الفصل الثاني

أوضاع الزواج

«لقد كانت هناك في الماضي أخلاق الخضوع، ثم جاءت بعدها أخلاق الفروسية والكرم، وقد آن الأوان أن تتحقق أخلاق العدالة كلما تقدَّم المجتمع نحو المساواة.»

(مل)
لعل من الأفضل أن نبدأ المناقشة التفصيلية لهذا الموضوع (استعباد النساء) من النقطة التي قادتنا إليها ملاحظاتنا السابقة: فما هي الشروط التي تضعها قوانين هذا البلد (إنجلترا)، وقوانين البلدان الأخرى لتحدد بها عقود الزواج؟ وإذا كان الزواج هو المصير الطبيعي الذي حدَّده المجتمع للنساء، وهو المستقبل الذي تنشأ المرأة وهي تتطلع إليه، ولمَّا كان هو القصد الذي تسعى إليه النساء جميعًا — باستثناء الدميمات اللائي يرفض أي رجل الزواج منهن — لما كان الأمر كذلك؛ فالمفروض أن تُبذل الجهود لجعل هذه الحالة (أي الزواج) مقبولةً لدى النساء؛ بحيث لا يكون لديهن سبب للأسف على أنهن حُرمن من أي اختيار آخر. غير أن المجتمع، سواء في هذه الحالة، أو في بداية الأمر، في كل حالة أخرى، فضَّل أن يحقق غرضه بوسائل أخرى غير منصِفة بدلًا من الوسائل المنصفة، وإن كانت حالة النساء هي الحالة الوحيدة في الواقع التي استمر فيها استخدام هذه الوسائل حتى يومنا الراهن. لقد كانت النساء في المجتمعات البدائية يُؤخذن بالقوة، أو يبيعهن آباؤهن لزوجٍ ما.١ بل كان للوالد — حتى عهدٍ قريبٍ في تاريخ أوروبا — السُّلطة في التصرف في ابنته، حسبما يتراءى له، ودون أي اعتبار لرأيها.٢ صحيح أن الكنيسة كانت من هذه الزاوية أشد إخلاصًا لأخلاقٍ أفضل؛ حيث كانت تطلب منها أن توافق على الزواج، وأن تقول «نعم» بصفة رسمية في حفل الزواج، ولكن ليس هناك ما يدل على أن هذه الموافقة لم تكن إجبارية، أُرغمت عليها الفتاة. وكان من المستحيل على الفتاة، عمليًّا، أن ترفض الإذعان إذا أصرَّ والدها، اللهم إلا إذا نالت حماية الدين، ونذرت نفسها لدخول الدير. وكانت للرجل قديمًا (قبل المسيحية) سُلطة الحياة والموت على زوجته، ولم يكن في وسعها أن تلجأ إلى القانون ليحميها منه، فقد كان هو قاضيها وقانونها.٣ وظل في وسعه — لعهودٍ طويلة — أن ينبذها، أما هي، فلم يكن لها أية حقوق تجاهه. وكانت القوانين القديمة في إنجلترا تُطلِق على الزوج لقب «سيد» زوجته، وكان يُنظر إليه على أنه سيدها بالمعنى الحَرفي للكلمة، فإذا قتلت زوجةٌ زوجها، اعتُبرت تلك الجريمة خيانة (وكان يقال لها خيانة صغرى تمييزًا لها عن الخيانة العظمى)، وكانت، في هذه الحالة، تُعاقَب بقسوة أشد مما كانت تعاقب به، عادة، إذا ما ارتكبت خيانة عظمى (أي خيانة الوطن)، لأن العقاب في هذه الحالة كان أن تُحرق حتى الموت. ولما كانت هذه الفظائع المختلفة قد هجرها الناس الآن (وإن كان معظمها لم يُلغ قَط من الناحية الرسمية، أو يتوقف الناس عن ممارستها منذ فترة طويلة). فقد افترض الرجل أن كل شيء الآن قد أصبح على نحو ما ينبغي أن يكون فيما يتعلق بمسألة عقد الزواج، كما يُقال لنا بصفة مستمرة إن الحضارة والديانة المسيحية أعادتا للنساء حقوقهن العادلة. وفي الوقت نفسه ظلَّت الزوجة بالفعل خادمة أقرب إلى الأَمَة أو الجارية لزوجها، ولا يقل وضعها هنا، فيما يتعلق بالالتزام القانوني، عن وضع مَن تُطلَق عليهم عادة اسم الرقيق؛ فهي تتعهد أمام المذبح بطاعة زوجها طوال حياتها، ويُلزمها القانون بتنفيذ تعهدها ما دامت حية تُرزَق. وربما ذهب أصحاب الفتوى إلى أن هذا الالتزام بالطاعة لا يمتد إلى حد الاشتراك في ارتكاب الجريمة، ولكنه، بالقطع، يشمل كل ما عدا ذلك؛ فهي لا تستطيع أن تفعل أي شيء إلا بإذنه، أو أنه لا بد أن تحصل على الأقل على موافقته الضمنية. وليس في استطاعتها أن تحصل على مِلكية أي شيء إلا من أجله. وفي اللحظة التي يصبح فيها شيء ما مِلكًا لها، ولو حتى بالميراث، فإنه يصير مِلكه هو في الحال. ويُعَد وضع الزوجة، من هذه الزاوية، في ظل القانون العام في إنجلترا، أسوأ مِن وضْع الرقيق والجواري، في ظل كثير من قوانين البلدان المختلفة. فقد كان من حق العبد في القانون الروماني، على سبيل المثال، الاحتفاظ بما يحصل عليه من هبات، ويضمن له القانون، إلى حدٍّ ما، حقَّه في أن ينفقها على نفسه. وقد منحت الطبقات العُليا في هذا البلد مميزاتٍ مماثلة لنسائهم، عن طريق عقود خاصة تتخلص من القانون، وتنحيه جانبًا، فتسمح لهن أن يملكن نفقاتٍ خاصة (مصروف جيب) … إلخ. ولمَّا كانت المشاعر الأبوية أقوى، عادة، من مشاعر الرجال لجنسهم، فإن الأب يفضِّل ابنته على زوج ابنته الغريب عنه، ويحاول الأغنياء في وصاياهم، عادةً، أن يُبعدوا كل ما ترثه الزوجة، أو بعضه، عن السيطرة الكاملة. ولكنهم لم ينجحوا في جعل ميراث المرأة يخضع لسيطرتها هي. وأقصى ما استطاعوا فعله هو منع الزوج من تبديد هذا الميراث، كما استطاعوا، في الوقت ذاته، حرمان صاحب المال من استخدام ميراثها؛ فالأملاك نفسها تخرج من متناولهما معًا. أما فيما يتعلق بالدخل الذي يأتي من هذه الأملاك، فإن أفضل وضع بالنسبة للزوجة (وهو ما يُسمى عادة باستخدامها المنفصل)، فإنه لا يؤدي إلَّا إلى منع الزوج من استلام هذا الدخل نيابةً عنها: إذ لا بد أن يصل إلى يدها أولًا. لكن إذا استولى الزوج على هذا الدخل من الزوجة عَنوة وبعنف شخصي، بمجرد استلامها له فلا عقاب عليه، ولا سبيل إلى إرغامه على ردِّه. وهذا هو أقصى قدرٍ من الحماية التي يستطيع أقوى النبلاء، في ظل قوانين هذا البلد، أن يوفِّره لابنته قبل زواجها. أما الأغلبية الساحقة من الحالات، فلا يوجد فيها مثل هذه الترتيبات؛ ومن ثَم فإن الزوج يستولي على حقوق الزوجة بكاملها، وكذلك ممتلكاتها وحريتها، ويكون استيلاؤه عليها تامًّا، ولهذا يُطلَق على الاثنين (الزوج والزوجة) مصطلح «شخص واحد في القانون»، بمعنى أن كل ما تملكه الزوجة يصبح ماله، لكن الوضع الموازي أو المقابل لذلك، وهو أن كل ما يملكه هو يصبح مالها، فذلك أمر لا يُثار أبدًا. ذلك لأن القاعدة لا تُطبَّق ضد الرجل، اللهم إلا عندما نحمِّله مسئولية تصرفاتها تجاه طرف ثالث، على نحو ما يُسأل «السيد» عن تصرفات عبيده أو مواشيه. وأنا أبعد ما أكون عن القول بأن الزوجات لا يُعامَلن، بصفة عامة، أفضل من معاملة العبيد، ولكن ليس هناك عبد تصل درجة عبوديته إلى الحد الذي تصل إليه عبودية الزوجة بكل ما في الكلمة من معنًى. فمن الصعب أن تجد عبدًا يظل عبدًا كل ساعة وكل دقيقة، اللهم إلا إذا ارتبط ارتباطًا مباشرًا بسيده، بل هو عليه واجبات محددة بصفة عامة، مثله مثل الجندي، وعندما يؤديها، أو عندما لا يكون في ساعات عمله، فمن حقِّه، في حدودٍ معينة، أن يتصرَّف في وقته كما يشاء. وفضلًا عن ذلك، فإن له أسرة وحياة عائلية نادرًا ما يتدخل فيها السيد. لقد كان للعم «توم»، مع سيده الأول حياته الخاصة التي كان يقضيها في «كوخه»،٤ بقدر ما يستطيع أي رجل يعمل بعيدًا عن منزله أن يقضي بعضًا من وقته بين أهله. ولكن الأمر لا يمكن أن يكون على هذا النحو مع الزوجة؛ فالجارية في البلدان المسيحية لها حق معترف به، هو أن ترفض أن يعاشرها سيدها معاشرة جنسية، واعتُبر ذلك التزامًا أخلاقيًّا، وليست كذلك الزوجة، فمهما كان الزوج، الذي شاء حظها العاثر أن ترتبط به، طاغية وفظًّا، ورغم أنها قد تعلم أنه يكرهها، ورغم أنه قد يجعل من تعذيبها متعته اليومية، ورغم أنها لا تشعر أنه يستحيل عليها ألَّا تعافه، وتشمئز منه، فمن حقه أن يطالبها، وأن يرغمها على أحط وضع للوجود البشري، أعني أن تكون أداةً لعملية حيوانية تمارسها ضد رغبتها وميولها. وإذا كانت تلك العبودية البشعة هي نصيبها فيما يتعلق بشخصيتها هي، فما هو وضعها فيما يتعلق بالأطفال الذين يُعتبَرون مصلحة مشتركة بينها وبين سيدها؟ إنهم بنص القانون أولاده هو؛ فهو وحده صاحب أي حق قانوني عليهم، وليس من حقها أن تقوم بأي تصرف نحوهم، أو فيما يتعلق بهم، إلا بتفويضٍ منه. وحتى بعد موته لا تكون الزوجة الوصية القانونية عليهم، إلا إذا جعلها الزوج كذلك في وصيته، بل إنه يستطيع إبعادهم عنها، وحرمانها منهم، بل ومن أية وسيلة لرؤيتهم أو الاتصال بهم.٥ وقد ظلَّت سُلطة الزوج على هذا النحو إلى أن حدَّ منها بعض الشيء قانون «سيرجنت تالفورد Serjant Talfourd».