قانون القوة
«لا ينبغي النظر إلى قضية المرأة على أن الحُكم قد صدر فيها مقدمًا، عن طريق الواقع القائم والرأي العام السائد، بل لا بد من فتحها للنقاش على أساس أنها مسألة عدالة …»
غايتي من هذا البحث أن أفسر، بقدر ما أستطيع من الوضوح، الأسس التي يقوم عليها الرأي، الذي أخذتُ به منذ فترة مبكرة من حياتي، عندما بدأتُ في تكوين آراء عن الشئون الاجتماعية أو السياسية — وهو رأي، بدلًا من أن يُضعفه الزمن أو يغيِّر منه — كان يزداد قوة على الدوام، مع تقدُّم الفكر وتجربة الحياة. أما هذا الرأي، فهو أن المبدأ الذي ينظم العلاقات الاجتماعية بين الجنسَين (الذكور والإناث)، ويجعل خضوع أحد الجنسَين للآخر عملًا مشروعًا، هو مبدأ خاطئ في ذاته؛ كما أنه يمثل عقبة رئيسية أمام التقدم البشري؛ ومن ثَم؛ فينبغي أن يزول ليحل محله مبدأ المساواة التامة الذي لا يسمح بوجود سلطة أو ميزة في جانب وعجز وعدم أهلية في جانب آخر.
إن الكلمات الضرورية ذاتها التي اخترتها للتعبير عن المهمة التي أخذتُ على عاتقي القيام بها، تُبيِّن صعوبة هذه المهمة. لكن سوف يكون من الخطأ أن نفترض أن هذه الصعوبة نفسها راجعة لعدم كفاية الأسس العقلية التي سوف يقوم عليها اقتناعي، أو غموض هذه الأسس، ذلك لأن مصدر الصعوبة يكمن في أن القضية تنطوي على مجموعة من المشاعر ينبغي التغلُّب عليها. فما دامت فكرة اللامساواة بين الجنسين متأصلة الجذور في مشاعر الناس، فإن قوة الحُجة ضدها يزيدها رسوخًا بدلًا من أن يزعزعها. ذلك لأن الناس عندما يقبلون فكرةً ما بناء على حُجج معينة، فإن دحض هذه الحُجج يهز أسس الاعتقاد. أما عندما يقبلون الفكرة بناءً على المشاعر وحدها، فإنه كلما قويت الحُجة ضد هذه المشاعر، زاد اقتناع أنصارها بأن مشاعرهم لا بد أن تكون أعمق غورًا من أن تصل إليها هذه الحُجج. وما دامت المشاعر باقية، فإنها تقوم، باستمرار، بتعزيز دفاعاتها، وإصلاح ما انهار من حُججها القديمة. وهناك أسباب كثيرة تجعل المشاعر المتعلقة بهذا الموضوع أشد كثافة، وأعمق جذورًا من كل المشاعر التي تتجمَّع حول الأنظمة والتقاليد القديمة وتقوم بحمايتها، حتى إنه ليس ثمة ما يدعو إلى العجب عندما نجد إنها لم تتقوض بفضل التقدم أو التحوُّل الاجتماعي والروحي الحديث، بل إنها أقل ضعفًا من بقية المشاعر الأخرى. كما يجب ألا نفترض أن البربرية (الهمجية) التي تَمَسَّك بها الناس طويلًا لا بد أن تكون أقل همجية من تلك التي تخلَّوا عنها.
إن العبء الذي يحمله أولئك الذين يأخذون على عاتقهم مهاجمة رأي، يكاد يجمع الناس عليه، هو عبء ثقيل من كل وجه. فهم لا بد أن يكونوا محظوظين جدًّا، وعلى درجة غير عادية من الكفاءة لو أصاخ لهم الناس السمع على الإطلاق. فهناك صعوبة كبيرة في أن ننتزع من الناس اعترافًا بأن هناك قضية (خاصة بالمرأة)، وهي صعوبة تزيد على الصعوبة التي يواجهها الآخرون في الحصول على قرار أو حكم. فإذا نجحنا في انتزاع هذا الاعتراف، وأصاخوا السمع، فرضوا علينا مطالب منطقية، تختلف اختلافًا تامًّا عما يُطلَب من غيرنا من الناس. فمن المفروض أن عبء البرهان، في جميع القضايا الأخرى، يقع على من يريد أن يثبت شيئًا، فإذا ما اتُّهم شخص بجريمة قتل، مثلًا، وقع عبء البرهان على مَن اتهموه؛ فإن عليهم وحدهم مسئولية إثبات ارتكابه للجريمة، وليس عليه هو أن يُثبِت براءته. وإذا وقع خلاف في الرأي حول واقعة تاريخية مزعومة، لا تهم مشاعر الناس كثيرًا، بصفة عامة، كحصار طروادة، مثلًا، فإن أولئك الذين يؤكدون وقوع «حصار طروادة» عليهم أن يثبتوا ذلك، وأن يقدموا براهينهم، قبل أن يُطلَب من المعارضين أن يقولوا شيئًا، بل لا يُطلب منهم، في أي وقت، أكثر من تفنيد البراهين التي يقدمها المؤيدون لواقعة الحصار، وبيان أنها لا قيمة لها، وقُل مثل ذلك في المسائل العلمية؛ فالمفروض أن يقع عبء البرهان على أولئك الذين يعارضون الحرية، ويدافعون عن كل قيد، وكل تحريم، إما بتقييد الحريات العامة للأفعال البشرية، وإما بحرمان أي شخص أو مجموعة من الأشخاص من مزايا يتمتع بها غيرهم. فالافتراض السابق لأي افتراض آخر يؤيد الحرية، وعدم التمييز بين الناس. إذ من المفروض ألَّا تكون هناك قيود إلا ما يتطلَّبها الصالح العام، وألَّا يميز القانون بين الناس، بل يعاملهم جميعًا على قدم المساواة، اللهم إلا إذا كان التمييز في المعاملة لأسبابٍ موضوعية، تتطلَّبها العدالة أو السياسة العامة للدولة. ولكن أولئك الذين يعتنقون الرأي الذي أذهب إليه (ويدافعون عن قضية المرأة) لا يُسمَح لهم بالاستفادة من أية قاعدة من قواعد الإثبات هذه. في رأيي، إنه من نافلة القول أن نشير إلى أن أولئك الذين يذهبون إلى أن للرجال حقَّ الأمر، وأن على النساء واجب الطاعة، أو أن الرجال يصلحون للحكم وإدارة شئون الدولة، في حين أن النساء لا يصلحن لذلك، يمثِّلون الجانب الإيجابي في هذه القضية، ومن ثَم فعليهم مهمة الإثبات، وتقديم البراهين والأدلة الإيجابية، التي تثبت ما يؤكدونه أو أن ترفض دعواهم. ومن نافلة القول أيضًا أن نذكر أن أولئك الذين ينكرون على النساء أي حق في الحرية أو ميزة يتمتع بها الرجال، يؤكدون افتراضًا مسبقًا مزدوجًا ضد أنفسهم هو: معارضتهم للحرية، وتأييدهم للتحيز، وأنهم مطالبون بتقديم الدليل الحاسم على صدق دعواهم، وما لم ينجحوا في إزالة أي شك في قضيتهم، فإنه يتعيَّن صدور الحكم ضدهم. وربما نذهب إلى أن هذه المواقف سليمة وصحيحة، وأنها عادلة في أية قضية عامة، لكنها، مع ذلك كله، لن تكون كذلك في قضية المرأة. ولذلك فإن القارئ يتوقع مني — حتى يكون لديَّ أمل في التأثير عليه — لا أن أرد فقط على كل ما يمكن أن يقولوه، وأبحث عن مبرراته، وأرد عليها. وإلى جانب تفنيد حجج الإثبات كلها، سأكون مطالبًا بتقديم حُجج إيجابية حاسمة لإثبات السلب (أي سلب موقفهم، وهو تأييد حقوق المرأة)، وحتى إذا استطعتُ أن أقوم بذلك كله، وتركتُ حزب المعارضة (أي خصوم المرأة) أمام مجموعة كبيرة من الحُجج لا تُدحض، ولم أترك حُجة واحدة بغير تفنيد، فإن ذلك كله سوف يُعتبَر عملًا ضئيل الشأن، من المفترض أن قضيتهم (أي معارضة حقوق المرأة) يدعمها العُرف العام من ناحية، والمشاعر القوية لدى الناس من ناحية أخرى، بطريقة تفوق أي اقتناعٍ يعتمد على العقل، حتى إن العقل لن يكون له سلطان إلا عند فئة قليلة من المثقفين.
