التاريخ تجربة قاسية للطبيعة البشرية، عندما يظهر لنا على أن الاحترام الواجب نحو الحياة، والممتلكات، والسعادة الأرضية التامة لأية فئة من الأشخاص، إنما تُقاس بما لدى هؤلاء الأشخاص من قوة لفرض هذه الأمور. وأن أولئك الذين قاوموا السلطات التي تملك السلاح في يدها — مهما كانت بشاعة ما يقاومونه — لم يواجهوا قانون القوة وحده، بل واجهوا أيضًا جميع القوانين الأخرى، وجميع أفكار الالتزام الاجتماعي ضدهم، ولم يكونوا في نظر أولئك الذين قاوموهم آثمين ارتكبوا جريمة فحسب، بل مجرمين ارتكبوا أبشع ألوان الجرائم، ويستحقون أن يُنزل بهم أقسى صنوف العذاب التي يمكن للبشر أن يتخيلوها. ولقد ظهر أول أثرٍ ضئيل من الشعور بالالتزام، مِن جانب الأقوياء، بالاعتراف بأي حقٍّ للضعفاء، أو مَن هم أدنى منهم، عندما وجد القوي أن مصلحته تقتضي أن يبذل بعض الوعود لهؤلاء الضعفاء. وعلى الرغم من أن هذه الوعود، حتى عندما كان يصادق عليها أغلظ الأيمان، كثيرًا ما تعرَّضت طوال العصور للحنث والرجوع فيها لأتفه الأسباب، ولأقل المغريات. ومن المرجح أن ذلك كان يحدث دون أدنى قدرٍ من تأنيب الضمير، اللهم إلا في حالة الأشخاص على مستوًى من الأخلاق يختلف عن المستوى المعتاد. ولما كانت الجمهوريات القديمة قد تأسَّست، في الأعم الأغلب، على نوعٍ ما من الاتفاق المتبادَل. أو أنها، على أقل تقدير، قد تشكَّلت من اتحاد أشخاصٍ ليس بينهم تفاوتٌ كبير في القوة. فإنها كانت، بالتالي، أول مَثَل لذلك الجانب من العلاقات البشرية يحوط به، ويسيطر عليه، قانون آخر غير قانون القوة. وعلى الرغم من أن قانون القوة الأصلي ظل قائمًا يعمل بكل طاقته بين هذه الجمهوريات، وبين العبيد فيها، وكذلك (اللهم إلا إذا تم تقييده باتفاقٍ صريح) بين هذه الجمهوريات ورعاياها، أو بينها وبين الدول الأخرى المستقلة. ومع ذلك فإن استبعاد هذا القانون البدائي، من مثل هذا النطاق الضيق، كان بدايةً لتجديد الطبيعة البشرية، عن طريق ميلاد مشاعر إنسانية أثبتت التجربة قيمتها الهائلة، حتى بالنسبة للمصالح المادية، ثم أصبحت هذه المشاعر بعد ذلك لا تتطلَّب سوى التوسُّع والانتشار، وليس خلق مشاعر جديدة. وعلى الرغم من أن العبيد لم يكونوا جزءًا من الدولة، فإن الإحساس بأنهم بشر، لهم حقوق، لم يظهر إلا في الدول الحرة وحدها. وكان الرواقيون، فيما أعتقد، أول من علَّم الناس٢ (وربما أمكن لنا استثناء ما جاء في الناموس اليهودي)٣ أن جانبًا من الأخلاق يُجبرهم أن تكون لهم التزامات أخلاقية نحو عبيدهم. وبعد ظهور المسيحية عرف الناس جميعًا أن هناك التزاماتٍ أخلاقية نحو العبيد، كما دافع كثيرون من الناحية النظرية عن هذا الاعتقاد، لا سيما بعد قيام الكنيسة الكاثوليكية.٤ ومع ذلك، فقد كان فرضه من أشق الأمور التي واجهت المسيحية؛ فقد ظلت الكنيسة تخوض المعركة أكثر من ألف عام، دون أي نجاحٍ ملموس تقريبًا.٥

ولم يكن فشل الكنيسة راجعًا إلى افتقار سيطرتها على عقول الناس؛ فقد كانت قوتها وسيطرتها عليهم هائلة. فقد استطاعت، في بعض الأحيان، أن تجعل الملوك والنبلاء يتنازلون عن ممتلكاتٍ بالغة القيمة لتعزيز الكنيسة، كما جعلت آلاف الشباب في بداية حياتهم، يسجنون أنفسهم في الأديرة، ليحققوا الخلاص لأنفسهم عن طريق الفقر، والصوم، والصلاة. واستطاعت أن تبعث بمئات الألوف عبر الأرض، وفيما وراء البحار، في أوروبا وآسيا، ليضحوا بحياتهم في سبيل تخليص الأماكن المقدسة. وأرغمت ملوكًا على ترك زوجاتهم رغم تعلُّقهم الشديد بهن، عندما أعلنت الكنيسة أنهن يدخلن في نطاق الدرجة السابعة من القرابة. (وإن كن يدخلن في تقديرنا نحن في الدرجة الرابعة عشرة من القرابة). لقد قامت الكنيسة بذلك كله، لكنها لم تستطع أن تخفِّف من وطأة القتال بين الناس، أو تجعل طغيانهم على أقنانهم (من عبيد الأرض) أقل قسوةً، أو على أتباعهم من سكان المدن؛ إذ لم تستطع الكنيسة أن تجعل الناس يُقلِعون عن استخدام القوة، لا سيما القوة العسكرية، أو قوة المنتصِر. وهو أمر لم يكن في نيَّتهم أبدًا أن يفعلوه حتى اضطروا للقيام به تحت ضغط قوة أكبر، فنمو سلطة الملوك وقوتهم هي وحدها التي وضعت حدًّا للاقتتال، اللهم إلا بين الملوك، أو المتنافسين على العرش. كما أن نمو البرجوازية الحربية في المدن المحصنة، ونمو الجيوش الشعبية التي أثبت أنها أقوى في ميدان القتال من الفرسان الذين لا يخضعون لنظام، هما وحدهما اللذان وضعا حدًّا لوقاحة النبلاء وطغيانهم على البرجوازية والفلاحين، كما عمدت إلى تحجيمهم. وكان هذا الطغيان الوقح قد استمر حتى حصل المضطهدون على قوة تجعل في وسعهم الانتقام الواضح، بل استمر حتى بعد حصولهم على هذه القوة بفترة طويلة، ففي القارة الأوروبية استمر جزء كبير من هذا الطغيان حتى عصر الثورة الفرنسية، وإن كان أمره قد انتهى قبل ذلك في إنجلترا بسبب التنظيم المبكر والأفضل للفئات الديمقراطية، ولقوانين العدالة والمساواة، والمؤسسات الوطنية الحرة.

وإذا كان الناس لا يدركون، في الأعم الأغلب، سوى النزر اليسير عن مدى سيطرة قانون القوة سيطرةً تامة، بوصفه القاعدة المسلَّم بها للسلوك العام بالنسبة للجزء الأعظم من النوع البشري، وأن أي قانون آخر لم يكن سوى نتيجة استثنائية خاصة لروابط فريدة، كما أنهم لا يدركون حداثة التاريخ الذي بدأت فيه المجتمعات تَدَّعي تنظيم شئونها وَفق قوانين أخلاقية، فإن تفكير الناس بالغ الضآلة، وذاكرتهم ضعيفة، بشأن الأنظمة والمؤسسات والعادات التي لا تقوم إلا على أساس القوة وحدها، والتي استمرت في عصورٍ وحالاتٍ من الرأي لم تكن لتسمح أبدًا بقيامها لأول مرة. فمنذ أقل من أربعين عامًا كان القانون الإنجليزي لا يزال يسمح للإنجليز بشراء العبيد وبيعهم، أعني بوضع الموجودات البشرية في العبودية بوصفهم ممتلكاتٍ خاصة يمكن بيعها. وفي أثناء القرن الحالي كان الإنجليز يستطيعون اختطاف العبيد، وإجبارهم على العمل حتى الموت بالمعنى الحَرفي للكلمة. أما هذه الحالة التي تصل بقانون القوة إلى حدِّه الأقصى، فهي التي يُدينها أولئك الذين يتسامحون مع كل نوع آخر تقريبًا من السلطات التعسفية، لمن ينظر إليها نظرة منصفة، كما تمثِّل أكثر من جميع الحالات الأخرى، أبشع المشاعر تقززًا للنفس. لقد كانت هذه الحالة تمثل قوانين إنجلترا المسيحية المتحضرة، إلى عهد قريب جدًّا، لا يزال بعض ممن هم على قيد الحياة يذكرونه. ومنذ ثلاث أو أربع سنوات، وفي أحد نصفَي أمريكا الأنجلو-ساكسونية لم يكن الرق موجودًّا فحسب، بل إن تجارة الرقيق وتربيتهم، بغرض الاتجار فيهم على وجه التحديد، كان بضاعة رائجة وشائعة بين الولايات الأمريكية التي تحتضن تجارة الرقيق. ومع ذلك فإن المشاعر المضادة لهذه التجارة لم تنمُ بقوة فحسب، بل ضعفت المشاعر والمصالح التي تؤيدها في إنجلترا، على الأقل، أكثر مما ضعفت المشاعر التي تؤيد أية عادة أخرى من عادات سوء استخدام القوة. لأن الدافع إليها كان حب الكسب والربح، بوضوحٍ وبلا خفاء. وكان أولئك الذين يكسبون من وراء هذه التجارة عددًا ضئيلًا جدًّا من مجموع سكان البلاد، في حين أن المشاعر الطبيعية لأولئك الذين ليس لهم مصلحة شخصية فيها كانت كراهيةً ونفورًا لا حدَّ لهما. ومثل هذه الحالة المتطرفة تجعل الإشارة إلى أية حالة أخرى نافلةً لا لزوم لها: لكن فلنتدبَّر أمر المدة الطويلة التي يستغرقها النظام المَلَكي المطلَق. ففي إنجلترا هناك اعتقاد شائع وشامل — تقريبًا — يذهب إلى أن النظام الاستبدادي العسكري هو مَثَل من قانون القوة، وحالة من حالاته، وليس له أصل آخر، ولا تبرير مخالف. ومع ذلك، ففي كل أمة من الأمم العظيمة في أوروبا — باستثناء إنجلترا — حزب قوي محبَّب لديها من بين جميع فئات الشعب، لا سيما بين أشخاص من أصحاب المراكز والحيثية؛ إما لا يزال قائمًا، أو تخلصت منه لتوِّها. وتلك هي قوة النظام القائم حتى عندما لا يكون عامًّا ومطبقًا في جميع الدول. وعندما لم يكن هناك في كل فترة من فترات التاريخ، تقريبًا، أمثلة عظيمة ومشهورة لنظام مضاد. بل إن هذه الأمثلة كلها وجدت، تقريبًا، في أعظم المجتمعات وأشدها رخاء. وفي هذه الحالة أيضًا فإن من يستحوذ على قوة لا يستحقها، والشخص المعني بها على نحوٍ مباشر، ليسا سوى شخصٍ واحد، في حين أن أولئك الذين يخضعون لها، ويعانون منها، هم على وجه الدقة بقية الناس.

ومن الطبيعي، بل ومن الضروري أن ينطوي النِّير (نير العبودية) على امتهان لجميع الأشخاص الآخرين، ربما باستثناء شخص واحد آخر، هو ذلك الشخص الجالس على العرش، وكذلك الذي نتوقع أن يخلف الحاكم المستبد.