٦ فقد كان ذلك هو وضعها القانوني. وليس لديها أي وسيلة لتخليص نفسها من هذا الوضع. والزوجة إذا تركت زوجها لا تستطيع أن تأخذ شيئًا معها، لا أطفالها، ولا أي شيء مما تملكه بطريقة قانونية مشروعة. وفي استطاعة زوجها، إذا أراد، أن يجبرها على العودة إليه بقوة القانون، أو بالقوة المادية، أو قد يكتفي بأن يستولي لنفسه على كل شيء تكسبه، أو يمنحه لها أقاربها، فهو انفصال قانوني فحسب، بقرارٍ تصدره المحكمة، يعطيها الحق أن تعيش بمفردها، دون إرغامها على العودة إلى وصاية سجان ساخط غاضب، أو يجعلها قادرة على إنفاق ما تكسبه على نفسها، دون أن تخشى أن يظهر لها فجأة، ذات يوم، رجلٌ، ربما لم تره منذ عشرين عامًا، فيستولي على كل ما تملك. وكانت المحاكم الإنجليزية، إلى عهدٍ قريبٍ، لا تقدر حكمها، بالانفصال القانوني إلا بناء على نفقاتٍ باهظة حتى إنها جعلت مثل هذا الحكم بعيدًا عن متناول أي إنسان إلا من الطبقات العليا. وإلى الآن فإن هذا الحكم لا يصدر إلا إذا هجر الزوج زوجته، أو بسبب القسوة الزائدة على الحد، أو الوحشية المفرطة. ومع ذلك، فإن الرجال يشكون شكوى مستمرة من أن هذا الحكم يصدر بسهولة أكثر مما ينبغي. ولا شك أنه إذا كان المجتمع قد أنكر على المرأة أي مصير آخر في الحياة سوى أن تكون خادمًا خاصًّا لرجل مستبد، بحيث يكون كل أملها أن تتاح لها فرصة العثور على مستبد يعاملها معاملة طيبة، بدلًا من أن يعاملها كخادمة مسخرة، فسوف يكون من الإجحاف الفادح بمصيرها ألا يُسمح لها بالقيام بهذه التجربة (تجربة الزواج) إلا مرة واحدة. ولا بد أن تكون النتيجة الطبيعية التي تصاحب هذه الأوضاع هي أنه ما دامت حياتها، بكل ما فيها، متوقفة على العثور على سيد طيب، فينبغي أن يُسمَح لها بأن تغير الزوج، المرة تلو المرة، حتى تعثر على السيد المناسب (أي الطلاق ثم الزواج مرة أخرى أكثر من مرة)، وأنا لا أقول إنه ينبغي أن يُسمَح لها بهذه الميزة؛ فهذا موضوع مختلف أتم الاختلاف، فموضوع الطلاق، بمعنى أنه ينطوي على حرية الزواج من جديد، موضوع لا علاقة له بما أريد أن أقوله. وكل ما أقوله الآن هو أنه بالنسبة لمن لا يكون أمامه شيء سوى العبودية، فلا بد من السماح له بحرية اختيار العبودية، فهذا الاختيار هو العامل الوحيد المخفَّف أو المُلطف لهذا الوضع، وإن لم يكن كافيًا على الإطلاق. ورفض هذا الاختيار يجعل المماثلة أو التشابه بين الزوجة والجارية تامة وكاملة؛ حيث تصبح الزوجة جاريةً لا تخضع لصورة معتدلة من الرق؛ لأن بعض القوانين الخاصة بالرق تجعل في استطاعة العبد، إذا تعرَّض لظروفٍ معينة من سوء الاستخدام، أن يجبر سيده، قانونًا، على بيعه. ولكن مهما بلغت إساءة استخدام الزوج لزوجته، مضيفًا إليها الخيانة الزوجية، فإن الزوجة في إنجلترا لا تستطيع أن تتخلص ممن يعذبها.
ليس لديَّ الرغبة في المبالغة، كما أن الحالة لا تحتاج إلى مبالغة. لقد وصفت — فيما سبق — الوضع القانوني للمرأة، لا ما تلقاه من معاملة فعلية؛ فقوانين معظم البلدان أسوأ كثيرًا من الناس الذين ينفذونها. وتظل كثير منها قوانين بسبب أنها نادرًا ما تُنفَّذ، أو ربما لا تنفَّذ على الإطلاق. وإذا ما كانت الحياة الزوجية كلها هي ما تتوقع منها أن تكونه بحسب القوانين وحدها لَكان المجتمع البشري هو جهنم على الأرض. ولحسن الطالع هناك المشاعر والمصالح في آنٍ معًا التي تصد كثيرًا من الاندفاعات والميول الطبيعية التي تؤدي إلى الطغيان عند كثير من الرجال، وتخفف من حدتها عند معظمهم. وتُعَد الرابطة التي تربط الرجل بزوجته، من بين هذه المشاعر، في الحالة العادية لأوضاع الزواج، أقوى رابطة، ولا مثيل لها. والرابطة الوحيدة التي تقترب منها هي تلك التي تربط بينه وبين أطفاله، وهي لا تتعارض مع الرابطة الزوجية اللهم إلا في حالات استثنائية، أما في الأوضاع العادية، فهي تعمل على تقويتها. ولمَّا كان الأمر كذلك، ولمَّا كان الرجال لا يعذبون النساء، عادة، ولمَّا كانت المرأة لا تعاني من الوطأة الضاغطة لسلطة الطغيان التي يستطيع الرجل أن يمارسها من الناحية القانونية؛ فقد اعتقد المدافعون عن الصورة القائمة من الأنظمة، أن أي ظلم أو جور له ما يبرره، وأن أي شكوى ليست سوى مشاجرة مع الشر، وهي الثمن الذي لا بد أن يُدفَع مقابل كل خير عميم. غير أن العوامل الملطِّفة في الحياة العملية التي تتفق مع تدعيم هذا النوع من الطغيان — أو أي نوع آخر — وتُضفي عليه الشرعية القانونية، لا يمكن أن تكون مبررًا ولا دفاعًا عن الاستبداد. وإنما تبرهن فحسب على ما لدى الطبيعة البشرية من رد فعل ضد أبشع النظم، ومدى الحيوية التي تنتشر بها بذور الخير والشر على حدٍّ سواء في شخصية البشر. وليست هناك كلمة واحدة يمكن أن تقال دفاعًا عن الاستبداد في الأسرة، دون أن يكون من الممكن أن نقولها دفاعًا عن الاستبداد السياسي في الدولة. فكل ملك مطلَق السلطة لا يجلس في نافذته ليستمتع بأنَّات رعاياه المعذبين. ولا هو يجردهم من كل ما يسترهم، ويلقي بهم في قارعة الطريق ليرتجفوا من البرد، فلم يكن استبداد لويس السادس عشر٧ هو نفسه استبداد فيلب الرابع،٨ أو نادر شاه.٩ أو كاليجولا،١٠ ولكنه كان استبدادًا سيئًا يكفي لتبرير قيام الثورة الفرنسية، ويخفِّف حتى من وقع فظائعها. وإذا ما دافع مدافعٌ عن الوضع الحالي للحياة الزوجية معتمدًا على الارتباط الوثيق بين الزوجات وأزواجهن، فإنه يمكن أن يقال الشيء نفسه بالضبط عن عبيد الخدمة المنزلية؛ فقد كان من الوقائع المألوفة تمامًا بين اليونان والرومان، أن يتعرض العبيد للتعذيب حتى الموت، أهون من أن يخونوا ساداتهم. وقد لوحظ في الحروب الأهلية الرومانية أن الزوجات والعبيد أبدوا إخلاصًا بطوليًّا، في حين أن الأبناء كثيرًا جدًّا ما يرتكبون الخيانة ضد آبائهم. ومع ذلك فنحن نعلم إلى أي مدى كان كثير من الرومان يعاملون هذا المدى البعيد إلا في ظل أبشع الأنظمة. فمن سخريات القدَر أن نجد أقوى مشاعر العرفان التي تقدر عليها الطبيعة البشرية تتجه، فيما يبدو، إلى أولئك الذين يمتلكون القدرة على سحق الموجودات البشرية تمامًا، لكنهم يحجمون، طواعيةً، عن استخدام هذه القدرة، وسوف يكون من الصعب أن نسأل عن مكانة هذا الشعور لدى معظم الناس، حتى بالنسبة لمن لديهم الخشوع الديني. فنحن نرى، يوميًّا، مدى ما يبديه الناس من امتنانٍ نحو السماء، عندما يرَون موجودات بشرية مثلهم لم يكن الله رحيمًا تجاههم، على نحو ما كان رحيمًا بهم هم أنفسهم.
وسواء أكان النظام الذي يدافع عنه الناس هو الرق، أو الحكم السياسي المطلَق، أو استبداد رب الأسرة، فإننا نتوقع باستمرارٍ أن نحكم عليه من أفضل جوانبه. ونسُوق، بحبٍّ، صورًا من استعمال السلطة من ناحية، والاستسلام المحبَّب لنا من ناحية أخرى، ثم نقول إن هناك حكمة عُليا تنظم جميع الأشياء على أفضل وجه يحقق أعظم خير للتابعين أو الرعايا، الذين يحيطون هذه السُّلطة بابتساماتهم وامتنانهم نحوها. وقد يكون لذلك كله ما يبرره إذا كان هناك مَن يدَّعي أنه لا يوجد أناس طيبون. ومن ذا الذي يشك في أنه ربما يوجد خير عظيم، وسعادة كبرى، ومحبة غامرة في ظل حكم مطلَق لرجلٍ طيب؟! ولكن القوانين والأنظمة إنما توضع للسيئين، لا للطيبين، من البشر. وليس الزواج نظامًا موضوعًا للقلة المختارة، ولا يطلب من الرجال — قبل إتمام حفل الزواج — أن يثبتوا بشهادة الشهود أنهم أهل ثقة، وجديرون بممارسة السلطة المطلقة. ورابطة المحبة والالتزام نحو الزوجة والأطفال تكون بالغة القوة عند أولئك الذين مشاعرهم الاجتماعية العامة قوية. غير أن كثيرين منهم لا يشعرون إلا قليلًا بالروابط الاجتماعية الأخرى. ولكن هناك جميع الدرجات التي تتدرج من الشعور بهذه الروابط إلى انعدام الشعور بها، على نحو ما توجد جميع درجات الخير والشر عند البشر بطريقة متدرجة، إلى أن تصل إلى أولئك الذين لا تلزمهم أية رابطة، ولا يستطيع المجتمع أن يؤثر فيهم، إلا عن طريق آخر ملجأ يلجأ إليه Ultima Ratio ألَا وهو استعمال العقوبات القانونية. وفي كل درجة من هذه الدرجات نجد أن هناك رجالًا في يدهم جميع السلطات القانونية التي يتمتع بها الزوج. فأشد المجرمين وضاعةً لديه امرأة مسكينة ترتبط به، يستطيع أن يقتلها دون خطرٍ كبيرٍ من الوقوع تحت طائلة العقاب القانوني لو أنه كان حذرًا وحريصًا بعض الحرص. وهناك آلاف من الرجال من أحط الطبقات في كل بلد — ممن لا يُعتبرون مجرمين بأي معنًى آخر، لأن عدوانهم قوبل بالمقاومة — ينزلون أقسى أنواع العنف الجسدي على الزوجة الشقية، على هذا المخلوق الوحيد التعس — على الأقل من بين الأشخاص البالغين — الذي لا يستطيع التمرد ولا الإفلات من قسوته، بل يجعلها تفرط في الاعتماد الكامل على طبيعته الوحشية الوضيعة، وبدلًا من أن تثير فيه اللين والرقة ودرجة من الاحترام، تدفعه إلى معاملة المرأة التي اعتمدت عليه في مصيرها معاملةً حسنة كريمة، وليس العكس، أعني معاملة تقوم على القول بأن القانون سَلَّمها له يفعل فيها ما يشاء، ولا يتوقع منه أن يرعى نحوها الاعتبار الذي ينبغي عليه مراعاته تجاه أي شخص آخر. ولقد قام القانون الذي أهمل، حتى عهد قريب جدًّا، هذه الفظائع البشعة في الاضطهاد المنزلي، فتركها، تقريبًا، بلا عقاب، قام هذا القانون، في السنوات القليلة الماضية، ببعض المحاولات الضعيفة لوقف هذه الاضطهادات. غير أن محاولاته لم تُثمر عن شيء كثير، ولا يتوقع منها الشيء الكثير، لأنه مما يعارض العقل والتجربة أن نفترض إمكان وجود أي كابحٍ حقيقي للقسوة، يتفق مع ترك الضحية تحت سلطة الجلاد. وسوف تفشل كل محاولة للقضاء على هذه «الإهانات الخطيرة» بواسطة العقاب القانوني، بسبب عدم وجود ممثِّل للادعاء أو عدم وجود شاهد، حتى يكون من حق الزوجة، من جراء ذلك، الحصول على الطلاق، أو على الأقل على الانفصال القضائي أو القانوني، بعد الاقتناع باستعمال العنف الشخصي، أو على الأقل، بتكرار ذلك العنف بعد ارتكابه لأول مرة.

