الفصل الثالث

عمل المرأة

«إن تحريم العمل على النساء لا يقتصر ضرره عليهن فحسب، بل يلحق أيضًا بمن يستفيد من خدماتهن …»

(مل)

هناك موضوع آخر تحتمه المساواة العادلة بين الرجال والنساء، وهو السماح للمرأة بالعمل في جميع الوظائف والمهن، التي ظلَّت حتى الآن حكرًا على الرجال، ولا أتوقع أدنى صعوبة في إقناع أي شخص اتَّفق معي في موضوع مساواة النساء في الأسرة؛ إذ لا شك أن تحريم عمل المرأة يعود إلى رغبة الرجل في الإبقاء عليها رهينة الحياة المنزلية؛ لأنه لم يعتد بعدُ فكرة الحياة مع شخص كفء يكون ندًّا أو نظيرًا له. وما لم يكن الأمر كذلك، فسوف يوافق الرجل على أن من الحيف أن نستبعد نصف الجنس البشري من كثيرٍ من المهن، ومن الوظائف الاجتماعية العُليا التي يمكن أن يكون لهن فيها دور بارز؛ إذ يُفرَض عليهن منذ المولد أنهن غير صالحات، ولا يمكن أن يصبحن صالحات، لأعمالٍ متاحة، من الناحية القانونية، أمام أغبى وأحط فردٍ في جنس الذكور. أو أن يقال لهن إن هذه الأعمال ستظل محرَّمة عليهن، مهما يكُنَّ صالحات لها، وذلك بسبب الاحتفاظ بها لصالح الذكور وحدهم. ونادرًا ما كان الناس في القرنَين الماضيَين، عندما كان الأمر يقتضي البحث عن سببٍ آخر، غير مجرد الواقعة نفسها، لتبرير حرمان النساء من العمل (وهي حالة نادرة جدًّا)؛ فإن الناس نادرًا ما كانوا ينسبون ذلك الحرمان إلى ضعف قدرات النساء الذهنية، فلم يكن هناك مَن يصدق ذلك حقًّا، لا سيما في الأوقات التي كان يوجد فيها امتحان حقيقي لقدراتهن الشخصية في صراعات الحياة العامة (أو في المجالات التي لم تكن كل النساء مستبعدات منها). ولم يكن السبب أو المبرر الذي يساق في تلك الأيام هو عدم صلاحية النساء، بل «مصلحة المجتمع»، وهي عبارةٌ يُقصَد بها في الواقع «مصلحة الرجال»! مثلما كان المبرر يعني أيضًا «مقتضيات النظام»، أو دواعي الحكم، وتدعيم وجود السلطة القائمة. فقد كان ذلك تفسيرًا كافيًا لأبشع الجرائم وتبريرًا لها في الوقت ذاته. أما في يومنا الراهن، فإن «القوة» تستخدم لغةً ناعمةً ورقيقة أكثر من ذلك، فهي تدَّعي دائمًا لمن تضطهدهم أنها تفعل ذلك لخيرهم وصالحهم، وبالتالي فعندما يُحرَّم شيء ما على النساء فيبدو أنه من الضروري أن يقال (ومن المرغوب فيه تصديق ذلك) إنهن لا يقدرن على القيام به، وإنهن ينحرفن عن طريقهن الحقيقي — طريق النجاح والسعادة الحقيقة للمرأة — عندما يتطلَّعن إليه. ولكن لكي يكون هذا السبب مقبولًا (ولا أقول صحيحًا)، فلا بد أن يكون أولئك الذين يقولونه على استعدادٍ لتطبيقه على مدى أوسع كثيرًا مما يجرؤ أي شخص على القيام به في ظروف التجربة الراهنة. ولا يكفي مجرد القول بأن النساء — في المتوسط — أقل موهبةً من الرجال — في المتوسط أيضًا — فيما يتعلق ببعض القدرات الذهنية العُليا، أو أن عدد النساء اللائي يصلحن للأعمال والوظائف التي تتطلب أعلى قدرٍ من الموهبة الذهنية، أقل من عدد الرجال الذين يصلحون لأمثال هذه الوظائف. فمن الضروري القول بأنه لا توجد امرأة على الإطلاق تصلح لها، وأن معظم النساء المرموقات، أدنى، في قدراتهن الذهنية، من معظم الرجال المحدودي القدرة العقلية، الذين يقومون الآن بهذه الأعمال وتلك الوظائف؛ لأنه إذا كان أداء الوظيفة سوف تقرره المنافسة، أو أي أسلوبٍ آخر للاختيار يحقق المصلحة العامة، فليس ثمة ما يدعو للاعتقاد بأن أية وظيفة هامة يمكن أن تقع في أيدي نسائهن أدنى في مقدرتهن من متوسط الرجال، أو من متوسط منافسيهن من الرجال، وستكون النتيجة الوحيدة، في مثل هذه الحالة، أن يصبح عدد النساء في هذه الوظائف أقل من عدد الرجال. وهي نتيجة مؤكدة على أية حال، ولو بسبب تفضيل معظم النساء للمهنة الوحيدة التي لا ينافسهن فيها أحد (وهي أعمال المنزل). والآن فإن أكثر الناس كراهيةً للنساء لن يجرؤ على إنكار أنه عندما نضيف تجربة العهود الحديثة إلى تجربة العصور الماضية، فسوف نجد أن النساء، وليس مجرد عدد قليل منهن، بل كثيرات، أثبتن قدرتهن على القيام بكل شيء يقوم به الرجال، وربما بغير استثناء واحد، وهن يقمن به بنجاحٍ وبطريقة مشرِّفة. وأقصى ما يمكن قوله هو أن هناك أشياء كثيرة لم تنجح امرأة في القيام بها، مثلما قام بها بعض الرجال، ولم تصل فيها إلى المرتبة العُليا. وهناك أشياء قليلة جدًّا لا تعتمد إلا على القدرات الذهنية لم يصلن فيها إلى الدرجة التي تتلو المرتبة العُليا، ألَا يكفي ذلك، بل أكثر مما يكفي بكثير، لجعل عدم السماح لهن بالمنافسة مع الرجال في القيام بهذه الوظائف طغيانًا عليهن، وضررًا على المجتمع؟ أليس من البديهي أن نقول إن أمثال هذه الوظائف كثيرًا ما يشغلها رجالٌ أقل صلاحية لها من العديد من النساء؟ ولو أن هؤلاء الرجال دخلوا معهن في أية منافسة عادلة لَهُزموا؟ وهل يختلف الأمر إذا كان هناك عدد كبير من الرجال في أماكن أخرى، مشغولين تمامًا في أعمالٍ أخرى، ممن قد يكونون أصلح لهذه الأعمال من هؤلاء النساء؟ ألَا يحدث ذلك في جميع المنافسات؟ وهل هناك ذلك الفائض العظيم من الرجال المناسبين للقيام بالواجبات العُليا، بحيث يستطيع المجتمع أن ينبذ خدمات أي شخصٍ كفء آخر؟! وهل نحن على يقينٍ دائمًا من العثور على الرجل الذي نريده لأية مهمة، أو وظيفة شاغرة، لها أهمية اجتماعية؛ بحيث إننا لا نخسر شيئًا عندما تُحرَّم هذه الوظائف على نصف الجنس البشري، ونرفض مقدمًا استخدام مَلكاته وقدراته المتوفرة، بالغةً ما بلغت من الامتياز؟ وهكذا نجد أنه ليس من العدالة (حتى إذا كنا نستطيع الاستغناء عنهن) ولا من الإنصاف، ولا من الأخلاق أن ننكر حق النساء في المساواة مع باقي الموجودات البشرية في اختيار العمل الذي يقمن به (ما لم يكن فيه إضرار بالآخرين) تبعًا لما يفضِّلنه على مسئوليتهن. إن تحريم العمل على النساء لا يقتصر ضرره عليهن، بل يَلحق أيضًا بمن يستفيد من خدماتهن. فنحن عندما نُحرِّم على أشخاصٍ معينين مهنة الطب أو المحاماة أو عضوية البرلمان، فإن الضرر لا يقع على هؤلاء الأشخاص وحدهم، بل يلحق أيضًا بمن يتعاملون مع الأطباء والمحامين، أو ينتخبون أعضاء البرلمان، لأنهم سوف يُحرَمون من ثمار اشتداد المنافسة وتأثيرها في زيادة جهود المتنافسين، كما أنهم سوف يتقيَّدون بعددٍ أصغر من المتنافسين يختارون بينهم.

وربما يكفي أن أحصر نفسي — من حيث تفصيلات الحُجة — في الوظائف ذات الطابع العام، ما دمت أنني إذا نجحت فيما يتعلق بهذه الوظائف، فالأرجح أن يكون من السهل بعد ذلك الاقتناع بأنه ينبغي السماح للنساء بالاشتغال في جميع المهن التي يكون من المهم السماح لهن بالعمل فيها:

أولًا: حق الاقتراع أو التصويت Suffrage

دعنا نبدأ بوظيفةٍ معينةٍ، تختلف عن جميع الوظائف الأخرى، وينفصل حقهن فيها تمامًا عن أي موضوع يمكن أن يثار فيما يتعلق بقدراتهن، وأعني بذلك حق الاقتراع أو التصويت في الانتخابات البرلمانية والبلدية. إن حق المشاركة في اختيار مَنْ ستُوَكَّل إليهم مهمة عامة هو حق متميز تمامًا عن حق الدخول في منافسة في سبيل الحصول على وظيفة معينة أو الفوز بمهمة عامة؛ إذ لو لم يُسمَح بالتصويت في انتخاب أعضاء البرلمان إلا لأولئك الذين يصلحون كمرشحين، فإن الحكم في هذه الحالة سيكون حكمًا أوليجاركيًّا تمامًا (أي حكم قِلة حقيقي). إن معنى أن يكون للمرء صوت في اختيار مَن يحكمه هو وسيلة لحماية النفس من حق كل إنسان أن يتمتع بها، حتى ولو ظل إلى الأبد بعيدًا عن كرسي الحكم. ومن المفروض أن النساء صالحات لحق الاقتراع والتصويت من واقعة أن القانون يُعطي المرأة بالفعل حق اختيار الرجل الذي سيحكمها إلى نهاية الحياة. ومن واجب القانون الدستوري أن يحيط حق الانتخاب بجميع الضمانات والقيود التي يتطلَّبها الموقف، سواء بالنسبة للذكور أو الإناث في آنٍ معًا، وليس ثمة ما يدعو لإضافة شروطٍ خاصة في حالة النساء، فأيًّا ما كانت الشروط التي تُوضَع في حالة الرجال، بحيث يُسمَح لهم بمقتضاها بحق الانتخاب، فإنه لا يوجد أي مبرر لعدم السماح للنساء بنفس الحق، وبنفس الشروط. إن الغالبية العظمى من النساء في أية طبقة لا يُحتمل أن تختلف في الآراء السياسية عن الغالبية العظمى من الرجال من نفس الطبقة. وإذا صحَّ ذلك، فسوف تكون النساء في حاجة لحق الانتخاب كضمانٍ لهن يضمن وجود معاملة عادلة ومتساوية. وينبغي أن يكون ذلك واضحًا بما فيه الكفاية، حتى بالنسبة لأولئك الذين لا يتفقون مع أي مذهبٍ آخر أدعو إليه. فحتى إذا ما كانت كل امرأة زوجة، وإذا ما كانت كل زوجة ينبغي أن تكون جارية، فإن هؤلاء الجواري أحوج ما يكُنَّ إلى الحماية القانونية، ونحن نعلم نوع الحماية القانونية التي يحظى بها الرقيق عندما يكون ساداتهم هم المشرِّعون لهذه القوانين.

ثانيًا: الوظائف العامة

أما فيما يتعلق بمدى صلاحية النساء، لا فقط للاشتراك في الانتخابات، بل أيضًا لتولي الوظائف العامة، وممارسة المهن التي تنطوي على مسئوليات كبرى، فقد سبق أن أشرنا إلى أن هذه النقطة ليست أساسية فيما يتصل بالمشكلة العملية التي نناقشها، ما دام أن نجاح أية امرأة في وظيفة متاحة تشغلها، يثبت، عن طريق هذه الواقعة ذاتها، أن المرأة تصلح لشغل هذه الوظيفة، وهي مؤهلة للقيام بها. وإذا كانت الأوضاع السياسية في الدولة تستبعد الرجال غير المناسبين للوظائف العامة، فإنها ينبغي أيضًا، بطريقة مساوية، أن تستبعد النساء غير الصالحات لمثل هذه الوظائف، فإن لم يكن الأمر كذلك، فليس هناك ضرر إضافي في أن يكون الأشخاص غير الصالحين الذين يُسمح لهم بشغل هذه الوظائف رجالًا أو نساء. ومن ثَم فإذا اعترفنا أن هناك ولو عددًا صغيرًا من النساء يصلح لهذه الوظائف، فليس ثمة ما يبرر وجود قوانين تغلق الباب أمام هذه الاستثناءات، ولا إلى تقديم أي رأي يتعلق بقدرات النساء عمومًا. ولكن على الرغم من أن هذا الاعتبار الأخير ليس جوهريًّا، فإنه لا يعتبر مطلقًا بعيد الصلة بالموضوع. فوجهة النظر غير المبتسرة تضفي على الحُجج، التي ترفض حرمان النساء، قوة إضافية وتدعمها باعتباراتٍ عملية هامة.