وأنا لا أذكر هذه المصاعب والعقبات على سبيل الشكوى:
- أولًا: لأن الشكوى لا غناء فيها؛ فالمصاعب والعقبات لا بد منها إذا ما أراد المرء التأثير على عقول الناس ضد مشاعرهم وعواطفهم وميولهم أو اتجاهاتهم العملية.
- ثانيًا: إن عقول الغالبية العظمى من البشر يجب أن تصل إلى مستوًى أعلى مما وصلت إليه في أي وقت، قبل أن يُطلب إليها الاعتماد على قدرتها الخاصة في تقييم الحُجج، والإقلاع عن المبادئ العملية التي وُلدوا فيها، وعاشوا معها — والتي هي الأساس للجانب الأكبر من النظام الاجتماعي القائم في العالم — عند أول هجوم بالحُجج، وإنما لثقتهم الشديدة في هذه المبادئ العامة، وإيمانهم بالعادات، والتقاليد، والمشاعر العامة، أكثر مما ينبغي.
- ثالثًا: إحدى الخصائص المبتسرة للعقل في القرن التاسع عشر ضد عقلانية القرن الثامن عشر هي أنه وصف العناصر اللامعقولة في الطبيعة البشرية بالعصمة من الخطأ، وهي الصفة التي كان يعزوها القرن الثامن عشر للعناصر العقلية وحدها.١ فاستبدلنا بتأليه العقل تأليه الغريزة.
ونحن نُطلِق كلمة «الغريزة» على كل ما نجده في أنفسنا، ولا نستطيع أن نعثر له على أساسٍ عقلي. إن عبادة هذا الصنم «الغريزة» لهو أكثر انحطاطًا بكثيرٍ من عبادة الأصنام الأخرى، وأشد ضررًا من جميع العبادات الأخرى الزائفة التي تسود عصرنا الحاضر؛ بل إن «عبادة الغريزة» لَتمثل الآن الدعامة الرئيسية لجميع العبادات الأخرى، وسوف تظل قائمة، في الأعم الأغلب، إلى أن تتراجع أمام علم نفسٍ سليمٍ، يكشف عن الجذور الحقيقية لكثيرٍ مما ننحني أمامه بوصفه نية «الطبيعة»، وقصدها، وخطة «الله» وأوامره. أما بخصوص المشكلة الراهنة (وهي حقوق المرأة)، فأنا أوافق عن طِيب خاطر على الشروط والظروف غير المحبوبة التي تعيِّنها لي الأحكام المبتسرة. فأنا أسلِّم أن العادات والمشاعر تنتمي في كل عصر إلى أسبابٍ أخرى غير كونها صحيحة، وأنها تستمد قوتها من أسوأ جوانب الطبيعة البشرية، وليس من أفضل جوانبها … وأنا أقبل، عن طِيب خاطر، أن يصدر الحكم ضدي ما لم أستطع أن أثبت أن هناك تلاعبًا مع القاضي، وليس ذلك أمرًا عسيرًا كما قد يبدو، بل إن إثباته هو أسهل جوانب مهمتي.
إن عمومية ممارسة من الممارسات، أو عادة من العادات، هي، في بعض الحالات، دليلٌ قوي على أنها تحقق، أو كانت تحقق، غاياتٍ محمودة. وتلك هي الحال عندما نأخذ بهذه العادة لأول مرة، أو عندما تستمر في تواجدها بعد ذلك، كوسيلةٍ لتحقيق مثل هذه الغايات، وتكون قد تأسست بعد تجربة الطريقة التي تؤدي، أكثر من غيرها، إلى بلوغ الغايات. فإذا كانت سُلطة الرجال على النساء عندما بدأت أول الأمر، كانت نتيجة لمقارنة واعية بين الطرق المختلفة التي تنظم حكم الجماعة، أي أنه إذا كان قد تقرر بعد تجربة الطرق المختلفة التي تقوم بعملية التنظيم الاجتماعي، أعني تجربة سيطرة النساء أو حكمهن على الرجال، ثم تجربة المساواة بين الجنسين، والطرق الأخرى من الحكم المختلطة والمنقسمة التي يمكن ابتكارها، واستقر الرأي على أن الوضع الاجتماعي الذي يكون فيه النساء تحت سيطرة الرجال وحكمهم تمامًا، بحيث لا يكون لهن نصيب على الإطلاق يشاركن به في الشئون العامة؛ مما يترتب عليه أن تُلزَم كل امرأة — قانونًا — بالطاعة للرجل، الذي ارتبط مصيرها به، هذا الوضع هو أفضل طريقة تشهد بها التجربة، وهي تؤدي إلى سعادة الجنسين معًا ورفاهيتهما، فإن القبول العام لهذا الوضع يمكن أن يُعد دليلًا على أنه كان أفضل الأوضاع في الوقت الذي أُخذ به فيه. وإن كان حتى في هذه الحالة يمكن أن تكون الاعتبارات التي أدَّت إلى الأخذ به قد انتهت، ولم يعُد لها وجود، شأنها شأن كثير من الوقائع الاجتماعية البدائية ذات الأهمية الكبرى.
لكن الوضع في قضية المرأة هو عكس ذلك من جميع النواحي:
- أولًا: إن الرأي الذي يؤيد النظام الحالي الذي يخضع فيه الجنس الضعيف خضوعًا تامًّا للجنس الأقوى، يقوم على النظرية فحسب، بمعنى أنه لم يحدث قَط تجربة أي نظام آخر، وهكذا لا نستطيع أن نقول التجربة بمعناها البسيط، الذي يجعلها تقابل النظرية، قد أصدرت حكمها في هذا الموضوع.