وعندما نتأمل العدد الهائل من الرجال، في أي بلدٍ عظيم، الذين لا يرتفعون إلا بقدرٍ ضئيلٍ عن مستوى المتوحشين والهمج، وكيف أن ذلك المستوى لا يمنعهم من الحصول على ضحية، عن طريق قانون الزواج، فسوف يظهر لنا بوضوحٍ مدى عُمق واتساع الشقاء البشري الذي ينجم عن سوء استعمال نظام الزواج. ومع ذلك فإن هذه هي فقط الحالات المتطرفة، وهي تمثِّل أدنى هاوية، ولكن هناك درجات ودرجات من الانحطاط قبل أن نبلغ قاع هذه الهاوية. فحالة الوحش المطلَق — سواء في الطغيان السياسي أو الطغيان المنزلي — توضح هذا النظام، بصفة أساسية، بأن تبيِّن أنه لا تكاد تكون هناك فظائع مرعبة لا يمكن أن تحدث في ظلِّه لو شاء هذا المستبد. وهي بذلك تُلقي الضوء القوي على مقدار ما يمكن أن يقع بالفعل من أمور، في تكرارٍ مرعبٍ، لا تقل عن ذلك بشاعةً إلا بأقل القليل. إن الشياطين، على نحوٍ مطلقٍ، نادرون ندرة الملائكة، بل ربما أندر منهم: لكن المتوحشين القساة، الذين تخفِّف من قسوتهم بين الحين والحين بعض اللمسات الإنسانية، كثيرون للغاية: وفي المسافة الواسعة التي تفصل بينهم، وبين ممثلي الجنس البشري الجديرين بهذا الاسم، توجد كثرة من الصور الحيوانية والأنانية، ودرجاتهما التي تُغَلِّفها قشرة خارجية من الحضارة، أو حتى من التهذيب، وتعيش في سلامٍ مع القانون، وتحتفظ بمظهرٍ محترمٍ لكل من لا يخضع لسيطرتها. ومع ذلك فإن هذه الصور كثيرًا ما تكفي لجعل حياة من يخضعون لسيطرتها عبئًا وعذابًا لا يُحتمَل! وليس ثمة ما يدعونا هنا إلى تكرار الأمثلة الشائعة التي تقول إن الرجال، بصفة عامة، لا يصلحون لتولي السلطة، فهو قول يحفظه كل إنسان عن ظهر قلب، بعد المناقشات السياسية طوال عدة قرون، لولا أنه يكاد لا يوجد من يفكر في تطبيق هذه القواعد على الحالة التي ينبغي أن تنطبق عليها فعلًا أكثر من أية حالة أخرى، حالة السلطة لا في يد رجل هنا وهناك، بل السلطة الموجودة في يد كل رجل بالغ، حتى أكثرهم انحطاطًا وشراسة. فلا يكفي أن نعرف عن الرجل أنه لم يخرق أية وصية من الوصايا العشر، أو أنه يحافظ على طابع الاحترام في تعامله مع أولئك الذين لا يستطيع أن يرغمهم على معاشرته، أو أنه لا ينفجر في نوباتٍ من الغضب ضد أولئك الذين لا يلتزمون بتحمُّله، حتى نستطيع من ذلك أن نكوِّن فكرة عن سلوكه في منزله حيث لا ضوابط على هذا السلوك. بل حتى أقل الرجال شأنًا يحتفظون بذلك الجانب العنيف الأناني المتذمر من شخصيتهم لأولئك الذين لا يستطيعون مقاومته، وليست لديهم القدرة على مواجهته. إن العلاقة بين السادة والتابعين هي موطن هذه الرذائل في الشخصية التي تفيض من هذا المنبع حيثما وجدت. فإذا رأينا شخصًا عنيفًا نكدي المزاج مع أقرانه، فلا بد أن نكون على يقينٍ من أنه يعيش بين شخصيات دنيا، يستطيع أن يخيفها ويرعبها حتى تستسلم له، وتخضع لمشيئته، وإذا كانت الأسرة في أحسن صورها، كما يقال كثيرًا، مدرسةً للتعاطف والمشاركة الوجدانية، والحنان، وإنكار الذات، فهي بالنسبة لرب الأسرة شيء مختلف؛ إنها مدرسة السلطة المتعجرفة والأنانية المستترة، التي تعد التضحية ذاتها صورة جزئية خاصة منها: فالعناية بالأطفال والزوجة إنما هي عناية بهم من حيث إنهم ممتلكات الرجل ومصالحه، وتتشكَّل سعادتهم الفردية، من كل جانب، طبقًا لأهوائه. وماذا يمكننا أن نتوقع أفضل من ذلك في ظل النظام القائم؟ فنحن نعرف أن النزعات السيئة في الطبيعة البشرية لا تخضع لحدودٍ معينة، اللهم إلا إذا لم تجد مجالًا تنغمس فيه. كما أننا نعرف أن كل شخص تقريبًا يخضع له الآخرون، يتمادى في الإجحاف بهم، بحكم العادة والاندفاع، إن لم يمكن عن قصد وتعمُّد، حتى يصل الأمر إلى نقطة يضطرون معها إلى مقاومته. ذلك هو الميل العام للطبيعة البشرية؛ ولذلك فإن السلطة التي تكاد تكون غير محدودة، والتي تمنحها الأنظمة الاجتماعية الحالية للرجل على موجود بشري آخر — أو على الأقل على الشخص الذي يقيم معه، ويوجد أمامه بصفة مستمرة — تسعى إلى بذر بذور الأنانية المستترة، في الأغوال البعيدة من طبيعته، وتشعل جذوتها مهما كانت ضعيفة، وتتيح له فرصة الانغماس في تلك الجوانب من شخصيته الأصلية التي سيجد أنه من الضروري — من بين جميع العلامات الأخرى — أن يكبتها ويخفيها، وسوف يصير كبتها مع مرور الزمن طبيعة ثانية، وأنا أعلم أن هناك جانبًا آخر للموضوع. فإني أعترف أن الزوجة، إذا كانت لا تستطيع المقاومة بصورة فعالة، فإنها تستطيع، على الأقل، وفي استطاعتها، عن طريق هذه القدرة، أن تنفذ رأيها في نقاطٍ كثيرة من حقها، وفي نقاط أخرى ليس لها حق فيها. غير أن هذه الأداة لحماية الذات التي يمكن أن نسمِّيها القدرة على التوبيخ والزجر، أو العقاب على الطبع السيئ، فيها عيب قاتل، هو أنها أشد ما تكون فعالية مع السادة الأقل طغيانًا، ولمصلحة التابعين الأقل جدارة، فهي سلاح النساء المشاكسات المزعجات اللائي إذا أُتيحت لهن فرصة استخدام السلطة استخدمنها أسوأ استخدام، واللائي يستعملن قدراتهن هذه، بصفة عامة، استعمالًا سيئًا، أما النساء الرقيقات فلا يستطعن استعمال هذه الأداة. وذوات العقول السامية يترفعن عنها، أما فاعليتها، من ناحية أخرى، فإنها تكون في أقوى حالاتها مع الأزواج الذين هم أكثر تهذيبًا وأقل عدوانًا، أولئك الذين لا يمكن دفعهم حتى ولو بالإثارة، إلى استخدام السلطة بطريقة قاسية جدًّا؛ فقدرة الزوجة على الإزعاج لا تؤدي عادة إلا إلى طغيانٍ مضاد، حتى إنها لتجعل الضحايا بدورها، في الأعم الأغلب من أولئك الأزواج الذين لديهم أدنى ميل لأن يصبحوا طُغاة.