ثالثًا: الفروق العقلية

لا شك أن هناك فروقًا عقلية بين الرجال والنساء، لكنها ليست سوى الأثر الطبيعي للاختلافات في التربية والظروف، ولا تدل على أي اختلاف جذري خلقته الطبيعة. وبالتالي فليس ثمة أي انحطاطٍ في قدرات المرأة عن الرجل. والآن دعنا نفكر في النساء، كما هن فعلًا، أو كما عُرف عنهن، والقدرات التي أظهرنها عمليًّا بالفعل. فما فعلنه يثبت، على الأقل، أنهن يستطعن فعله إنْ لم يثبت أي شيء آخر. وعندما نضع في اعتبارنا إلى أي حدٍّ تم تدريبهن على الابتعاد عن المهن والوظائف التي احتفظ بها الرجال، بدلًا من تدريبهن عليها، فإنه يكون من الواضح أنني متواضع جدًّا في الدفاع عن مصلحتهن عندما أجعل حُججهن هي ما حققنه فعلًا، لأن الدليل السلبي في هذه الحالة قليل القيمة، في حين أن دليلًا إيجابيًّا، يكون حاسمًا. فلا يمكن القول بأن من المستحيل أن تصبح المرأة هوميروس آخر،١ أو أرسطو آخر،٢ أو ميخائيل أنجلو،٣ أو بتهوفن٤ — استنتاجًا من أنه ما من امرأة أنتجت بالفعل أعمالًا تُقارَن بأعمالهم في أيٍّ من ميادين تفوقهم؛ فهذه الواقعة السلبية تترك الموضوع محلَّ ريب، على أكثر تقدير، وتفتح الباب للمناقشات السيكولوجية — ولكن من المؤكد تمامًا أن المرأة تستطيع أن تكون الملكة إليزابيث،٥ أو دَبورة،٦ أو جان دارك.٧ وليس ذلك استنتاجًا بل حقائق تاريخية.
إنه لمن أعجب العجب أن تكون الأشياء الوحيدة التي تحرِّمها القوانين القائمة على النساء هي الأشياء التي أثبتن أنهن يستطعن القيام بها بمهارة. فليس ثمة قانون يمنع النساء من كتابة جميع مسرحيات شكسبير، أو تأليف جميع أوبرات موتسارت.٨ ولكن لولا أن الملكة فيكتوريا،٩ أو الملكة إليزابيث ورثت عرش إنجلترا، لما أمكن أن يعهد إليهما أحدٌ بأصغر الواجبات السياسية، التي أثبتت أولاهما أنها كفء لأعظم الواجبات.
إن الأمر الحاسم الذي يمكن أن نستنتجه من التجربة بغير تحليل سيكولوجي هو أن الأمور التي لا يُسمح للنساء بالقيام بها هي نفسها التي أثبتن فيها كفاءة نادرة؛ حيث إن قدرتهن في الحكم ثبتت، وصارت معروفة عن طريق الفرص القليلة التي أتيحت لهن، في حين أنهن لم يثبتن هذا التفوق الواضح في مجالات العلم التي تُركت متاحة لهن.١٠ والغريب أن الأمور التي لا يُسمح للنساء بالقيام بها، هي نفسها الأمور التي أثبتن جدارة في الحكم، وقدرة على تيسير أمور الدولة، رغم أن نسبة الملِكات في التاريخ أضأل كثيرًا من نسبة الملوك، بل تفوقن في حالاتٍ كثيرة في خصائص تُعَد عكس الشخصية المألوفة للمرأة: فقد تميزت فيها بالحزم، والحيوية، والذكاء. وفضلًا عن الملِكات هناك «الوصيات على العرش»، فقد كن حاكمات مرموقات للجنس البشري، فإذا أضفنا مَن كُنَّ نائبات عن الملك في الأقاليم تضخَّم العدد، وازداد زيادة كبيرة، وهذه الحقيقة لا سبيل إلى إنكارها.١١ إلى حد أن هناك مَن حاول الرد عليها في الماضي، فحوَّل الحقيقة المعترَف بها إلى إهانة إضافية، بأن قال إن الملِكات أفضل من الملوك، لأنه في ظل الملوك يكون الحكم في أيدي النساء، وفي ظل الملِكات يكون الحكم في يد الرجال.
وقد يبدو مضيعة للوقت والجهد أن يحاول المرء تفنيد تلك الدعابة السمجة، غير أن أمثال هذه الأمور تؤثر في عقول الناس، وقد سمعت أشخاصًا يرددون هذه العبارة «إن المرأة تحكم في ظل الملك» بطريقة توحي بأنهم يعتقدون أنها تنطوي على شيء مُعيَّن. وعلى أية حال فهي تصلح، كأي شيء آخر، نقطة بداية تنطلق منها المناقشة، ومن ثَمَّ فلا بد لي من القول بأنه ليس صحيحًا أنَّ النساء هن اللائي يحكمن في ظل الملوك؛ فهذه حالات استثنائية تمامًا. فضلًا عن أن الملوك الضعفاء أساءوا الحكم بسبب نفوذ المقرَّبين من الرجال، بقدر ما أساءوا الحكم بسبب نفوذ النساء المحيطات، فعندما يخضع ملكٌ ما لنفوذ امرأة بسبب تأثيرها العاطفي عليه، فإن الحكم، في هذه الحالة، لا يحتمل أن يكون صالحًا، وإن كانت هناك استثناءات حتى في هذه الحالة. ويسجل التاريخ الفرنسي أن ملكَين تركا إدارة دفة الأمور، طواعيةً، سنواتٍ طويلة لامرأتَين؛ الأول هو شارل الثامن، الذي كان لا يزال صبيًّا،١٢ لكنه اتَّبع في ذلك توجيهات والده لويس الحادي عشر. أما الثاني فهو القديس لويس،١٣ الذي كان أفضل الحكماء، وأكثرهم حيوية، منذ عهد شرلمان.١٤ وقد حكمت كلتا الأميرتين (شقيقة الأول، وأم الثاني) بطريقة لا يكاد يضاهيها أمير آخر من معاصريها. وكان الإمبراطور شارل الخامس،١٥ أفضل أمراء عصره من الناحية السياسية، لديه عدد كبير من الرجال القادرين الأكفاء في خدمته لم يكن لأي حاكم آخر، وكان أبعد الملوك جميعًا عن التضحية بالمصلحة من أجل مشاعره الخاصة، وقد قام بتنصيب أميرتَين من أميرات عائلته على التوالي حاكمتين على الأراضي المنخفضة.١٦ وقد احتفظ بإحداهما أو بالأخرى باستمرارٍ في هذا المنصب طوال حياته (وقد خلفتهما ثالثة بعد ذلك)، وقد حكمت كلتاهما بنجاحٍ تام، وكانت إحداهما، وهي مارجريت النمساوية، من أقدر الشخصيات السياسية في عصرها. ويكفي ذلك فيما يتعلق بأحد جوانب المشكلة، وعلينا الآن أن نتحدث عن الجانب الآخر منها. فعندما يقال إن الرجال هم الذين يحكمون في ظل الملكات، فهل يُفهم من ذلك المعنى نفسه الذي يُفهم عندما يقال إن الرجال تحكمهم النساء؟ هل يعني ذلك أن الملِكات يخترن أدوات الحكم ووسائله من بين مَنْ يشاركهن في المتعة الشخصية؟! تلك في الواقع حالة نادرة حتى مع الملكات اللائي لا يتورعن عن القيام بأي شيء في سبيل المتع الشخصية، من أمثال كاترين الثانية.١٧ كما أن الحكم في هذه الحالات لا يكون صالحًا بتأثير الرجال كما يزعمون. ولو صحَّ، وكانت الإدارة في أن يكون ذلك راجعًا إلى أن الملكات أقدر على اختيار هؤلاء الرجال من الملوك. ومن ثَمَّ فلا بد أن تكون النساء، بناء على ذلك أقدر من الرجال كملِكات ورئيسات للوزارة، لأن العمل الأساسي لرئيس الوزراء ليس أن يحكم بشخصه، بل أن يختار أكفأ الأشخاص لإدارة كل قسم من أقسام الشئون العامة. إنَّ البصيرة النافذة في شخصية المرء، وهي ميزة يتفوق فيها النساء على الرجال، لا بد أن تجعلهن أقدر من الرجل، إذا ما تساوت، أو تقاربت المؤهلات الأخرى في اختيار الوسائل أو الأدوات، وهو ما يكاد يكون أهم عمل لأي شخص له صِلة بحكم البشر. فحتى «كاترين دي مديتشي»، التي كانت بغير مبادئ شعرت بقيمة مستشار الدولة. غير أنه من الصواب أيضًا أن نقول إن معظم الملكات العظيمات كن عظيمات بسبب مواهبهن الخاصة في الحكم، ولهذا السبب وحده عثرن على من يخدمهن أحسن خدمة. فقد احتفظن بأعلى توجيه لشئون الدولة في أيديهن؛ وإذا كن قد أصخن السمع للمستشارين الجيدين، فإن ذلك يُعَد، في ذاته، أقوى دليلٍ على أن تفكيرهن يؤهلهن لمعالجة أمور الحكم الكبرى.١٨

فهل من المعقول أن نظن أن أولئك الذين يصِلون إلى أعلى المناصب السياسية في الدولة، لا قدرة لهم على تأهيل أنفسهم للمناصب الأدنى؟! وهل هناك أي مبرر، من طبيعة الأشياء، يجعل زوجات الأمراء نظراء وأكفاء للأمراء أنفسهم في القيام بعملهم إذا استدعى الأمر، أما زوجات وشقيقات رجال السياسة، أو المديرين، ورؤساء الشركات ومديري المؤسسات العامة، فيجعلهن غير قادرات على القيام بعمل إخوانهن وأزواجهن؟! السبب الحقيقي واضح بما فيه الكفاية، وهو أن الأميرات، لما كن في مرتبة تعلو على عمومية الرجال بسبب مراكزهن، ولسن في مرتبة أقل منهم بسبب جنسهن؛ لذلك لم يقُل لهن أحد قَط إن الاهتمام بالشئون السياسية ليس من الأمور التي تليق بهن. بل سُمِحَ لهن أن يشعرن بالاهتمام الطبيعي لدى أي إنسان مثقف بالمسائل الكبرى التي تدور حوله، والتي قد يُطلب إليه القيام بدورٍ فيها، فسيدات الأسر الحاكمة هن النساء الوحيدات اللائي يُسمَح لهن بنفس مجال الاهتمام، وبحرية النمو، شأنهم شأن الرجال، على حدٍّ سواء، وفي مثل هذه الحالات لا نجد فيهن أيَّ ضعف أو دونية عن الرجال؛ فكلما وُضعَت قدرات النساء في الحكم موضع الاختبار أثبتن جدارةً وكفاءةً.

وتتفق هذه الحقيقة مع أفضل النتائج العامة التي تشير إليها، فيما يبدو، تجربة العالم الناقصة حتى الآن، فيما يتعلق بالميول الخاصة والقدرات التي تميز النساء، على نحو ما ظهرت حتى الآن. ولن أقول إنهن سيواصلن إظهار هذه القدرات والميول في المستقبل؛ فقد سبق أن ذكرتُ أكثر من مرة أنه لمن باب الادِّعاء والزعم أن يحكم أي شخص على النساء الآن، أو على نحو ما سوف يكُنَّ في المستقبل على أساس تكوينهن الطبيعي. فقد بقين حتى الآن، فيما يتعلق بالنمو التلقائي، في وضعٍ طبيعي، حتى إننا نستطيع أن نقول إن طبيعتهن لا بد أن تكون قد شُوِّهَت وأُخْفِيَت إلى حدٍّ كبير. وليس هناك مَنْ يستطيع أن يقول، باطمئنان، إنه إذا ما تُركت طبيعة النساء تسير في مجراها بحرية، مثلها مثل الرجال سواءً بسواء، وبلا قيود تكبِّلها سوى ما تتطلَّبه أوضاع المجتمع البشري، التي تُفرَض على الجنسين في آنٍ واحد، فلن يكون هناك فرق ملموس، أو ربما لن يكون هناك أي فَرقٍ على الإطلاق، سواء في الشخصية أو في القدرات التي ستكشف عن نفسها، وسوف أبيِّن الآن توًّا أن من المحتمل جدًّا أن تكون أقل الاختلافات أو الفروق التي يثار حولها الجدل، قد جاءت نتيجة للظروف وحدها دون أي اختلاف في القدرة الطبيعية. غير أننا إذا ما نظرنا إلى النساء، كما عرفناهن عن طريق التجربة، فإننا نستطيع أن نقول بصدقٍ أكثر من أي تعميم آخر سمعناه في هذا الموضوع، إن الاتجاه العام لمواهبهن ينحو نحو الشئون العملية. ويتفق هذا الرأي مع التاريخ العام للنساء بأسره، في الحاضر والماضي، فضلًا عن أن التجربة اليومية تثبته أيضًا. ودَعنا نفكر في طبيعة القدرات العقلية التي تتسم بها المرأة الموهوبة، عندئذٍ سوف نجد أن هذه القدرات كلها من النوع الذي يجعلها مناسبة للشئون العملية، ويدفعها إلى أن تنحو نحو هذا الاتجاه، فماذا نعني بقدرة المرأة على الإدراك الحدسي؟ إننا نعني بها بصيرة سريعة وسليمة تنفذ إلى قلب الواقع الحاضر. دون أن يكون لها علاقة بالمبادئ العامة؛ إذ إن أحدًا لم يُدرك قَط قانونًا علميًّا من قوانين الطبيعة عن طريق الحدس، أو وصل إلى قاعدة عامة من قواعد الواجب عن هذا الطريق. إن هذه الأمور تأتي نتيجة للتجميع البطيء للتجارب بحرصٍ وعناية، والمقارنة بينها. وعادة لا نجد تفوُّقًا في هذا القسم لا عند الرجال، ولا عند النساء، ما لم تكن التجربة الضرورية من ذلك النوع الذي يستطيعون تحصيله بأنفسهم، لأن ما يُطلَق عليه اسم الحكمة الحدسية تعني أن المرء يكون قادرًا على تجميع الحقائق العامة من تجاربه الشخصية. ومن ثَمَّ، فإذا أتيح للنساء بالمصادفة فرصة الحصول، مثل الرجال، على نتائج تجارب الآخرين بالقراءة والتعليم (وأنا أستخدم كلمة المصادفة، عن عمد، لأعني بها أنه ليس ثمة فرصة أمامهن؛ إذ فيما يتعلق بالمعرفة التي تعمل على تأهيلهن للأمور الكبرى في الحياة لا توجد نساء متعلمات سوى اللائي علَّمن أنفسهن)، لصرن أفضل وضعًا من الرجال بصفة عامة فيما يتعلق بالمؤهلات الضرورية للعمل الناجح وبمهارة. إن الرجال الذين تعلموا تعليمًا جيِّدًا كثيرًا ما ينقصهم الحس بالواقعة الحاضرة؛ فلا يرَون في الوقائع التي يُطلَب إليهم تناولها ما هو موجود حقًّا، بل ما تعلموا أن يتوقعوه. غير أن هذه حالة نادرة بين النساء القادرات؛ إذ إن ملكة «الحدس» عندهن تحميهن منها. وعندما تتساوى التجارب والقدرات العامة بين الرجل والمرأة، فإننا نجد أن المرأة، عادة، ترى ما هو أمامها مباشرة أفضل كثيرًا من الرجل. وهذه الحساسية نحو الحاضر هي الصفة الرئيسية التي تعتمد عليها القدرة على العمل، باعتبارها متميزة عن القدرة النظرية. إن اكتشاف المبادئ العامة هو أمر يتعلق بمَلَكة الجانب النظري. أما التمييز بين الحالات التي تنطبق فيها هذه المبادئ العامة، أو لا تنطبق، فهو الموهبة العملية. وينفرد النساء على نحو ما نراهن الآن بهذه الموهبة، وإن كنت أعترف أنه لا يمكن أن تكون هناك ممارسة عملية جيدة بغير هذه المبادئ العامة، وأن المركز الممتاز الذي تحتله سرعة الملاحظة بين قدرات المرأة قد يجعلها، بصفة خاصة، تقوم ببناء تعميمات متعجلة تعتمد على ملاحظاتها الشخصية. وإن كانت تجعلها، في الوقت ذاته، وبالقدر نفسه، على استعدادٍ لتصحيح هذه التعميمات كلما اتسع نطاق ملاحظاتها. غير أن ما يصحح هذا النقص هو وصولها إلى تجربة الجنس البشري، أعني هو المعرفة العامة، وهي على وجه التحديد أخطاء الرجل الذكي الذي علَّم نفسه، والذي كثيرًا ما يرى ما لا يراه غيره، ممن غرقوا في غياهب الروتين، غير أنه يقع في أخطاء بسبب عدم إلمامه بأشياء معروفة منذ أمد طويل، صحيح أنه اكتسب قدرًا كبيرًا من المعرفة الموجودة من قبل، وإلا لمَا استطاع أن يخطو خطوةً واحدةً على الإطلاق، لكن ما يعرفه عنها إنما التقطه من شذرات متناثرات، وبطريقة عشوائية، مثله في ذلك مثل النساء.