- ثانيًا: لم يكن الأخذ بهذا النظام الحالي، نظام اللامساواة، الذي يجعل المرأة خاضعةً للرجل، نتيجةً للتفكير أو التروِّي أو بُعد النظر، أو نتيجةً لأية أفكار اجتماعية، أو أية أفكار عمَّا هو صالح للمجتمع، أو يعمل لخير البشرية. بل إنه انبثق، ببساطة، من واقعة أنه منذ الخيوط الأولى لفجر المجتمع البشري، وكل امرأةٍ تجد نفسها في حالة عبودية لرجلٍ ما (تبعًا للقيمة التي يضفيها عليها الرجال مصحوبة بضعف قوتها البدنية). وتبدأ القوانين السياسية باستمرارٍ بالاعتراف بالعلاقات التي تجدها قائمةً بالفعل بين الأفراد، فهي تحيل الواقع المادي إلى حقٍّ مشروع، وتُضفي عليه تصديقًا من المجتمع، وهي تهدف أساسًا إلى إحلال الوسائل العامة، التي تؤكد هذه الحقوق وتحميها، محلَّ صراع القوة المادية، الذي لا يخضع لتنظيمٍ أو قانون. وهكذا يصبح أولئك الذين أُرغموا على الطاعة (النساء أو العبيد) ملزَمين بها عن طريق القانون. وبدلًا من أن تكون العبودية مسألة قوة بين السيد والعبد، تصبح منظَّمة، وموضع اتفاق، بين السادة الذين يلتزمون الواحد قِبَل الآخر بتوفير الحماية المشتركة لممتلكات كلٍّ منهم الخاصة، بما فيها عبيدهم، وهي حماية تضمنها قوتهم الجماعية. وفي العصور الأولى كانت الغالبية العظمى من الرجال عبيدًا، كما كان الأمر كذلك بالنسبة لكل النساء. وانقضت عصور كثيرة، كان بعضها عصور ثقافة رفيعة، قبل أن تظهر لدى أي مفكر الجرأة الكافية ليطرح السؤال عن مدى مشروعية عبودية هذا الجنس أو ذاك، وعن الضرورة الاجتماعية المطلَقة لهذه العبودية. وبالتدريج ظهر أمثال هؤلاء المفكرين، وفي النهاية تم إلغاء عبودية جنس الرجال، على الأقل في كل بلاد أوروبا المسيحية (وإن كان هذا الإلغاء لم يتم في أحد هذه البلاد إلا في السنوات القليلة الماضية)، أما عبودية النساء، فقد تغيَّرت بالتدريج إلى صورةٍ معتدلة من التبعية. إلا أن هذه التبعية — على نحو ما توجد في الوقت الحاضر — ليست نظامًا أصيلًا بدأ بدايةً جديدة، منطلِقًا من اعتبارات خاصة بالعدالة أو المصلحة الاجتماعية، بل استمرت الحالة البدائية للعبودية، بعد أن مرَّت بألوانٍ متعاقِبة من التخفيفات والتعديلات، دفعت إليها الأسباب نفسها التي لطَّفت الطرائق العامة للسلوك، وأخضعت جميع العلاقات البشرية أكثر فأكثر لسيطرة العدالة ونفوذ الإنسانية. وإن كان هذا النظام لم يفقد، حتى الآن، سِمة أصله الوحشي. والشيء الوحيد الذي يمكن افتراضه لتأييده، لا بد أن يقوم على أساس أن هذا النظام ظل قائمًا حتى الآن، في الوقت الذي انتهت فيه كثير من الأشياء الأخرى التي انحدرت إلينا من هذا المصدر الكريه نفسه. والواقع أن هذا هو السبب الذي يجعل غريبًا على الأذن العادية أن تسمعنا نقول إن اللامساواة في الحقوق بين الرجال والنساء تعود أساسًا إلى قانون الأقوى، وليس لها أصلٌ سواه.
وقد يبدو في هذه العبارة شيء من المفارقة، غير أن ذلك، من بعض الجوانب، ميزة لتقدم الحضارة، وترقية المشاعر الأخلاقية للجنس البشري. فنحن نعيش الآن — أقصد تعيش أُمة أو أمَّتان من أكثر أمم العالم تقدمًا — في حالة يبدو فيها أن قانون الأقوى قد انتهى أمره تمامًا، بوصفه المبدأ الذي ينظم شئون العالم. فليس هناك مَن يدعو إليه، كما أنه لا يسمح بممارسته فيما يتعلق بالعلاقات بين الموجودات البشرية. وعندما ينجح شخص ما في هذه الممارسة؛ فإنه يَدَّعِي أن ذلك يتم بناء على مصلحة اجتماعية معينة، ولما كانت تلك الحالة الظاهرة للأمور، فإن الناس تخدع نفسها بالقول بأن قانون القوة المحض قد انتهى أمره، ولا يمكن أن يكون مبررًا لوجود أي شيء ظل يعمل بكامل قوته حتى الوقت الحاضر. وقد يُقال إنه أيًّا ما كانت البداية التي بدأت منها مؤسساتنا وأنظمتنا الحالية، فقد بقيت قائمةً في هذه الحقبة من الحضارة المتقدمة، بسبب ملاءمتها للطبيعة البشرية، وما تؤدي إليه من خيرٍ عام. وأصحاب هذا الرأي لا يفهمون مدى الحيوية العظيمة، والقدرة على البقاء التي تتسم بها الأنظمة التي تضع الحق إلى جانب القوة، ولا مدى الشدة التي تتمسَّك بها، وكيف أن المشاعر والصفات الحسنة والسيئة، على حدٍّ سواء، عند مَن يملكون القوة والسلطة في يدهم، تتَّحد بحيث تعمل على إبقائها، وكيف أن زوال الأنظمة، الواحد بعد الآخر، يحدث ببطء شديد؛ بحيث يزول في البداية أضعف هذه النظم، ولا سيما أقلها التحامًا بعادات الحياة اليومية، وكيف أنه يندر جدًّا أن يفقد القوة القانونية أو الشرعية أولئك الذين حصلوا عليها، لأنه كانت لديهم منذ البداية القوة المادية إلى أن انتقلت هذه القوة المادية إلى الجانب الآخر. غير أن هذا الانتقال للقوة المادية لم يحدث في حالة النساء، بل إن هذه الحقيقة، إلى جانب جميع الخصائص الأخرى التي اتسمت بها هذه الحالة الخاصة (حالة اللامساواة والغبن التي توجد فيها النساء)، جعلت من المؤكد منذ البداية أن هذا الفرع من نظام الحق المبني على القوة آخر ما يختفي من فروعه، على الرغم من أن حدَّته خفَّت في أشد جوانبه سوءًا، في مرحلة مبكرة من الأوضاع الاجتماعية المبنية على القوة، قائمًا وسط ألوانٍ من الأنظمة والمؤسسات التي تقوم على العدالة والمساواة، وهو بذلك يظل استثناءً فريدًا لقوانين هذه الأنظمة وعاداتها. وما دام هذا الوضع لم يعلن عن أصله، كما أن المناقشات لم تكشف عن طابعه الحقيقي، فلن يشعر أحد بأنه يتضارب مع الحضارة الحديثة، إلا بالقدر الذي كان الإغريق يشعرون معه أن فكرة «رقيق المنزل» كانت تتضارب مع فكرتهم عن أنفسهم كشعبٍ حر.
ولم يكن فشل الكنيسة راجعًا إلى افتقار سيطرتها على عقول الناس؛ فقد كانت قوتها وسيطرتها عليهم هائلة. فقد استطاعت، في بعض الأحيان، أن تجعل الملوك والنبلاء يتنازلون عن ممتلكاتٍ بالغة القيمة لتعزيز الكنيسة، كما جعلت آلاف الشباب في بداية حياتهم، يسجنون أنفسهم في الأديرة، ليحققوا الخلاص لأنفسهم عن طريق الفقر، والصوم، والصلاة. واستطاعت أن تبعث بمئات الألوف عبر الأرض، وفيما وراء البحار، في أوروبا وآسيا، ليضحوا بحياتهم في سبيل تخليص الأماكن المقدسة. وأرغمت ملوكًا على ترك زوجاتهم رغم تعلُّقهم الشديد بهن، عندما أعلنت الكنيسة أنهن يدخلن في نطاق الدرجة السابعة من القرابة. (وإن كن يدخلن في تقديرنا نحن في الدرجة الرابعة عشرة من القرابة). لقد قامت الكنيسة بذلك كله، لكنها لم تستطع أن تخفِّف من وطأة القتال بين الناس، أو تجعل طغيانهم على أقنانهم (من عبيد الأرض) أقل قسوةً، أو على أتباعهم من سكان المدن؛ إذ لم تستطع الكنيسة أن تجعل الناس يُقلِعون عن استخدام القوة، لا سيما القوة العسكرية، أو قوة المنتصِر. وهو أمر لم يكن في نيَّتهم أبدًا أن يفعلوه حتى اضطروا للقيام به تحت ضغط قوة أكبر، فنمو سلطة الملوك وقوتهم هي وحدها التي وضعت حدًّا للاقتتال، اللهم إلا بين الملوك، أو المتنافسين على العرش. كما أن نمو البرجوازية الحربية في المدن المحصنة، ونمو الجيوش الشعبية التي أثبت أنها أقوى في ميدان القتال من الفرسان الذين لا يخضعون لنظام، هما وحدهما اللذان وضعا حدًّا لوقاحة النبلاء وطغيانهم على البرجوازية والفلاحين، كما عمدت إلى تحجيمهم. وكان هذا الطغيان الوقح قد استمر حتى حصل المضطهدون على قوة تجعل في وسعهم الانتقام الواضح، بل استمر حتى بعد حصولهم على هذه القوة بفترة طويلة، ففي القارة الأوروبية استمر جزء كبير من هذا الطغيان حتى عصر الثورة الفرنسية، وإن كان أمره قد انتهى قبل ذلك في إنجلترا بسبب التنظيم المبكر والأفضل للفئات الديمقراطية، ولقوانين العدالة والمساواة، والمؤسسات الوطنية الحرة.