وإذن، ما هو الفَرق بين هذه الحالات، وحالة سيطرة الرجال على النساء؟! وأنا الآن لا أقول شيئًا مبتسرًا حول تبرير هذا الوضع، لكني أبرز فقط إلى أي حدٍّ يمكن أن تظل هذه السيطرة قائمة — حتى بلا تبرير — لمدة أطول كثيرًا من جميع ألوان السيطرة الأخرى، التي استمرت قائمةً حتى يومنا الراهن. فمهما أشبعت حيازة القوة الغرور والكبرياء، ومهما يكن من أمر ممارسة المصلحة الشخصية، فإنها في هذه الحالة لا تقتصر على فئة محدودة، وإنما هي تشمل جنس الذكور كله. وبدلًا من أن تكون لمعظم مؤيديها أمرًا مرغوبًا على نحوٍ مجرد بصفة أساسية، أو أن تكون أشبه بالغايات السياسية التي تتنازع حولها الأحزاب عادة، فتصبح بغير أهمية خاصة عند أحد — اللهم إلا القادة والزعماء — بدلًا من ذلك، فإنه تصل إلى داخل الشخص، وإلى قلب كل ذكر يكون رب أسرة. ولكل فرد يتطلَّع إلى أن يكون رب أسرة، فالفلاح الفظ يمارس على أساسها نصيبه من القوة شأنه شأن أعظم النبلاء. وتكون الرغبة في التسلُّط أقوى ما تكون في هذه الحالة، لأن كل شخص يرغب في ممارسة القوة، فإنه يرغب في ممارستها على أقرب الناس من حوله، ممن يقضي معهم حياته، ويشترك معهم، أكثر من غيرهم، في شئون الحياة. فإذا كانت السلطات، في الحالات التي سبق أن أشرنا إليها، تقوم بوضوحٍ على القوة وحدها، ولا تحظى بقدرٍ مماثلٍ من التأييد، فإنها لا تزول، ولا يتخلص منها الناس إلا ببطء شديد، وبصعوبة كبيرة. فإن الأمر لا بد أن يكون أصعب بكثيرٍ في هذه الحالة، حتى وإن كانت لا تقوم على أُسس أفضل من تلك الأسس. ولا بد أن نضع في اعتبارنا أيضًا أن أصحاب القوة لديهم، في هذه الحالة، تسهيلات أعظم مما لديهم في أية حالة أخرى، لمنع أي تمرد ضدها. فكل امرأة من الخاضعات تعيش تحت رقابة، إن لم نقل بين يدَي، واحد من السادة، بل تكاد تكون في يده تمامًا، وفي علاقة وثيقة معه أكثر بكثيرٍ من علاقاتها مع أيٍّ من بنات جنسها، الخاضعات بنفس الطريقة، دون أن يكون لديهن وسيلة للاتحاد ضده، ولا قدرة للتغلب عليه حتى في أماكن معينة، في الوقت الذي يكون فيه لدى المرأة دوافع لإرضائه، وتجنُّب إثارته. وكل إنسان يعرف كيف أنه كثيرًا ما يلجأ المكافحون من أجل التحرر السياسي إلى الرشوة، أو يعمدون إلى التراجع عن طريق الإرهاب. أما في حالة النساء، فإن كل امرأة من الخاضعات تعيش في حالة مزمنة، تجمع فيها بين الرشوة والإرهاب معًا. وعند الشروع في المقاومة، فلا بد لعددٍ كبير من النساء المتزعمات لقيادة حركة المقاومة، ولعددٍ أكبر من النساء الأتباع، من التضحية بكل المُتع تقريبًا تضحية تامة، أو التخفيف من نصيب كل واحدة منهن … ولو صحَّ وكان هناك نظام للامتيازات، ونظام لفرض الخضوع بالقوة استطاع أن يضع أغلاله في أعناق الخاضعين له، فإنني لم أكشف بعد، حتى الآن أنه نظام خاطئ، وإن كان في استطاعة كل إنسان يفكر في هذا الموضوع أن يتبيَّن أنه حتى إذا كان نظامًا خاطئًا، فمن المؤكد أنه سوف يستمر قائمًا مدةً أطول بكثيرٍ من أية صورة أخرى من صور السلطة الظالمة. وعندما تكون هناك صور أخرى فاضحة من السلطة الظالمة لا تزال قائمة في كثيرٍ من البلدان المتحضرة، ولم تتخلص منها بلاد أخرى إلا منذ وقت قريب جدًّا، فسوف يكون من الغريب فعلًا ألَّا تهتز، حتى الآن، وفي أي مكان، أعمق هذه النظم، وأغورها جذورًا، بل هناك ما يبرر لنا أن نعجب على نحوٍ أشد من ذلك حين نعرف أن هناك عددًا ضخمًا من الاحتجاجات والاستشهادات ضد هذه النظم.