غير أن هذه الجاذبية بين عقول النساء وبين الحاضر، والواقع الفعلي، والحقيقي، قد تكون، في حد ذاتها، مصدر أخطاء، لكنها كذلك ذات نفعٍ عظيمٍ في تصحيح الخطأ المضاد. إنَّ الانحراف الرئيسي الذي تتسم به العقول النظرية، بما هي كذلك، يكمن أساسًا في النقص في الإدراك الحسي، والإحساس الدائم بالواقعة الموضوعية. وهم بسبب هذا النقص لا يغضُّون الطرف فحسب عن التناقض بين الوقائع الخارجية ونظرياتهم، بل تعمى أبصارهم عن الغرض المشروع للفكر النظري تمامًا. ويتركون قدراتهم النظرية تضل بعيدًا في مناطق لا تسكنها موجوداتٌ حقيقية، سواء أكانت موجودات حية أو جمادًا، بل مجرد ظلال وأشباح مشخصة، خلقتها أوهام الميتافيزيقا، أو هي مجرد خليط من الكلمات، ثم يعتقدون أن هذه الأشباح هي الموضوعات المناسبة للفلسفة في أعلى وأسمى صورها. ومن الصعب أن تجد ما هو أثمن، في قيمته، عند رجل الفكر النظري، من التأملات. وهو لا يشغل نفسه في تجميع المعلومات عن طريق الملاحظة، بل تراه يقوم بتكوين هذه المعلومات بسلسلة من الأفكار ينظمها في حقائق شاملة للعلم وقوانين السلوك. وليس هناك ما هو أثمن عنده من أن يقوم بهذه التأملات في صحبة امرأة حقيقية، وتحت مراجعتها. فليس ثمة ما يمكن مقارنته بهذه العملية في المحافظة على أفكاره داخل نطاق الأشياء الحقيقية ووقائع الطبيعة الفعلية. أما المرأة، فهي نادرًا ما تجري وراء التجريدات، لأن الاتجاه المعتاد لذهنها هو أن تتعامل مع هذه الأشياء فُرادى، وليس في مجموعات. واهتمامها الأكبر هو المشاعر الحالية للأشخاص (وهو ما ترتبط به ارتباطًا وثيقًا)؛ مما يجعلها تفكر قبل كل شيء، عندما تدَّعي تطبيق أي شيء تطبيقًا عمليًّا، في الطريقة التي يؤثر بها هذا التطبيق في الناس. وهذان الأمران يجعلانها نادرًا ما تثق في أي فكرٍ نظري يتغافل الأفراد، ويتعامل مع الأشياء كما لو كانت موجودة لصالح كائنٍ ما متخيَّل، أو مخلوق ابتكره الذهن فحسب، ولا ينحل في مشاعر الكائنات الحية. وهكذا نجد أن أفكار النساء تفيد في إضفاء طابع الواقعية على تفكير الرجال. كما أن أفكار الرجال تفيد في إضفاء طابع الاتساع والشمول على تفكير النساء. أما فيما يتعلق بالعمق، كشيءٍ متميز عن الاتساع، فإني أشك، حتى في الوقت الحاضر، في أن النساء ينقصهن شيء، إذا ما قورِنَّ بالرجال فيه.

وإذا ما كانت الخصائص العقلية الموجودة الآن عند النساء ذات قيمة، على هذا النحو، حتى في المساعدة على التفكير النظري، فإنها تصبح أهم من ذلك كثيرًا إذا ما كان الفكر النظري قد قام بدوره، ولم يبقَ سوى تطبيقه تطبيقًا عمليًّا لاستخراج نتائجه. ومن المحتمل ألَّا تقع النساء — للأسباب التي سبق ذكرها — في الأخطاء المألوفة عند الرجال، لتمسكهم بالقواعد في الحالات الخاصة التي تخرج من الفئة التي تُطبَّق عليها هذه القواعد، أو يحتاج فيها الأمر إلى تكيُّف خاص. دعنا الآن نتدبَّر مجالًا يُعترف فيه بتفوق المرأة الذكية، ألَا وهو سرعة الفهم والإدراك، أليست هذه الصفة من الصفات المرموقة التي تؤهل صاحبها للشئون العملية؟! وكل شيء يعتمد باستمرارٍ، في حالة الفعل، على اتخاذ القرار بسرعة وحسم. ولكن لا شيء من هذا القبيل مطلوب في حالة الفكر النظري؛ ففي استطاعة المفكر المحض أن ينتظر ويطيل التدبُّر والتفكير، ويستطيع أن يجمع أدلة إضافية، فهو ليس مضطرًّا إلى إكمال فلسفته في الحال، حتى لا تفوته فرصة ما. كما أن القدرة على استخلاص أفضل النتائج الممكنة، من معطيات غير كافية، ليست في الواقع عديمة الفائدة في الفلسفة. وكثيرًا ما يكون فَرْض فروض مؤقتة، تتسق مع جميع الوقائع التي نعرفها، هو الأساس المطلوب للاستمرار في البحث. غير أن هذه القدرة صفة مفيدة في الفلسفة، أكثر مما هي الصفة الرئيسية فيها. وفي استطاعة الفيلسوف أن يسمح لنفسه بأي وقت يشاء، بالنسبة للعملية الرئيسية والفرعية، على حدٍّ سواء، فهو ليس في حاجة إلى أن ينجز بسرعة ما يقوم به، بل إن ما يحتاجه بالأحرى هو الصبر والتأني، وأن يعمل ببطء إلى أن يتضح الغامض، وتصبح الأضواء الناقصة كاملة، وينضج التخمين، ويتحوَّل إلى نظرية. أما أولئك الذين يعملون فيما يمر سريعًا، ويزول سريعًا، أعني مع الوقائع الفردية، وليس في أنواع الوقائع؛ فإنهم، على العكس من ذلك، يحتاجون إلى سرعة التفكير أكثر من أي شخص آخر، ويلي ذلك القدرة على التفكير نفسها. فالشخص الذي لا يستطيع أن يتحكم تحكمًا مباشرًا في مَلَكاته، وفي أحداث الفعل، قد لا تكون له مَلَكات على الإطلاق؛ فقد يكون صالحًا للنقد، ولكنه لا يصلح للعمل. والآن فإن هذا هو المجال الذي تتفوق فيه النساء، والمتشبِّهون من الرجال بالنساء، وهو تفوق مُعترَف به. أما النوع الآخر من الرجال، مهما كان لديه من مَلَكات مرموقة، فإنه يصل ببطء إلى السيطرة الكاملة على هذه المشكلات؛ فالسرعة في الحكم، والمبادرة في العمل السليم، حتى في الأشياء التي يعرفها أفضل من غيرها، لا تظهران إلا على نحوٍ تدريجي، كنتيجة متأخرة لمجهودٍ شاق تحوَّل في النهاية إلى عادة.

وربما قيل إنَّ اتجاه النساء إلى التوتر العصبي، بدرجة أكبر، قد يجعلهن غير صالحات للشئون العملية في أي أمرٍ سوى أمور الحياة المنزلية؛ إذ يجعلهن متغيرات منقلبات، يقعن بعنفٍ تحت تأثير اللحظة الحاضرة، غير قادرات على الصمود والمثابرة، مرتاباتٍ في قدرتهن على استخدام مَلَكاتهن الخاصة. وفي اعتقادي أن العبارات السابقة تلخص الجزء الأكبر من الاعتراضات الشائعة التي تُساق ضد صلاحية النساء للقيام بفئة عُليا من الأعمال الجادة أو الخطيرة. غير أن معظم هذه الاعتراضات ليس سوى طوفانٍ من الطاقة العصبية التي تضيع سُدًى، وهي تتوقف عندما تُوجَّه هذه الطاقة نحو هدف معيَّن ومحدَّد. ولقد جاء الكثير منها أيضًا نتيجة — واعية أو غير واعية — لاكتساب الثقافة. على نحو ما يتضح لنا من الاختفاء الكامل، تقريبًا، لنوبات «الهيستريا»، والدُّوار منذ أن ابتعدت عن «الموضة» السائدة. وفضلًا عن ذلك، فإنه عندما ينشأ الناس، مثل نساء الطبقات الراقية (وإن كان ذلك أقل في إنجلترا عنه في أي بلدٍ آخر) على ضربٍ من النباتات التي تنمو في بيوتٍ زجاجيةٍ لحمايتها من التعرض لتقلبات الجو والحرارة، وبغير تدريبٍ على أية مهنة أو عمل يبعث الحيوية في الدورة الدموية والجهاز العضلي، ويدفعهما إلى النمو، في الوقت الذي يظل فيه الجهاز العصبي، وبخاصة في جانبه العاطفي، في حركة نشِطة بطريقة غير طبيعية، فليس من الغريب أن ينشئُوا، إذا لم يموتوا من الهزال، معرَّضين للخلل أو الجنون لأقل الأسباب، داخليًّا وخارجيًّا على السواء، وبلا صلابة للقيام بأي عملٍ، عقلي أو بدني، يتطلَّب مثابرة في المجهود. غير أن النساء اللائي نشأن على العمل لكسب العيش لا تظهر فيهن هذه الخصائص السيئة، اللهم إلا إذا كن، بالطبع، يعملن أكثر مما ينبغي في أعمال تتطلب الجلوس وعدم الحركة لفترة طويلة، وفي غُرف غير صحية. أما النساء اللائي شاركن، منذ الصغر، أشقاءهن في التربية البدنية الصحية، وفي الحرية البدنية، واللائي حصلن على قدرٍ كافٍ من الهواء النقي، ومن التمرينات الرياضية حتى أخريات العمر، فنادرًا ما يتعرضن للإصابة بالنوبات العصبية، التي تجعلهن غير صالحات للشئون العملية. صحيح أن هناك نسبة معينة من الناس، من كلا الجنسَين، ينطوي تكوينهم على درجة غير عادية من الحساسية العصبية، ويكون ذا طابعٍ واضحٍ إلى حد أنه يترك أكبر الأثر في ظواهر حياتهم. وهذا التكوين وراثي، مثل غيره من التكوينات الجسدية، وينتقل إلى الأبناء والبنات على حدٍّ سواء. لكن من الممكن، بل من المرجح، أن المزاج العصبي (كما يُسمَّى) يرثه عددٌ من النساء أكبر من عدد الرجال. وسوف نفترض أن تلك واقعة حقيقية، ثم دعنا نتساءل بعد ذلك: هل يتضح لنا أن الرجال من ذوي المزاج العصبي لا يصلحون للقيام بالواجبات والمهمات التي يقوم بها الرجال عادة؟ فإذا كان الجواب بالنفي، فلِمَ نقول إنَّ النساء من ذوات المزاج العصبي لا يصلحن للقيام بمثل هذه الأعمال؟! لا شك أن خصائص هذا المزاج يمكن أن تكون — داخل حدود معينة — عقبة في سبيل نجاح بعض الوظائف، وإن كانت عاملًا مساعدًا في وظائف أخرى. لكن عندما يكون العمل، مناسبًا للمزاج، وفي بعض الأحيان حتى عندما لا يكون مناسبًا، فإنها تحقق أروع أمثلة للنجاح، يضربها باستمرار رجالٌ من ذوي الحساسية العصبية العالية. فهم يتميزون في أدائهم العملي بهذه الحساسية بصفة خاصة، كما أنهم معرَّضون للإثارة بدرجة أكبر من أصحاب الأمزجة الأخرى. ومن هنا تختلف قدرة الرجل منهم عندما يُثار عن قدراته في الحالة العادية؛ إذ يرتفع فوق ذاته، إن صح التعبير، ويفعل في سهولة ويسر بعض الأمور التي يعجز تمامًا عن فعلها في الأحوال العادية. غير أن هذه الإثارة النبيلة ليست مجرد لمحة خاطفة تنتهي فورًا — إلا في الأجسام الضعيفة التكوين — دون أن تترك أيَّ أثر دائم، ولا تتفق مع العمل المثابر الدءوب الذي يسعى لتحقيق هدف معين … ومن سِمات المزاج العصبي قدرته على تحمُّل الإثارة في جهدٍ طويلٍ مثابر، وهو ما نعنيه عندما نتحدث عن الروح. إنها تلك الطاقة التي تجعل حصان السبق الأصيل يجري دون إبطاء حتى يقع ميتًا. وهي تلك الروح التي مكَّنت عددًا كبيرًا من النساء الرقيقات من التمسك والجَلَد، لا في حالات الخطر فحسب، بل أيضًا خلال سلسلة طويلة من التعذيب البدني والنفسي. ومن الواضح أن أصحاب المزاج من البشر يصلحون، بصفة خاصة، لما نسمِّيه بالجانب التنفيذي لقيادة الجنس البشري؛ فهم المادة الخام للخطباء العِظام، والدُّعاة العِظام، ويختلف تأثيرهم اختلافًا واضحًا عن المؤثرات الأخلاقية. وقد يُعتبَر تكوينهم أقل ملاءمة للمواصفات المطلوبة لرجل الدولة في وزارة، أو لقاضٍ من القضاة. ويصدق ذلك بصفة خاصة إذا ما ترتب عليه بالضرورة أن يكون الإنسان ذو المزاج العصبي، والذي يُستثار بسرعة، في حالة عصبية بصفة مستمرة، ويمكن إثارته باستمرار. وإن كانت المسألة كلها مسألة تدريب ومران. وذلك لأن المشاعر القوية هي أداة وعنصر هام لضبط النفس بقوة؛ غير أن المسألة تقتضي تهذيبها في اتجاه ضبط النفس. وعندما تكون على هذا النحو فإنها لا تشكِّل أبطال الاندفاع فحسب، بل أيضًا وأبطال ضبط النفس. ولقد برهن التاريخ — وكذلك التجربة — على أن أكثر الشخصيات انفعالًا هي أكثرها صلابة في الشعور بالواجب عندما يكون انفعالها قد تم تدريبه على أن يعمل في هذا الاتجاه. فالقاضي الذي يُصدر حكمًا عادلًا في قضية يكون لديه فيها مشاعر قوية نحو الجانب الآخر، يستمد من قوة هذه المشاعر نفسها إحساسه العارم بالالتزام بالعدالة، يمكِّنه من إنجاز انتصار كبير على نفسه. فالقدرة على هذه الحماسة الرفيعة التي تنتزع الشخص من شخصيته العادية (التي نألفها في حياتنا اليومية) تترك أثرها في هذه الشخصية المألوفة ذاتها. فقدراته وتطلعاته وطموحاته وهو في هذه الحالة الاستثنائية تصبح النموذج الذي يقارن به مشاعره وأعماله، ويقدِّرها على أساسه في الأوقات الأخرى، وتتخذ أغراضه المعتادة طابعًا شكَّلته وتمثَّلته لحظات الحماس الرفيع النبيل، على الرغم من أن هذه اللحظات لا يمكن أن تكون سوى لحظات عابرة من لحظات الطبيعة البدنية للموجود البشري؛ إذ لا تُبيِّن لنا تجارب الجنس البشري، ولا تجارب الأفراد، أن أصحاب المزاج العصبي أقل صلاحية، في المتوسط، للتفكير النظري أو التطبيق العملي ممن هم أقل قابلية للإثارة العصبية: فلا شك أن الإيطاليين والفرنسيين هم بطبيعتهم أكثر قابلية للإثارة العصبية من السلالة التيوتنية Teutons١٩ وإذا ما قارنَّاهم بالإنجليز، على الأقل، وجدنا أن حياتهم العاطفية المعتادة أكثر استقرارًا بكثيرٍ. لكن هل كانوا أقل عظمة في العلم، أو في المسائل العامة، أو التفوق القانوني أو التشريعي أو الحرب؟ هناك أدلة كثيرة على أن اليونان كانوا من بين القدماء، مثل الأبناء والأحفاد الآن، من أكثر السلالات البشرية قابلية للإثارة، وليس ثمة ما يدعو إلى التساؤل عن جانبٍ من جوانب التفوق البشري لم يبرزوا فيه. ولقد كان لدى الرومان، في الأعم الأغلب، وهم شعب جنوبي أيضًا نفس هذا المزاج الأصلي، غير أن الطابع الصلب الذي لا يلين لنظامهم القومي، مثل الإسبرطيين، جعل منهم النموذج المضاد للطابع القومي؛ حيث ظهرت أعظم قوة لمشاعرهم الوطنية، بصفة أساسية في حدة الطابع وتوقُّده الذي خلقه المزاج الأصلي، وأضفاه على المزاج المصطنَع. وإذا كانت هذه الحالات تجسِّد ما يمكن أن يصبح عليه شعب، هو بطبيعته سهل الإثارة، فإن شعب السلت Celt من الأيرلنديين٢٠ يقدِّم لنا مثلًا من أوضح الأمثلة على ما يمكن أن يصبح عليه شعب إذا ما تُرك وشأنه (إذا ما أمكن أن نقول إن هذا الشعب قد تُرك وشأنه، رغم أنه خضع لقرونٍ طويلة لتأثيرٍ غير مباشر لحكومة سيئة، ولتدريبٍ مباشر من الهيراركية الكاثوليكية (أي مراتب الكهنوت الكاثوليكي)، والإيمان المخلص الجاد بالديانة الكاثوليكية).٢١ ومن ثَم، فينبغي اعتبار الشخصية الأيرلندية مثلًا لا يخدم الغرض، ومع ذلك فكلما كانت ظروف الفرد، إلى حدٍّ ما، ظروفًا مواتية، فإنك لن تجد شعبًا أظهر قدرة أعظم من الأيرلنديين في التفوق الفردي الذي ينطوي على أكبر قدرٍ من التنوُّع المتعدِّد الأشكال، فمثل الفرنسيين، إذا ما قارنَّاهم بالإنجليز، والأيرلنديين بالسويسريين، واليونانيين أو الإيطاليين بالألمان، كذلك سنجد النساء إذا ما قارناهن بالرجال، يستطعن في المتوسط أن يقمن بنفس الأمور مع بعض التنوع في جانبٍ من جوانب التفوق، غير أنهن يقمن بها، إجمالًا، بنفس الإتقان، إذا ما اتجهت تربيتهن، وتثقيفهن، إلى تصحيح جوانب النقص العارضة في مزاجهن بدلًا من تضخيمها، وليس عندي ذرة من الشك في ذلك.