وإذا كان الناس لا يدركون، في الأعم الأغلب، سوى النزر اليسير عن مدى سيطرة قانون القوة سيطرةً تامة، بوصفه القاعدة المسلَّم بها للسلوك العام بالنسبة للجزء الأعظم من النوع البشري، وأن أي قانون آخر لم يكن سوى نتيجة استثنائية خاصة لروابط فريدة، كما أنهم لا يدركون حداثة التاريخ الذي بدأت فيه المجتمعات تَدَّعي تنظيم شئونها وَفق قوانين أخلاقية، فإن تفكير الناس بالغ الضآلة، وذاكرتهم ضعيفة، بشأن الأنظمة والمؤسسات والعادات التي لا تقوم إلا على أساس القوة وحدها، والتي استمرت في عصورٍ وحالاتٍ من الرأي لم تكن لتسمح أبدًا بقيامها لأول مرة. فمنذ أقل من أربعين عامًا كان القانون الإنجليزي لا يزال يسمح للإنجليز بشراء العبيد وبيعهم، أعني بوضع الموجودات البشرية في العبودية بوصفهم ممتلكاتٍ خاصة يمكن بيعها. وفي أثناء القرن الحالي كان الإنجليز يستطيعون اختطاف العبيد، وإجبارهم على العمل حتى الموت بالمعنى الحَرفي للكلمة. أما هذه الحالة التي تصل بقانون القوة إلى حدِّه الأقصى، فهي التي يُدينها أولئك الذين يتسامحون مع كل نوع آخر تقريبًا من السلطات التعسفية، لمن ينظر إليها نظرة منصفة، كما تمثِّل أكثر من جميع الحالات الأخرى، أبشع المشاعر تقززًا للنفس. لقد كانت هذه الحالة تمثل قوانين إنجلترا المسيحية المتحضرة، إلى عهد قريب جدًّا، لا يزال بعض ممن هم على قيد الحياة يذكرونه. ومنذ ثلاث أو أربع سنوات، وفي أحد نصفَي أمريكا الأنجلو-ساكسونية لم يكن الرق موجودًّا فحسب، بل إن تجارة الرقيق وتربيتهم، بغرض الاتجار فيهم على وجه التحديد، كان بضاعة رائجة وشائعة بين الولايات الأمريكية التي تحتضن تجارة الرقيق. ومع ذلك فإن المشاعر المضادة لهذه التجارة لم تنمُ بقوة فحسب، بل ضعفت المشاعر والمصالح التي تؤيدها في إنجلترا، على الأقل، أكثر مما ضعفت المشاعر التي تؤيد أية عادة أخرى من عادات سوء استخدام القوة. لأن الدافع إليها كان حب الكسب والربح، بوضوحٍ وبلا خفاء. وكان أولئك الذين يكسبون من وراء هذه التجارة عددًا ضئيلًا جدًّا من مجموع سكان البلاد، في حين أن المشاعر الطبيعية لأولئك الذين ليس لهم مصلحة شخصية فيها كانت كراهيةً ونفورًا لا حدَّ لهما. ومثل هذه الحالة المتطرفة تجعل الإشارة إلى أية حالة أخرى نافلةً لا لزوم لها: لكن فلنتدبَّر أمر المدة الطويلة التي يستغرقها النظام المَلَكي المطلَق. ففي إنجلترا هناك اعتقاد شائع وشامل — تقريبًا — يذهب إلى أن النظام الاستبدادي العسكري هو مَثَل من قانون القوة، وحالة من حالاته، وليس له أصل آخر، ولا تبرير مخالف. ومع ذلك، ففي كل أمة من الأمم العظيمة في أوروبا — باستثناء إنجلترا — حزب قوي محبَّب لديها من بين جميع فئات الشعب، لا سيما بين أشخاص من أصحاب المراكز والحيثية؛ إما لا يزال قائمًا، أو تخلصت منه لتوِّها. وتلك هي قوة النظام القائم حتى عندما لا يكون عامًّا ومطبقًا في جميع الدول. وعندما لم يكن هناك في كل فترة من فترات التاريخ، تقريبًا، أمثلة عظيمة ومشهورة لنظام مضاد. بل إن هذه الأمثلة كلها وجدت، تقريبًا، في أعظم المجتمعات وأشدها رخاء. وفي هذه الحالة أيضًا فإن من يستحوذ على قوة لا يستحقها، والشخص المعني بها على نحوٍ مباشر، ليسا سوى شخصٍ واحد، في حين أن أولئك الذين يخضعون لها، ويعانون منها، هم على وجه الدقة بقية الناس.
ومن الطبيعي، بل ومن الضروري أن ينطوي النِّير (نير العبودية) على امتهان لجميع الأشخاص الآخرين، ربما باستثناء شخص واحد آخر، هو ذلك الشخص الجالس على العرش، وكذلك الذي نتوقع أن يخلف الحاكم المستبد.