فما هو، إذن، ذلك الشيء الذي يخفِّف من الآثار السيئة للسُّلطة، ويجعلها تتفق مع ذلك القدر من الخير الذي نراه بالفعل؟ إن الرقة الأنثوية المحض، رغم تأثيرها الهائل في الحالات الفردية، ليس لها سوى تأثير ضئيل للغاية في تعديل الميول العامة للعُرف، لأن أثرها لا يستمر إلا إذا كانت المرأة شابة وجذابة، وكثيرًا ما يقتصر هذا الأثر على الفترة التي تكون فيها جاذبيتها جديدة، لم يطمسها طوال الألفة أو العشرة، فضلًا عن أن كثيرًا من الرجال لا يتأثرون بها على الإطلاق في أي وقت. أما العوامل التي تلطِّف الجو حقًّا، فهي المَحبة الشخصية التي تنمو مع مرور الزمن، بمقدار ما تتقبَّلها طبيعة الرجل، وبمقدار ما تتطابق شخصية المرأة مع شخصية الرجل؛ بحيث تستطيع أن تثير فيه هذه المحبة، وكذلك المصالح المشتركة فيما يتعلق بالأطفال، واتفاقهما على المصلحة العامة تجاه الأشخاص الآخرين (رغم أنه توجد عليها قيود كثيرة جدًّا) والأهمية الحقيقية للزوجة في توفير الراحة اليومية للزوج واستمتاعه، ومن ثَم القيمة التي يضفيها عليها نتيجة لشخصيته هو، وهي القيمة التي تجعل الرجل يشعر بالآخرين، وتضع الأساس للاهتمام بالزوجة لشخصها هي ذاتها، وأخيرًا النفوذ الذي تكتسبه، تقريبًا، جميع الموجودات البشرية القريبة من الشخص (ما لم تكن مزعجة له) أولئك البشر الذين، عن طريق تدخُّلاتهم المباشرة، أو بسبب العدوى المؤذية المتبلِّدة لمشاعرهم وميولهم، كثيرًا ما يكون في مُكنتهم — ما لم تكن هناك تصرفات مضادة من أشخاص يضاهونهم في قوة التأثير الشخصي — بلوغ قدرٍ من السيطرة على السلوك الشخصي الأعلى، وهو قدر غير مقبول ومبالغ فيه. وعن طريق هذه الوسائل المختلفة كثيرًا ما تمارس الزوجة سلطةً على زوجها، وأحيانًا أكثر مما ينبغي، فتستطيع، مثلًا، أن تؤثر في سلوكه في أمورٍ قد لا تكون مؤهلة للتأثير فيها تأثيرًا حسنًا – أمور قد لا يكون تأثيرها فيها مستنيرًا، بل قد يوظف هذا التأثير لجانبٍ قد يكون السير فيه خطأً أخلاقيًّا، ولربما لو تُرك الزوج لرأيه الخاص لتصرَّف فيها على نحوٍ أفضل. غير أن السلطة لا تعوض ضياع الحرية، لا في أمور الأسرة، ولا في شئون الدولة. إن السلطة التي تكتسبها المرأة كثيرًا ما تمنحها ما لا حق لها فيه، ولكنها لا تمكِّنها من تأكيد حقوقها الخاصة. إن الجارية المفضَّلة عند السلطان — على الرغم من أنها جارية — فإنها يكون تحت إمرتها جَوَارٍ تمارس فيهن سلطة الطاغية. غير أن الوضع المطلوب والمرغوب هو ألَّا تكون هي جارية، وألَّا يكون لديها جَوَارٍ. وفي استطاعة الزوجة عندما تذيب وجودها تمامًا في زوجها، وعندما لا تكون لها إرادة (أو عندما تقنعه بأنها بغير إرادة)، وأنه لا توجد إرادة إلا إرادته هو في كل شيء يتصل بعلاقتهما المشتركة، وأن تجعل شغلها الشاغل طوال حياتها أن تؤثر في مشاعره؛ مثل هذه الزوجة ربما تُرضي نفسها بالتأثير في سلوكه، ومن المرجح جدًّا أن تجعل سلوكه ينحرف، فيما يتصل بعلاقاته الخارجية مع الناس، وهي العلاقات التي لم تؤهل نفسها قَط للحكم عليها، أو تكون هي نفسها متأثرة تمامًا بأحكامٍ شخصية أو مبتسرة أو متحيزة. وبالتالي فإننا نجد، في ظل الأوضاع الحالية، أن الأزواج الذين يعاملون زوجاتهم معاملةً طيبة، كثيرًا جدًّا ما تكون حالتهم أسوأ وليس أفضل، بتأثير زوجاتهم فيما يتصل بجميع اهتماماتهم خارج محيط الأسرة؛ فقد تعلَّمت الزوجة ألَّا دخل لها بالأمور خارج هذا النطاق، ومن هنا فيندر جدًّا أن تكوِّن لنفسها، في هذه المسائل، رأيًا مخلصًا نابعًا من ضميرها، ومن ثَم، فهي كثيرًا ما تتطفل وتتدخل في أمورٍ لا تعنيها، فهي لا تتدخل فيها قَط بأي هدفٍ مشروع، بل عادة بسبب مصلحة شخصية معينة، فهي مثلًا لا تعرف — ولا يهمها أن تعرف — الجانب الصحيح في السياسة، ولكنها تعرف ما الذي يجلب المال أو الدعوات المغرية، وما يجلب لزوجها الألقاب، ولابنها المناصب، أو لابنتها زيجة طيبة.

والآن: ربما سأل سائل: أيمكن لأي مجتمع أن يوجد بغير حكومة؟ إن الأسرة — مثل الدولة — لا بد فيها من وجود شخص يعتبر مرجع الحكم النهائي. فمن الذي سيكون له الحكم، ويحسم الأمر، عندما يختلف الزوجان في الرأي؟ فلا يمكن لكلٍّ منهما أن يسير في طريقه الخاص، أو في حال سبيله، بل لا بد من حسم الأمر، واتخاذ القرار في هذا الاتجاه، أو ذاك.

وليس صحيحًا أنه في كل ارتباطٍ إداري بين شخصَين، لا بد أن يكون أحدهما سيدًا مطلقًا، ويقل عن ذلك صحةً أن نقول إن القانون لا بد أن يحدِّد أيهما يكون السيد؛ لأن أكثر حالات الارتباط الإرادي — فيما بعد الزواج — هي المشاركة في العمل، ولم يجد أحد أنه من الضروري إصدار قانون بأن يكون لواحد من الشركاء في كل شركة سيطرة مطلقة على جميع الأمور، وأن يلتزم الآخرون بطاعة أوامره، فليس هناك من يوافق على الدخول في شركة لا يتحمل فيها أية مسئولية رئيسية، ولا تكون لهذا الشريك سلطات أو امتيازات سوى سلطات كاتب أو موظف عادي. فلو أن القانون تناول العقود الأخرى بنفس الطريقة التي يتناول بها عقود الزواج، لوجب أن ينص على أن يقوم شريكٌ واحدٌ بإدارة العمل المشترك، كما لو كان مشروعه هو الخاص، وألا يكون للآخرين سوى سلطات التفويض أو الوكالة، وأن يعين القانون هذا الشريك (الذي يقوم بالإدارة) على أساس أمر عام مفروض على الجميع كأن يكون، مثلًا، أكبر الشركاء سنًّا. إن القانون لا يفعل ذلك أبدًا، كما أن التجربة لا تظهرنا على أنه من الضروري أن تكون هناك لا مساواة نظرية في السلطة بين الشركاء، أو أن الشركة يجب أن تفرض فيها أية شروط غير تلك التي يحددها الشركاء أنفسهم في بنود الاتفاق. ومع ذلك فقد يبدو أن الخطر على حقوق الشريك الأدنى أو الأصغر ومصالحه — في حالة منح السلطة كلها لواحد فقط من الشركاء — أقل في حالة الشركة من الخطر الذي يحيط بحالة الزواج؛ حيث إن الشريك الأدنى أو الأصغر يستطيع، في حالة الشركة، أن يلغي، بإرادته الحرة، هذه السلطة بالانسحاب من الاتفاق. أما الزوجة، فليست لديها هذه القدرة، وحتى إذا كانت لديها هذه القدرة، فإن من المرغوب فيه باستمرار، تقريبًا، ألَّا تلجأ إلى استعمالها إلا بعد أن تكون استنفدت جميع الطرق الأخرى.

ومن الصواب تمامًا أن نقول إن المسائل اليومية التي تحتاج، في الأسرة، إلى اتخاذ قرار بشأنها، ولا تستطيع أن تكيِّف نفسها بالتدريج، ولا يمكن أن تنتظر الوصول إلى حلٍّ وسط، بل ينبغي لإدارة شخص واحد أن تتخذ فيها قرارًا، وإن كان ذلك لا يعني أن يكون دائمًا نفس الشخص؛ فالوضع الطبيعي أن تُقسَّم السلطات بين الاثنين، بحيث يصبح كلٌّ منهما حاكمًا مطلقًا في القطاع الخاص به. بحيث يحتاج أيُّ تغيير في النظام أو المبدأ إلى موافقة الطرفَين. ولا يمكن للقانون أن يضع هذا التقسيم مقدمًا، ولا ينبغي له، أن يفعل ذلك، ولا أن تتحدد القطاعات في عقود الزواج إلا بموافقة الطرفَين؛ حيث إنه ينبغي أن يعتمد على القدرات والكفاءات الفردية. وإذا أراد الزوجان تحديدها قبل الزواج، فلا يكون ذلك إلا في عقد الزواج، على نحو ما تتحدد الترتيبات المالية الآن في كثيرٍ من الأحيان. ولن تكون هناك أية صعوبة في تحديد هذه المسائل بالرضا المتبادل، ما لم تكن الزيجة هي واحدة من تلك الزيجات التعسة التي تكون فيها جميع المسائل — كهذه المسألة أيضًا — موضع تشاحن وشجار وخصام. وسوف يلي تقسيم الحقوق على نحوٍ طبيعي، تحديد الواجبات والوظائف، ويتم ذلك فعلًا بالتراضي، أو أن ذلك سوف يتم على — أية حال — دون تدخل من القانون، وإنما بما جرت عليه العادة بصفة عامة، وهو يتعدَّل، ويقبل التعديل، بناء على ضغط من أصحاب المصلحة.