لكن افرض أن من الصواب أن نقول إن عقول النساء بطبيعتها أكثر مرونة من عقول الرجال، وأقل قدرة على المثابرة لفترة طويلة في جهدٍ واحدٍ ومستمر، وأكثر ملاءمة لتقسيم قدراتهن بين أمورٍ عدة من السير في طريق واحد، إلى أن يبلغن أعلى نقطة يمكن بلوغها في هذا الطريق: إنَّ هذا الفرض قد يصلح تطبيقه على النساء على نحو ما هن عليه الآن (وإن كانت هناك استثناءات عديدة وعظيمة لهذا الغرض)، كما أنه قد يُفسِّر لنا السبب في بقائهن متخلفات عن أسمى ما وصل إليه الرجال في الأمور التي يبدو أن المطلوب فيها، أكثر من غيرها، هو استغراق الذهن بأسره في مجموعة واحدة من الأفكار والاهتمامات. ومع ذلك فإن هذا الفرق لا يزال أيضًا واحدًا من الفروق التي لا تؤثر إلَّا في نوعٍ واحدٍ من الامتياز، وليس في الامتياز بما هو كذلك، أو في قيمته العملية، ويبقى بعد ذلك أن نبيِّن ما إذا كان هذا الاستغراق لجانبٍ واحدٍ من جوانب الذهن في موضوع مُعيَّن هو الحالة الطبيعية الصحية للمَلَكات البشرية حتى في حالة التفكير والتركيز في عملٍ واحدٍ، أعني في حالات الاستخدام النظري للعقل. وإني لأعتقد أن ما يكتسبه المرء من تطورٍ يتعلق بهذا التركيز، يُفقده، من ناحية أخرى، فيما يتعلق بقدرة العقل على تحقيق الأغراض الأخرى من الحياة. إنني أعتقد اعتقادًا جازمًا أن الذهن، حتى في التفكير المجرد، يحقِّق نتائج أفضل كلما عاد، بين الحين والحين، إلى مشكلة صعبة، بدلًا من أن يتمسَّك بها، ويتشبث بأهدابها بلا انقطاعٍ، ذلك لأن الأغراض في جميع الحالات، من أعلاها إلى أكثر الأغراض تواضعًا، لا سيما في التطبيق العملي، ترتبط بقدرة على الانتقال السريع المباغت، من التفكير في موضوع مُعيَّن إلى التفكير في موضوع آخر، دون أن يترتب على ذلك إنهاك النشاط الإيجابي للعقل من هذا الانتقال بين الموضوعَين، وهي قدرة ثمينة للغاية ولا تقدَّر، وهي التي تملكها النساء بدرجة كبيرة، ويتفوقن فيها، بفضل مرونة عقولهن، وسرعة حركتها، وهي الخاصية التي يُتهمن بها. وربما كانت هِبة لهن من الطبيعة، لكنها بالقطع مكتسَبة بفضل التدريب والتربية، لأن جميع الأعمال، تقريبًا، التي تقوم بها النساء، تتعلق بمعالجة تفصيلاتٍ صغيرة، ولكنها متنوعة الأنواع والأشكال، ولا يستطيع العقل التركيز في كلٍّ منها، حتى ولو دقيقة واحدة، بل لا بد له من الانتقال إلى موضوعاتٍ أخرى. أما إذا تطلَّب شيء ما تفكيرًا أطول، فلا بد أن يسرقن وقتًا في لحظاتٍ متفرقة للتفكير فيه. والواقع أن القدرة التي تُظهِرها النساء على التفكير في ظروفٍ معينة وأوقاتٍ خاصة، وهي التي لا بد أن يلتمس فيها أي رجل الأعذار لنفسه عن عدم استطاعة المحاولة، هي قدرة بارزة، وقد لاحظها الكثيرون. وعلى الرغم من أن عقل المرأة قد لا يكون مشغولًا إلا بأشياء صغيرة، فإنه لا يستطيع أن يسمح لنفسه أبدًا بأن يخلو، مثل عقل الرجل في كثير من الأحيان، عندما لا يكون مشغولًا بما اختار لنفسه أن يعمله في حياته. فالمرأة تهتم في الحياة العادية بالأشياء بصفة عامة، وليس في استطاعتها أن تتوقف عن هذا الاهتمام ما دامت الدنيا تسير من حولها.