وقد يعترض معترضٌ، فيقول إن المقارنة لن تكون منصفة بين حكم جنس الذكور، وبين الصور الأخرى من السلطة الظالمة التي تحدثت عنها، وضربت بها مثلًا لتوضيح الموقف، ما دامت هذه الصور تعسفية، وهي في الواقع نتيجة لمجرد اغتصاب السلطة. أما الصورة الأخرى من السلطة الظالمة الخاص بوضع النساء، فهي تمثل — على العكس — وضعًا طبيعيًّا، لكن هل كانت هناك سيطرة في أي وقت من الأوقات لا تبدو طبيعية في نظر مَن يقوم بها؟ لقد مرَّت عصور انقسم فيها الجنس البشري إلى طبقتَين: الأولى صغيرة العدد، وتتألَّف من السادة، والثانية ضخمة العدد، وتتألَّف من العبيد. وكان هذا التقسيم يبدو طبيعيًّا حتى بالنسبة لأصحاب العقول الممتازة والثقافة الرفيعة، بل اعتُبرت هذه القسمة الوضع الطبيعي الوحيد للجنس البشري. ولا أستثني من ذلك عقلًا ممتازًا هو أحد العقول التي أسهمت في تقدُّم الفكر البشري، وأعني به أرسطو، الذي كان يعتقد اعتقادًا راسخًا، لا أثر فيه للشك أو الريبة، أن هناك طبائع مختلفة بين البشر: طبائع للأحرار، وطبائع للعبيد، وأن اليونانيين من ذوي الطبائع الحرة، وأن الآسيويين عمومًا من ذوي طبائع العبيد، وقد أقام هذه التفرقة على الأساس نفسه الذي يُقام عليه عادة سيطرة الرجال على النساء.٦
لكن لماذا نحتاج إلى الاستشهاد بأرسطو؟ ألم يذهب مَن يملكون العبيد في الولايات الجنوبية — من الولايات المتحدة الأمريكية — إلى نفس المذهب، ويدافعون عنه بكل ما يوصف به الناس من تعصُّب حين يتمسكون بالنظريات التي تبرر لهم انفعالاتهم الطاغية، وتجعل مصالحهم الشخصية مشروعة؟ ألم يستشهدوا بالأرض والسماء على أن سيطرة الرجل الأبيض على الأسود مسألة طبيعية، وأن الجنس الأسود هو بطبيعته عاجز عن ممارسة الحرية، ولا يصلح إلا للعبودية؟ بل غالى بعض المدافعين عن هذه النظرية؛ فذهبوا إلى أن حرية العمال اليدويين هي قلب للنظام الطبيعي للأشياء في كل مكان. وكذلك يذهب المُنظِّرون من دعاة نظام الحكم المَلَكي المطلق، بصفة مستمرة، إلى أن هذا النظام هو الصورة الطبيعية الوحيدة للحكم: مبتدئين من المجتمع البطريركي (الأبوي)، الذي كان الصورة التلقائية والبدائية للمجتمع، والذي تشكَّل على غرار فكرة العائلة، التي تشكِّل السلف الأول للمجتمع نفسه. ثم ذهبوا إلى أن هذه هي السلطة الطبيعية أكثر من أية سلطة أخرى. بل إن قانون القوة نفسه بدا دائمًا — عند أولئك الذين لا يستطيعون الالتجاء إلى أي قانون آخر — الأساس الطبيعي أكثر من أي أساسٍ آخر لممارسة السلطة. كما يذهب الغزاة إلى أن الطبيعة نفسها هي التي أمرت الشعوب المهزومة بطاعة الغزاة، أو كما يُعبِّرون عن الفكرة بألفاظٍ رقيقة؛ أن الشعوب الضعيفة، التي لا قدرة لها على الحرية، ينبغي أن تخضع للشعوب التي هي أكثر شجاعة ورجولة. وأدنى معرفة بالحياة البشرية خلال العصور الوسطى تبيِّن إلى أي حدٍّ كانت سيطرة السادة الإقطاعيين من النبلاء على غيرهم من البشر، الذين هم في وضعٍ أدنى، تبدو للنبلاء أنفسهم طبيعية إلى أقصى حدٍّ. وكيف بدا لهم من التصورات غير الطبيعية أن يطالب شخص من طبقة دنيا بالمساواة معهم. بل كان الأمر يبدو للطبقة الخاضعة نفسها أمرًا طبيعيًّا؛ إذ لم يدَّع «رقيق الأرض»، ولا سكان المدن أن لهم نصيبًا في السلطة، حتى في عنفوان صراعهم مع النبلاء، بل كل ما كانوا يطالبون به هو الحد، قليلًا أو كثيرًا، من سلطة الطغيان عليهم. ومن ثَم فقد كان تعبير «من غير الطبيعي» يعني من غير المألوف، أو المعتاد، أي أن كل ما هو مألوف ومعتاد هو أمر طبيعي. ولذلك بدا من الطبيعي تمامًا أن أيَّ خروجٍ على قاعدة خضوع النساء للرجال وهو العرف العام المألوف والمعتاد، هذا الخروج بدا أمرًا «غير طبيعي». غير أن التجربة تزخر بالأمثلة التي تدلنا على أن المشاعر، حتى في هذه الحالة — حالة خضوع النساء للرجال — تعتمد اعتمادًا تامًّا على الإلف والعادة؛ فليس ثمة ما يمكن أن تندهش له الشعوب التي تعيش في مناطق نائية من العالم عندما يعرفون شيئًا عن إنجلترا لأول مرة — أكثر من أنها تحت حكم ملكة؛ فالأمر يبدو لهم «غير طبيعي» حتى لَيكاد يكون غير قابل للتصديق. في حين أنه بالنسبة للإنجليز أنفسهم، فإن الأمر لا يبدو «غير طبيعي» على الإطلاق ولو لحظة واحدة، لأنهم اعتادوا عليه؛ ولكنهم يشعرون أنه من غير الطبيعي أن تكون المرأة جندية أو عضوًا في البرلمان، مع أن الحرب والسياسة في عصور الإقطاع، لم تكن، على العكس، ميادين غير طبيعية بالنسبة للنساء، ولا مسألة غير مألوفة لهن. فقد كان يبدو طبيعيًّا أن تتصف النساء من الطبقات الراقية بالصفات التي تتميز بها شخصية الرجل؛ بحيث لا يكنَّ أقل من أزواجهن وآبائهن في شيء سوى القوة البدنية. أما عند اليونان، فقد كان استقلال النساء يبدو أمرًا غير طبيعي بصورة أقل مما كان يبدو عليه في المجتمعات القديمة الأخرى، بسبب أساطير نساء الأمازون Amazons،٧ (وقد كانوا يعتقدون أنها وقائع تاريخية حقيقية)، وأيضًا بسبب المثل الخاص الذي قدَّمته نساء إسبرطة اللائي كن في الواقع أكثر حرية من نساء المدن اليونانية الأخرى، رغم أن خضوعهن للرجال لم يكن أقل من خضوع نساء المدن الأخرى، كما كن يمارسن التدريبات البدنية مثل الرجال تمامًا، فأثبتن بذلك أن الطبيعة لم تجعلهن غير مؤهلاتٍ لهذه التدريبات. وليس ثمة شك في أن تجربة إسبرطة أثَّرت في التربية عند أفلاطون.٨ كما أثَّرت في كثير من أفكاره الأخرى، منها على سبيل المثال فكرة المساواة الاجتماعية والسياسية بين الجنسَين.٩
لكن ربما قيل: إن حكم الرجال على النساء يختلف من جميع هذه الأنواع من الحكم؛ من حيث إنه ليس حكمًا يعتمد على القوة، وإنما هو حكم تقبله النساء طواعيةً، ويشتركن فيه بإرادتهن بغير شكوى أو تذمُّر، وإن كان هناك عدد كبير من النساء لا يقبلن به. ومنذ أن أصبح للنساء القدرة على تدوين مشاعرهن والتعبير عنها عن طريق الكتابة (وهي الطريقة الوحيدة من طرق الإعلان التي يسمح بها المجتمع لهن) سَجَّل عدد متزايد منهن احتجاجهن ضد الوضع الاجتماعي القائم، ومنذ عهد قريب جدًّا تقدمت ألوف منهن، وعلى رأسهن أشهر من يعرف الجمهور من النساء، تقدمن بالتماس إلى البرلمان للسماح لهن بالاشتراك في الانتخابات البرلمانية، وأن يكون لهن حق الاقتراع والتصويت Suffrage.١٠ وكذلك المطالبة بتعليم النساء على قدم المساواة مع الرجال، وفي نفس فروع المعرفة التي يتعلمها الرجال، وقد ازدادت شدة المطالبة بهذه الحقوق، وأصبحت فرص نجاحها كبيرة. في الوقت نفسه تشتد كل عام المطالبة بالسماح للنساء بالعمل في المهن والحِرف التي ظلت حتى الآن مغلقة في وجوههن. وعلى الرغم من أن إنجلترا لا يوجد فيها، على نحو ما يوجد في الولايات المتحدة، حزبٌ منظم، ولقاءات دورية تعمل على إثارة المشاعر العامة للموافقة على نيل النساء حقوقهن، فإن هناك جمعية منظمة نشِطة وكثيرة الأعضاء ويديرها النساء، قامت لغرضٍ أكثر تحديدًا هو حصولهن على الحقوق السياسية. على أنه لم تبدأ النساء في إنجلترا والولايات المتحدة وحدها في الاحتجاج بصورة جماعية — إنْ قليلًا أو كثيرًا — على القيود التي يعملن في ظلها؛ فهناك أمثلة على حدوث الشيء نفسه الآن في فرنسا، وإيطاليا، وسويسرا، وروسيا. وليس في استطاعة أحد أن يعرف عدد النساء الأخريات اللائي يتطلَّعن، في صمتٍ، لتعزيز وتأييد هذه المطالب، ولتحقيق آمال مماثلة. ولكن هناك دلائل كثيرة تشير إلى أن هناك عددًا كبيرًا منهن كان يمكن أن تكون لديهن، التطلعات نفسها، لو لم يكن قد تعلَّمن بشدة أن يكتبن أمثال هذه التطلعات باعتبارها أمورًا غير لائقة بجنس النساء، بل تتعارض مع جنس الأنثى. وعلينا أن نتذكر كذلك أنه لم يحدث قَط أن طالبت طبقة مستعبَدة بالحرية الكاملة مرة واحدة. فعندما دعا «سيمون دي مونتفورت Simon de Montfort»،١١ الفرسان من ممثِّلي الشعب إلى الجلوس لأول مرة في البرلمان؛ فهل كان أيٌّ منهم يحلم بأنه سيكون عضوًا في جمعية منتخَبة تعمل على تشكيل الوزارات وإقالتها، وتُملي إرادتها على الملك في شئون الدولة؟ لم تطرأ هذه الفكرة على أكثر هؤلاء الأعضاء طموحًا؛ فقد كان النبلاء يزعمون لأنفسهم هذه الحقوق، أما فئات الشعب الأخرى، فلم تطالب بشيء سوى تخليصها من الضرائب التعسفية، ومن الاضطهاد الفردي الرهيب الذي يعانونه على يد موظفي الملك. إن قانون الطبيعة في مجال السياسة يكشف لنا أن أولئك الذين يعيشون تحت سلطة لها جذور قديمة، لا يبدءون أبدًا بالشكوى من السلطة نفسها، وإنما يتذمرون فقط من ممارسة السلطة بطريقة قمعية اضطهادية. وتلك هي الحال مع عدد كبير من النساء اللائي يشكون من سوء معاملة أزواجهن، وكان عددهن سيتضاعف بما لا نهاية له، لولا أن الشكوى ستكون مبررًا أعظم لسوء المعاملة وزيادتها. وهذا هو السبب في إحباط جميع المحاولات الرامية للإبقاء على السلطة ودعمها، مع حماية النساء من سوء استخدامها ضدهن. وليس ثمة حالة أخرى (فيما عدا حالة الطفل) يوضع فيها الشخص الذي برهن قانونيًّا على أنه عانى من الأذى، تحت السلطة البدنية للشخص الآثم الذي ثبت أنه أذاه. وهكذا نجد أن الزوجات حتى في أقصى حالات الإيذاء البدني الشديد، ومهما طالت مدته، لا يجرؤن مطلقًا على اللجوء أو الاستعانة بالقوانين التي وُضعت لحمايتهن، وإن فعلت إحداهن ذلك في لحظة غضب لا يُقاوَم، أو تحت تأثير الجيران أو تدخُّلهم، فإن جهودها، بعد ذلك، تنصب على التماس العفو عن المذنب، وتخفيف ما يستحقه الطاغية من عقاب، وعدم البوح بشيء مما يحدث بينهما، إلا بالنزر اليسير، وبأقل قدرٍ ممكن.
وهكذا تتجمَّع عوامل كثيرة، اجتماعية وطبيعية، لتجعل تمرُّد النساء، على نحوٍ جماعي، على سلطة الرجال، أمرًا غير محتمَل. فالنساء، حتى الآن، في وضعٍ يختلف تمامًا عن وضع جميع الطبقات الأخرى التي تخضع لسلطة ما، من حيث إن سادتهن يطالبونهن بشيء أكثر من الخدمة الفعلية؛ فالرجال لا يريدون طاعة النساء فحسب، بل يريدون مشاعرهن أيضًا. فجميع الرجال، باستثناء أكثرهم وحشية وفظاظة، لا يريدون أن تكون المرأة المرتبطة بهم ارتبطًا وثيقًا، مجرد «عبد»، أو «جارية» فحسب، بل يرغبون في أن تكون عبدًا أو جارية بإرادتها ورغبتها، لا عن طريق الجبر والإكراه، أو قل إنهم يريدونها محظية. ومن هنا فقد استخدموا جميع الوسائل لاستعباد عقولهن. وعلى حين أننا نجد سادة جميع الأنواع الأخرى من العبيد يعتمدون على الخوف في تأكيد طاعة هؤلاء العبيد لهم؛ إما الخوف من هؤلاء السادة أنفسهم، أو التخويف الديني.١٢ فإننا نجد سادة النساء يريدون منهم أكثر من الطاعة البسيطة، ولهذا أحالوا قوة التربية بأسرها لتساعد في تحقيق أغراضهم. فجميع النساء ينشأن منذ نعومة أظافرهن على الإيمان بأن شخصية المرأة المثالية هي الضد المباشر لشخصية الرجل؛ أعني الشخصية التي لا تكون لها إرادة ذاتية حرة، ولا قدرة على ضبط النفس، وإنما الشخصية الخاضعة المستسلِمة لإرادة الآخرين وسيطرتهم؛ فجميع القواعد والمبادئ الأخلاقية التي تُربَّى عليها الفتيات تؤكد لهن أن واجب النساء، وكذلك طبيعتهن، بما تنطوي عليه من مشاعر وعواطف متدفقة، أن يعشن من أجل الآخرين؛ وأن يعتدن نكران الذات، فينكرن أنفسهن نكرانًا تامًّا. وألَّا يعشن إلا من أجل عواطفهن ومشاعرهن فحسب؛ بل حتى هذه العواطف، وتلك المشاعر، لا تعني سوى ما يسمح لهن به المجتمع فحسب — أعني عواطفهن ومشاعرهن لا تعني سوى ما يسمح لهن به المجتمع فحسب — أعني عواطفهن ومشاعرهن نحو الرجال الذين يرتبطن بهم، أو نحو الأطفال الذين يشكِّلون رابطة إضافية لا تنفصم عُراها بينهن وبين الرجال، وعندما نضع هذه الأمور الثلاثة معًا:
  • أولًا: الجاذبية الطبيعية بين جنسَين متعارضَين.
  • ثانيًا: اعتماد الزوجة على زوجها اعتمادًا تامًّا؛ بحيث تكون أي ميزة أو متعة تنعم بها، إما آتية منه كمنحة، أو معتمدة اعتمادًا تامًّا على إرادته.
  • ثالثًا: الهدف الأساسي من سعي الإنسان ونشاطه، وهو تقدير الآخرين واحترامهم له، وكذلك جميع ألوان الطموح الاجتماعي، لا يمكن، بصفة عامة، أن تتحقق بالنسبة للمرأة إلا عن طريق الرجل.

لو أننا وضعنا هذه الأمور نُصب أعيننا، فسوف تكون معجزة لو أن المرأة لم تجعل هدفها أن تصبح جذابة للرجال، وإذا لم يصبح هذا الهدف هو محور تربية الأنثى، ومدار تكوين شخصيتها. ولقد سيطرت هذه الفكرة سيطرةً تامة على عقول النساء، ثم استغلتها غريزة الأنانية عند الرجل إلى أقصى حدٍّ، بأن جعلت الخضوع، والضعف، والاستسلام التام لكل إرادة فردية يتم بين يدَي الرجل، ويمثِّل جانبًا جوهريًّا من الجاذبية الجنسية عند المرأة، وهل يمكن أن يكون هناك شك في أن أيًّا من ألوان الاستعباد الأخرى، التي نجح الإنسان في تحطيمها، كان يمكن أن تظل قائمة حتى الآن لو وُجدت الوسائل نفسها، واستُخدمت بهذه المثابرة، لتطويع عقولهن لها؟ فلو أن هدف الحياة عند كل شاب من شباب العامة عند الرومان أن يجد حظوة شخصية في عين أحد النبلاء، وهدف كل شاب من الأقنان (عبيد الأرض) أن يجد الحظوة نفسها عند السيد مالك الأرض، ولو أن الحياة معه تحت سقف واحد، والحصول على نصيبٍ من عواطفه ومشاعره الشخصية، كانت المكافأة التي ينبغي عليهم جميعًا أن يتطلَّعوا إليها؛ بحيث يحصل أكثرهم طموحًا وموهبةً على هذه المكافأة — ولو أنهم بعد حصولهم على هذه المكافأة، أحيطوا بسياجٍ برَّاق من نحاس، يتمثَّل في تركيز الاهتمام بهذا السيد، واستبعاد كل شعور أو رغبة سوى تلك التي يشترك فيها أو يغرسها — لو أن ذلك كله قد حدث، أمَا كان النبلاء والعامة، والأقنان وسادة الأرض يظلون حتى يومنا الراهن طبقات، يتميز بعضها عن بعض، مثلما يتميز الرجال عن النساء؟ وأما كان جميع المفكرين، باستثناء مفكر هنا، ومفكر هناك، يعتقدون أن هذا التمايز حقيقة أساسية في الطبيعة البشرية لا يمكن أن تتغير؟

وفي استطاعتنا أن نقول إن الاعتبارات السابقة فيها الكفاية لإظهارنا على أن العادات والتقاليد والعُرف لعبت الدور الأساسي في تشكيل الوضع الراهن للمرأة. ومن ثَم، فهي لا تصلح لأي زعمٍ أو افتراضٍ سابق، وينبغي ألَّا يكون لها أوضاع تجعل النساء في حالة خضوع سياسي واجتماعي للرجال. بل ربما سرتُ أبعد من ذلك، وقلتُ: إن مسار التاريخ، والاتجاهات التقدمية للمجتمع البشري، لا تؤيد هذا النظام القائم على اللامساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، فضلًا عن أنها تقدِّم حُجة دامغة ضد هذا النظام، وإلى الحد الذي سار فيه التقدم البشري حتى الآن، فإن مجرى التيارات الحديثة كلها، يبرهن على أن هذا الوضع البالي من أوضاع الماضي لن يتفق مع المستقبل، وأنه لا بد بالضرورة أن يزول.