وإذن، ما هو الفَرق بين هذه الحالات، وحالة سيطرة الرجال على النساء؟! وأنا الآن لا أقول شيئًا مبتسرًا حول تبرير هذا الوضع، لكني أبرز فقط إلى أي حدٍّ يمكن أن تظل هذه السيطرة قائمة — حتى بلا تبرير — لمدة أطول كثيرًا من جميع ألوان السيطرة الأخرى، التي استمرت قائمةً حتى يومنا الراهن. فمهما أشبعت حيازة القوة الغرور والكبرياء، ومهما يكن من أمر ممارسة المصلحة الشخصية، فإنها في هذه الحالة لا تقتصر على فئة محدودة، وإنما هي تشمل جنس الذكور كله. وبدلًا من أن تكون لمعظم مؤيديها أمرًا مرغوبًا على نحوٍ مجرد بصفة أساسية، أو أن تكون أشبه بالغايات السياسية التي تتنازع حولها الأحزاب عادة، فتصبح بغير أهمية خاصة عند أحد — اللهم إلا القادة والزعماء — بدلًا من ذلك، فإنه تصل إلى داخل الشخص، وإلى قلب كل ذكر يكون رب أسرة. ولكل فرد يتطلَّع إلى أن يكون رب أسرة، فالفلاح الفظ يمارس على أساسها نصيبه من القوة شأنه شأن أعظم النبلاء. وتكون الرغبة في التسلُّط أقوى ما تكون في هذه الحالة، لأن كل شخص يرغب في ممارسة القوة، فإنه يرغب في ممارستها على أقرب الناس من حوله، ممن يقضي معهم حياته، ويشترك معهم، أكثر من غيرهم، في شئون الحياة. فإذا كانت السلطات، في الحالات التي سبق أن أشرنا إليها، تقوم بوضوحٍ على القوة وحدها، ولا تحظى بقدرٍ مماثلٍ من التأييد، فإنها لا تزول، ولا يتخلص منها الناس إلا ببطء شديد، وبصعوبة كبيرة. فإن الأمر لا بد أن يكون أصعب بكثيرٍ في هذه الحالة، حتى وإن كانت لا تقوم على أُسس أفضل من تلك الأسس. ولا بد أن نضع في اعتبارنا أيضًا أن أصحاب القوة لديهم، في هذه الحالة، تسهيلات أعظم مما لديهم في أية حالة أخرى، لمنع أي تمرد ضدها. فكل امرأة من الخاضعات تعيش تحت رقابة، إن لم نقل بين يدَي، واحد من السادة، بل تكاد تكون في يده تمامًا، وفي علاقة وثيقة معه أكثر بكثيرٍ من علاقاتها مع أيٍّ من بنات جنسها، الخاضعات بنفس الطريقة، دون أن يكون لديهن وسيلة للاتحاد ضده، ولا قدرة للتغلب عليه حتى في أماكن معينة، في الوقت الذي يكون فيه لدى المرأة دوافع لإرضائه، وتجنُّب إثارته. وكل إنسان يعرف كيف أنه كثيرًا ما يلجأ المكافحون من أجل التحرر السياسي إلى الرشوة، أو يعمدون إلى التراجع عن طريق الإرهاب. أما في حالة النساء، فإن كل امرأة من الخاضعات تعيش في حالة مزمنة، تجمع فيها بين الرشوة والإرهاب معًا. وعند الشروع في المقاومة، فلا بد لعددٍ كبير من النساء المتزعمات لقيادة حركة المقاومة، ولعددٍ أكبر من النساء الأتباع، من التضحية بكل المُتع تقريبًا تضحية تامة، أو التخفيف من نصيب كل واحدة منهن … ولو صحَّ وكان هناك نظام للامتيازات، ونظام لفرض الخضوع بالقوة استطاع أن يضع أغلاله في أعناق الخاضعين له، فإنني لم أكشف بعد، حتى الآن أنه نظام خاطئ، وإن كان في استطاعة كل إنسان يفكر في هذا الموضوع أن يتبيَّن أنه حتى إذا كان نظامًا خاطئًا، فمن المؤكد أنه سوف يستمر قائمًا مدةً أطول بكثيرٍ من أية صورة أخرى من صور السلطة الظالمة. وعندما تكون هناك صور أخرى فاضحة من السلطة الظالمة لا تزال قائمة في كثيرٍ من البلدان المتحضرة، ولم تتخلص منها بلاد أخرى إلا منذ وقت قريب جدًّا، فسوف يكون من الغريب فعلًا ألَّا تهتز، حتى الآن، وفي أي مكان، أعمق هذه النظم، وأغورها جذورًا، بل هناك ما يبرر لنا أن نعجب على نحوٍ أشد من ذلك حين نعرف أن هناك عددًا ضخمًا من الاحتجاجات والاستشهادات ضد هذه النظم.
- أولًا: الجاذبية الطبيعية بين جنسَين متعارضَين.
- ثانيًا: اعتماد الزوجة على زوجها اعتمادًا تامًّا؛ بحيث تكون أي ميزة أو متعة تنعم بها، إما آتية منه كمنحة، أو معتمدة اعتمادًا تامًّا على إرادته.
- ثالثًا: الهدف الأساسي من سعي الإنسان ونشاطه، وهو تقدير الآخرين واحترامهم له، وكذلك جميع ألوان الطموح الاجتماعي، لا يمكن، بصفة عامة، أن تتحقق بالنسبة للمرأة إلا عن طريق الرجل.
لو أننا وضعنا هذه الأمور نُصب أعيننا، فسوف تكون معجزة لو أن المرأة لم تجعل هدفها أن تصبح جذابة للرجال، وإذا لم يصبح هذا الهدف هو محور تربية الأنثى، ومدار تكوين شخصيتها. ولقد سيطرت هذه الفكرة سيطرةً تامة على عقول النساء، ثم استغلتها غريزة الأنانية عند الرجل إلى أقصى حدٍّ، بأن جعلت الخضوع، والضعف، والاستسلام التام لكل إرادة فردية يتم بين يدَي الرجل، ويمثِّل جانبًا جوهريًّا من الجاذبية الجنسية عند المرأة، وهل يمكن أن يكون هناك شك في أن أيًّا من ألوان الاستعباد الأخرى، التي نجح الإنسان في تحطيمها، كان يمكن أن تظل قائمة حتى الآن لو وُجدت الوسائل نفسها، واستُخدمت بهذه المثابرة، لتطويع عقولهن لها؟ فلو أن هدف الحياة عند كل شاب من شباب العامة عند الرومان أن يجد حظوة شخصية في عين أحد النبلاء، وهدف كل شاب من الأقنان (عبيد الأرض) أن يجد الحظوة نفسها عند السيد مالك الأرض، ولو أن الحياة معه تحت سقف واحد، والحصول على نصيبٍ من عواطفه ومشاعره الشخصية، كانت المكافأة التي ينبغي عليهم جميعًا أن يتطلَّعوا إليها؛ بحيث يحصل أكثرهم طموحًا وموهبةً على هذه المكافأة — ولو أنهم بعد حصولهم على هذه المكافأة، أحيطوا بسياجٍ برَّاق من نحاس، يتمثَّل في تركيز الاهتمام بهذا السيد، واستبعاد كل شعور أو رغبة سوى تلك التي يشترك فيها أو يغرسها — لو أن ذلك كله قد حدث، أمَا كان النبلاء والعامة، والأقنان وسادة الأرض يظلون حتى يومنا الراهن طبقات، يتميز بعضها عن بعض، مثلما يتميز الرجال عن النساء؟ وأما كان جميع المفكرين، باستثناء مفكر هنا، ومفكر هناك، يعتقدون أن هذا التمايز حقيقة أساسية في الطبيعة البشرية لا يمكن أن تتغير؟
وفي استطاعتنا أن نقول إن الاعتبارات السابقة فيها الكفاية لإظهارنا على أن العادات والتقاليد والعُرف لعبت الدور الأساسي في تشكيل الوضع الراهن للمرأة. ومن ثَم، فهي لا تصلح لأي زعمٍ أو افتراضٍ سابق، وينبغي ألَّا يكون لها أوضاع تجعل النساء في حالة خضوع سياسي واجتماعي للرجال. بل ربما سرتُ أبعد من ذلك، وقلتُ: إن مسار التاريخ، والاتجاهات التقدمية للمجتمع البشري، لا تؤيد هذا النظام القائم على اللامساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، فضلًا عن أنها تقدِّم حُجة دامغة ضد هذا النظام، وإلى الحد الذي سار فيه التقدم البشري حتى الآن، فإن مجرى التيارات الحديثة كلها، يبرهن على أن هذا الوضع البالي من أوضاع الماضي لن يتفق مع المستقبل، وأنه لا بد بالضرورة أن يزول.