ولكن ربما قال البعض إن هناك دليلًا من عِلم التشريح على تفوق القدرة العقلية عند الرجال، إذا ما قورنت بالقدرة العقلية عند النساء؛ فالمخ عند الرجال أكبر، في حجمه، من حجم المخ عند النساء. وأجيب أولًا بأن هذه الواقعة نفسها مشكوك فيها؛ فلم يثبت مطلقًا أن مخ المرأة أصغر حجمًا من مخ الرجل.٢٢ بل هو مجرد استنتاج من أن جسم المرأة بصفة عامة أصغر حجمًا من جسم الرجل، وإن كان هذا المعيار سوف يؤدي إلى نتائج غريبة، فالرجل الطويل ضخم الجثة لا بد أن يكون، على هذا الأساس، متفوقًا جدًّا في ذكائه على الرجل صغير الجسم. ولا بد أن الفيل أو الحوت متفوقان تفوقًا هائلًا على أفراد البشر. ويقول علماء التشريح إن حجم المخ في الموجودات البشرية يختلف، بدرجة تقل كثيرًا، عن حجم الجسم، أو حتى عن الرأس، ولا يمكن استنتاج حجم أحدهما من حجم الآخر. ومن المؤكد أن لبعض النساء مخًّا في حجم مخ أي رجل. ويقال، على ما أعلم، إن رجلًا وزن أنواعًا كثيرة من المخ البشري.٢٣ وانتهى في نهاية بحثه إلى أن أثقل مخٍّ وزنه (أثقل حتى من المخ الذي وزنه كويفييه Curver).٢٤ وكان معروفًا أنه (أثقل مخ حتى ذلك الوقت)، كان مخ امرأة. ولا بد أن أقول، من ناحية أخرى، إن العلاقة بين المخ والقدرات العقلية لم تُفهم بعد فهمًا سليمًا حتى الآن، بل هي محل جدل كبير. وإن كنا لا نستطيع أن نشك أن بينهما علاقة وثيقة. فمن المؤكد أن المخ هو العضو المادي للتفكير والشعور، وأنا أُسَلِّم (بغض النظر عن النزاع العظيم الذي لم يُحسَم بعدُ بخصوص الأجزاء المختلفة من المخ وقدراته الذهنية المختلفة)، بأن المسألة ستكون غير طبيعية واستثنائية بالنسبة لكل ما نعرفه من قوانين الحياة والتنظيم العضوي، وإذا كان حجم العضو لا صِلة له على الإطلاق بالوظيفة التي يؤديها، وإذا لم تكن ضخامة الأداة عاملًا في زيادة القدرة. ولكنه يكون استثناءً أيضًا، غير طبيعي بنفس القدر، إذا ما كان تأثير العضو يتم عن طريق ضخامته وحدها. ففي جميع العمليات الدقيقة في الطبيعة، التي تعتبر من أدقها عمليات خلق الحياة، وعمليات الجهاز العصبي أكثر هذه العمليات دقةً بما لا قياس له، تتوقف اختلافات الأثر على الفروق الكيفية لجسم الفاعل بقدر ما تعتمد على الفروق الكمية سواءً بسواء، وإذا كان الكيف في الأداة يُقاس بدقة العمل الذي تستطيع أن تقوم به وإتقانه، فإن الدلائل تشير إلى أن الجهاز العصبي والمخ لدى النساء أدق، في المتوسط، منهما لدى الرجال، بغض النظر عن الاختلاف في الكيف؛ فهو أمر يصعب التحقق منه. ومن المعروف أن كفاية العضو لا تتوقف على حجمه فحسب، بل على نشاطه أيضًا، ولدينا مقياس تقريبي لذلك، يتمثل في القوة أو الطاقة التي يدور بها الدم فيه، حيث إن كلًّا من الإثارة وقوة التعويض تتوقفان أساسًا على الدورة الدموية. ومن ثَم فلن نندهش؛ إذ الواقع أنه افتراضٌ ينسجم مع الاختلافات التي تمَّت ملاحظتها بالفعل بين العمليات الذهنية لدى الجنسين، إذا تبين أن الرجال في المتوسط يتفوقون في حجم المخ، وأن النساء يتفوقن في نشاط الدورة الدموية للمخ. والنتيجة التي تنتهي إليها، على أساس التماثل، ستجعلنا نتوقع أن هذا الاختلاف في التنظيم يتطابق مع بعض الظواهر الشائعة التي نشاهدها بكثرة. فأولًا، وقبل كل شيء، من حقنا أن نتوقع أن تكون العمليات الذهنية عند الرجال أبطأ، فلن يكونوا سريعي التفكير مثل النساء، ولا سريعي الشعور مثلهن. فالأجسام الضخمة تحتاج إلى وقتٍ أطول لتصل إلى تأدية أفعالها على نحوٍ تام. ومن ناحية أخرى، إذا ما وصلت عقول الرجال إلى مرحلة العمل التام، فإنها تستطيع أن تتحمَّل عبئًا أكبر من العمل، وستكون أكثر مثابرةً في الخط الأول الذي سارت فيه، ويكون من الصعب عليها أن تغيِّر أسلوب عملها إلى أسلوب آخر. وإن كانت تستطيع الاستمرار فيما تقوم به من عملٍ فترةً أطول دون أن تشعر بالضعف، أو تحس بالإرهاق. ألَا يعني ذلك أن الأمور التي يتفوق فيها الرجال على النساء هي تلك التي تتطلَّب أعظم قدرٍ من الكدح، والطَّرق المستمر على فكرة واحدة، في حين أن أفضل ما تفعله النساء هو ما يجب أن يُؤدَّى بسرعة؟ فمخ المرأة يتعب بسرعة، ويصيبه الإنهاك أسرع مما يصيب الرجل. غير أن درجة الإرهاق تجعلنا نتوقع أن يسترد عافيته، ويستعيد قُواه أسرع من الرجل أيضًا. وأود أن أكرر أن هذه الفكرة مجرد افتراض خالص، وهي لا تمثِّل أكثر من مجرد اقتراح خطٍّ معين للبحث. ولقد سبق أن رفضت فكرة أننا يمكن أن نعرف على وجه اليقين أن هناك اختلافًا طبيعيًّا على الإطلاق في متوسط القدرة العقلية عند الجنسين، وأكثر من ذلك أن تعرف كُنْه هذا الاختلاف. ولا يمكن أن تعرف ذلك ما دامت القوانين السيكولوجية المتعلقة بتكوين الشخصية لم تنَل من الدراسة إلا أقل القليل، حتى ولو بطريقة عامة، فضلًا عن أنها لم تنطبق على هذه الحالة الجزئية بطريقة علمية على الإطلاق. فما دمنا نهمل، عادة، أوضح الأسباب لاختلاف الشخصية، كما أن المراقِب لا يُلقي إليها بالًا، وتنظر إليها المدارس السائدة، في كلٍّ من التاريخ الطبيعي، والفلسفة العقلية، بشيء من الازدراء؛ فمَن ذا الذي يوافق — سواء أكان يبحث عن المصدر الذي يميز أساسًا الموجودات البشرية بعضها عن بعض، سواء في عالم المادة، أو في عالم الروح — أقول مَن ذا الذي يوافق على مهاجمة أولئك الذين يضلُّون تفسير هذه الاختلافات باختلاف علاقات الموجودات البشرية بالمجتمع وبالحياة.
لقد تكونت العلاقات السائدة عن طبيعة النساء من تعميماتٍ تجريبية محضة، بغير فلسفة وبغير تحليل، بل نراها تقوم على الأمثلة الأولى التي تفرض نفسها، حتى إن الفكرة الشائعة عنها تختلف باختلاف البلدان المختلفة، وفقًا لما يتيحه الرأي السائد، والظروف الاجتماعية في البلد، للنساء اللائي يعشن فيه من فرص للنمو، أو عدم النمو، بصفة خاصة. فالرجل الشرقي يؤمن أن المرأة، بطبيعتها، شهوانية جدًّا، ولك أن تطالع ما يُكتب عنها من أشياء سيئة على هذا الأساس في الكتابات الهندية.٢٥ أما الرجل الإنجليزي، فهو يعتقد أن المرأة بطبيعتها باردة.٢٦ أما الأقوال المنتشرة عن تقلُّب النساء، فأصلها فرنسي في الأعم الأغلب، منذ أبيات فرانسيس الأول المشهورة، وما بعده وما قبله.٢٧ ومن الملاحظات المألوفة في إنجلترا أن النساء أكثر ثباتًا بكثيرٍ من الرجال؛ فقد اعتبر التقلُّب عيبًا في المرأة في إنجلترا قبل فرنسا بأمدٍ طويل. فضلًا عن أن المرأة الإنجليزية، في أعماقها، أشد خضوعًا للرأي. ويمكن بهذه المناسبة أن نسُوق ملاحظة مفادها أن الرجال الإنجليز في ظروفٍ غير مواتية للحكم عما هو طبيعي أو غير طبيعي، لا عند النساء فحسب، بل عند الرجال أيضًا، أو بالنسبة للموجودات البشرية عمومًا. على الأقل إذا لم تكن لديهم سوى التجربة الإنجليزية يحكمون على أساسها؛ لأنه لا يوجد مكان آخر في العالم تُخفي فيه الطبيعة البشرية قسماتها الأصلية إلى هذا الحد. فالإنجليز أبعد — بالمعنى السيئ، والمعنى الطيب على حدٍّ سواء — عن حالة الطبيعة من أي شعبٍ آخر من الشعوب الحديثة؛ فهم نتاج المدنية والنظام أكثر من أي بلدٍ آخر في كبت كل ما يتعارض معه أكثر مما نجح في القضاء عليه. فالإنجليز لا يسلكون طبقًا للقواعد فحسب، بل ويشعرون كذلك طبقًا لهذه القواعد، أكثر من أي شعب آخر: ففي البلدان الأولى، قد يكون الرأي السائد، ومتطلبات المجتمع أشد قوة من أي شيء آخر لكنا نستطيع أن نرى تحتها باستمرار هِمة الطبيعة الفردية، وكثيرًا ما تقاومها: فقد تكون القواعد أقوى من الطبيعة، ولكن الطبيعة تظل موجودة باستمرار: أما في إنجلترا، فإن القواعد قد أحلَّت نفسها، إلى حدٍّ كبير، محل الطبيعة. فالقسم الأكبر من الحياة لا يسير تبعًا للميول في ظل سيطرة القواعد، بل على أساس أنه ليس ثمة سوى السير طبقًا للقواعد، ولا شك أن لذلك جانبًا طيبًا، وإن كان له أيضًا جانبه السيئ. ولكنه لا بد أن يجعل الرجل الإنجليزي غير مؤهل على الإطلاق، لإصدار أي حكم على الميول الأصلية في الطبيعة البشرية من تجربته الشخصية. أما الأخطاء التي يقع فيها المراقبون في البلدان الأخرى، فيما يتصل بهذا الموضوع، فهي من نوعٍ مختلفٍ. فإذا كان الرجل الإنجليزي جاهلًا فيما يتعلق بالطبيعة البشرية، فإن الرجل الفرنسي يُصدر أحكامًا مبتسرة ومتحيزة، ومن ثَمَّ كان خطأ الرجل الإنجليزي سلبيًّا، في حين كان خطأ الرجل الفرنسي إيجابيًّا. وإذا كان الرجل الإنجليزي يتصوَّر أن الأشياء لا وجود لها لأنه لا يراها أبدًا، فإن الرجل الفرنسي يعتقد أنها لا بد أن توجد دائمًا بالضرورة لأنه يراها. والرجل الإنجليزي لا يعرف الطبيعة، لأنه لم تكن لديه الفرصة لملاحظتها، أما الرجل الفرنسي، فهو يعرف عادةً قدرًا كبيرًا من المعلومات عنها، لكنه كثيرًا ما يخطئ فهمها، لأن هذه المعلومات لم تصل إليه إلا مشوَّهة، لأن الحالة المصطنعة التي يفرضها المجتمع تُخفي الميول الطبيعية للأشياء التي تخضع للملاحظة بطريقتين مختلفتين: إما إبادة الطبيعة أو تحويل شكلها. وفي الحالة الأولى لا يبقى سوى آثار هزيلة من الطبيعة يمكن دراستها، أما في الحالة الثانية، فهناك الشيء الكثير، غير أن هذا الشيء الكثير يمكن أن يمتد في أي اتجاه غير الاتجاه الذي تنمو فيه الطبيعة نموًّا تلقائيًّا.

لقد سبق أن ذكرتُ أننا يمكننا الآن أن نعرف عن الاختلافات الذهنية بين النساء والرجال مقدارَ ما فيها من جوانب طبيعية، وما فيها من جوانب صناعية، وما إذا كانت هناك اختلافات طبيعية على الإطلاق. وإذا افترضنا تنحية جميع الأسباب الصناعية للاختلاف، فما هو الطابع الطبيعي الذي سيُكتشف بعد ذلك؟ إنني لن أشرع في محاولة ما سبق أن أعلنتُ أنه مستحيل. غير أن الشك لن يحُول دون التخمين، وحيثما لا يمكن بلوغ اليقين، فهناك، مع ذلك، وسيلة للوصول إلى درجة من الاحتمال والترجيح. إن أول نقطة — وهي أصل الاختلافات التي نلاحظها بالفعل — هي أسهل نقطة يمكن أن توضع موضع التفكير، وسوف أحاول الاقتراب منها بالطريقة الوحيدة التي يمكن بواسطتها الوصول إليها، وأعني بها تتبُّع النتائج العقلية للمؤثرات الخارجية؛ فليس في استطاعتنا أن نعزل الموجود البشري عن الظروف المحيطة به؛ بحيث نستطيع أن نميز ما الذي يكون عليه هذا الموجود عن طريق الطبيعة. ولكن في استطاعتنا أن نتدبَّر ما هو عليه بالفعل، وماذا تكون الظروف المحيطة به، وما إذا كان أحدهما قادرًا على إنتاج الآخر.