وسوف يعتمد القرار العملي الحقيقي في هذه المسائل، إلى حدٍّ كبير، على نحو ما يحدث الآن، على الكفاءة النسبية، بغض النظر عن الطرف الذي تكون في يده السلطة النسبية، أو الواقعة المحض التي تقول إن الزوج يكون في العادة أكبر سنًّا من الزوجة تمنح الرجل التفوق في معظم الحالات، على الأقل إلى أن يبلغا ذلك العمر الذي لا يكون فيه لفارق السن أية أهمية. ومن الطبيعي أنه سيكون هناك صوت أقوى لذلك الطرف — أيًّا ما كان — الذي يجلب وسائل العيش، ولا تتوقف اللامساواة في هذا المصدر على قانون الزواج، وإنما على الظروف العامة للمجتمع البشري على نحو ما يتكوَّن الآن. وسيكون لتأثير التفوق الذهني — العام أو الخاص — ولتأثير قوة الشخصية، والقدرة على اتخاذ القرار، أهمية كبيرة بالضرورة. وهذا هو ما يحدث الآن بصفة مستمرة. وتظهرنا هذه الحقيقة على تهافت القول بأنه لا يمكن توزيع السلطات والمسئوليات بين شركاء الحياة (كما هي الحال في توزيعها بين شركاء العمل) بالاتفاق فيما بينهم، فهو قول بغير أساس؛ فهل يمكن باستمرار توزيعها، اللهم إلا في الحالات التي يكون فيها الزواج فاشلًا؟ ولا يحدث أبدًا أن تكون السلطة الكاملة في جانبٍ، والطاعة التامة في جانبٍ آخر، اللهم إلا إذا كانت الرابطة بينهما تقوم على خطأ تام، ومن مصلحة الطرفَين التخلص من هذه الرابطة. وقد يقول البعض إن العامل ذاته الذي يجعل التسوية الودية للخلافات بينهما ممكنة، هو أنه من المعروف أن سلطة الإجبار الشرعي موجودة في حالة احتياطية. ومن هنا فإن الناس تقبل التحكيم (أو وجود حُكم بفض النزاع) بسبب أن هناك محكمة — في خلفية أذهانهم — يمكن الالتجاء إليها، ويعلمون أنها تستطيع إرغامهم على طاعتها، وقبول حكمها بالقوة. ولكن حتى يكون هناك توازٍ بين الحالتَين لا بد أن نفترض أن القاعدة التي تسير عليها المحكمة ليست فحص القضية، بل إصدار حكم لصالح جانبٍ واحدٍ باستمرارٍ، مفترضة أنه المُدَّعى عليه. ولو صح ذلك فإن الإذعان لها لا بد أن يكون دافعًا للمدعي لقبول أي تحكيم، ولكن الأمر يكون على العكس تمامًا مع المُدَّعى عليه؛ فالسلطة الاستبدادية التي يمنحها القانون للزوج قد تكون سببًا في قبول الزوجة لأي حلٍّ وسط لتقسيم السلطة عمليًّا بين الاثنين، ولكنها لا يمكن أن تكون الدافع للزوج إلى ذلك. وقيام حل وسط عملي بين أصحاب السلوك المهذب، رغم أن واحدًا منهم على الأقل لا يخضع له بالضرورة لا أخلاقيًّا ولا ماديًّا، يظهرنا على أن الدوافع الطبيعية التي تدفع الناس إلى التكيف الإرادي في الحياة المتحدة بين شخصين بصورة يقبلها الطرفان، لا تسود بصفة عامة إلا في حالاتٍ غير مرضية. ولا شك أن الوضع لا يكون أفضل إذا ما صدر قانون يقول إن البِنية الفوقية للحكومة الحرة سوف تقوم على أساسٍ قانوني من الاستبداد في جانب، والخضوع والإذعان في جانبٍ آخر. وأن أي تنازل يقوم به الحاكم المستبد — بمحض إرادته — وبلا أي تحذير يمكن إلغاؤه. وفضلًا عن ذلك، فإن الحرية لا يكون لها أدنى قيمة إذا ما قامت على أساسٍ غير وطيد، فمن غير المحتمل أن تكون أوضاعها منصِفة عندما يُلقي القانون بكل هذا الثقل في كفة واحدة، أو في جانب واحد، وعندما يُبنى التكيُّف بين شخصَين على أساس أن أحدهما صاحب حقٍّ في كل شيء، وأن الطرف الآخر ليس له الحق في أي شخص، اللهم إلا بمشيئة الطرف الأول، ويكون ملزَمًا التزامًا قويًّا — دينيًّا وأخلاقيًّا — بعدم التمرد على هذا الطرف الأول، مهما يكن حجم الاضطهاد الذي يقع عليه.

وربما يدفع خصمٌ عنيدٌ بالحلول إلى حد الأقصى فيقول: الواقع أن الأزواج على استعدادٍ أن يكونوا معقولين في معاملتهم لزوجاتهم، وهم على استعدادٍ للقيام بتنازلاتٍ معقولة لهن، دون أن يُرغموا على ذلك، في حين أن زوجاتهم لسن كذلك. فإذا سُمح لهن بأية حقوق خاصة، فإنهن لن يعترفن على الإطلاق، بأية حقوق لأي شخص آخر، كما أنهن لن يتنازلن عن أي شيء أبدًا ما لم يُرغَمن على ذلك، عن طريق السلطة المحض للرجل، التي تجبرهن على التنازل عن كل شيء. ولقد قال بهذا الرأي كثيرون، منذ عدة أجيال خلت، عندما كانت السخرية من النساء هي العُرف السائد، وعندما كان الرجال يعتقدون أنه من الذكاء والحذق أن يُهينوا النساء لأنهن تشكَّلن كما يريد الرجل. لكن لا أحد ممن يستحقون الذكر يقول الآن بهذا الرأي. كما أن الفكرة السائدة اليوم ليست هي أن النساء أقل قابلية للمشاعر الطيبة من الرجال، وهن يقدِّرن مشاعر مَن يرتبط بهن بروابط قوية، أكثر مما يفعل الرجال. بل على العكس يقول لنا استمرار أولئك الذين يعترضون تمامًا على معاملة النساء كما لو كن مثل الرجال: إن النساء أفضل من الرجال، بحيث أصبح هذا القول مجرد عبارة جوفاء تلوكها الألسن، ولا يُراد بها سوى تغطية الظلم الواقع. وهو يشبه احتفالات الرحمة المَلَكية التي يُصدر فيها ملك الليليبوت Lilliput، على حد قول جليفر Gulliver أقسى قراراته الدموية.١١ وإذا كانت النساء أفضل من الرجال في شيء، فهو، بغير شك، أنهن ينكرن ذاتهن الفردية، ويضحين بها لصالح أسرهن، ولكني لا أعول كثيرًا على ذلك؛ لأنهن يُولَدن ويُنشَأن في كل مكان من أجل التضحية بأنفسهن. أعتقد أن المساواة في الحقوق سوف تخفِّف من المبالغة في إنكار الذات، الذي يُعَد بمثابة المثل الأعلى المصطنَع، في الوقت الحاضر لشخصية الأنثى، بحيث لا تكون المرأة الفاضلة أكثر تضحية بنفسها من الرجل الفاضل. غير أن الرجال، من ناحية أخرى، سوف يكونون أقل أنانية بكثيرٍ، وأكثر تضحية، مما هم عليه الآن، لأنهم بعد ذلك لن يعتادوا عبادة إرادتهم بوصفها شيئًا عظيمًا، أو إنها القانون الذي يعمل على تفضيل موجود بشري على موجود آخر. وليس هناك شيء يتعلَّمه الرجال أسهل من عبادة الذات هذه: فجميع الشخصيات المتميزة والطبقات المتميزة تسير عليها. وكلما هبطنا في سُلم المجتمع البشري، وجدنا أن أثرها أكثر شدة، لا سيما عند أولئك الذين لا يمكن — ولا يُتوقَّع منهم أبدًا — أن يرفعوا فوق أي شخص سوى زوجة تعيسة وأطفال أشقياء مساكين. والاستثناءات المشرِّفة هنا هي أقل — نسبيًّا — مما هو موجود في أية حالة تحتوي على نقصٍ بشري أو دونية أخرى. وبدلًا من أن يعمل الدين والفلسفة على كبح جماح هذه الميزة فإنهما، بصفة عامة، يعملان على خدمتها والدفاع عنها، ولا يسيطر عليها سوى ذلك الشعور العملي بالمساواة بين الناس، الذي تقوم نظرية الديانة المسيحية، وإن كانت المسيحية لن تبلغه أبدًا من الناحية العملية، ما دامت تصادق وتوافق على أنظمة تقوم على التفضيل التعسفي لموجودٍ بشري على موجودٍ آخر.

ولا شك أن هناك نساء، كما أن هناك رجالًا، لا تكفيهن المساواة في التقدير والاعتبار ومراعاة شعورهن، ولا يشعرن بالراحة إلا إذا رُوعيت إرادتهن أو رغبتهن دون سواها. وأمثال هذه الشخصيات هم الموضوع المناسب لقانون الطلاق، لأنهم لا يصلحون إلا للعيش وحدهم أو بمفردهم، ولا ينبغي إرغام أي موجود بشري على العيش معهم، أو على ربط حياته بهم. غير أن التبعية القانونية تميل إلى جعل عدد هذه الشخصيات بين النساء أكثر من عددها بين الرجال، وليس أقل، فإذا مارس الرجل كل سلطته فإنه، بالطبع، يسحق المرأة، لكنه إذا عاملها بشيء من التسامح، وسمح لها بتولي السلطة، فليس هناك قاعدة تضع حدودًا لتجاوزاتها وانتهاكاتها «لحقوق الآخرين». وعلى ذلك فإن القانون لم يحدد لها حقوقًا، لكنه نظريًّا لم يسمح لها بشيء على الإطلاق، وكأنه يعلن أن القدْر الذي لها الحق فيه هو كل ما نستطيع الحصول عليه.