بل حتى الأفراد من بين طبقات الصُّناع والحرفيين، لم يكن في وسع أحد أن يشتغل بهذه المهنة، أو تلك، اللهم إلا إذا كان قد وُلِد عضوًا فيها (فابن الحداد يعمل حدادًا، وابن النجار نجارًا، … إلخ)، أو يَسمح له أعضاؤها بالدخول فيها. ولم يكن في وسع أحد، على الإطلاق، أن يمارس مهنة تُعتبَر هامة إلا بالطرق القانونية، أعني عن طريق سلسلة من الإجراءات المعقدة. ولهذا فقد تعرَّض بعض أصحاب المصانع للتعذيب (بالعقاب، أو التشهير بهم) لأنهم حاولوا إدخال بعض الأساليب الجديدة لتحسين مستوى العمل في مصانعهم. أما في أوروبا الحديثة، لا سيما في تلك الأجزاء التي أسهمت، أكثر من غيرها، في جميع التحسينات الحديثة الأخرى، فإن القواعد والنظريات السائدة فيها الآن هي على النقيض تمامًا من القواعد القديمة؛ فالقانون والحكومة لا يأخذان على عاتقيهما تحديد الأشخاص الذين يقومون بأي عملٍ اجتماعي أو صناعي، أو مَن لا يقومون به، أو يفرضان الأساليب التي تُتَّبع في القيام بهذا العمل حتى يكون مشروعًا؛ فهذه كلها أمور تُترك لاختيار الأفراد بغير قيود. وحتى القوانين التي كانت تشترط أن يمر العامل بفترة تلمذة وتدريب قد تم إلغاؤها في هذا البلد (أي إنجلترا)، وأصبحت قوانين باطلة، على اعتبار أنه أصبح من المؤكد تمامًا أن الحالات التي تكون فيها فترة التلمذة ضرورية، فإن هذه الضرورة نفسها ستكفي لفرض فترة التمرين والتلمذة. لقد كانت النظريات القديمة تقوم على ترك أقل قدرٍ ممكنٍ من الاختيار للفرد؛ بحيث يكون كل ما يعمله محددًا سلفًا، بقدر المستطاع، عن طريق حكمة أسمى وأعلى منه. لأن تركه يتصرف وحده، سوف يجعله يقع، قطعًا، في كثير من الأخطاء. أما الاقتناع الحديث، وهو ثمرة ألف عام من التجربة، فهو يقوم على أساس أن الأمور التي يكون للمرء فيها مصلحة مباشرة، لا تستقيم أبدًا إلا إذا تُركت له مسألة البت فيها، وتوجيهها بنفسه، فأي تنظيم لها من جانب السُّلطة، فيما عدا حماية حقوق الآخرين، سوف تكون له عواقب وخيمة. وهذه النتيجة التي وصل إليها الناس ببطء، ولم يطبِّقوها إلا بعد أن جَرَّبوا تقريبًا، جميع النظريات المضادة، وأدركوا ما أسفرت عنه من كوارث، هي التي تنشر الآن بصفة عامة في قطاع الصناعة في أكثر البلاد تقدمًا. غير أن ذلك لا يعني أننا نفترض أن جميع أساليب العمل صالحة بقدرٍ متساوٍ، أو أن جميع الأشخاص صالحون لعمل كل شيء بدرجة متساوية، بل لقد أصبح من المعروف الآن أن حرية الاختيار للفرد، هي الشيء الوحيد الذي يؤدي إلى أفضل أساليب العمل، وأنها هي التي تضع كل عملية في يد مَن يصلح للقيام بها. فليس هناك مَن يعتقد الآن أنه مِن الضروري إصدار قانونٍ يمنع مَن لا يحمل سواعد قوية من العمل في حِرفة الحدادة؛ فالحرية والمنافسة كافيتان لأن تجعلا الحدادين رجالًا ذوي سواعد قوية، لأن ذوي السواعد الضعيفة يستطيعون أن يكسبوا أكثر من العمل في حِرفٍ أخرى أصلح لها. ولقد شعر الناس، بناء على هذه النظرية، أن القول المسبَق بأن أشخاصًا معيَّنين لا يصلحون، على أساس بعض المزاعم العامة، لعملٍ ما، فيه تجاوز للحدود الصحيحة للسلطة. فمِن الأمور المعروفة الآن تمامًا، والتي اعترف بها الناس وسلَّموا بصحتها، أنه إذا وجدت أمثال هذه المزاعم فلا شيء منها معصوم من الخطأ. وحتى إذا أُقيم الزعم على أسسٍ متينة، وهو أمر يغلب جدًّا ألَّا يحدث، فستظل هناك حالات استثنائية قليلة لا ينطبق عليها، وفي هذه الحالات يكون من الظلم للأفراد، بل من الضرر البالغ للمجتمع، أن تُوضَع العقبات في طريق استخدامهم لمَلَكاتهم مما يفيدهم، ويفيد غيرهم من الناس. أما في الحالات التي تكون فيها عدم الصلاحية أمرًا حقيقيًّا (بحيث يكون الشخص غير مناسب للعمل فعلًا)، فإن البواعث المألوفة للسلوك البشري سوف تتجه — وفيها الكفاية عمومًا — إلى منع الشخص غير الكفء من مباشرة العمل في مجالٍ غير مختص للقيام به، أو الاستمرار فيه.
وإذا لم يكن هذا المبدأ العام في علم الاجتماع وعلم الاقتصاد صحيحًا، وإذا لم يكن الأفراد، بما يجدونه من عونٍ في آراء مَن يعرفونهم، أفضل في الحكم على قدراتهم وعملهم من القانون والحكومة، فإنه ينبغي على العالَم أن ينبذ هذا المبدأ في أسرع وقتٍ ممكن، وأن يعود إلى النظام القديم، الذي يقوم على الإعاقة والتقييد. ولكن إذا كان المبدأ صحيحًا، فإنه ينبغي علينا أن نتصرَّف على أساس إيماننا به، وألَّا نفترض أن الموجود البشري الذي يُولَد أنثى، وليس ذكرًا، فإن هذه الأنوثة سوف تحدد وضعه طوال حياته تمامًا مثلما الموجود الذي يُولَد أسود، وليس أبيض، أو من يُولَد من عامة الشعب، وليس من طبقة النبلاء؛ ومن ثَم يُمنَع هؤلاء الناس من جميع المناصب الاجتماعية الرفيعة، ومن جميع الوظائف المحترمة فيما عدا قِلة منها. وحتى لو أننا سلَّمنا إلى أقصى حدٍّ بما يزعمونه من تفوُّق الرجال، وصلاحيتهم لجميع الأعمال التي تقتصر، حتى الآن، عليهم، فإن الحُجة نفسها التي تمنع التفرقة القانونية بين أعضاء البرلمان تنطبق هنا أيضًا. فإذا كانت شروط الصلاحية تتسبَّب في استبعاد شخص واحد صالح كل اثنتَي عشرة سنة، فإن ذلك يعني أن هناك خسارة حقيقية، في حين أن استبعاد آلاف من الأشخاص غير الصالحين لا مغنم فيه. لأنه إذا كان إعداد أو تكوين الهيئة الانتخابية يجعل الناخبين يميلون إلى اختيار أشخاص غير صالحين، فإن كان هناك باستمرار أعداد وفيرة من هؤلاء الأشخاص يستطيعون الاختيار بينهم. إن أولئك الذين يستطيعون القيام بالأمور الصعبة والمسائل الهامة، وينفِّذونها على نحوٍ جيدٍ، هم قِلة، بل أقل بكثيرٍ مما نحتاج إليه، حتى إذا تركنا مساحةً واسعةً للاختيار. لأن أي تقييد في مجال الانتقاء سوف يحرم المجتمع من بعض الفرص في أن يخدمه شخص كفء، ودون أن نحمي المجتمع من الأشخاص غير الأكفاء.