ودعنا الآن نتناول الحالة الوحيدة التي تقدمها لنا الملاحظة، وهي الحالة التي تظهر فيها دونية النساء عن الرجال واضحةً، لو أننا قبلنا مجرد القوة البدنية. ليس هناك إنتاج في الفلسفة، أو العلم، يمكن أن يُعَد من الدرجة الأولى أنتجته امرأة، فهل هناك وسيلة لتفسير ذلك، دون أن نفترض أن النساء بطبيعتهن، عاجزات عن مثل هذا الإنتاج؟! من حقنا، في البداية، أن نتساءل عما إذا كانت التجربة توفر أُسسًا كافية للاستقراء؟! فلم يكد يمضي ثلاثة أجيال مع استثناءات قليلة جدًّا، منذ أن بدأت النساء محاولة استخدام قدراتهن في الفلسفة أو العلم أو الفن. ولم تكثر محاولاتهن على الإطلاق إلا في الجيل الحاضر، وهي محاولات لا تزال حتى يومنا الراهن قليلةً للغاية في كل مكان، باستثناء في فرنسا وإنجلترا، ومما له أثر في هذا الموضوع أن نتساءل هل يمكن أن يظهر عقل لديه موهبة التفوق المرموق في الفكر النظري أو الفن الخلَّاق، في هذه الفترة الزمنية الضيقة، واعتمادًا على المصادفات وحدها، بين النساء اللائي سمحت لهن أذواقهن وأوضاعهن الشخصية، بتكريس أنفسهن لهذه المسائل؟ ففي جميع الأمور التي كان لديهن وقت فيها، ولا سيما في الميدان الذي انشغلن به مدة أطول من غيره، وأعني به ميدان الأدب (في النثر والشعر على حدٍّ سواء)، حققت المرأة قدرًا كبيرًا من النجاح، وحصلت على درجة من الامتياز، ونالت أرفع الجوائز وأكثرها عددًا، إلى حدٍّ لم يكن يتوقع أحدٌ أكثر منه في هذه الفترة الزمنية القصيرة. وإذا ما عُدنا إلى الوراء قليلًا، إلى بداية الفترة الزمنية التي بدأت فيها هذه المحاولات، لوجدنا أن عدد النساء كان قليلًا جدًّا، ومع ذلك فقد كان هناك مَنْ نجحن بامتياز. فلقد كان اليونان، باستمرار، يعتبرون سافو Sappho من بين شعرائهم العِظام.٢٨ ومن حقنا أن نفترض أن مرتيس Myrtis التي قيل إنها كانت معلمة بندار Pindar.٢٩ وكورينا Corinna،٣٠ تلميذته التي انتزعت منه جائزة الشعر خمس مرات، لا بد أنهما كانتا، على الأقل، على شيء من الامتياز يسمح باقتران اسمَيهما باسم هذا الشاعر العظيم. وإذا كانت أسازيا Asasia.٣١ لم تخلف لنا أية كتابات فلسفية، فإن من المعترف به أن سقراط كان يلجأ إليها في طلب العلم، واعترف بنفسه أنه ناله منها.
أما إذا نظرنا في أعمال النساء في العصور الحديثة، وقارناها بإنتاج الرجال — سواء في ميدان الأدب أو الفن — لوجدنا أن الدونية التي لاحظناها من قبل تنحل من تلقاء نفسها إلى شيء واحد فحسب، وإن كان جوهريًّا، ألَا وهو: النقص في الأصالة، لا النقص التام والشامل؛ لأن أي إنتاج عقلي له قيمة ينطوي على أصالة خاصة به، لأنه من تصوُّر العقل نفسه، وليس نسخةً أو صورةً مكررة من شيء آخر. إن الأفكار الأصيلة، بمعنى الأفكار غير المستعارة، بل التي استمدت من ملاحظات المفكر الخاصة، ومن العمليات العقلية، كثيرة جدًّا في كتابات النساء، لكنهن لم ينتجن شيئًا حتى الآن من الأفكار الجديدة اللامعة والمضيئة التي تُعَد مرحلة من مراحل الفكر،٣٢ ولا من التصورات الجديدة الأساسية في الفن، التي تفتح آفاقًا لاتجاهاتٍ محتمَلة لم تُعرَف من قبل، وتؤدي إلى تأسيس مدارس جديدة. فأعمالهن تقوم، في الأعم الأغلب، على الرصيد المتوفر من الفكر، وإنتاجهن في مجالات الخلق لا يخرج كثيرًا عن الأساليب الموجودة، وهذا هو نوع النقص الوحيد الذي يظهر في إنتاج المرأة، لأنه فيما يتعلق بإتقان التنفيذ، والتطبيق التفصيلي للفكر، وكمال الأسلوب، فليس ثمة نقص. فأفضل روائيين عندنا، من حيث تكوين القصة، ومعالجة التفاصيل، كانوا، في الأعم الأغلب، من النساء. ولا يوجد في الأدب الحديث كله أفضل بيانًا في نقل الفكر من أسلوب «مدام دي ستايل»،٣٣ ولا أروع، في امتيازه الفني الخالص، من نثر «مدام صاند»٣٤ التي يؤثر أسلوبها الرشيق في الجهاز العصبي مثلما تفعل سيمفونية من سيمفونيات هايدن،٣٥ أو موتسارت.٣٦ إن الأصالة العالية، كما سبق أن ذكرت، هي التي تنقصهن أساسًا، والآن دعنا نرى ما إذا كانت هناك طريقة يمكن أن نفسر بها هذا النقص.
دعنا نتذكر أولًا أنه فيما يتعلق بالفكر المحض، فإنه طوال تلك الفترة من وجود العالم، وإبان تطور الثقافة، التي أمكن فيها الوصول إلى أفكارٍ جديدة مثمرة وعظيمة بقوة العبقرية وحدها، وبقدرٍ يسيرٍ من الدراسة السابقة، وتجميع المعلومات طوال ذلك الوقت لم تنشغل النساء بالفكر النظري على الإطلاق. فمنذ أيام هيباتيا٣٧ حتى عصر الإصلاح الديني، تكاد تكون هلويزا٣٨ الشهيرة المرأة الوحيدة التي كان من الممكن بالنسبة لها أن تقوم بشيء من هذا القبيل. ونحن لا نعرف مقدار ما فقده الجنس البشري مما كان لديها من قدرة على التفكير النظري بسبب المأساة التي عاشتها. ومنذ أن بدأت أعداد كبيرة من النساء يتَّجهن إلى التفكير الجاد؛ فإن الأصالة لم تكن قَط مسألة سهلة بالنسبة لهن؛ فجميع الأفكار، تقريبًا، التي يمكن الوصول إليها بقوة الملكات الأصيلة وحدها، كان الناس قد وصلوا إليها منذ أمدٍ بعيد، وأصبحت الأصالة الآن، بأي معنًى رفيع للكلمة، عسيرة المنال، لا تصل إليها سوى العقول التي تدرَّبت بإحكام، ونفذت ببصيرة ثاقبة في نتائج التفكير السابق. لقد كان مستر موريس،٣٩ في ظني، هو الذي لاحظ عن العصر الحديث أن أكثر مفكِّريه أصالةً هم أولئك الذين عرفوا كل ما قاله السابقون عليهم معرفةً تامة، وسوف يستمر الحال على هذا النحو من الآن فصاعدًا، فكل حجر جديد في الصرح ينبغي أن يوضع الآن فوق أحجار أخرى كثيرة، حتى إن كل مَنْ يتطلع إلى المساهمة في هذا الصرح في المرحلة الحالية، فإن عليه أن يقوم بعملية طويلة من التسلق، وحمل المواد معه. فكم عدد النساء اللائي قمن بعملٍ من هذا القبيل؟ ربما كانت «مسز سمرفيل»٤٠ هي وحدها من بين النساء التي تعرف الآن القدر المطلوب من الرياضيات للقيام باكتشافٍ جديد: فهل يُعَد دليلًا على نقص النساء، أنه لم يحدث أن كانت واحدة من شخصين أو ثلاثة ممن ارتبطت أسماؤهم إبان حياتهم بتحقيق إنجاز مذهل في العلم؟ هناك امرأتان: منذ أن أصبح الاقتصاد السياسي علمًا،٤١ يعرفان القدر الكافي منه للكتابة فيه كتابة مفيدة؛ فكم رجلًا من بين الرجال الذين لا حصر لهم ممن كتبوا في الموضوع في نفس الفترة، نستطيع أن نقول عنه — بصدق — شيئًا أكثر من ذلك؟! وإذا لم تكن هناك امرأة، حتى الآن، يمكن أن نقول عنها إنها من كبار المؤرخين، فمن هي المرأة التي أتيحت لها فرصة التدريب الضروري في هذا الميدان؟! وإذا لم تكن هناك امرأة يمكن أن تُعد من كبار علماء اللغة، فمن هي المرأة التي درست اللغة السنسكريتية (اللغة الهندية القديمة)، أو اللغة السلافية (اليوغسلافية القديمة، لا سيما في كرواتيا)، أو الأبجدية القوطية، أو لغة الفرس أصحاب الشروح على الأبستاق؟٤٢ وحتى في الشئون العملية، نحن نعلم قيمة أصالة العبقرية التي لم تتعلم. إنها تعني اختراع صورٍ بدائية، لشيء سبق اختراعه بالفعل، ثم أدخلت عليه تحسينات كثيرة متعاقبة. وعندما يُتاح للمرأة فرصة الإعداد المناسب، والذي يُطلب من الرجال الآن حتى يصل إلى مرتبة مرموقة من الأصالة، فسوف يكون لدينا الوقت الكافي لنبدأ في الحكم، عن طريق التجربة، على قدرة المرأة وأصالتها.
ولا شك أنه كثيرًا ما يحدث أن شخصًا لم يدرس كثيرًا من أفكار الآخرين في موضوعٍ معينٍ بدقة كافية، ولكن خطرت له فكرة — عن طريق الحكمة الطبيعية — يستطيع أن يعلنها، لكنه لا يستطيع إثباتها، ومع ذلك، فهي يمكن أن تنضج حتى تصبح إضافة هامة إلى المعرفة. غير أن الفكرة لن تحظى حتى ذلك الحين بحقِّها من التقدير إلى أن يأتي شخصٌ آخر، تكون لديه المؤهلات السابقة المطلوبة؛ فيتناولها بالدراسة والاختيار، ويُضفي عليها الشكل العلمي والعملي، ويضعها في مكانها المناسب بين الحقائق الموجودة في العلم والفلسفة، فهل المفروض أن هذه الأفكار المفيدة لا تخطر على بال النساء؟! الواقع أنها تخطر بالمئات لكل امرأة مثقفة! غير أن معظم هذه الأفكار يضيع أدراج الرياح، لعدم وجود الزوج أو الصديق الذي لديه المعرفة الأخرى التي تمكِّنه من تقديرها التقدير الصحيح، ويبرزها أمام العالم. وحتى عندما نعرض كل هذه الأفكار أمام العالم، فإنها تبدو — في العادة — أفكاره هو، وليست أفكار صاحبتها الحقيقية. فمن ذا الذي يستطيع أن يقول لنا ما هو عدد الأفكار التي تُعد من أكثر الأفكار أصالة — مما تقدم به الكُتاب الرجال — وتكون المرأة هي مؤلفها الأصلي؟! ولا يكون دور الرجل في هذه الحالة سوى التحقق من هذه الأفكار، وإبرازها للعالم؟ إذا كان لي أن أحكم على حالتي الشخصية، فلا بد لي أن أقول إنها، في الواقع، تمثل قسمًا كبيرًا جدًّا من أفكاري.٤٣
وإذا ما انتقلنا، من ميدان الفكر النظري الخالص إلى مجال الأدب، بالمعنى الضيق لهذا اللفظ، والفنون الجميلة، لوجدنا سببًا واضحًا جدًّا يفسر لمَ كان أدب النساء، في تصوُّره العام وقسماته الرئيسية، محاكاةً لأدب الرجال؟ لكن لمَ كان أدب الرومان، كما ردد النقاد بكثرة، أدبًا غير أصيل، بل مجرد محاكاة لأدب اليونان؟! لأن اليونان، ببساطة، جاءوا أولًا. فلو افترضنا أن النساء كن يعشن في بلدٍ آخر غير البلد الذي يعيش فيه الرجال، ولم يقرأن على الإطلاق أيًّا من كتاباتهم، لكان لهن أدبهن الخاص. أما والحال على ما هي عليه الآن، فإننا نجد أن النساء لم يخلقن أدبًا لأنهن وجدن أمامهن أدبًا رفيعًا بالفعل. ولو لم تحدث فترة توقفت فيها معرفة اليونان والرومان، أو لو أن عصر النهضة الأوروبية قد جاء قبل بناء الكاتدرائيات القوطية٤٤ لما بُنيت هذه الكاتدرائيات على الإطلاق. كما أننا نجد أن محاكاة الأدب القديم أدَّت إلى توقف التطور الأصلي للأدب في فرنسا وإيطاليا، حتى بعد أن بدأ هذا التصور يشق طريقه. وجميع النساء اللائي كتبن مؤلفاتٍ كن تلميذاتٍ لكُتاب عِظام من الرجال، والصور الأولى للرسام، حتى وإن كان رفائيل،٤٥ لا يمكن تمييز أسلوبها عن أساليب أستاذه في الرسم. بل حتى موتسارت لا تبدو أصالته القوية في مقطوعاته الأولى، ذلك لأن السنوات بالنسبة للفرد الموهوب تقابل الأجيال بالنسبة للجماهير. وإذا كان أدب النساء مكتوبًا عليه أن يحمل في النهاية طابعًا جماعيًّا، يختلف عن طابع الأدب عند الرجال، اعتمادًا على اختلاف الميول والنزعات الطبيعية بينهما، فلا بد أن يمضي وقت طويل جدًّا قبل أن يتحرر أدب النساء من نفوذ الأنماط السائدة؛ بحيث تقوده وترشده ميوله هو. لكن إذا لم يثبت، كما أعتقد، أن هناك ميولًا طبيعية مشتركة بين النساء، وتميُّز عبقرية المرأة عن عبقرية الرجل، فسوف يكون لكل كاتبة فردية بينهن ميولها الفردية الخاصة، التي ما زالت حتى يومنا الراهن متجمدة بتأثير الأنماط السابقة، وسوف يتطلب الأمر أجيالًا كثيرة، قبل أن تتطور فرديتهن تطورًا كافيًا إلى حدٍّ، يستطعن معه السير قُدمًا، رغم تأثير هذه الأنماط، بل ومقاومتها.
ويبدو الدليل الواضح، في الفنون الجميلة بمعناها الصحيح، على نقص المَلَكات الأصلية عند المرأة عنها عند الرجل، يبدو لأول وهلة في أقوى صوره، ما دام في استطاعتنا أن نقول (كما يقال عادة) إن الرأي العام؛ لا يستبعدهن من هذه المجالات، وإنما يشجعها بينهن. ومنها يتألف القسم الأكبر من تعليمهن في الطبقات الغنية. ومع ذلك فقد أخفقن في هذا الميدان، أكثر مما حدث في ميادين أخرى كثيرة، في الاقتراب من أعلى مكانة مرموقة بلغها الرجال. غير أن هذا القصور لا يحتاج إلى تفسيرٍ أكثر من الواقعة المعروفة والمألوفة، والتي تصدق، بصفة عامة، على الفنون الجميلة أكثر مما تصدق على أي شيء آخر، وأعني بها التفوق الهائل للمحترفين على الهواة. فالنساء في الطبقات المثقفة، يتلقَّين جميعًا، تقريبًا، دراسة في فرع أو أكثر من فروع الفنون الجميلة، ولكن لا يكسبن عيشهن منها، أو يصلن إلى مركز اجتماعي مرموق عن طريقها، ذلك لأن النساء الفنانات كن جميعًا من الهواة، وليست الاستثناءات الموجودة إلا من النوع الذي يؤكد هذه الحقيقة العامة. فالمرأة تتعلم الموسيقى، لا لكي تؤلف قطعًا موسيقية، بل لكي تقوم بالعزف فحسب. ومن هنا فإن الرجال يتفوقون على النساء في مجال الموسيقى من زاوية التأليف الموسيقي فقط. والفن الوحيد الذي تمارسه المرأة كمهنة، إلى حدٍّ ما، أو احتراف تكسب منه عيشها هو «فن التمثيل المسرحي Histrionic». ومن المعترَف به أن المرأة في هذا المجال تتساوى مع الرجل، إن لم تَفُقْه. وحتى تكون المقارنة عادلة، يجب أن تكون مقارنة بين إنتاج النساء، في أي فرع من فروع الفن، وإنتاج الرجال الذين لا يتخذون من هذا الفرع مهنة أو حرفة. فمن المؤكد أن النساء، في مجال التأليف الموسيقي، على سبيل المثال، قد أنتجن أشياء لا تقِل جودة، بأية حال، عما أنتجه الهُواة من الرجال. وهناك الآن عدد قليل جدًّا من النساء يحترفن الرسم، وقد بدأن فعلًا يُظهِرن نبوغًا، حقق ما يمكن أن نتوقعه منهن. فحتى الرسامون الذكور (مع الاعتذار للمستر رسكن Ruskin).٤٦ لم تخرج من بينهم شخصية عظيمة خلال القرون الأخيرة. وسوف يمضي وقت طويل قبل أن يتحقق ذلك، أما أن الرسامين القُدامى قد بلغوا شأوا بعيدًا، تفوقوا فيه على الرسامين المحدثين، فإن السبب يرجع إلى أن الرجال الذين كانوا يكرسون أنفسهم للرسم كانوا من طبقة عُليا؛ ففي القرنين الرابع عشر والخامس عشر كان الرسامون الإيطاليون أكثر رجال عصرهم ثقافةً، وكان معظمهم من أصحاب الثقافة الموسوعية والقدرات الشاملة، مثل عظماء الرجال من اليونان. غير أن الفنون الجميلة كانت في عصرهم بالنسبة لمشاعر الناس وتصوراتهم، من بين أسمى المجالات التي يستطيع الإنسان أن يتفوق فيها. وكان الناس عن طريقها، يصِلون إلى ما لا يستطيعون الوصول إليه الآن، اللهم إلا بالتفوق في مجال السياسة أو ميدان القتال؛ أعني إما عن طريق مصاحبة الحكام، أو التساوي مع عِلية القوم من النبلاء. أما في العصر الحديث، فإن الرجال الذين يقتربون من هذا المستوى يتجهون إلى ميادين أخرى أكثر أهمية من الرسم بالنسبة لسمعتهم وفائدة العالم الحديث. ولا يتجه إليه رجالٌ من أمثال «رينولدز»٤٧ أو «تيرنر»٤٨ إلا نادرًا (وأنا لا أدَّعي أن لي رأيًا في مركزهما بين عظماء الرجال)، أما الموسيقى، فهي تنتمي إلى نظامٍ آخر، لأنها لا تتطلب نفس القدرات العامة للذهن، بل يبدو أنها تعتمد أكثر على المواهب الطبيعية، وقد يندهش المرء من أنه لا يجد امرأة من بين المؤلفين الموسيقيين العظماء، ولكن حتى هذه الموهبة الطبيعية تحتاج للدراسة والتفرُّغ الاحترافي حتى يمكن أن تُتاح لها فرصة إبداع الأعمال العظيمة، والملاحَظ أن البلدَين الوحيدين اللذين انتجا موسيقيين من الدرجة الأولى، حتى بين الرجال، هما ألمانيا وإيطاليا، وهما بَلدان ظلَّت النساء فيهما متخلفات كثيرًا حتى عن إنجلترا وفرنسا؛ من حيث الثقافة العامة والخاصة، في آنٍ معًا؛ فالنساء في هذَين البلدَين كن، بلا مبالغة، قليلات التعليم جدًّا، ولا يعملن على تنمية أية ملَكة، من الملَكات الرفيعة للذهن. ولا بد أن الرجال، في هذين البلدين، من لهم دراية بمبادئ التأليف الموسيقي، كانوا بالمئات، بل ربما كانوا بالآلاف، وهو الأرجح. في حين أن النساء لا يزيدن على العشرات: حتى إننا هنا كذلك، عندما نأخذ المتوسط، لا يحق لنا أن نتوقع ظهور امرأة واحدة ممتازة في مقابل خمسين رجلًا ممتازًا بين المؤلفين، سواء في ألمانيا أو إيطاليا.
وهناك أسباب أخرى كثيرة — إلى جانب تلك التي ذكرناها — تساعد على تفسير ظاهرة بقاء النساء متخلفات عن الرجال، حتى بالنسبة للأعمال المتاحة لكليهما. فمن ناحية، هناك قِلة ضئيلة من النساء اللائي يسمح لهن وقتهن بممارسة هذه الأعمال، وقد يبدو ذلك قولًا ينطوي على مفارقة، غير أنه واقعة اجتماعية لا شك فيها، فوقت كل امرأة وأفكارها تتطلب منها إشباعَ قدرٍ كبير من المطالب السابقة في الشئون العملية. فهناك أولًا الإشراف على الشئون العائلية، والإنفاق المنزلي، الذي يشغل، على الأقل، امرأة واحدة في كل أسرة، وهي، في العادة، المرأة الناضجة التي اكتسبت خبرة، اللهم إلا إذا كانت الأسرة من الثراء؛ بحيث تُنيب عنها في هذه المسائل شخصًا بأجرٍ يقوم عنها بهذه المهمة، وتتحمَّل بعد ذلك كلَّ ما تتعرض له من ضياع وإسراف نتيجة لهذا النوع من الإدارة المنزلية، والإشراف على شئون الأسرة. وحتى إذا لم يكن ذلك مرهقًا من أي جانب آخر، فهو متعب جدًّا من حيث التفكير، لأنه يتطلب يقظةً مستمرة، وعينًا ساهرة لا يفوتها شيء من أدق التفصيلات، كما يعرض مسائل تحتاج إلى تدبُّرها وحلِّها، وقد تكون مسائل متوقعة أو غير متوقعة في كل ساعة من ساعات اليوم. وليس في استطاعة المرأة المسئولة عن هذه الأمور أن تنفِّض يدها منها تمامًا. أما إذا كانت هذه المرأة في مركزٍ وأوضاع مادية تعفيها من هذه الأمور — إلى حدٍّ ما — فإنه لا يزال يقع عليها عبء ترتيب وتنسيق علاقة الأسرة بغيرها من الأسر؛ أو ما يُسمَّى «بالواجبات الاجتماعية». وكلما قَل ما تتحمَّله من الواجب الأول، ازداد عبء الواجب الثاني في العادة؛ مثل حفلات العشاء، والموسيقى، والدعوات المسائية، والزيارات الصباحية، وكتابة الخطابات، وكل ما يستتبع هذه الأمور من واجبات، وذلك كله إلى جانب الواجب المرهق الذي يفرضه المجتمع على النساء وحدهن؛ بأن يجعلن أنفسهن موضع الإعجاب من الناحية الاجتماعية، فالمرأة الذكية من طبقات المجتمع العُليا تجد ما يشغلها تمامًا في استخدام مواهبها لتحصيل قواعد السلوك المهذَّب وإتقان فنون الحديث. فإذا نظرنا إلى الجانب الخارجي من الموضوع فحسب؛ لوجدنا أن قدرًا كبيرًا من التفكير الذي تمارسه كل النساء اللائي يعلق قيمة على أناقة الملبس (ولا أعني الملبس الغالي، وإنما العناية بالذوق والعُرف الطبيعي والمصطنَع) والعناية بملابسهن، وربما أيضًا العناية بملابس بناتهن. إن القدر الكبير من التفكير الذي ينفَق في هذه الأمور، كان يكفي وحده لتحقيق نتائج محترمة في الفن، أو العلم، أو الأدب، ويستهلك بالفعل قدرًا كبيرًا من الوقت والجهد العقلي، كان يمكن أن يتوافر لميدانٍ من هذه الميادين.٤٩ ولو كان من الممكن أن يؤدي هذا العدد الكبير كله من الاهتمامات العملية الصغيرة (التي تكون كبيرة بالنسبة للنساء) إلى وجود وقت فراغ لدى النساء، أو إلى توفير الكثير من الجهد، أو حرية التفكير، بحيث يستطعن تكريسها للفن، أو التفكير النظري، لكان يمكن أن يكون لديهن رصيد أصيل من النشاط أكبر كثيرًا مما هو موجود لدى الغالبية العظمى من الرجال، غير أن ذلك ليس كل شيء، بل هناك بالإضافة إليه مهام الحياة العادية الرتيبة التي تُلقَى على كاهل المرأة؛ إذ يُنتظَر منها أن يكون وقتها وقدراتها دائمًا تحت تصرُّف كل إنسان. أما الرجل فإذا لم تكن لديه مهنة تعفيه من مثل هذه المطالب، وأكثر من ذلك، إذا لم يكن لديه عمل ما، فإنه لن يضير أحدًا إذا ما كرَّس وقته لشيء ما؛ فانشغاله في هذا الشيء يُعد عذرًا مقبولًا لعدم استجابته لكل طلبٍ عارض يُطلَب منه. فهل يمكن أن تُعَد مهام المرأة، ولا سيما تلك التي تختارها لنفسها بحرية، عذرًا لها عن عدم القيام بما يُسمَّى بالمطالب الاجتماعية؟ الحق أن واجباتها الضرورية، المعترَف بها، لا تكاد تسمح لها بمثل هذه الأعذار، ولا تعفيها من هذه المطالب. فهذه الأعذار تقتضي وجود مربٍّ في الأسرة، أو شيء آخر غير مألوف، ليكون لها الحق في تفضيلها مطالبها الخاصة على إرضاء الآخرين. فهي لا بد أن تظل باستمرار تحت تصرف شخص ما، أو كل شخص بصفة عامة. فلو كان لديها دراسة خاصة أو عمل ما، فلا بد أن تنتهز أية فرصة أو فسحة صغيرة من الوقت تحدث مصادفة لتقوم فيها بهذه الدراسة. وهناك امرأة مشهورة٥٠ تقول بحقٍّ في كتاب، آمل أن يرى النور قريبًا: إن كل شيء تفعله المرأة يتم في أوقاتٍ متفرغة وطارئة، فهل نندهش بعد ذلك لأنها لم تبلغ مراتب مرموقة في مسائل تتطلَّب اهتمامًا مستمرًّا، وتركيزًا للاهتمام الرئيسي في الحياة؟ إن الفلسفة، على سبيل المثال، تتطلب ذلك، بل يتطلَّبه الفن، قبل أي شيء آخر، الذي يقتضي، إلى جانب تكريس التفكير والمشاعر، تدريب اليد باستمرار للوصول إلى مستوًى رفيع من المهارة.
وهناك اعتبار آخر يُضاف إلى ذلك كله؛ فهناك درجة من الإتقان في المهن العقلية والفنون المختلفة تكفي لأن يكسب المرء عيشه عن طريقها، وهناك درجة أعلى يتوقف عليها الإنتاج الضخم الذي يُخلِّد اسم صاحبه، وهناك بواعث معينة تكفي لبلوغ الدرجة الأولى لدى كل من يتخذ من هذا العمل مهنة له. أما الدرجة الثانية فلا يكاد يصل إليها كل مَنْ كانت لديه، في فترة ما من فترات حياته، رغبة عارمة في الشهرة. وليس هناك حافز أقل من ذلك، في العادة، يجعل المرء يتحمَّل العمل الشاق المُضني الذي يقتضيه على نحوٍ مطلَق، حتى في حالة أعظم المواهب الطبيعية، أية مكانة مرموقة في الأعمال التي في حوزتنا منها بالفعل آثار رائعة تدل على أسمى درجات العبقرية. والآن: فإن النساء نادرًا ما تكون لديهن مثل هذه الرغبة العارمة في الشهرة، سواء أكان السبب في ذلك طبيعيًّا أو مصطنَعًا؛ إذ ينحصر طموحهن، عادة، في نطاقٍ أضيق من ذلك. فالنفوذ، أو هذه الرغبة في التأثير، تتلخص في أن تكون موضع إعجاب، أو حبٍّ من جانب أولئك الذين يرونهن بأعينهن، وهن يقتنعن تمامًا، من الاحتراف بدرجة من المعرفة أو الفن، أو الإنجازات الأخرى، تمكِّنهن من تحقيق هذه الرغبة في التأثير، دون أن يَسْعين إلى الارتفاع عنها. وتلك سِمة من سِمات شخصية المرأة لا بد من مراعاتها عندما نحكم عليها على نحو ما هي عليه الآن. وإن كنتُ لا أعتقد، على الإطلاق، أنها سِمة متأصلة فيها، وإنما هي فحسب نتيجة طبيعية للظروف التي تعيش فيها. أما حب الشهرة عند الرجال، فقد عملت التربية، وكذلك الرأي العام على تشجيعه؛ إذ إن «احتقار الملذات، والاتجاه نحو العمل الشاق» لذاته يُعتبَر جزءًا من «الروح النبيلة»، حتى لو تحدَّثنا عنها على أنها «موطن الضعف الأخير».٥١ وتحفز الروح ما تتيحه الشهرة في كل مجالات الطموح. بما في ذلك الحظوة لدى النساء، في الوقت الذي تكون فيه جميع هذه الأمور مغلقة أبوابها أمام النساء، بل إن الرغبة في الشهرة تُعَد هي نفسها جرأة لا تليق بالأنثى. وإلى جانب ذلك كله كيف يمكن ألَّا تتركز اهتمامات المرأة كلها في الانطباعات التي تتكوَّن عنها عند أولئك الذين يدخلون في حياتها اليومية، لا سيما وأن المجتمع قد حدَّد أن تكون جميع واجباتها متجهة نحوهم، كما عمل على أن تكون كل راحتها معتمِدة عليهم؟! والرغبة الطبيعية في الحصول على احترام الآخر قويةٌ عند المرأة، بقدر قوتها عند الرجل. غير أن المجتمع رتَّب الأمور بحيث لا تستطيع بلوغ التقدير العام في الحالات العادية إلا عن طريق تقدير زوجها وأقاربها من الذكور، في حين أن تقديرها الخاص، عن طريق تفوقها الفردي، ممنوع عليها، وقُل مثل ذلك بشأن ظهورها في أي وضعٍ تكون فيه غير تابعة لرجل. إنَّ مَنْ لديه أقل قدرة على تقدير الحياة المنزلية والأوضاع الاجتماعية، وعادات الحياة كلها، وتأثيرها على العقل، من السهل عليه أن يرى في هذا التأثير تفسيرًا كاملًا لجميع الاختلافات والفروق البارزة، تقريبًا، بين الرجال والنساء، بما في ذلك جميع الفروق التي توحي بالدونية.