ما هي الخاصية التي يتميز بها العالم الحديث؟ وما الفَرق الرئيسي بين الأنظمة والأفكار الاجتماعية الحديثة، بل الحياة الحديثة بأسرها، وبين أنظمة العصور الموغَلة في القِدم، وما انطوت عليه من أفكار؟ ربما كانت الخاصية الأساسية التي يتميز بها المجتمع الحديث هي القول بأن الموجودات البشرية لم تعُد تُولَد في أوضاع محددة سلفًا، وإنما هي تُولَد حرة في استخدام مَلَكاتها، واستغلال ما يُتاح لها من فرصٍ في سبيل تحقيق المصير الذي تصبو إليه أكثر من غيره. وذلك على العكس مما كانت تأخذ به المجتمعات القديمة، التي كانت تقوم على مبدأ يختلف على ذلك أتم الاختلاف؛ فترى أن المرء يُولَد في مركزٍ اجتماعي محدد وثابت، ويظلون في هذا المركز بحكم القانون، وتُمنع عنهم أية وسيلة للخروج منه؛ فكما أن بعض الناس يُولَد أبيض، وبعضهم الآخر يولد أسود، فإن البعض، أيضًا يولد عبيدًا والبعض الآخر من العامة والدهماء. والبعض الثالث يُولَد من الأشراف الإقطاعيين، بينما يولد غيرهم من الرعاع أو أقنان الأرض. ولم يكن في استطاعة العبد أو القن (رقيق الأرض) أن يحرِّر نفسه، ولا أن يصير حرًّا إلا بإرادة سيده. وفي معظم البلاد الأوروبية، لم يكن من المستطاع جعل واحدٍ من العامة نبيلًا إلا في أواخر العصور الوسطى، ونتيجة لنمو قوة المَلَكية Regal power، وازدياد سُلطة الملوك. وحتى بين النبلاء كان الابن الأكبر هو الوارث الوحيد لممتلكات الآباء، ومضى وقتٌ طويلٌ قبل أن يتأكد تمامًا أن الأب يستطيع أن يحرمه من الميراث.

بل حتى الأفراد من بين طبقات الصُّناع والحرفيين، لم يكن في وسع أحد أن يشتغل بهذه المهنة، أو تلك، اللهم إلا إذا كان قد وُلِد عضوًا فيها (فابن الحداد يعمل حدادًا، وابن النجار نجارًا، … إلخ)، أو يَسمح له أعضاؤها بالدخول فيها. ولم يكن في وسع أحد، على الإطلاق، أن يمارس مهنة تُعتبَر هامة إلا بالطرق القانونية، أعني عن طريق سلسلة من الإجراءات المعقدة. ولهذا فقد تعرَّض بعض أصحاب المصانع للتعذيب (بالعقاب، أو التشهير بهم) لأنهم حاولوا إدخال بعض الأساليب الجديدة لتحسين مستوى العمل في مصانعهم. أما في أوروبا الحديثة، لا سيما في تلك الأجزاء التي أسهمت، أكثر من غيرها، في جميع التحسينات الحديثة الأخرى، فإن القواعد والنظريات السائدة فيها الآن هي على النقيض تمامًا من القواعد القديمة؛ فالقانون والحكومة لا يأخذان على عاتقيهما تحديد الأشخاص الذين يقومون بأي عملٍ اجتماعي أو صناعي، أو مَن لا يقومون به، أو يفرضان الأساليب التي تُتَّبع في القيام بهذا العمل حتى يكون مشروعًا؛ فهذه كلها أمور تُترك لاختيار الأفراد بغير قيود. وحتى القوانين التي كانت تشترط أن يمر العامل بفترة تلمذة وتدريب قد تم إلغاؤها في هذا البلد (أي إنجلترا)، وأصبحت قوانين باطلة، على اعتبار أنه أصبح من المؤكد تمامًا أن الحالات التي تكون فيها فترة التلمذة ضرورية، فإن هذه الضرورة نفسها ستكفي لفرض فترة التمرين والتلمذة. لقد كانت النظريات القديمة تقوم على ترك أقل قدرٍ ممكنٍ من الاختيار للفرد؛ بحيث يكون كل ما يعمله محددًا سلفًا، بقدر المستطاع، عن طريق حكمة أسمى وأعلى منه. لأن تركه يتصرف وحده، سوف يجعله يقع، قطعًا، في كثير من الأخطاء. أما الاقتناع الحديث، وهو ثمرة ألف عام من التجربة، فهو يقوم على أساس أن الأمور التي يكون للمرء فيها مصلحة مباشرة، لا تستقيم أبدًا إلا إذا تُركت له مسألة البت فيها، وتوجيهها بنفسه، فأي تنظيم لها من جانب السُّلطة، فيما عدا حماية حقوق الآخرين، سوف تكون له عواقب وخيمة. وهذه النتيجة التي وصل إليها الناس ببطء، ولم يطبِّقوها إلا بعد أن جَرَّبوا تقريبًا، جميع النظريات المضادة، وأدركوا ما أسفرت عنه من كوارث، هي التي تنشر الآن بصفة عامة في قطاع الصناعة في أكثر البلاد تقدمًا. غير أن ذلك لا يعني أننا نفترض أن جميع أساليب العمل صالحة بقدرٍ متساوٍ، أو أن جميع الأشخاص صالحون لعمل كل شيء بدرجة متساوية، بل لقد أصبح من المعروف الآن أن حرية الاختيار للفرد، هي الشيء الوحيد الذي يؤدي إلى أفضل أساليب العمل، وأنها هي التي تضع كل عملية في يد مَن يصلح للقيام بها. فليس هناك مَن يعتقد الآن أنه مِن الضروري إصدار قانونٍ يمنع مَن لا يحمل سواعد قوية من العمل في حِرفة الحدادة؛ فالحرية والمنافسة كافيتان لأن تجعلا الحدادين رجالًا ذوي سواعد قوية، لأن ذوي السواعد الضعيفة يستطيعون أن يكسبوا أكثر من العمل في حِرفٍ أخرى أصلح لها. ولقد شعر الناس، بناء على هذه النظرية، أن القول المسبَق بأن أشخاصًا معيَّنين لا يصلحون، على أساس بعض المزاعم العامة، لعملٍ ما، فيه تجاوز للحدود الصحيحة للسلطة. فمِن الأمور المعروفة الآن تمامًا، والتي اعترف بها الناس وسلَّموا بصحتها، أنه إذا وجدت أمثال هذه المزاعم فلا شيء منها معصوم من الخطأ. وحتى إذا أُقيم الزعم على أسسٍ متينة، وهو أمر يغلب جدًّا ألَّا يحدث، فستظل هناك حالات استثنائية قليلة لا ينطبق عليها، وفي هذه الحالات يكون من الظلم للأفراد، بل من الضرر البالغ للمجتمع، أن تُوضَع العقبات في طريق استخدامهم لمَلَكاتهم مما يفيدهم، ويفيد غيرهم من الناس. أما في الحالات التي تكون فيها عدم الصلاحية أمرًا حقيقيًّا (بحيث يكون الشخص غير مناسب للعمل فعلًا)، فإن البواعث المألوفة للسلوك البشري سوف تتجه — وفيها الكفاية عمومًا — إلى منع الشخص غير الكفء من مباشرة العمل في مجالٍ غير مختص للقيام به، أو الاستمرار فيه.

وإذا لم يكن هذا المبدأ العام في علم الاجتماع وعلم الاقتصاد صحيحًا، وإذا لم يكن الأفراد، بما يجدونه من عونٍ في آراء مَن يعرفونهم، أفضل في الحكم على قدراتهم وعملهم من القانون والحكومة، فإنه ينبغي على العالَم أن ينبذ هذا المبدأ في أسرع وقتٍ ممكن، وأن يعود إلى النظام القديم، الذي يقوم على الإعاقة والتقييد. ولكن إذا كان المبدأ صحيحًا، فإنه ينبغي علينا أن نتصرَّف على أساس إيماننا به، وألَّا نفترض أن الموجود البشري الذي يُولَد أنثى، وليس ذكرًا، فإن هذه الأنوثة سوف تحدد وضعه طوال حياته تمامًا مثلما الموجود الذي يُولَد أسود، وليس أبيض، أو من يُولَد من عامة الشعب، وليس من طبقة النبلاء؛ ومن ثَم يُمنَع هؤلاء الناس من جميع المناصب الاجتماعية الرفيعة، ومن جميع الوظائف المحترمة فيما عدا قِلة منها. وحتى لو أننا سلَّمنا إلى أقصى حدٍّ بما يزعمونه من تفوُّق الرجال، وصلاحيتهم لجميع الأعمال التي تقتصر، حتى الآن، عليهم، فإن الحُجة نفسها التي تمنع التفرقة القانونية بين أعضاء البرلمان تنطبق هنا أيضًا. فإذا كانت شروط الصلاحية تتسبَّب في استبعاد شخص واحد صالح كل اثنتَي عشرة سنة، فإن ذلك يعني أن هناك خسارة حقيقية، في حين أن استبعاد آلاف من الأشخاص غير الصالحين لا مغنم فيه. لأنه إذا كان إعداد أو تكوين الهيئة الانتخابية يجعل الناخبين يميلون إلى اختيار أشخاص غير صالحين، فإن كان هناك باستمرار أعداد وفيرة من هؤلاء الأشخاص يستطيعون الاختيار بينهم. إن أولئك الذين يستطيعون القيام بالأمور الصعبة والمسائل الهامة، وينفِّذونها على نحوٍ جيدٍ، هم قِلة، بل أقل بكثيرٍ مما نحتاج إليه، حتى إذا تركنا مساحةً واسعةً للاختيار. لأن أي تقييد في مجال الانتقاء سوف يحرم المجتمع من بعض الفرص في أن يخدمه شخص كفء، ودون أن نحمي المجتمع من الأشخاص غير الأكفاء.

ونحن نجد أن المعوقات أمام النساء في الوقت الحالي، حتى في أكثر البلاد تقدمًا، تعني أن تحدد القوانين والمؤسسات لكل امرأة مصيرها منذ مولدها ممنوعة طوال حياتها من خوض غمار المنافسة في مجالاتٍ معينة، باستثناء حالة واحدة هي حالة النظام المَلَكي، فما زال هناك أشخاص مخصصون لتولِّي العرش بحكم مولدهم، وليس في استطاعة أي شخص، حتى إذا كان من أفراد العائلة المالكة، أن يجلس على العرش، اللهم إلا من خلال تعاقُب الوراثة، أما بقية المناصب الأخرى والامتيازات الاجتماعية، فهي مفتوحة أمام جنس الذكور وحدهم. وصحيح أن كثيرًا منهم لا يستطيع الوصول إلى بعض هذه المناصب إلا عن طريق الثروة، ولكن أي شخص، من ناحية أخرى، يستطيع أن يحاول الإثراء، وأن يصل بالفعل إلى الثروة. ولقد حقق ذلك فعلًا كثيرٌ من أفراد الطبقات الدنيا. ولا شك أن الصعوبات بالنسبة للغالبية العظمى من الناس، لا يمكن التغلب عليها إلا بالحظ الطيب، ولكنك لا تجد أي عقبات، ولا تحريم قانوني، أمام الذكور؛ فلا القانون ولا الرأي العام يضع أمامهم عقباتٍ صناعية إلى جانب العقبات الطبيعية، وباستثناء الملوك أو النظام المَلَكي، كما سبق أن ذكرت. لكن كل إنسان في هذه الحالة يشعر أننا أمام حالة استثنائية — شيء غير عادي في العالم الحديث — يتعارض مع عادات هذا العالم ومبادئه، ولا يبرر وجوده سوى مبررات خاصة غير عادية، قد يختلف في تقدير قيمتها ووزنها الأفراد والأمم، رغم أنه لا شك في وجودها على أرض الواقع. لكن في هذه الحالة الاستثنائية التي يكتسب فيها فردٌ ما وظيفة اجتماعية رفيعة بحقِّ المولد — لأسباب هامة — بدلًا من أن توضع هذه الوظيفة موضع المنافسة بين الأفراد، نجد أن الأمم الحرة كلها تحاول أن تدافع عن جوهر المبدأ الذي حطَّت من قدره من الناحية الاسمية، وذلك بأن تحيط هذه الوظيفة مجموعة من الشروط، التي يقصد بها صراحةً منع الشخص، الذي يشغل هذه الوظيفة، من القيام بها بالفعل. في حين يقوم الوزير المسئول بمهام هذه الوظيفة فعلًا، وهو يحصل على مركزه هذا، عن طريق المنافسة المفتوحة والمتاحة لكل مواطن ذكرٍ بالغٍ بلا استثناء. ومن ثَم فإن المعوقات التي توضع أمام المرأة، والتي تخضع لها النساء بحكم المولد، هي الأمثلة الوحيدة من نوعها في التشريعات الحديثة. فليست هناك أية حالة أخرى، غير هذه الحالة التي تشمل نصف الجنس البشري، تُغلَق فيها الوظائف الاجتماعية العُليا في وجه أي إنسان، بسبب مولده، التي لا تستطيع أية جهود، أو أي تغيير للظروف، أن تتغلب عليه.١٣ لأنه حتى المعوقات الدينية (وفضلًا عن ذلك فقد اختفت تقريبًا من إنجلترا أو أوروبا) لم تُغلِق باب أي وظيفة في وجه الشخص غير المؤهل في حالة هدايته وارتداده عن مسلكه السابق.
وهكذا فإن خضوع النساء، من الناحية الاجتماعية، يمثِّل واقعة معزولة بين الأنظمة الاجتماعية الحديثة. كما يُعتبَر حالة فريدة تُعَد خرقًا للقانون الأساسي، وهي الأثر الوحيد الباقي من عالمٍ قديمٍ بالٍ في الفكر والعمل تفجَّرت جوانبه من كل ناحية إلا ناحية واحدة ذات أهمية قصوى وشاملة (هي حقوق المرأة). لقد انفجر العالم القديم كما لو كان هيكلًا ضخمًا Gigantic Dolmen١٤ أو معبدًا هائلًا من معابد الإله جوبتر Jupiter١٥ في جبال الأولمب. يقوم مقام كنيسة القديس بولس، ويشغل مكانها، فيتلقَّى العبادات اليومية، في حين أن الكنائس المسيحية المحيطة به لا يزورها أحد إلا في الأعياد والمواسم. وهذا التباين التام بين واقع اجتماعي معين وجميع الوقائع المحيطة به، وهذا التناقض الجذري بين طبيعة هذا الواقع الاجتماعي، وبين الحركة التقدُّمية التي يفخر بها العالم الحديث ويعتز، والتي اكتسحت أمامها تباعًا كل شيء آخر من هذا القبيل، لا شك في أنها موضوعٌ خطير جدير بالتأمل والنظر، بالنسبة لأي مراقبٍ جاد يتفحص الاتجاهات البشرية. فهما يثيران فرضًا أوليًّا يؤيد الجانب غير المرغوب فيه، إلى حدٍّ يفوق بكثيرٍ ما قد يستطيع العُرف والعادة، في مثل هذه الظروف، أن يُخلفاه في تأييد الجانب المرغوب فيه، ويجب أن يكونا على الأقل كافيَين في إحداث توازن في الموضوع، مثل الاختيار بين النظام المَلَكي والنظام الجمهوري.