إنَّ المساواة أمام القانون بالنسبة للأشخاص المتزوجين، ليست هي الخط الوحيد الذي يمكن أن تكون عليه هذه العلاقة الخاصة؛ بحيث تكون متسقة وعادلة لكلا الطرفين، وتؤدي إلى سعادة الطرفين معًا، وإنما هي الوسيلة الوحيدة التي تجعل الحياة اليومية للجنس البشري مدرسةً للتهذيب الأخلاقي بالمعنى السامي لهذه الكلمة. فعلى الرغم من أن الحقيقة قد لا تحظى باعترافٍ عام إلا بعد أجيال قادمة، فإن المدرسة الوحيدة للشعور الأخلاقي الأصيل هي المجتمع الذي يتألَّف من نظراء أو أنداد. لقد ظلَّت التربية الأخلاقية للجنس البشري، حتى الآن، تنبثق أساسًا من قانون القوة، وتقوم على أساس العلاقات التي تحققها القوة وحدها. ففي أوضاع المجتمع الأقل تقدمًا لا يكاد الناس يعرفون بأية علاقة مع أندادهم، فأنت عندما تصبح ندًّا فإن ذلك يعني أنك عدو؛ فالمجتمع من أعلى درجاته إلى أدناها عبارة عن سلسلة طويلة، أو هو بالأحرى سُلم، كلُّ فرد فيه إما أعلى من جيرانه الأقربين، أو أدنى منهم، وحيثما لا يأمر أحدًا فإن عليه أن يطيع غيره. ومن ثَم، فإن الأخلاقيات القائمة تتناسب أساسًا مع علاقة الأمر والطاعة. ذلك الأمر والطاعة ليسا سوى ضرورتَين من ضرورات الحياة البشرية، أما أساسها الطبيعي، فهو المساواة. ويتحوَّل الأمر والطاعة في الحياة الحديثة بالفعل، شيئًا فشيئًا، وبالتدريج مع التقدم، إلى حالاتٍ استثنائية في الحياة؛ بحيث تصبح القاعدة العامة هي التعامل على قدم المساواة. لقد قامت أخلاق العصور الأولى على أساس الالتزام بالخضوع للسلطة، أما أخلاق العصور التالية، فقد قامت على أساس حق الضعيف في حماية القوي وصبره، فإلى أي حدٍّ تقنع صورة من صور الحياة والمجتمع، وترضى بأخلاقيات صُنعت لعصور أخرى؟ لقد كانت هناك، في الماضي، أخلاق الخضوع، ثم جاءت بعدها أخلاق الفروسية والكرم، وقد آن الأوان أن تتحقق أخلاق العدالة. وحيثما حققت المجتمعات في العصور السالفة تقدمًا نحو المساواة، أكدت العدالة حقها كأساسٍ للفضيلة. لقد كان الأمر على هذا النحو في الجمهوريات الحرة في العالم القديم، غير أن الأنداد كانوا — حتى في أفضل هذه الجمهوريات — هم المواطنون الذكور فحسب. أما العبيد والنساء والمقيمون الذين ليس لديهم حق الانتخاب، فقد وقعوا تحت قانون القوة، ولقد محا تأثير الحضارة الرومانية والديانة المسيحية معًا هذه الفروق والتمييزات من الناحية النظرية (لأنها لم تُلغ إلا جزئيًّا فحسب من الناحية العملية)، وأعلن أن حقوق الموجود البشري بما هو كذلك تعلو على فروق الجنس والطبقة والمركز الاجتماعي، ثم ظهرت مرة أخرى الحواجز التي كانت قد بدأت تزول بسبب الغزو الشمالي، ويعتمد التاريخ الحديث بأسره على المسار البطيء الذي بدأ يعمل، منذ ذلك الوقت، على إزالة هذه الحواجز. ونحن الآن ندخل في أوضاعٍ جديدة، ستكون فيها العدالة مرة أخرى هي الفضيلة الأولى. كما أنها تتأسس، على نحو ما كانت الأمور في الماضي، على المساواة في التعامل، ويُضاف إليها الآن ارتباطات التعاطف أيضًا، ولم تعُد تضرب بجذورها في غريزة الأنداد لحماية النفس، بل في تعاطف وجداني مهذب بينهم. ولم يعُد هناك أحد يُستثنى، أو يُستبعد؛ فالعدالة تمتد لتشمل الجميع على قدم المساواة. وليس جديدًا أن الجنس البشري لا يرى — بوضوح — التغيرات التي تطرأ عليه، وأن مشاعر الناس تتناسب مع العصور الماضية لا العصور المقبلة. إنَّ رؤية مستقبل النوع البشري كانت دائمًا ميزة تتمتع بها النخبة المثقفة Élite، أو أولئك الذين يتعلمون منها. وأما اكتساب مشاعر المستقبل فقد كان امتيازًا لنخبة أقل، فضلًا عن أنه كان في العادة استشهادًا لهذه النخبة. إن النظم، والكتب، والتربية، والمجتمع، تستمر كلها في تدريب البشر على كل ما هو قديم، وتظل كذلك حتى بعد أن يظهر الجديد بفترة طويلة. غير أن الفضيلة الحقيقية للبشر هي أن يعيشوا معًا في سلام، ولا يطالبون لأنفسهم بشيء إلا ما يسمحون به للآخرين، ويعتبرون الأمر من أي نوعٍ ضرورة استثنائية، وهي في جميع الأحوال حالة مؤقتة. ويفضِّلون، كلما كان ذلك ممكنًا، صحبة أولئك الذين يمكن أن تكون القيادة والتبعية بالتبادل والتناوب فيما بينهم. وليس في الحياة — على نحو ما يحدث في الوقت الحاضر — ما يتيح اكتساب هذه الفضائل بالممارسة. فالأسرة هي مدرسة الاستبداد، تنمو فيها فضائل الاستبداد، إلى حدٍّ كبير، إلى جانب رذائله. أما المواطنة، فهي في البلدان الحرة، إلى حدٍّ ما، مدرسة المجتمع في المساواة، غير أن المواطنة لا تشغل سوى حيزٍ ضئيل في الحياة الحديثة، كما أنها لا تقترب من العادات اليومية أو المشاعر الباطنية العميقة. لكن الأسرة إذا ما تكوَّنت تكوينًا حقيقيًّا، فلا بد أن تكون المدرسة الحقيقية لفضيلة الحرية، وهي بالقطع مدرسة تكفي لكل شيء آخر. فستكون باستمرار مدرسة طاعة للأطفال، ومدرسة أمر للآباء. غير أن المطلوب أن تكون مدرسة تعاطف وجداني ومساواة، وعيش مشترك في حب، دون أن تكون هناك سلطة في جانبٍ، وطاعة في جانب آخر. وينبغي أن يكون الأمر على هذا النحو بين الوالدَين، وعندئذٍ تكون الأسرة ممارسة لتلك الفضائل التي يحتاج إليها كل إنسان ليكون صالحًا للعيش مع الآخرين، ونموذجًا يُحتذى أمام الأطفال في المشاعر وألوان السلوك التي يُراد منهم أن يعتادوا عليها بالتدريب المؤقت، ومن ثَم تتحوَّل، عن طريق هذا الاعتياد المستمر، إلى طاعة، وبالتالي إلى طبيعة. ولن يصبح التدريب الأخلاقي للبشر ملائمًا لظروف الحياة التي يُعَد كلُّ تقدُّم إنساني إعدادًا لها، حتى يمارسوا في الأسرة نفس القاعدة الأخلاقية التي تتلاءم مع التكوين الطبيعي للمجتمع البشري. إن أي شعور بالحرية يمكن أن يوجد لدى أي إنسان تكون ارتباطاته العزيزة جدًّا والحميمة جدًّا مع أولئك الذين له عليهم سيادة مطلَقة، غير أن ذلك ليس هو الحب الحقيقي، أو الحب المسيحي للحرية، وإنما هو ذلك اللون من حب الحرية الذي وُجد، بصفة عامة، في العصور القديمة وإبان العصور الوسطى، أعني الشعور العميق بكرامة الإنسان، وأهمية شخصيته هو، وهو شعور يجعله يأنف من أن يُوضَع نير على رقبته، وإن كان لا يزدريه أبدًا على نحو مجرد؛ فهو على استعدادٍ كاملٍ لفرضه على الآخرين لمصلحته أو لمجده الشخصي.

وأنا أسلِّم تسليمًا تامًّا (وذلك هو الأساس لكل آمالي) أن هناك أعدادًا من الناس المتزوجين يعيشون، حتى في ظل القوانين القائمة، بروح قوانين المساواة العادلة، ومن المحتمل أن تكون الغالبية العظمى من الطبقات العُليا في إنجلترا من هذا النوع، غير أن القوانين ما كان لها أن تتحسَّن قَط ما لم يكن هناك جمع غفير من الناس من ذوي المشاعر الأخلاقية أفضل من القوانين القائمة. وينبغي على هؤلاء الأشخاص أن يدعموا المبادئ التي أدعو إليها هنا بتأييدهم لها، وهي المبادئ التي تستهدف جعل كل من الأزواج يشبهان ما نتحدث عنه الآن من زيجات. غير أن الأشخاص، حتى من أصحاب القيمة الأخلاقية البارزة، ما لم يكونوا أيضًا من المفكرين، على استعدادٍ تام لأن يصدقوا أن القوانين أو العادات التي لم يتعرضوا هم شخصيًّا لشرورها، لا ضرر منها على الإطلاق (لا سيَّما إذا كان يبدو أنها تحظى بتأييدٍ عام)، بل ربما كانت مفيدة. ومن ثَم سيكون من الخطأ معارضتها. غير أنه سيكون من الخطأ الفادح بين أمثال هؤلاء المتزوجين أن يفترضوا أن جميع الأزواج الآخرين على شاكلتهم، ما دام لم يعرف عن الزوج أنه وغد أو وحش كاسر. وربما كان سبب هذا الافتراض هو أن الشروط القانونية للرابطة التي تربطهم لا تخطر لهم على بال، ولو مرة واحدة كل عام، وبسبب أنهم يعيشون ويشعرون أنهم متساوون قانونيًّا من كل وجه. والواقع أن مثل هذا الافتراض يدل على جهلٍ بالطبيعة البشرية، كما يدل على جهلٍ بالأمر الواقع على حدٍّ سواء. فكلما كان إنسانٌ ما أقلَّ صلاحية، امتنعت عليه حيازة السلطة، ومن المحتمل أن يقل السماح له بممارستها على أي إنسان آخر، حتى ولو برضا ذلك الشخص، وإذا ما حدث ذلك زاد تعلُّقه بالسلطة التي يخوِّلها له القانون، وأخذ يدفع بالحقوق الشرعية لهذه السلطة إلى أقصى حدٍّ يسمح به العُرف (عُرف الناس الذين على شاكلته)، وزاد إحساسه بالمتعة في استخدام هذه السلطة لإنعاش الإحساس اللطيف بحيازتها. بل أكثر من ذلك، فإننا نجد في أقل الطبقات الدنيا تعليمًا من الناحية الأخلاقية، وأكثرها قسوة، ووحشية، أن العبودية القانونية للنساء، ومجرد خضوعهن المادي كأدواتٍ، يدفع الرجال إلى الشعور بنوعٍ من الاحتقار، وعدم الاحترام لزوجاتهم، وإن كانوا لا يشعرون بهذا الشعور نفسه تجاه أية امرأة أخرى يتصلون بها، وهو شعور يجعلها جديرة بأية معاملة سيئة. ويمكن لأي شخصٍ دقيق الملاحظة في رصد علامات الشعور، تكون لديه الفرصة الكافية للملاحظة، ليحكم بنفسه هل الوضع كما ذكرت أم لا، فإذا ما وجد الأمر على هذا النحو، فعليه ألَّا يتعجب من مقدار النفور والكراهية التي يمكن أن توجد ضد الأنظمة التي أدَّت، على نحو طبيعي، إلى هذا الوضع المُهين للعقل البشري.