أما فيما يتعلق بالفروق الأخلاقية، بوصفها شيئًا متميزًا عن الفروق العقلية، فإن هذا التمييز يكون، عادةً، لصالح النساء؛ إذ يقال إنهن أفضل من الرجال، وهي مجاملة جوفاء، لا بد أن تثير ابتسامة مليئة بالمرارة عند كل امرأة تعتز بنفسها ما دام، أنه لا يوجد موقف آخر في الحياة تنص قواعده المعترَف بها على أن الأفضل عليه أن يطيع الأسوأ، ويكون ذلك مناسبًا تمامًا وطبيعيًّا تمامًا. وإذا كان لهذه العبارة العقيمة أية قيمة فلا يكون ذلك إلا من حيث هي اعتراف من الرجال بالتأثير الفاسد للسلطة لأنها، بالقطع، هي الحقيقة الوحيدة التي تثبتها هذه العبارة، إن كانت حقيقة، أو تقوم على الأقل بتوضيحها. والواقع أنه على الرغم من أن تأثير العبودية مسيء على الجانبَين (العبد والسيد)، فإن تأثيرها على العبيد أقل سوءًا منه على السادة؛ فهي ربما أحالتهم إلى وحوشٍ ضاربة، فمن المفيد للطبيعة الأخلاقية أن تكبح، وحتى لو كان ذلك عن طريق أن النساء أقل من الرجال. وأنا لا أشك على الإطلاق أن نفس هذه العبارة تُصدق على العبيد من الزنوج، وبنفس القوة. فأولئك الذين يعيشون تحت سيطرة آخرين لا يستطيعون ارتكاب الجرائم كثيرًا، ما لم يمكن ذلك بأمر سادتهم ولخدمة أغراضهم. ولستُ أعرف مثلًا صارخًا على عمى العالم، بما في ذلك قطيع الدارسين من الرجال، أكثر من الطريقة التي يتجاهل بها ويتغاضى عن أثر الظروف الاجتماعية، وتحقيره لطبيعة النساء العقلية، ومغالاته الغبية في مسألة طبيعتهن الأخلاقية.

وقد يُسمَح لعبارات المجاملة عن تفوق النساء في الخير الأخلاقي، أن تقترن بالتحقير الخاص؛ لأنهن أكثر عُرضة للتحيُّز الأخلاقي. ولقد قيل لنا إن النساء لا يستطعن مقاومة تحيزهن الشخصي، وأحكامهن في المسائل الكبرى مغلَّفة بأهوائهن أو نفورهن، وإذا افترضنا أن ذلك صحيح، فإن الأمر لا يزال يتطلَّب البرهنة على أن النساء أكثر تعرضًا للخطأ من الرجال، لاتِّباعهن المشاعر الشخصية، حتى ولو اهتم الرجال بمصالحهم الشخصية.

ويبدو أن الفارق الرئيسي إذن هو أن الرجال ينحرفون عن خط الواجب والصالح العام بدافعٍ من مصالحهم الذاتية، في حين أن النساء (ولا يُسمَح أن تكون لهن مصالح ذاتية خاصة) يفعلن ذلك بدافعٍ من اعتبار شخص آخر. كما ينبغي ألَّا يغرب عن بالنا أيضًا أن التربية كلها التي تتلقَّاها النساء من المجتمع تغرس فيهن الشعور بأن الأفراد المتصلين بهن هم الوحيدون الذين لهم عليهن حق، الوحيدون الذين يُطلَب إليهن الاهتمام بمصالحهم، في حين يتركن غرباء، فيما يتعلق بالتربية، حتى بالنسبة للأفكار المبدئية التي تفترضها، مقدمًا، أية نظرة ذكية للاهتمامات الأوسع نطاقًا، أو الأهداف الأخلاقية الرفيعة. ومعنى ذلك أن الشكوى ضدهن تنحل من تلقاء ذاتها إلى ما يلي: إنهن، يؤدِّين الواجب الوحيد الذي تعلمنه، بإخلاصٍ أكثر مما ينبغي، وهو الشيء الوحيد، تقريبًا، الذي يُسمح لهن بممارسته.