وأقل ما يمكن أن نطالِب به هو أنه لا ينبغي النظر إلى هذه القضية (قضية المرأة) على أن الحكم فيها قد صدر مقدمًا عن طريق الواقع القائم والرأي العام السائد، بل لا بد من فتحها للنقاش على أساس أنها مسألة عدالة ومنفعة؛ ومن ثَم فينبغي أن يكون الحكم فيها، كما هي الحال في أية أوضاع اجتماعية وبشرية أخرى، معتمدًا على تقديرٍ مستنير للاتجاهات والنتائج التي قد يثبت أنها أكثر فائدة للبشر — بصفة عامة — دون التمييز بين الجنسين. ولا بد أن تكون المناقشة مناقشةً حقيقيةً، مثلًا أن نؤكد بألفاظٍ عامة أن تجربة الجنس البشري تؤيد النظام القائم. فالتجربة لم يكن أمامها طريقان لتحكم بينهما؛ إذ لم يكن هناك سوى تجربة واحدة. وإذا قيل إن مبدأ المساواة بين الجنسَين لا يقوم إلا على النظرية فحسب، فلا بد لنا أن نتذكر أن المبدأ المضاد لا يقوم أيضًا إلا على النظرة وحدها. فكل ما أثبتته التجربة المباشرة هو أن الجنس البشري استطاع أن يوجد في ظله، وأن يصل إلى درجة التقدم والرخاء التي نراها الآن. ولكن التجربة لا تقول لنا شيئًا عمَّا إذا كان في الإمكان بلوغ هذه الدرجة من التقدم أسرع مما حدث، أو ما إذا كنا سنصل إلى درجة أعلى من التقدم في ظل النظام الآخر أم لا. ومن الناحية الأخرى فإن التجربة تقول لنا بالفعل إن كل خطوة في التحسُّن كانت مصحوبة باستمرارٍ بخطوة في رفع الوضع الاجتماعي للنساء، وإن المؤرخين والفلاسفة ذهبوا إلى أن ارتفاع النساء أو انحطاطهن، في مجمله، هو المعيار المؤكَّد، والمقياس الصحيح، للحكم على شعبٍ ما أو عصر بالتحضر أو التمدن. إن وضع النساء في فترات التقدُّم من التاريخ البشري كان يقترب من المساواة مع الرجال، وإنْ كان ذلك لا يُثبت في حد ذاته أن المساواة يجب أن تستمر حتى تكتمل تمامًا، ولكنه بغير شكٍّ يقدم هاجسًا بأن الأمر سيكون كذلك.

كما أنه لا يجدي شيئًا أن نقول إن طبيعة الجنسَين تؤهلهما لوظائفهما ووضعهما الراهن، وتجعل هذه الوظائف صالحة لهما، وأنا أُنكر — معتمدًا على أساسٍ من الحس المشترك، وعلى تكوين العقل البشري — أن يكون في استطاعة أي شخص أن يعرف طبيعة الجنسَين ما دام لم يرهما إلا في علاقتهما الراهنة فحسب. فلو أن الرجال وُجِدوا في مجتمع ما بغير نساء، أو كان هناك مجتمع بلا رجال، أو مجتمع من الرجال والنساء، لم تكن النساء فيه خاضعات لسيطرة الرجال، فربما كنا قد عرفنا شيئًا مؤكدًا عن الاختلافات العقلية والمعنوية التي قد تكون متأصلة في طبيعة كل جنس منهما. ومن هنا فإن ما يُسمَّى الآن «طبيعة النساء» هو شيء مصطنَع، وهو ثمرة الكبت في بعض الاتجاهات، وإثارة غير طبيعية في اتجاهاتٍ أخرى. وربما تأكدنا بلا أدنى شك أنه لم تكن هناك طبقة أخرى من الأتباع تعرَّضت شخصيتها للتشويه التام عن طريق علاقتها بسادتها (مثلما تعرضت شخصية النساء) لأنه إذا كانت الأجناس المقهورة وأجناس العبيد، قد تعرَّضوا للكبت بعنفٍ أشد من بعض النواحي، فإن ما لم يسحقه يثير الاستعباد فيهم قد ترك وشأنه بصفة عامة، وعندما توافرت له حرية النمو فقد نما من تلقاء ذاته، وطبقًا لقوانينه الخاصة. أما في حالة النساء، فقد كان كل شيء فيهن طوع مصلحة سادتهن ومُتعتهم. ولما كانت بعض القوى الحيوية العامة، تتدفق وتنمو إلى حدٍّ كبير في هذا الجو، وفي ظل الاتصال المستمر، وترك بعضها الآخر في العراء ليتوقف غده، وتعرَّض بعضها الثالث للنيران حتى اختفى تمامًا، فإن الرجال لم يعُد في وسعهم أن يدركوا ما فعلت أيديهم، واعتقدوا، في غير مبالاة أن الشجرة تنمو من تلقاء ذاتها بالطريقة التي جعلوها تنمو بها، وأنها ستموت إذا لم يبقَ نصفها في حمام بخار، ونصفها الآخر في الثلج.

يمكن أن نقول: إن عدم اهتمام البشر، وجهلهم الفاحش فيما يتعلق بالمؤثرات التي تشكِّل الشخصية الإنسانية، هما من أكبر العقبات التي تعوق تقدُّم الفكر، وتكوين الآراء السليمة المؤسَّسة تأسيسًا جيدًا من الحياة والتنظيمات الاجتماعية. فالناس يفترضون أن أي قسم من النوع البشري، أيًّا ما كانت حالته الآن، إنما هو كذلك لأن لديه نزوعًا طبيعيًّا لأن يكون كما هو، حتى عندما تشير أكثر ألوان المعرفة بدائية بالظروف التي وجد فيها هذا القسم، عندما تشير بوضوحٍ وصراحة إلى الأسباب التي جعلته كما هو، فلمَّا كان أحد الفلاحين الأيرلنديين الذين عليهم متأخرات لصاحب الأرض كسولًا لا يعمل، فقد ظن الناس أن الأيرلنديين بطبيعتهم كسالى لا يعملون.١٦ ولما كانت الدساتير يمكن أن تنقلب رأسًا على عقب عندما تتحوَّل السلطات المنوطة بتطبيق هذه الدساتير ضدها بالسلاح، فإن هناك مَن يقول إن الفرنسيين عاجزون عن ممارسة الحُكم الحر. ولما كان اليونانيون قد خدعوا الأتراك، واكتفى الأتراك بنهب اليونان، فقد ظن البعض أن الأتراك بطبيعتهم أكثر إخلاصًا. ولما كانت المرأة، كما يقال كثيرًا، لا تهتم كثيرًا بالسياسة باستثناء شخصيتها، فقد افترض الناس أن المصلحة العامة بطبيعتها، تثير اهتمام الرجل أكثر من اهتمام المرأة. إن التاريخ الذي أصبح الآن واضحًا ومفهومًا أكثر بكثيرٍ مما كان في العصور الماضية، يعلِّمنا درسًا مختلفًا، هو أن الطبيعة البشرية تتأثر بالعوامل الخارجية بصورة غير عادية. وكذلك الاختلافات القصوى في مظاهر التعبير التي يُفترَض أنها عامة ومطردة. غير أن الناس، في العادة لا ترى في التاريخ، والأسفار سوى ما يوجد في أذهانهم بالفعل، وقِلة منهم هي التي تتعلم الشيء الكثير من التاريخ. وهذه القِلة هي التي لا تجلب معها الكثير من الأفكار المسبقة أثناء دراستها لهذا التاريخ.
ومن هنا فإنه بصدد ذلك السؤال البالغ الصعوبة الذي يتعلق بالفروق الطبيعية بين الجنسَين: وهو سؤال يستحيل الوصول إلى إجابة صحيحة وتامة عنه في الوضع الراهن للمجتمع، في الوقت الذي يجزم فيه كل فردٍ بشيء ما عنه، دون أن يلتفت أحد، تقريبًا، بل يجهل تمامًا الوسيلة الوحيدة التي يمكن بواسطتها بلوغ استبصار جزئي به. وهذه الوسيلة هي دراسة تحليلية في أهم فرعٍ من فروع علم النفس، وهي القوانين التي تكشف عن مدى تأثير الظروف المحيطة بالشخصية.١٧ لأنه مهما تكن الفروق العقلية والأخلاقية بين الرجال والنساء كبيرةً وواضحةً، ولا يمكن إزالتها، فإن القول بأن هناك دليلًا على أن هذه الفروق طبيعية لا يمكن أن يكون سوى قول سلبي. ذلك لأن الفروق التي يمكن أن نستدل أنها فروق طبيعية هي تلك التي لا يمكن أن تكون صناعية، وهي ما يتبقَّى بعد أن نُسقِط كل سِمة لأيٍّ من الجنسَين يمكن تفسيرها على أنها ناتجة من تأثير البيئة أو التربية أو الظروف الخارجية. فلا مندوحة لنا عن معرفة أعمق بالقوانين التي تتكوَّن على أساسها الشخصية البشرية، فهذه المعرفة هي التي تُخَوِّل لشخصٍ ما أن يؤكد أن هناك فارقًا أيًّا كان نوعه، بين الجنسين عندما تنظر إليهما بوصفهما موجودات عاقلة وأخلاقية. وما دمنا لا نجد أحدًا لديه حتى الآن مثل هذه المعرفة (لأنه لا نكاد نجد موضوعًا لم يدرس بالأهمية التي يستحقها مثل هذا الموضوع)، فليس ثمة شخص له حق الإدلاء بآراءٍ إيجابية في هذا الموضوع، وكل ما يمكن أن يقال فيه حتى الآن هو من باب الحدس والتخمين، وهي تخمينات مرجحة، إن قليلًا أو كثيرًا، طبقًا لما نعرفه حتى الآن من قوانين علم النفس عند تطبيقها على تكوين الشخصية البشرية.