وربما قيل لنا إن الدين يفرض واجب الطاعة (على المرأة)، وككل واقعة قائمة بلغت من السوء حدًّا لا يسمح بالدفاع عنها، فإنه يقدِّمها على أنها حُكم من أحكام الدين. صحيح أن الكنيسة تُدرجها ضمن أقوالها الرسمية، ولكن من الصعب استخراج أي حُكم من هذا القبيل من المسيحية، فإذا قيل لنا إن القديس بولس قال: «أيتها الزوجات أطعن أزواجكن …».١٢ فسوف نرد على ذلك بأنه قال أيضًا: «أيها العبيد أطيعوا سادتكم …»١٣ فلم تكن مهمة القديس بولس، ولا هو مما يتفق مع غرضه — الذي هو نشر المسيحية — أن يحرض أحدًا على التمرد ضد القوانين القائمة، ومن هنا كان قبوله لجميع الأنظمة الاجتماعية التي وجدها، وإن كان ذلك لا يعني عدم الحض على تحسين هذه الأنظمة في الوقت المناسب، أكثر مما تعني عبارة «أن السلطة القائمة من الله»، وأنها تبرر نظام الحكم العسكري الاستبدادي، وأن هذا النظام هو وحده الصورة المسيحية للحكم السياسي، أو أن هذه العبارة تعني الأمر بالطاعة العمياء. والزعم بأن المسيحية تستهدف المحافظة على الأشكال القائمة للحكم والمجتمع، وحمايتها من أي تغيير، هو زعم يهبط بها إلى مستوى الإسلام أو البرهمية.١٤ فالمسيحية لم تستهدف ذلك، ومن هنا كانت الديانة التي يدين بها القسم التقدمي من البشر، في حين أن البرهمية١٥ والإسلام، وغيرهما ديانات الشعوب الجامدة، أو بالأحرى ديانات الشعوب المنحطة (حيث إنه لا توجد في الواقع مجتمعات جامدة أو ثابتة تمامًا). لقد كان هناك العديد من البشر — في جميع العصور التي مرَّت بها الديانة المسيحية — أرادوا تحويل المسيحية إلى شيء من هذا القبيل، وتحويلنا إلى نوعٍ من المسيحيين المسلمين، واضطر الكثيرون إلى التضحية بحياتهم، في مقاومتهم، ولكنهم لم ينجحوا في تحقيق هدفهم، بسبب هذه المقاومة، وقد جعلتنا هذه المقاومة على ما نحن عليه الآن، وسوف تجعلنا كذلك ما سنكون عليه في المستقبل.١٦

يكاد يكون مما لا داعي له — بعد كل ما قلناه من الالتزام بالطاعة — أن نقول شيئًا عن النقطة الخاصة التي ينطوي عليها الموضوع بصفة عامة، ألَا وهي: حق المرأة في ممتلكاتها الخاصة؛ إذ لا أمل لديَّ مطلقًا في أن يؤثر هذا البحث في أولئك الذين يحتاجون لأي شيء لإقناعهم بأن ميراث المرأة، أو ما تكسبه، يجب أن يكون مِلكًا خاصًّا لها بعد الزواج، كما كان مِلكًا خاصًّا لها قبل الزواج، والقاعدة بسيطة هي: كل ما كان مِلكًا للمرأة أو للرجل، إذا كانا غير متزوجَين، يجب أن يكون تحت سيطرة كلِّ واحدٍ منهما أثناء الزواج، وليس ثمة ما يمنع من التدخُّل لوقف بعض الممتلكات للمحافظة عليها لصالح الأطفال. ويُصاب بعض الناس بما يشبه الصدمة لفكرة انفصال المصالح في المسائل المالية، على اعتبار أنها لا تتفق مع الدمج المثالي للزوجَين في شخصية واحدة. أما أنا، فإني من جانبي من أشد المؤيدين للمشاركة في الأشياء، عندما تنبع هذه المشاركة من وحدة كاملة في المشاعر لدى أصحابها، وتجعل جميع الأشياء مشتركة بينهم، لكني لا أستسيغ المشاركة في الأشياء بناء على قاعدة: ما هو لك؛ فهو لي، لكن ما هو لي، فليس لك. وأفضِّل أن أرفض الدخول في مثل هذا الاتفاق مع أي شخص، حتى إذا كنتُ الطرف الذي سيكسب، أو يظفر بالفائدة من جراء هذا الاتفاق.

إنَّ هذا الظلم والاضطهاد للنساء بصفة خاصة الذي يراه رجل الشارع بصورة أوضح من بقية أنواع الظلم الأخرى، يمكن علاجه دون التدخل في أيٍّ من الأضرار الأخرى. ولا شك في أنه سيكون أول ما يُعالَج، ففي كثير من ولايات الاتحاد الكونفدرالي الأمريكي الجديدة والقديمة، دخلت بالفعل مواد في الدساتير المكتوبة تضمن للنساء المساواة في الحقوق من هذه الزاوية؛ وهي بذلك تحقِّق تحسنًا ملحوظًا، في العلاقة الزوجية، لكثيرٍ من أوضاع النساء اللاتي لديهن مال وممتلكات خاصة، بأن تُترك لهن أداةٌ واحدةٌ من أدوات القوة لم يتنازلن عنها. كما أنها تمنع كذلك الاستخدام البالغ السوء لنظام الزواج، على نحو ما يحدث عندما يُوقِع رجلٌ فتاةً في حبائله بهدفٍ واحدٍ هو الاستيلاء على مالها. أما عندما لا يعتمد معاش الأسرة على الممتلكات الخاصة، بل على ما يكسبه الزوج من عمله، فإنه يبدو لي أن التنظيم الشائع، الذي يجعل من مهمة الرجل الحصول على الدخل، ومن مهمة الزوجة الإشراف على شئون المنزل، هو أفضل تقسيمٍ للعمل بين الزوجَين.١٧

فإذا تولَّت الزوجة، إلى جانب المعاناة البدنية في حمل الأطفال، والمسئولية الكاملة في رعايتهم، والعناية بهم، وتربيتهم في سنواتهم الأولى، القيام بعملية تنظيم صرفِ وإنفاق ما يكسبه الزوج على الراحة العامة للأسرة، فإنها لا تكون قد أخذت نصيبها العادل فحسب — من المجهود الجسدي والذهني الذي تحتاجه الحياة المشتركة بينهما — بل تكون قد نالت، عادة، ما هو أكثر منه. وإذا ما أخذت على عاتقها القيام بشيء إضافي، فإنه نادرًا ما يعفيها من واجباتها المنزلية، بل يمنعها فقط من القيام بها على الوجه الصحيح. فالعناية بالأطفال ورعايتهم والاهتمام بالواجبات المنزلية، لن تجد مَنْ يقوم بها إذا حيل بين الزوجة وبين أدائها؛ فالأطفال الذين لا يموتون لا ينمون نموًّا سليمًا بقدر استطاعتهم، ويغلب أن تصير إدارة المنزل سيئة إلى حد أنها تكون خسارة مالية عندما تُقارَن بقيمة ما يمكن أن تكسبه الزوجة. ومن ثَم فلا أعتقد أنه من المرغوب فيه أن تُسهم المرأة بعملها في دخل الأسرة، عندما تكون الظروف الأخرى مواتية ومنصفة. أما إذا لم تكن الأوضاع عادلة، فإن إسهامها قد يكون مفيدًا لها، بأن يجعلها أكثر قيمة، في نظر الرجل، الذي يُعتبَر سيدها في نظر القانون. غير أن إسهام المرأة في دخل الأسرة قد يجعل في وسع الرجل، من ناحية أخرى، أن يستخدم سلطته أكثر بأن يترك الإنفاق على الأسرة لجهودها هي، في حين ينفق هو معظم وقته في الشراب والأكل. إن «القدرة» على الكسب أمرٌ جوهري لكرامة المرأة، إذا لم يكن لها ممتلكات خاصة مستقلة. ولكن إذا كان الزواج عَقدًا بين أندادٍ متساوين، ولا ينطوي على التزامٍ بالطاعة. وإذا لم يفرض استمرار العلاقة التي يلاقي فيها أحد الطرفين عنتًا، ولا يلحقه منها سوى الأذى والضرر، بل جعل إمكان الانفصال بشروطٍ عادلة (وأنا لا أتحدث الآن عن الطلاق) في قدرة أية امرأة تستحقه من الناحية الأخلاقية. وإذا وجدت المرأة جميع الأعمال المحترمة، والوظائف المشرِّفة متاحةً لها على قدم المساواة مع الرجل، فإنه لن يكون من الضروري أن تستخدم هذه «القدرة» على الكسب في أثناء الزواج، وعندئذٍ سيكون من المفهوم بصفة عامة أن المرأة عندما تتزوج — مثل الرجل عندما يختار مهنة — إنما تختار إدارة منزل، وتكوين أسرة باعتبارها المهمة الأولى التي تكرس لها جهودها إبان عددٍ من سنوات حياتها، حسب ما يتطلبه تحقيق هذا الغرض، وهي لا تتخلى عن جميع الموضوعات والوظائف الأخرى، بل تلك التي لا تتفق مع متطلبات هذه المهمة. ومن ثَم، فسوف يصبح القيام بأعمالٍ فعلية خارج المنزل بصورةٍ منتظمة ومعتادة، أو ممارسة أعمالٍ لا يمكن القيام بها داخل المنزل، سوف تصبح هذه الأعمال، طبقًا لهذا المبدأ، محرَّمة على العدد الأكبر من النساء المتزوجات. غير أنه ينبغي ألَّا يكون هناك شيء يمنع الملكات من أن تتكيَّف، بطريقة استثنائية، مع أي عمل آخر أو السير فيه، أو تأدية رسالتها، بغض النظر عن الزواج: على أن يتخذ من الإجراءات ما يسد أي نقص يصبح لازمًا ولا غنى عنه في الأداء الكامل للوظائف العادية المألوفة لربة الأسرة. وإذا ما تم توجيه الرأي العام توجيهًا سليمًا، فإنه يمكن ترك هذه الأمور، بأمانٍ كاملٍ، لينظمها تنظيمًا كاملًا دون أي تدخل من القانون.