وأقل ما يمكن أن نطالِب به هو أنه لا ينبغي النظر إلى هذه القضية (قضية المرأة) على أن الحكم فيها قد صدر مقدمًا عن طريق الواقع القائم والرأي العام السائد، بل لا بد من فتحها للنقاش على أساس أنها مسألة عدالة ومنفعة؛ ومن ثَم فينبغي أن يكون الحكم فيها، كما هي الحال في أية أوضاع اجتماعية وبشرية أخرى، معتمدًا على تقديرٍ مستنير للاتجاهات والنتائج التي قد يثبت أنها أكثر فائدة للبشر — بصفة عامة — دون التمييز بين الجنسين. ولا بد أن تكون المناقشة مناقشةً حقيقيةً، مثلًا أن نؤكد بألفاظٍ عامة أن تجربة الجنس البشري تؤيد النظام القائم. فالتجربة لم يكن أمامها طريقان لتحكم بينهما؛ إذ لم يكن هناك سوى تجربة واحدة. وإذا قيل إن مبدأ المساواة بين الجنسَين لا يقوم إلا على النظرية فحسب، فلا بد لنا أن نتذكر أن المبدأ المضاد لا يقوم أيضًا إلا على النظرة وحدها. فكل ما أثبتته التجربة المباشرة هو أن الجنس البشري استطاع أن يوجد في ظله، وأن يصل إلى درجة التقدم والرخاء التي نراها الآن. ولكن التجربة لا تقول لنا شيئًا عمَّا إذا كان في الإمكان بلوغ هذه الدرجة من التقدم أسرع مما حدث، أو ما إذا كنا سنصل إلى درجة أعلى من التقدم في ظل النظام الآخر أم لا. ومن الناحية الأخرى فإن التجربة تقول لنا بالفعل إن كل خطوة في التحسُّن كانت مصحوبة باستمرارٍ بخطوة في رفع الوضع الاجتماعي للنساء، وإن المؤرخين والفلاسفة ذهبوا إلى أن ارتفاع النساء أو انحطاطهن، في مجمله، هو المعيار المؤكَّد، والمقياس الصحيح، للحكم على شعبٍ ما أو عصر بالتحضر أو التمدن. إن وضع النساء في فترات التقدُّم من التاريخ البشري كان يقترب من المساواة مع الرجال، وإنْ كان ذلك لا يُثبت في حد ذاته أن المساواة يجب أن تستمر حتى تكتمل تمامًا، ولكنه بغير شكٍّ يقدم هاجسًا بأن الأمر سيكون كذلك.
كما أنه لا يجدي شيئًا أن نقول إن طبيعة الجنسَين تؤهلهما لوظائفهما ووضعهما الراهن، وتجعل هذه الوظائف صالحة لهما، وأنا أُنكر — معتمدًا على أساسٍ من الحس المشترك، وعلى تكوين العقل البشري — أن يكون في استطاعة أي شخص أن يعرف طبيعة الجنسَين ما دام لم يرهما إلا في علاقتهما الراهنة فحسب. فلو أن الرجال وُجِدوا في مجتمع ما بغير نساء، أو كان هناك مجتمع بلا رجال، أو مجتمع من الرجال والنساء، لم تكن النساء فيه خاضعات لسيطرة الرجال، فربما كنا قد عرفنا شيئًا مؤكدًا عن الاختلافات العقلية والمعنوية التي قد تكون متأصلة في طبيعة كل جنس منهما. ومن هنا فإن ما يُسمَّى الآن «طبيعة النساء» هو شيء مصطنَع، وهو ثمرة الكبت في بعض الاتجاهات، وإثارة غير طبيعية في اتجاهاتٍ أخرى. وربما تأكدنا بلا أدنى شك أنه لم تكن هناك طبقة أخرى من الأتباع تعرَّضت شخصيتها للتشويه التام عن طريق علاقتها بسادتها (مثلما تعرضت شخصية النساء) لأنه إذا كانت الأجناس المقهورة وأجناس العبيد، قد تعرَّضوا للكبت بعنفٍ أشد من بعض النواحي، فإن ما لم يسحقه يثير الاستعباد فيهم قد ترك وشأنه بصفة عامة، وعندما توافرت له حرية النمو فقد نما من تلقاء ذاته، وطبقًا لقوانينه الخاصة. أما في حالة النساء، فقد كان كل شيء فيهن طوع مصلحة سادتهن ومُتعتهم. ولما كانت بعض القوى الحيوية العامة، تتدفق وتنمو إلى حدٍّ كبير في هذا الجو، وفي ظل الاتصال المستمر، وترك بعضها الآخر في العراء ليتوقف غده، وتعرَّض بعضها الثالث للنيران حتى اختفى تمامًا، فإن الرجال لم يعُد في وسعهم أن يدركوا ما فعلت أيديهم، واعتقدوا، في غير مبالاة أن الشجرة تنمو من تلقاء ذاتها بالطريقة التي جعلوها تنمو بها، وأنها ستموت إذا لم يبقَ نصفها في حمام بخار، ونصفها الآخر في الثلج.
وحتى المعرفة الأولية بالفروق والاختلافات بين الجنسَين هي الآن، بغض النظر عن جميع الأسئلة التي تدور حول ما هي هذه الفروق، وكيف تكوَّنت، لا تزال في حالة مبدئية، وناقصة تمامًا. لقد أكد علماء النفس والأطباء المعالِجون، إلى حدٍّ ما، الفروق والاختلافات في التكوين البدني؛ وهذا عنصر هام بالنسبة لعالِم النفس، لكن يصعب أن تجد رجل طب هو نفسه عالِم نفس أيضًا. أمَّا فيما يتعلق بالخصائص العقلية للنساء، فلن تجد لملاحظاتهم أية قيمة تزيد على ملاحظة رجل الشارع أو الإنسان العادي؛ فهو موضوع لا يمكن أن يعرف أحد عنه شيئًا نهائيًّا بعد. ما دام من يعرفون عنه شيئًا حقيقيًّا، وهن النساء أنفسهن، لا يصرِّحن بشهادتهن عنه، اللهم إلا النزر اليسير، وهذا النزر اليسير متأثر بإغراءاتٍ أخرى. إنه لمن السهل أن نعرف المرأة الغبية، ذلك لأن الغباء واحدٌ بين جميع البشر، وفي جميع أنحاء العالم، كما يمكن أن نعرف أفكار ومشاعر الشخص الغبي من الأفكار والمشاعر السائدة في البيئة المحيطة به. غير أن ذلك لا ينطبق على أولئك الأشخاص الذين تفيض أفكارهم ومشاعرهم من طبيعتهم ومَلَكاتهم الخاصة. والحق أنه يندر أن تجد رجلًا — باستثناء رجل هنا أو هناك — لديه أدنى معرفة بشخصية المرأة، بما في ذلك نساء أُسَرهم هُم؛ ولا أعني معرفة قدراتهن، فهذه القدرات لا يعرفها أحد، حتى ولا النساء أنفسهن، لأن معظم هذه القدرات لم تُختبَر. لكني أقصد أفكار النساء ومشاعرهن الموجودة بالفعل. فكثير من الرجال يتصورون أنهم يفهمون النساء فهمًا جيدًا لأن لديهم علاقاتٍ غرامية ببعضهن، وربما بعددٍ كبير منهن، فإذا ما كانت ملاحظات الرجل جيدة، وإذا ما امتدت إلى الكيف إلى جانب الكم، فقد يتعلم شيئًا ما عن جزءٍ ضيقٍ من طبيعتهن؛ وهو جزء هام بغير شك. أما فيما يتعلق ببقية الأجزاء، فليس هناك أجهل من الرجال به عمومًا، فلا يوجد سوى قلة منهم لا تخفى عليهم هذه الأجزاء خفاءً تامًّا. وأفضل حالة يستطيع فيها الرجل، عادة، أن يدرس شخصية المرأة هي حالة زوجته هو؛ إذ تكون الفرص أمامه عظيمة، كما أن حالات التعاطف