وحتى المعرفة الأولية بالفروق والاختلافات بين الجنسَين هي الآن، بغض النظر عن جميع الأسئلة التي تدور حول ما هي هذه الفروق، وكيف تكوَّنت، لا تزال في حالة مبدئية، وناقصة تمامًا. لقد أكد علماء النفس والأطباء المعالِجون، إلى حدٍّ ما، الفروق والاختلافات في التكوين البدني؛ وهذا عنصر هام بالنسبة لعالِم النفس، لكن يصعب أن تجد رجل طب هو نفسه عالِم نفس أيضًا. أمَّا فيما يتعلق بالخصائص العقلية للنساء، فلن تجد لملاحظاتهم أية قيمة تزيد على ملاحظة رجل الشارع أو الإنسان العادي؛ فهو موضوع لا يمكن أن يعرف أحد عنه شيئًا نهائيًّا بعد. ما دام من يعرفون عنه شيئًا حقيقيًّا، وهن النساء أنفسهن، لا يصرِّحن بشهادتهن عنه، اللهم إلا النزر اليسير، وهذا النزر اليسير متأثر بإغراءاتٍ أخرى. إنه لمن السهل أن نعرف المرأة الغبية، ذلك لأن الغباء واحدٌ بين جميع البشر، وفي جميع أنحاء العالم، كما يمكن أن نعرف أفكار ومشاعر الشخص الغبي من الأفكار والمشاعر السائدة في البيئة المحيطة به. غير أن ذلك لا ينطبق على أولئك الأشخاص الذين تفيض أفكارهم ومشاعرهم من طبيعتهم ومَلَكاتهم الخاصة. والحق أنه يندر أن تجد رجلًا — باستثناء رجل هنا أو هناك — لديه أدنى معرفة بشخصية المرأة، بما في ذلك نساء أُسَرهم هُم؛ ولا أعني معرفة قدراتهن، فهذه القدرات لا يعرفها أحد، حتى ولا النساء أنفسهن، لأن معظم هذه القدرات لم تُختبَر. لكني أقصد أفكار النساء ومشاعرهن الموجودة بالفعل. فكثير من الرجال يتصورون أنهم يفهمون النساء فهمًا جيدًا لأن لديهم علاقاتٍ غرامية ببعضهن، وربما بعددٍ كبير منهن، فإذا ما كانت ملاحظات الرجل جيدة، وإذا ما امتدت إلى الكيف إلى جانب الكم، فقد يتعلم شيئًا ما عن جزءٍ ضيقٍ من طبيعتهن؛ وهو جزء هام بغير شك. أما فيما يتعلق ببقية الأجزاء، فليس هناك أجهل من الرجال به عمومًا، فلا يوجد سوى قلة منهم لا تخفى عليهم هذه الأجزاء خفاءً تامًّا. وأفضل حالة يستطيع فيها الرجل، عادة، أن يدرس شخصية المرأة هي حالة زوجته هو؛ إذ تكون الفرص أمامه عظيمة، كما أن حالات التعاطف الوجداني التام لا تكون نادرة. والواقع أن هذا هو المصدر، فيما أعتقد، الذي تأتي منه عادة أية معرفة ذات قيمة في هذا الموضوع. غير أن معظم الرجال لم تُتَح لهم فرصة الدراسة بهذه الطريقة في أكثر من حالة واحدة فقط. ومن ثَم، فإن المرء يستطيع أن يستنتج — إلى حدٍّ مثير للسخرية — نوع زوجة الشخص من آرائه في النساء بصفة عامة. وحتى يمكن بلوغ أية نتائج من هذه الحالة الوحيدة، فإن المرأة التي نتحدث عنها ينبغي أن تكون جديرة بأن تُعرف، كما أن الرجل ينبغي أن يكون لا فقط قاضيًا كفئًا، وصاحب شخصية عاطفية تتفق تمامًا مع شخصيتها؛ بحيث يستطيع إما أن يقرأ أفكارها بالحدس المتعاطف، وإما ألَّا يكون لديه شيء يجعلها تخجل من كشفه له. وليس ثمة شيء، فيما أعتقد، أندر من مثل هذا الحدس. وكثيرًا ما يحدث أن تكون هناك وحدة كاملة تمامًا (بين الزوجين) للشعور وللمصالح المشتركة في كل ما يتعلق بالأمور الخارجية، ومع ذلك فإن ما يصل إليه الواحد منهما (الزوج أو الزوجة) في الحياة الداخلية للآخر لا يزيد عن التعارف الشائع بين شخصَين. وحتى مع الحب الحقيقي، فإن السلطة التي تكون في جانبٍ، والخضوع والتبعية في جانبٍ آخر، يحُولان دون الثقة التامة بينهما. وقد لا يُخفي أحدهما عن الآخر شيئًا عن قصدٍ وتعمد، ومع ذلك فإن الكثير مما يوجد بينهما لا يظهر بوضوح. ولا بد أن كل إنسان قد لاحظ مثل هذه الظاهرة، في العلاقة المماثلة بين الأب وابنه. فما أكثر الحالات — فيما يتعلق بالعلاقة بين الأب والابن — التي لا يدري فيها الأب أشياء عن خُلق ابنه وطبعه، بل ولا يشك في وجودها، رغم الحب الحقيقي بينهما، في حين يعرفها جيدًا أصحابه ورفاقه. والحقيقة أن موقف التطلُّع إلى شخص أعلى لا يتفق مطلقًا مع الإخلاص التام والصراحة الكاملة معه. فالمرء في هذه الحالة يخشى ألَّا يكون عند حسن ظنه، أو أن يفقد شيئًا من مكانه أو مشاعره عنده، وهو خوف قوي، حتى إنه يُولِد في الشخص العادي ميلًا غير واعٍ لإظهار الجانب الأفضل، أو الجانب الذي يحبه أكثر من غيره، ولو لم يكن الجانب الأفضل. وربما أمكن أن نقول في ثقة إن المعرفة الحقيقية بين شخص وآخر، يصعب أن توجد إلا بين شخصَين متساويَين، فضلًا عن صِلتهما الحميمة، فكيف نصدق ذلك، بصفة خاصة، عندما يكون أحد الطرفين (الزوجة) تحت سيطرة الآخر (الزوج)، وقد ترسَّخ في ذهنها، كواجبٍ، أن تهتم بكل ما يتصل براحته ومتعته أكثر من أي شيء آخر، وألَّا يبدر منها ما يجعله يرى أو يشعر إلا بما يُرضيه. وكل هذه العقبات تقف في سبيل حصول الرجل على معرفة كاملة حتى بالمرأة الوحيدة التي تكون لديه، وفي العادة، الفرصة الكافية لدراستها (وهي زوجته). على أننا ينبغي أن نضع في ذهننا، بعد ذلك كله، أن فهم الرجل لامرأة واحدة لا يعني بالضرورة أنه فهم غيرها. وحتى لو أنه استطاع دراسة عدد من النساء من طبقة واحدة، أو من بلد واحد، فإن ذلك لا يعني أنه فهم نساء الطبقات الأخرى، والبلدان الأخرى. وحتى لو افترضنا، جدلًا، أنه فعل ذلك، فإن ما درسه، مع هذا، يشكِّل نساء فترة واحدة من فترات التاريخ. وهكذا نستطيع أن نؤكد، في اطمئنانٍ وثقة، أن المعرفة التي يستطيع الرجال تحصيلها عن النساء، حتى فيما يتصل بالماضي والحاضر، ودون أن نتعرَّض لما يكون عليه الحال في المستقبل، هي معرفة سطحية وناقصة تمامًا، وأنها ستكون على هذا النحو باستمرارٍ، إلى أن تقول النساء ما لديهن، وما ينبغي عليهن قوله.

ولم يحِن هذا الوقت بعد، ولن يأتي إلا بالتدريج، بل إن النساء لم يصلن إلى مرحلة أدبية تؤهلهن أن يقلن شيئًا للجمهور، ولم يسمح لهن المجتمع بشيء من هذا القبيل إلا بالأمس القريب. ومع ذلك فلا تجرؤ سوى قِلة منهن أن تقول شيئًا لا يريد الرجال — الذين يتوقف نجاحهن الأدبي عليهم — الاستماع إليه. ولنتذكر كيف كان التعبير، إلى عهدٍ قريبٍ جدًّا، عن الآراء غير المألوفة، حتى ولو كان المؤلف رجلًا، وكذلك التعبير عن المشاعر الشاذة، يُقابَل عادة، وما زال يُقابَل إلى حدٍّ ما، بكثيرٍ من الاستهجان. وربما استطعنا في هذه الحالة أن نُكوِّن فكرة، ولو ضئيلة، عن العقبات التي تصادفها المرأة التي تربَّت ونشأت على اعتبار العادات والرأي العام القاعدة والقانون المسيطر عليها، عندما تحاول أن تعبِّر في كتابٍ عن أي شيء تستمده من أعماق طبيعتها الخاصة. وأعظم امرأة خلَّفت وراءها كتابات تكفي لأن تعطيها مكانة مرموقة، وتضعها في مصاف كبار الأدباء في بلدها، وجدت أنه من الضروري أن تصدِّر أجزاء كُتبها بشعارٍ يقول: «يستطيع الرجل أن يتحدى الرأي العام، أما المرأة فلا بد لها أن تطيعه …»١٨ والجزء الأكبر مما تكتبه النساء عن النساء ليس سوى تزلُّف ومداهنة في نظر الرجال. والكثير مما تكتبه النساء غير المتزوجات لا يستهدف، فيما يبدو، سوى إتاحة فرصٍ أكبر للحصول على الزواج. وربما عبَّرت كثرة من النساء — متزوجات وغير متزوجات — عن عبودية أكثر مما يرغب فيه الرجال أو يرضون عنه، اللهم إلا أكثرهم سوقية. وإن كان الوضع قد تغيَّر منذ وقت قريب؛ فالنساء الأديبات صرن أكثر حرية فيما يُعلنَّ، وأكثر استعدادًا للتعبير عن مشاعرهن الحقيقية، ولسوء الطالع، فإن النساء في هذا البلد (إنجلترا) بصفة خاصة، نتاج مصطنَع، بمعنى أن مشاعرهن مركبة من عنصرٍ صغيرٍ من الملاحظات الفردية والشعور الفردي، وعنصر كبير جدًّا من التداعيات والخواطر المكتسبة. غير أن هذا الوضع سوف يقِل شيئًا فشيئًا، لكن سيظل صحيحًا، مع ذلك، إلى حدٍّ كبير، ما دامت المؤسسات الاجتماعية لا تسمح للأصالة عند النساء بنفس النمو والتطور الحر الذي تسمح به للرجال. وإلى أن يأتي ذلك اليوم — وليس قبله — سوف نرى، ولا نسمع فقط، القدْر الضروري لمعرفة طبيعة النساء، وتكيف المسائل الأخرى مع هذه الطبيعة.
لقد تحدثتُ بإسهابٍ عن العقبات التي تحُول في الوقت الحاضر دون معرفة الرجال لطبيعة النساء الحقيقية، وتجعلها غامضة؛ لأنه في هذه الحالة، كما في حالاتٍ أخرى كثيرة، «الظن بأن المرء الغني هو أحد الأسباب الرئيسية للفقر».١٩ وليست هناك سوى فرصٍ ضئيلة للتفكير العقلي في هذا الموضوع، في حين أن الناس يخدعون أنفسهم عندما يقولون إنهم يفهمون فهمًا تامًّا موضوعًا لا يعرف عنه معظم الرجال شيئًا على الإطلاق، كما أنه موضوعٌ يستحيل في الوقت الحاضر على أي رجل، أو على جميع الرجال مجتمعين، أن تكون لديهم معرفة تؤهلهم أن يضعوا للنساء قانونًا عن رسالتهن في هذه الدنيا، وما يقمن، وما لا يقمن به. ومن حسن الحظ أنه لا ضرورة لمثل هذه المعرفة بالنسبة للأغراض العملية المرتبطة بوضع النساء في علاقاتهن بالمجتمع وبالحياة. لأن المسألة — طبقًا لجميع المبادئ التي ينطوي عليها المجتمع الحديث — تتوقف على النساء أنفسهن يحسمنها بخبرتهن الخاصة، وباستخدام مَلَكاتهن الخاصة. وليست هناك وسيلة لمعرفة ما الذي يمكن لشخصٍ واحد، أو عدة أشخاص، أن يقوم به إلا عن طريق المحاولة والتجربة، وليس ثمة وسيلة يستطيع بها أي شخص آخر أن يكتشف ما الذي يجلب لهن السعادة عندما يتم فعله، أو عند الامتناع عن فعله.