١  انتشرت عادة خطف النساء بين قبائل الهنود، لا سيما في السهول، بل إنَّ التقاليد بين هذه القبائل كثيرًا ما كانت تحض على السطو على المرأة المتزوجة، وتقبل الزوجة المخطوفة ذلك انتقامًا لنفسها، لأنها غالبًا ما تُساق إلى زوجٍ لم تختره. ويلتزم خاطف الزوجة بأن يدفع تعويضًا إلى الزوج. وكثيرًا ما تتفق مجموعة من الشباب على خطف فتاة وممارسة الجنس معها، ثم تكون في النهاية من نصيب صاحب الفكرة، الذي قد يتخذها زوجةً له، وبالتالي تصبح محرَّمة على الآخرين. (المترجم)
٢  ولا يزال ذلك قائمًا في المجتمعات الشرقية حتى يومنا الراهن. (المترجم)
٣  راجع: د. إمام عبد الفتاح إمام «الفيلسوف المسيحي والمرأة»، العدد ٣ من سلسلة «الفيلسوف والمرأة»، مكتبة مدبولي، عام ١٩٩٦م.
٤  إشارة إلى رواية الروائية الأمريكية هاربت ستو H. Stowe (١٨١١–١٨٩٦م)، التي جعلت عنوانها «كوخ العم توم، أو الحياة بين المعذبين في الأرض». وهي تصور مأساة الزنوج في ولايات الجنوب الأمريكية، على نحوٍ أثار المشاعر الشعبية ضد الرق، حتى اعتُبرت الرواية من العوامل التي مهَّدت لنشوب الحرب الأهلية الأمريكية. ومن الطريف أن «ستو» كانت نحيلة الجسم، ضئيلة الحجم، حتى إن إبراهام لنكولن (١٨٠٩–١٨٦٥م) عندما رآها لأول مرة قال عبارته الشهيرة «أهذه هي المرأة الصغيرة، التي أوقدت نيران الحرب الكبيرة؟» مشيرًا إلى الحرب الأهلية الأمريكية لتحرير العبيد التي قادها بنفسه. (المترجم)
٥  كانت أوضاع النساء سيئةً للغاية في إنجلترا، إبان القرن التاسع عشر، حتى الفترة التي عاشها «مل»؛ حيث عمل هذا الفيلسوف، بشتَّى الوسائل، على تحريرها من هذا السجن على نحو ما ذكرنا في مقدمة الكتاب. (المترجم)
٦  سير توماس نون تالفورد Sir Thomas Noon Talford (١٧٩٥–١٨٥٤م)، قاضٍ إنجليزي وشاعر، أصبح نقيبًا للمحامين عام ١٨٣٣م، كتب مأساته بعنوان «إيون»، عام ١٨٣٨م. (المترجم)
٧  لويس السادس عشر Louis XVI (١٧٥٤–١٧٩٣م) حفيد الملك لويس الخامس عشر وخليفته. تزوج ماري أنطوانيت عام ١٧٧٠م. عانى الفرنسيون في عهده من الفقر والبؤس، كان ضعيفًا غير قادر على القيام بعملٍ حاسمٍ؛ فانتشر السخط، ونشبت الثورة الفرنسية في عهده عام ١٧٨٩م، وخلعته عن العرش عام ١٧٩٢م، وأعدمته بالمقصلة عام ١٧٩٣م. (المترجم)
٨  فيلب الرابع Philip IV (١٢٦٨–١٣١٤م) ملك فرنسا (١٢٨٥–١٣١٤م)، يُعتبَر أحد أعظم ملوك أسرة كابيه Capet الفرنسية. عزَّز السلطة المَلَكية على حساب سلطة رجال الإقطاع، نشب بينه وبين البابا صراع عنيف. اشتهر باسم فيلب le Bel الوسيم. (المترجم)
٩  نادر شاه Nadir Shah (١٦٨٨–١٧١٧م) ملك فارس (١٧٣٦–١٧٤٧م)، عمل في خدمة الصفويين، ثم اغتصب السلطة منهم عام ١٧٣٦م، وأسس إمبراطورية فارسية، امتدت من نهر السند إلى جبال القوقاز، استولى على دلهي عام ١٧٣٩م، ثم شنَّ حملات ناجحة على الروس والعثمانيين، اغتاله بعض جنده. (المترجم)
١٠  كاليجولا Caligula (١٢–١٤م) إمبراطور روماني، استهل عهده بانتهاج سياسة سمحة، لكنه سرعان ما أصيب باضطرابٍ عقلي؛ فاستحال إلى طاغية من طرازٍ وحشي. وقد رُوي أنه سأل الناس أن يعبدوه وكأنه إله، تآمر عليه بعض النبلاء والشيوخ واغتالوه. (المترجم)
١١  الإشارة إلى رحلات جليفر Gulliver’s Travels التي صدرت عام ١٧٢٦م، وهي رواية ساخرة للأديب الإنجليزي جوناثان سويفت J. Swift (١٦٦٧–١٧٤٥م)، تتحدث عن أربع رحلات خيالية قام بها بطل الرواية الطبيب الجراح «ليمويل جليفر». أما الرحلة الأولى، فكانت إلى أرض ليليبوت Lilliput، وهم قوم من الأقزام لا يزيد طول أحدهم عن خمسة عشر سنتيمترًا، وكانت الثانية إلى بلاد العمالقة، والثالثة إلى جزيرة لابوتا Laputa، أما الرحلة الرابعة والأخيرة، فقد كانت إلى بلدٍ بلغت فيه الخيل مرتبة عقلانية رفيعة، وفقد فيه البشر كلَّ قدرة لهم على التفكير. (المترجم)
١٢  العبارة التي ذكرها «مل» غير دقيقة، وهي بنصها ما يلي: «أيتها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب؛ لأن الرجل هو رأس المرأة، كما أن المسيح هو رأس الكنيسة» (الرسالة الأولى إلى أهل أفسس، الإصحاح الخامس: ٢٢–٢٤)، ولقد سبق أن عرضنا في هذه السلسلة رأي القديس بولس الذي يعبِّر فيه عن عادات وتقاليد مجتمعه أكثر مما يعبِّر عن رأي المسيح (قارن كتابنا «الفيلسوف المسيحي والمرأة»، ص٥٤ وما بعدها، مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٦م). (المترجم)
١٣  عبارة القديس بولس هي «أيها العبيد أطيعوا في كل شيء ساداتكم … والظالم سينال ما ظلم به، وليس ثمة محاباة» (رسالة القديس بولس إلى أهل كولوسي، الإصحاح الثالث: ٣٣–٣٥)، (وقارن كتابنا «الطاغية … دراسة فلسفية لصورٍ من الاستبداد السياسي»، ص١٦٢ وما بعدها، الطبعة الثالثة، مكتبة مدبولي، القاهرة، عام ١٩٩٧م). (المترجم)
١٤  من الواضح أن «مل» كان يجهل الإسلام جهلًا تامًّا — كمعظم المفكرين الأوروبيين في ذلك الوقت — فليس في الإسلام ما يدعو إلى الجمود، أو يمنع التقدم، بل على العكس، نحن نجد القرآن يسخر من التقليد الأعمى عند الناس، ومن الذين يقولون إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (الزخرف: ٢٣)، كما أن الإسلام دعوة إلى التدبر والتفكر وإعمال العقل، وليس الالتجاء إلى الخرافة، أو التمسك باللامعقول؛ فالعين مسئولة عن تفسير ظاهرة المطر تفسيرًا علميًّا سليمًا، والأذن مسئولة عن تفسير الأصوات … إلخ، كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (الإسراء: ٣٦)؛ فهو إذن خطوة على طريق التقدم بعد اليهودية والمسيحية. (المترجم)
١٥  البرهمية هي الديانة الهندوسية، التي يدين بها معظم الشعب الهندي. (المترجم)
١٦  الواقع أن هذه الفقرة تنطوي على الكثير من الإجحاف بالإسلام؛ حيث يرُد «مل» تخلُّف المسلمين إلى الدين الإسلامي، وهو أمر بالغ الخطأ؛ ففي تصوري أن هذا التخلف يعود، بالدرجة الأولى، إلى النظم السياسية التي حكمت المسلمين طوال التاريخ، كما أنه يرتد في العصور الوسطى إلى الدمج بين الدين والدولة، والحكم لصالح الطبقة الحاكمة باسم الدين.
وفي رأيي أن المجتمع الإسلامي، بصفة عامة، والمجتمع العربي، بصفة خاصة، لن ينهض إلا بأمرَين لا ثالث لهما: الأول فصل السياسة عن الدين، وتحديد مجال كلٍّ منهما بوضوح، والثاني تطبيق الديمقراطية تطبيقًا عمليًّا — إن لم نقل حرفيًّا — بحيث تتحوَّل إلى سلوكٍ، وأسلوب حياة بين الناس، أما رد التخلُّف إلى الدين، فهو قصور في التحليل. (المترجم)
١٧  الغريب أن يوافق «مل» على التقسيم التقليدي للعمل بين الزوج والزوجة؛ بحيث يكون الخارج هو واجب الزوج، والداخل هو مهمة الزوجة في الداخل والخارج معًا! (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