الوجداني التام لا تكون نادرة. والواقع أن هذا هو المصدر، فيما أعتقد، الذي تأتي منه عادة أية معرفة ذات قيمة في هذا الموضوع. غير أن معظم الرجال لم تُتَح لهم فرصة الدراسة بهذه الطريقة في أكثر من حالة واحدة فقط. ومن ثَم، فإن المرء يستطيع أن يستنتج — إلى حدٍّ مثير للسخرية — نوع زوجة الشخص من آرائه في النساء بصفة عامة. وحتى يمكن بلوغ أية نتائج من هذه الحالة الوحيدة، فإن المرأة التي نتحدث عنها ينبغي أن تكون جديرة بأن تُعرف، كما أن الرجل ينبغي أن يكون لا فقط قاضيًا كفئًا، وصاحب شخصية عاطفية تتفق تمامًا مع شخصيتها؛ بحيث يستطيع إما أن يقرأ أفكارها بالحدس المتعاطف، وإما ألَّا يكون لديه شيء يجعلها تخجل من كشفه له. وليس ثمة شيء، فيما أعتقد، أندر من مثل هذا الحدس. وكثيرًا ما يحدث أن تكون هناك وحدة كاملة تمامًا (بين الزوجين) للشعور وللمصالح المشتركة في كل ما يتعلق بالأمور الخارجية، ومع ذلك فإن ما يصل إليه الواحد منهما (الزوج أو الزوجة) في الحياة الداخلية للآخر لا يزيد عن التعارف الشائع بين شخصَين. وحتى مع الحب الحقيقي، فإن السلطة التي تكون في جانبٍ، والخضوع والتبعية في جانبٍ آخر، يحُولان دون الثقة التامة بينهما. وقد لا يُخفي أحدهما عن الآخر شيئًا عن قصدٍ وتعمد، ومع ذلك فإن الكثير مما يوجد بينهما لا يظهر بوضوح. ولا بد أن كل إنسان قد لاحظ مثل هذه الظاهرة، في العلاقة المماثلة بين الأب وابنه. فما أكثر الحالات — فيما يتعلق بالعلاقة بين الأب والابن — التي لا يدري فيها الأب أشياء عن خُلق ابنه وطبعه، بل ولا يشك في وجودها، رغم الحب الحقيقي بينهما، في حين يعرفها جيدًا أصحابه ورفاقه. والحقيقة أن موقف التطلُّع إلى شخص أعلى لا يتفق مطلقًا مع الإخلاص التام والصراحة الكاملة معه. فالمرء في هذه الحالة يخشى ألَّا يكون عند حسن ظنه، أو أن يفقد شيئًا من مكانه أو مشاعره عنده، وهو خوف قوي، حتى إنه يُولِد في الشخص العادي ميلًا غير واعٍ لإظهار الجانب الأفضل، أو الجانب الذي يحبه أكثر من غيره، ولو لم يكن الجانب الأفضل. وربما أمكن أن نقول في ثقة إن المعرفة الحقيقية بين شخص وآخر، يصعب أن توجد إلا بين شخصَين متساويَين، فضلًا عن صِلتهما الحميمة، فكيف نصدق ذلك، بصفة خاصة، عندما يكون أحد الطرفين (الزوجة) تحت سيطرة الآخر (الزوج)، وقد ترسَّخ في ذهنها، كواجبٍ، أن تهتم بكل ما يتصل براحته ومتعته أكثر من أي شيء آخر، وألَّا يبدر منها ما يجعله يرى أو يشعر إلا بما يُرضيه. وكل هذه العقبات تقف في سبيل حصول الرجل على معرفة كاملة حتى بالمرأة الوحيدة التي تكون لديه، وفي العادة، الفرصة الكافية لدراستها (وهي زوجته). على أننا ينبغي أن نضع في ذهننا، بعد ذلك كله، أن فهم الرجل لامرأة واحدة لا يعني بالضرورة أنه فهم غيرها. وحتى لو أنه استطاع دراسة عدد من النساء من طبقة واحدة، أو من بلد واحد، فإن ذلك لا يعني أنه فهم نساء الطبقات الأخرى، والبلدان الأخرى. وحتى لو افترضنا، جدلًا، أنه فعل ذلك، فإن ما درسه، مع هذا، يشكِّل نساء فترة واحدة من فترات التاريخ. وهكذا نستطيع أن نؤكد، في اطمئنانٍ وثقة، أن المعرفة التي يستطيع الرجال تحصيلها عن النساء، حتى فيما يتصل بالماضي والحاضر، ودون أن نتعرَّض لما يكون عليه الحال في المستقبل، هي معرفة سطحية وناقصة تمامًا، وأنها ستكون على هذا النحو باستمرارٍ، إلى أن تقول النساء ما لديهن، وما ينبغي عليهن قوله.
هناك شيء واحد نستطيع أن نكون على يقينٍ منه، هو أن النساء لن يفعلن أبدًا ما هو مضاد لطبيعتهن، عندما تترك هذه الطبيعة تعمل بحرية. ومن ثَم، فليس من الضروري على الإطلاق أن يشعر الناس بالقلق، ويتدخلوا لصالح الطبيعة وباسمها خشية ألا تنجح الطبيعة في تحقيق أغراضها. إنه لا مبرر على الإطلاق لمنع النساء من فعل ما لا يستطعن فعله بالطبيعة. أما ما يستطعن فعله، ولكن ليس كما يستطيع الرجال — وهم منافسوهن — أن يفعلوا، فإن المنافسة تكفي لإبعادهن عنه، ما دام لا يوجد من يطالب بفرض تشريعات أو واجبات تحمي النساء، بل كل من يطالب بشيء، فإنه يطالب بإعادة النظر في التشريعات الحالية التي تحمي الرجال. وإذا كانت لدى النساء ميول طبيعية قوية نحو بعض الأشياء دون بعضها الآخر، فليس ثمة ما يدعو لسن قوانين وتشريعات أو وجود ضغوط اجتماعية لدفع الغالبية العظمى من النساء إلى القيام بتحقيق هذه الميول الطبيعية، وتفضيلها على الميول الثانية. وكلما اشتدت الحاجة إلى خدمات النساء، كانت المنافسة الحرة أقوى دافعٍ لهن للقيام بهذه الخدمات. ومن الواضح أن الحاجة تشتد إليهن أكثر في الأمور التي يصلحن لها أكثر، وعندما نحدد لهن هذه الأمور، فإنه يمكن في هذه الحالة استخدام قدرات الجنسَين مجتمعة بما يعود على المجموع بأكثر قدر من النتائج ذات القيمة العالية.
ونحن نفترض أن الرأي العام للرجال هو أن الرسالة الطبيعية للمرأة هي أن تكون زوجةً وأمًّا، وأنا أقول: «نحن نفترض» لأن المرء يستطيع إذا حكمنا من الأفعال، وبالتكوين الحالي للمجتمع بأسره، أن يستنج أن رأي النساء على النقيض المباشر لذلك تمامًا. ويمكن أن نفترض أنهن يعتقدن أن الرسالة الطبيعية المزعومة للنساء هي أكثر شيء تنفر منه طبيعتهن. بمعنى أنه لو تُركت لهن الحرية لأية وظيفة أخرى، وإذا وُجدت أية وسيلة للعيش، أو أية رغبة تناسب قدراتهن ووقتهن، فلن تكون هناك أعداد متبقية منهن يقبلن الوضع الذي يُقال عنه إنه رسالتهن الطبيعية، وإذا كان ذلك هو رأي الرجال، فمن الأفضل إعلانه.
وإني لأود أن أسمع شخصيًّا هذا الرأي صراحةً (وهو رأي يتضمنه بالفعل كثير مما كُتب في هذا الموضوع)، فيقول: «من الضروري للمجتمع أن تتزوج النساء، وينجبن أطفالًا، ولن يفعلن ذلك إلا إذا أُرغمن عليه، ومن ثَم، فمن الضروري إرغامهن على الزواج.»