هناك شيء واحد نستطيع أن نكون على يقينٍ منه، هو أن النساء لن يفعلن أبدًا ما هو مضاد لطبيعتهن، عندما تترك هذه الطبيعة تعمل بحرية. ومن ثَم، فليس من الضروري على الإطلاق أن يشعر الناس بالقلق، ويتدخلوا لصالح الطبيعة وباسمها خشية ألا تنجح الطبيعة في تحقيق أغراضها. إنه لا مبرر على الإطلاق لمنع النساء من فعل ما لا يستطعن فعله بالطبيعة. أما ما يستطعن فعله، ولكن ليس كما يستطيع الرجال — وهم منافسوهن — أن يفعلوا، فإن المنافسة تكفي لإبعادهن عنه، ما دام لا يوجد من يطالب بفرض تشريعات أو واجبات تحمي النساء، بل كل من يطالب بشيء، فإنه يطالب بإعادة النظر في التشريعات الحالية التي تحمي الرجال. وإذا كانت لدى النساء ميول طبيعية قوية نحو بعض الأشياء دون بعضها الآخر، فليس ثمة ما يدعو لسن قوانين وتشريعات أو وجود ضغوط اجتماعية لدفع الغالبية العظمى من النساء إلى القيام بتحقيق هذه الميول الطبيعية، وتفضيلها على الميول الثانية. وكلما اشتدت الحاجة إلى خدمات النساء، كانت المنافسة الحرة أقوى دافعٍ لهن للقيام بهذه الخدمات. ومن الواضح أن الحاجة تشتد إليهن أكثر في الأمور التي يصلحن لها أكثر، وعندما نحدد لهن هذه الأمور، فإنه يمكن في هذه الحالة استخدام قدرات الجنسَين مجتمعة بما يعود على المجموع بأكثر قدر من النتائج ذات القيمة العالية.

ونحن نفترض أن الرأي العام للرجال هو أن الرسالة الطبيعية للمرأة هي أن تكون زوجةً وأمًّا، وأنا أقول: «نحن نفترض» لأن المرء يستطيع إذا حكمنا من الأفعال، وبالتكوين الحالي للمجتمع بأسره، أن يستنج أن رأي النساء على النقيض المباشر لذلك تمامًا. ويمكن أن نفترض أنهن يعتقدن أن الرسالة الطبيعية المزعومة للنساء هي أكثر شيء تنفر منه طبيعتهن. بمعنى أنه لو تُركت لهن الحرية لأية وظيفة أخرى، وإذا وُجدت أية وسيلة للعيش، أو أية رغبة تناسب قدراتهن ووقتهن، فلن تكون هناك أعداد متبقية منهن يقبلن الوضع الذي يُقال عنه إنه رسالتهن الطبيعية، وإذا كان ذلك هو رأي الرجال، فمن الأفضل إعلانه.

وإني لأود أن أسمع شخصيًّا هذا الرأي صراحةً (وهو رأي يتضمنه بالفعل كثير مما كُتب في هذا الموضوع)، فيقول: «من الضروري للمجتمع أن تتزوج النساء، وينجبن أطفالًا، ولن يفعلن ذلك إلا إذا أُرغمن عليه، ومن ثَم، فمن الضروري إرغامهن على الزواج.»

وبذلك تتحدد مزايا هذا الوضع بوضوحٍ، وهي تشبه كثيرًا مزايا وضع مُلاك العبيد في الولايات الأمريكية «كارولينا الجنوبية»، و«لويزيانا Louisiana»؛ «فمن الضروري زراعة القطن وقصب السكر، والرجل الأبيض لا يستطيع زراعته. ولا يريد الزنوج زراعة هذه المحاصيل طواعيةً، مهما تكن الأجور التي نريد أن ندفعها لهم، ومن ثَم، فمن الضروري إرغامهم على زراعة هذه المحاصيل.» وهناك مثال توضيحي أقرب إلى هذا الموضوع: وهو موضوع السُّخرة للمصلحة العامة. فلا بد، في السلاح البحري، من وجود بحارة يدافعون عن البلاد، وكثيرًا ما يحدث أن البحارة لا يحبذون ذلك طواعية وبرغبتهم، ومن ثَم، فلا بد أن تكون هناك سُلطة ترغمهم على ذلك. وكثيرًا ما استُخدم هذا المنطق! ولا شك أنه كان سيستمر العمل به حتى يومنا الراهن لولا نقصٌ واحد فيه، فهو عُرضة لأن نرد عليه بقولنا: ادفع أولًا للبحارة أفضل أجر ثمنًا لعملهم، وعندما يجدون أنهم سيحصلون في خدمتك على ما يحصلون عليه في خدمة غيرك، فإنك لن تجد صعوبة، أكثر من غيرك، في الحصول على خدماتهم. ولن تكون هناك إجابة منطقية على ذلك سوى عبارة «لن أفعل». ولمَّا كان الناس الآن يخجلون من سرقة أجر العامل، بل ولم تعد لديهم الرغبة في ذلك، فإنه لم يعُد هناك من يدعو إلى السُّخرة البحرية.
ومن هنا فإننا نجد أن مَن يحاول إرغام النساء على الزواج فإنه يُغلِق جميع الأبواب الأخرى في وجوههن، ويكون عُرضة لأن يُرَد عليه بنفس الرد السابق. فإذا كان يعني ما يقول حقًّا، كان من الواضح أن يكون رأيه على النحو التالي: إن الرجال لا يجعلون ظروف الزواج أمرًا مرغوبًا فيه عند النساء؛ بحيث يدفعهن إلى قبوله لما فيه من مغرياتٍ خاصة. وهكذا لا يسمح الرجل للمرأة بالاختيار، ويطبِّق عليها مبدأ اختيار هوبسن: «هذا، أو لا شيء.»٢٠ وهو مبدأ لا يُعد علامةً من علامات امتياز الشيء الذي يقدمه الشخص. وذلك في اعتقادي هو مفتاح مشاعر أولئك الرجال الذين ينفرون نفورًا تامًّا من المساواة في الحقوق (بين الرجل والمرأة)، ومن إعطاء الحرية للنساء؛ إذ إني أعتقد أن ما يخشاه الرجال ليس هو امتناع النساء عن الزواج، فلا أظن أن هناك مَن يخشى ذلك حقيقةً، ولكن الرجال يخشون إصرار النساء على أن يتم الزواج بشروط متساوية. كما يخشى الرجال أن يفضل جميع النساء، من أصحاب القدرة والكفاءة، أي شيء آخر لا يهبط بمكانتهن، كما يفعل الزواج، عندما لا يعني الزواج سوى الخضوع لسيدٍ هو الرجل، تخضع له الزوجة بكل ما لديها من متاعٍ وأملاك مادية. أعتقد أن للمرأة الحق فيما يعتمل في داخلها من هواجس، كما أنني أوافق على أنه من المرجح ألا يقبل سوى عددٍ ضئيل جدًّا من النساء على مثل هذا المصير، عندما يجدن أمامهن طريقًا آخر متاحًا للحصول على وضعٍ مشرف في المجتمع، إذا ما كان في استطاعتهن عمل أي شيء آخر، فهن لن يقبلن هذا المصير المجحف، اللهم إلا إذا كان هناك إغراء لا يمكن مقاومته يجعلهن يفقدن الشعور مؤقتًا بأي شيء آخر سواه. وإذا أصر الرجال على أن يكون قانون الزواج، قانونًا استبداديًّا، فسوف يكونون على حق تمامًا أنهم لم يسمحوا للنساء إلا بمبدأ اختيار هوبسن «إما هذا، أو لا شيء». ولكن في هذه الحالة فسوف يكون كل ما يحدث في العالم الحديث من تخفيفٍ للقيود المفروضة على عقول النساء، أخطاءً ما كان لها أن تقع، فما كان ينبغي أن يُسمَح لهن قَط أن ينلن قسطًا من التربية الأدبية؛ فالمرأة التي تقرأ، وأكثر منها بكثير المرأة التي تكتب، تُعتبر، في الأوضاع الراهنة، عنصرًا مزعجًا ومتناقضًا مع هذه الأوضاع؛ ومن ثَم كان من الخطأ تنشئة النساء على أي شيء سوى اكتساب صفات السرايا، والمحظيات، وخدم المنازل.
١  ساد «العقل» القرن الثامن عشر على نحو ما تمثَّل، بوضوحٍ، في الأدب الكلاسيكي، الذي كان عقليًّا تمامًا، كما عبَّرت عنه فلسفة هذا القرن؛ حيث كانت فلسفة كانط (١٧٢٤–١٨٠٤م) العقلية تتويجًا لهذه الحقبة، وتحليلًا للعقل، كما تدل على ذلك كُتبه الرئيسية: «نقد العقل الخالص» عام ١٧٨١م، و«نقد العقل العملي» عام ١٧٨٨م … إلخ، وكما ظهر في الثورة الفرنسية، التي وُصفَت بأنها ثورة العقل. ثم جاء تيار الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر كرد فعلٍ قوي ضد عقلانية القرن الثامن عشر. فإذا كان الشاعر الفرنسي بوالو Boileau (١٦٣٦–١٧١١م) يضع المبدأ الكلاسيكي الهام، حين يقول للأدباء والشعراء الكلاسيكيين «فلتلبُّوا دائمًا نداء العقل، ولتستمد منه مؤلفاتكم كل ما لها من رونقٍ وقيمة». فقد جاء الشاعر الفرنسي «ألفرد دي موسيه» Alfred de Musset (١٨١٠–١٨٥٧م) ليعارض هذا المبدأ بوضوحٍ، فيقول: «أول مسألة هامة عندي هي ألَّا ألقي بالًا إلى العقل». وينصح صديقًا له «اقرع باب القلب؛ ففيه وحده العبقرية، وفيه الرحمة والعذاب والحب … إلخ» … وهكذا ظهر تيارٌ جديد يضاد العقل، ويهتم ﺑ «العناصر اللاعقلية»، كالقلب، والخيال، والعاطفة، والمشاعر، والغريزة … إلخ، وهو ما يشير إليها «جون ستيوارت مل» في هذه الفقرة. (المترجم)
٢  المذهب الرواقي Stoicism مدرسة فلسفية يونانية-رومانية، أسَّسها زينون Zeno (٣٣٤–٢٦٢ق.م.) الذي بدأ يعلِّم الناس في أثينا في سن الثلاثين — ويقال إنه عاش ثمانية وتسعين عامًا — وكان يعلِّم تلاميذه في رواق Stoa (وهو بهو ذو أعمدة)، ومنه استمدَّت المدرسة اسمها، وتذهب الرواقية إلى أن المهمة الأساسية للفلسفة تتعلق بالأخلاق، ومن هنا اهتموا بالالتزام الأخلاقي نحو العبيد، كما اهتموا بالدعوة إلى المواطنة العالمية؛ فكسروا لأول مرة حاجز العنصرية العِرقية عند اليونان والرومان. (المترجم)
٣  تذهب اليهودية إلى أن اليهود هم عبيد الله، ومن ثَم فلا يُباعون بيع العبيد، وإذا ما افتقر اليهودي، وعجز عن وفاء دينه، واضطر إلى بيع نفسه لدائنه، فإن كان الدائن يهوديًّا، فعليه أن يعامله معاملة الخدم، وأن يرفق به، وأن يعتقه بعد ست سنوات من الخدمة، ويزوِّده بشيء من المال، ومن الغنم وغيره (سفر اللاويين، الإصحاح الخامس والعشرين: ٣٩–٤٥). أما غير اليهودي، فهو وحده الذي يجوز استرقاقه بالحرب أو الشراء، ويُعامَل بعنفٍ، ولا يجوز تحريره أو افتداؤه، ويبقى رقيقًا أبد الدهر (سِفر التثنية، الإصحاح الخامس عشر: ١٢–١٤)؛ فقد اختار الله اليهود ليكونوا سادةً، ويكون الناس عبيدًا لهم. (المترجم)
٤  دعا السيد المسيح إلى المساواة بين الناس، وأوصى تابعيه أن يعاملوا الناس بمثل ما يحبون أن يُعاملوهم به؛ فكانت دعوته خروجًا على اليهودية العنصرية، التي تستأثر اليهود بالحسنى، وتعامِل غيرهم بالسوء. (المترجم)
٥  أعتقد أن هناك مبالغةً فيما يقوله «مل» بشأن «مكافحة» الكنيسة الكاثوليكية، «والمعركة» التي خاضتها لأكثر من ألف عام، بشأن فرض الالتزام الأخلاقي نحو تحرير العبيد. فإذا كان السيد المسيح قد دعا إلى المساواة بين الناس، فقد ذهب القديس بولس إلى تفسيرها بأنها مساواة «الروح» فقط، ومن ثَم تسامَح في خضوع «الجسد»، وأمر بأن «تخضع كلُّ نفسٍ للسلاطين الفائقة؛ لأنه ليس سلطان إلا من الله … إلخ» (رسالة بولس إلى أهل رومية، الإصحاح الثالث عشر: ١–٣). وهكذا دعا العبيد مباشرة إلى الخضوع والاستسلام «أيها العبيد، أطيعوا سادتكم في كل شيء، حسب الجسد … إلخ» (رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي، الإصحاح الثالث: ٢٢). ودعا القديس بطرس العبيد إلى الطاعة بخوفٍ ورعدة «أيها العبيد، أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة، في بساطة قلوبكم كما للمسيح» (رسالة بطرس إلى أهل أفسس، الإصحاح السادس: ٥–٧)، وأوصاهم ألَّا يقصروا الطاعة والإخلاص على السادة الرحماء فقط، بل … «كونوا خاضعين بكل هيبة، ليس للصالحين، بل للعنفاء أيضًا …» (رسالة بطرس الأولى، الإصحاح الثاني: ١٨)، ولا أظن أن في ذلك كفاحًا لتحرير العبيد! (المترجم)
٦  يشير «مل» إلى نظرية أرسطو الشهيرة عن الرق، ودفاعه عنها بحماسٍ شديدٍ، بوصفها تعبيرًا عن النظام الطبيعي للبشر، فهناك العبد بالطبيعة، والحر بالطبيعة أيضًا، أي مَن يولد عبدًا، ومَن يولد حرًّا، قارن كتابنا «أرسطو … والمرأة»، ص٧٥ وما بعدها، وهو العدد الثاني من «سلسلة الفيلسوف والمرأة»، أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٦م؛ وانظر أيضًا كتاب أرسطو «السياسة»، ١٢٥٥م. (المترجم)
٧  مصطلح الأمازونات Amazons يعني حرفيًّا «نساء بغير صدور»، وهي قبيلة في الأساطير اليونانية، من المقاتلات الإناث، تعيش في آسيا الصغرى، ولهن في الصدر ثدي واحد، أما الثاني، فقد أُزيل في الصغر حتى يستطعن إطلاق القوس بحرية أكثر. يتزاوجن مع رجال من جنس آخر، ثم يحتفظن بالمواليد «الفتيات فقط»، ويقتلن البنين، أو يعودوا إلى آبائهم. وتظهر الأمازونات في الأساطير اليونانية مع كثير من الأبطال، من أمثال: هرقل، وبرسيوس، وبلرفون، وثيوبس، مع أن هؤلاء جميعًا قاتلوا ضدهن. راجع د. إمام عبد الفتاح إمام «معجم ديانات وأساطير العالم»، المجلد الأول، ص٧٥، أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٦م. (المترجم)
٨  اهتم أفلاطون اهتمامًا كبيرًا بالنظام السياسي في مدينة إسبرطة لأسبابٍ كثيرة، منها طبقته الأرستقراطية، ومنها نظام التربية في هذه المدينة، الذي يشبه النظام الذي وضعه أفلاطون في محاورة الجمهورية … إلخ (راجع في ذلك كله: د. إمام عبد الفتاح إمام «أفلاطون … والمرأة»، ص٤٢ وما بعدها، العدد الأول من سلسلة «الفيلسوف … والمرأة»، التي تصدرها مكتبة مدبولي بالقاهرة). (المترجم)
٩  من الأفكار الكثيرة التي تأثَّر بها أفلاطون بنظام مدينة إسبرطة، تربية الحراس، أو طبقة الجند، التي ستدافع عن المدينة الفاضلة، كما عرضها في الجمهورية، ويظهر الأثر الإسبرطي واضحًا عندما يتحدث أفلاطون عن «المعسكر المفتوح الأبواب»، الذي ينبغي أن يعيش فيه هؤلاء الحراس، كما يظهر في قوله إن عليهم أن يتناولوا وجباتهم سويًّا، وأن يعيشوا حياة جماعية كالجنود في ساحة القتال … كما يحرم عليهم، كما هي الحال في إسبرطة، اقتناء الذهب والفضة. وأخيرًا هناك فكرة شيوعة النساء، «حيث تصبح الزوجات مشاعًا بين الحراس»، وكان مشرِّع إسبرطة «ليكورجوس» قد عاب على الأزواج الإسبرطيين أن يستأثروا بزوجاتهم (راجع في ذلك كله كتابنا السابق «أفلاطون … والمرأة»، مكتبة مدبولي بالقاهرة عام ١٩٩٦م). (المترجم)
١٠  ربما كان «مل» يشير في هذه العبارة إلى الالتماس الذي قدَّمه هو نفسه إلى مجلس العموم البريطاني في يونيو ١٨٦٦م، عندما كان نائبًا عن حي «وستمنستر» في لندن. وقد ظل طوال السنين الثلاث التي قضاها عضوًا (١٨٦٥–١٨٦٨م) في مجلس العموم يناضل في سبيل الإصلاح، ويجاهد في ضوء مبادئه، حتى انحلَّ المجلس عام ١٨٦٨م، وكان في نضاله يجاهد في سبيل توسيع الحق الدستوري للانتخابات؛ بحيث يمتد ليشمل حق النساء في الاقتراع والتصويت Suffrage. (المترجم)
١١  سيمون دي مونتفورت Simon de Montfort (١٢٠٨–١٢٦٥م) هو إيرل إف ليستر Leicester، كان رجل دولة ومقاتلًا. ترجع أصوله إلى عائلة فرنسية نبيلة في نورماندي، لكن جدته إنجليزية، ومن هنا ورث لقب «الإيرل»، وتزوج عام ١٢٣٨م، من «إليانور» شقيقة هنري الثالث. استدعى عام ١٢٥٨م الفرسان من كل صوب؛ لمواجهة حكم الملك هنري الثالث، وتكوين مجلس بارونات، قاتل الملك فيما سُمي بعد ذلك بحرب «البارونات». ولقد كوَّن ما سُمي بعد ذلك باسم «مجلس الشعب» أو «مجلس العموم»، كما أطلق عليه أيضًا اسم «البرلمان المجنون»، الذي انعقد في مدينة أكسفورد لأول مرة عام ١٢٥٨م، ثم أصبح قوةً مؤثرةً في السياسة الإنجليزية، من حقه المحافظة على تشكيل الوزارة وعزلها والتصدي للملك إذا دعت الحاجة. (المترجم)
١٢  اعتمادًا على ما نادى به القديس بولس عن ضرورة طاعة العبيد لسادتهم، وإلَّا أغضبوا الرب «أيها العبيد أطيعوا سادتكم …» (رسالته إلى أهل كولوسي، الإصحاح الثالث: ٢٢)، وعلى دعوة القديس بطرس العبيد إلى طاعة السادة في خوفٍ ورعدة «أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد، بخوفٍ ورعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح …» (رسالة بطرس إلى أهل أفسس، الإصحاح السادس: ٥–٧) … إلخ. (المترجم)
١٣  ولهذا كان «المَولد» في الفلسفة الوجودية المعاصرة من المواقف الحدية، التي لا تستطيع إرادة الإنسان أن تتغلَّب عليه، شأنه شأن النهاية، أعني «الموت»؛ فكما أن الإنسان لا يستطيع أن يمنع الموت، مهما تقدَّم عِلم الإنسان، فكذلك ليس في استطاعته أن يحدِّد متى يُولَد، وفي أي مجتمع، وما هو نوع الجنس الذي يتخذه حين يُولَد. (المترجم)
١٤  مبنًى حجري ضخم من عصور ما قبل التاريخ. (المترجم)
١٥  كبير الآلهة في الأساطير الرومانية، وهو يرادف زيوس Zeus كبير الآلهة في أساطير اليونان، أما جبال الأولمب، فهي مقر آلهة اليونان. (المترجم)
١٦  هذه خاصية التفكير عند رجل الشارع، وتُسمى «التعميم الخاطئ»؛ فترى رجل الشارع، أو الإنسان العادي، يُسرع في تعميم الحُكم، فيعمِّم لك القول تعميمًا واسعًا جدًّا، دون أن يستند إلَّا إلى أمثلة قليلة جدًّا، ونحن كثيرًا ما نستمع إلى أحاديث تتحدث عن «الرجل» بصفة عامة، أو عن «المرأة» عمومًا أو صفات أبناء الصعيد أو أبناء الشرقية … إلخ، وهي كلها، في الأعم الأغلب، تعميمات خاطئة. (المترجم)
١٧  يشير «مل» هنا إلى علم دراسة سلوك الحيوانات Science of Ethology، وعلاقة هذا السلوك بالموطن الذي تعيش فيه، وهو عِلم اقترحه فيلسوفنا كمشروعٍ في كتابه عن «المنطق»، لكنه مشروع لم يوضع أبدًا موضع التنفيذ. (المترجم)
١٨  المقصود الأديبة الفرنسية مدام دي ستيل Mme de Staël (١٧٦٦–١٨١٧م)، وهي ابنة وزير المالية في عهد لويس السادس عشر، والتي اشتهرت بصالونها الأدبي في باريس، الذي كان يختلف إليه نخبة من رجال الفكر والسياسة، وقد صدَّرت كتابها «الدولفين Delphine» بهذا الشعار. (المترجم)
١٩  ذكر «مل» هذه العبارة باللاتينية، وهي نص مقتبَس من كتاب فرانسيس بيكون F. Bacon (١٥٦١–١٦٢٦م) «الأورجانون الجديد Novum Organum» الذي أصدره عام ١٦٢٠م. (المترجم)
٢٠  توماس هوبسن Thomas Hobson (١٥٤٤–١٦٣١م)، رجل إنجليزي عجوز، كان يعمل سائسًا في أحد إسطبلات الخيول في مدينة كيمبريدج، وكان المبدأ الذي يسير عليه، واشتهر به فيما بعد، هو أن يطلب من كل زبون يريد حصانًا أن يأخذ أول حصان يصادفه بجوار الباب أثناء دخوله، أو لا يأخذ شيئًا على الإطلاق! ومن هنا ظهر التعبير «خيار هوبسن» للدلالة على انعدام حرية الاختيار، كما ظهر أيضًا مبدأ اختيار هوبسن، الذي يعبِّر عن الفكرة نفسها، والذي تلخصه عبارة «هذا أو لا شيء» إما أن تأخذ هذا الحصان، أو لا تأخذ شيئًا على الإطلاق، وهذه هي الفكرة التي طُبِّقت على النساء (الزواج والأمومة)، وقيل إنها رسالتها الطبيعية في الحياة، حتى صدَّقت المرأة نفسها أن هذا هو الخيار الوحيد المتاح أمامها. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