إن تنازلات المتميزين لغير المتميزين نادرًا ما تحقق بدافعٍ أفضل من قدرة غير المتميزين على انتزاعها، حتى إنه يحتمل أن أية حجة ضد امتياز الجنس، لا تهتم بها الغالبية العظمى من الناس، إلا اهتمامًا بالغ الضآلة، ما دام في قدرتهم أن يقولوا لأنفسهم إنَّ النساء لا يشكين من ذلك. ولا شك أن هذه الواقعة تُمكِّن الرجال من الاحتفاظ بامتيازهم غير العادل فترةً أطول. وإن كانت لا تجعل هذا الامتياز أقل ظلمًا، ويمكن أن يُقال الشيء نفسه بالضبط عن النساء في «حريم»، الرجل الشرقي؛ فهن لا يتذمرن من عدم السماح لهن بحرية المرأة الأوروبية، بل يعتقدون أن نساءنا جريئاتٌ بطريقة لا تُطاق، وعلى نحوٍ يخلو من الأنوثة.٥٢ ومن النادر جدًّا أيضًا أن يتذمر الرجال من النظام العام للمجتمع، ذلك لأنهم لم يعرفوا بوجود أي نظامٍ آخر في أي مكان من العالم.٥٣
والنساء، عمومًا، لا يتذمَّرن من نصيبهن، وإن تذمَّرن، فإن ذلك يظهر في الواقع كثيرًا في كتابات النساء، ولا يشك أحد في أن لهذا التذمُّر أي هدف عملي؛ ذلك لأن شكاواهن، مثل شكاوى الرجال، عندما يُظهِرن سخطهن بصفة عامة على الحياة البشرية، ليس القصد التعبير عن لومٍ لأحد، أو المطالبة بأي تغيير. لكن على الرغم من أن النساء لا يتذمَّرن من سلطة الأزواج، فإن كلَّ واحدة منهن تشكو من زوجها عمومًا، أو من أزواج صديقاتها، والشيء نفسه يحدث في جميع حالات العبودية، على الأقل في بداية حركة التحرر، فأقنان الأرض٥٤ لم يتذمَّروا قَط في بداية الأمر من سُلطة سادتهم، وإنما من طغيانهم فحسب. ولقد بدأ عامة الشعب بالمطالبة ببعض الامتيازات الداخلية القليلة، وكانت الخطوة الثانية أنهم طالبوا بإعفائهم من الضرائب التي تُفرَض عليهم دون رضاهم. لكنهم كانوا — حتى ذلك الوقت — يشعرون أنه تطاول لا يليق إذا ما طالبوا بالمشاركة، أو بأي نصيب، في سُلطة الملك وسيادته. ووضع النساء في اليوم الراهن، هو الحالة الوحيدة التي لا يزال الناس ينظرون فيها إلى التمرد ضد القواعد المقرَّرة بنفس النظرة السابقة التي كانوا ينظرون بها إلى حق الرعايا في التمرد ضد الملك؛ فالمرأة التي تنضم إلى أية حركة لا يوافق عليها زوجها تجعل من نفسها شهيدة، حتى لو كان في وسعها أن تكون رسولًا يبشِّر بالمبادئ؛ إذ في وسع الزوج، قانونًا، أن يُوقِف هذا التبشير؛ فلا يمكن أن نتوقع من النساء أن يكرِّسن أنفسهن لتحرير المرأة، قبل أن يكون الرجال، وبأعدادٍ وفيرة، على استعدادٍ للانضمام إليها في هذا الموضوع.
١  هوميروس أعظم شعراء اليونان، صاحب ملحمتَي «الإلياذة» و«الأوديسة»، عاش في القرن التاسع أو الثامن قبل الميلاد. (المترجم)
٢  أرسطو (٣٨٤–٣٢٢ق.م.) المعلم الأول، يُعد واحدًا من أعظم الفلاسفة على مَر العصور، كان تلميذًا لأفلاطون، لكنه تفوق على أستاذه، وخلف مجموعة ضخمة من الكتب جعلته موسوعيًّا في ثقافته؛ مما يبرر إطلاق لقب «المعلم الأول»، على هذا الفيلسوف اليوناني العملاق، كما أُطلِق عليه أيضًا لقب أمير الفلاسفة لسيطرته على الفكر البشري لفترة طويلة. (المترجم)
٣  ميخائيل أنجلو (١٤٧٥–١٥٦٤م) نحات ورسام ومهندس معماري وشاعر إيطالي، يُعَد واحدًا من أعظم الفنانين على مَر العصور، وواحدًا من أعظم رجال عصر النهضة الأوروبية، من أشهر أعماله في النحت «داود» و«موسى»، وفي الرسم «يوم الحساب». (المترجم)
٤  بتهوفن (١٧٧٠–١٨٢٧م) مؤلف موسيقي ألماني، يُعتبر أحد أبرز عباقرة الموسيقى في كل العصور. وضع تسع سيمفونيات، أصيب في أواخر عمره بالصمم شبه الكامل، ولكن ذلك لم يعفه من مواصلة الإنتاج؛ حيث أصدر السيمفونية التاسعة وهو في هذه الحالة. (المترجم)
٥  إليزابيث الأولى — أو أليصابات الأولى — (١٥٣٣–١٦٠٣م)، ملكة إنجلترا وأيرلندا (١٥٥٨–١٦٠٣م)، يُعتبَر عصرها من أزهى العصور في التاريخ الإنجليزي. (المترجم)
٦  دَبورة Deborah امرأة نبية، زوجة لفيدوت «كانت قاضية في إسرائيل، وكان بنو إسرائيل يصعدون إليها للقضاء» (سفر القضاة، الإصحاح الرابع: ٤–٦)، وكانت تترنَّم «لأجل قيادة القُوَّاد في إسرائيل لأجل انتداب الشعب» (الإصحاح الخامس: ١–٣). (المترجم)
٧  جان دارك (١٤١٢–١٤٣١م)، قديسة وبطلة قومية فرنسية، قاتلت الإنجليز في حرب الأعوام المائة، عندما كانوا يحتلون بلادها، قبضوا عليها، وحكموا عليها بالإعدام حرقًا. (المترجم)
٨  موتسارت Mozart (١٧٥٦–١٧٩١م) مؤلف موسيقي نمساوي، يُعَد واحدًا من أعظم عباقرة الموسيقى في جميع العصور. بدأ التأليف الموسيقي وهو طفل في الخامسة، ووضع إحدى وأربعين سيمفونية، ومات في ريعان الشباب، ومن أشهر أعماله «زواج فيجارو» عام ١٧٨٦م، و«دون جيوفاني» عام ١٧٨٧م. (المترجم)
٩  فيكتوريا Victoria (١٨١٩–١٩٠١م) ملكة إنجلترا (١٨٧٢–١٩٠١م)، وإمبراطورية الهند (١٨٧٦–١٩٠١م)، أنهى ارتقاؤها العرش العلاقة بين عرش إنجلترا وهانوفر، بلغت إنجلترا خلال حكمها الطويل أوج رخائها وتوسُّعها، التي أزالت أسوأ المفاسد الاجتماعية التي كانت تعاني منها الطبقات الكادحة. (المترجم)
١٠  هناك الكثير من الملِكات عبر التاريخ في الشرق والغرب، وقد جمعت الكاتبة الإنجليزية «ليدنا فارمر» في كتابها «أشهر ملكات التاريخ» ست عشرة ملكة ممن خلَّد التاريخ ذِكرهن، مثل: سميراميس ملكة آشور (ماتت سنة ٢٠٩٩ق.م.)، وإيزابلا الإسبانية (١٤٥١–١٥٠٤م)، وماري ستيوارت (١٥٤٢–١٥٨٧م) ملكة اسكتلندا، وإليزابيث الأولى (١٥٣٣–١٦٠٣م)، وإليزابيث الثانية (ملكة إنجلترا الآن) … وغيرهن كثيرات. فضلًا عن أسماء شهيرة في القرن العشرين: مارجريت تاتشر، وبي نظير بوتو، ورئيسة وزراء فرنسا، ورئيسية وزراء تركيا «تانسو تشيللر»، وجولدا مائير في إسرائيل … إلخ، ثم يقال لنا بعد ذلك أن المرأة عاطفية، ولا تستطيع أن تحكم! (المترجم)
١١  ويَصدُق ذلك، بصفة خاصة، عندما نضع في اعتبارنا قارة آسيا إلى جانب أوروبا؛ فإذا كانت هناك إمارات هندية حُكمت بحزمٍ ويقظة وقوة اقتصادية، وإذا ما استتب النظام بدون اضطهاد، وإذا اتسعت رقعة الزراعة، وعمَّ الرخاء بين الناس؛ فإن هذه الإمارات تكون تحت حكم امرأة أقل ثلاث حالات من أربع. وقد وقفتُ على هذه الحقيقة، التي لم أكن أتوقعها على الإطلاق، من خبرة ومعرفة رسمية طويلة بالحكومات الهندية. وهناك حالات كثيرة من هذا النوع؛ إذ على الرغم من أن المرأة لا يمكن أن تحكم بمقتضى النظم الهندية، كأن تكون وصية على العرش في المملكة، من الناحية القانونية، حتى يبلغ الوريث رشده. والورثة الصغار للعرش كثيرون؛ حيث إن حياة الحكام الذكور كثيرًا ما تنتهي بسرعة نتيجةً للخمول والكسل والإفراط في إشباع الحواس، وعندما نضع في ذهننا أن هؤلاء الأميرات لم يظهرن أمام الجمهور قَط، ولم يتحدثن إلى أي رجل من غير أفراد أسرهن، إلا من وراء حجاب، وأنهن لا يعرفن القراءة. وإذا كن يعرفنها، فليست هناك كتب بلغتهن تزوِّدهن بأدنى معرفة بالشئون السياسية، فإن المثل الذي يضربنه في القدرة الطبيعية للنساء على الحكم يسترعي النظر حقًّا. (المؤلف)
وعلينا أن نتذكر أن «مل» عُيِّن في ٢١ مايو من عام ١٨٢٣م كاتبًا في شركة الهند الشرقية، وأبدى في عمله من الكفاءة الممتازة والنشاط الملحوظ، ما يسَّر له الترقي، حتى احتل في عام ١٨٥٦م مكان الرئاسة بمرتبٍ بلغ ألفي جنيه في العام. (المترجم)
١٢  شارل الثامن (١٤٧٠–١٤٩٨م) أحد ملوك فرنسا، كانت أخته آن دي بوجيه Anne De Beaujeu وصيَّة عليه وهو قاصر، وهي التي دبَّرت أمر زواجه من آن دي بريتاني، وهو ابن لويس الحادي عشر ملك فرنسا. (المترجم)
١٣  لويس التاسع، أو القديس لويس (١٢١٤–١٢٧٠م) ملك فرنسا (١٢٢٦–١٢٦٨م) ابن لويس الثامن وخليفته. كانت أمه وصيَّة عليه وهو قاصر، كما كانت أكبر مستشاريه حتى وفاتها. كان تقيًّا ورعًا متقشفًا؛ فاكتسب احترام العالم المسيحي، ورفعه الناس إلى مصاف القديسين عام ١٢٩٧م، ويُحتفل بعيده في ٢٥ أغسطس. (المترجم)
١٤  شرلمان: شارل الكبير أو شارل الأول (٧٤٢–٨١٤م) إمبراطور الغرب (٨٠٠–٨١٤م) وملك الفرنجة (٧٦٨–٨١٤م) أكبر أبناء ببين القصير Pepin the Short. (المترجم)
١٥  شارل الخامس (١٥٠٠–١٥٥٨م) إمبراطور فرنسا (١٥١٩–١٥٥٨م)، وملك إسبانيا (١٥١٦–١٥٥٦م) ملك الأراضي المنخفضة ولوكسمبرج، كانت عمَّته مارجريت النمساوية وصية عليه في الأراضي المنخفضة، وهي تُعد مع معلمه أكثر من أثَّر فيه في شبابه. (المترجم)
١٦  ظاهرة سيطرة النساء على الحكم من وراء ستار عندما يحكم الرجال، ظاهرة منتشرة في الحكم الإسلامي أيضًا، فالخيزران والدة الهادي والرشيد كانت حاكمة مستبدة بالأمور الكبار، وكانت المواكب تغدو إلى بابها، كما يقول السيوطي، في تاريخ الخلفاء، ص٢٨٠، وعندما زجرها ابنها عن ذلك عمدت إلى قتله (السيوطي في الصفحة نفسها)، وغير الخيزران كثيرات في تاريخنا. (المترجم)
١٧  كاترين الثانية، أو كاترين العظمى (١٧٢٩–١٧٩٦م) إمبراطورة وقيصرة روسيا (١٧٦٣–١٧٩٦م) أحبها الشعب بقدْر ما كره زوجها لشذوذه ولعدم جدارته في الحكم. أصبحت كاترين قيصرة روسيا بعد وفاة زوجها بطرس الثالث. كانت مثقفة وذكية، أثنى عليها فولتير كثيرًا، تُعد من أشهر حكام العصر الحديث رغم كثرة عشاقها. (المترجم)
١٨  لعل أروع تصوير لهذا الموقف ما ورد في القرآن الكريم عن بلقيس ملكة سبأ التي يصوِّرها على أنها امرأة حكيمة، تتسم برجاحة العقل وسداد الرأي، ونفاذ البصيرة، فهي لا تنفرد باتخاذ القرارات الخطيرة في الدولة، على نحو ما يفعل الحاكم الشرقي عادة، بل عندما تكون على وشك اتخاذ قرار خطير، أو بحث مشكلة هامة، تمس شأنًا من شئون المملكة، أو يتوقف عليها مصير الدولة، تدعو عِلية القوم في مجتمعها للتشاور معهم، ولبحث الموضوع، وتبادل الرأي، وهي بذلك تضع مبدأ سياسيًّا هامًّا، هو أنه لا يجوز للحاكم أن يتخذ قرارًا خطيرًا إلا بعد روِيَّة وتدبُّر وإمعان، ومشاورات مكثفة مع المستشارين والمختصين. فعندما أُلقي إليها كتاب سليمان جمعت المستشارين وكبار رجالات الدولة لتعرض عليهم الكتاب، وقالت: قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (النمل: ٣٢). فماذا كان موقف الرجال الذين يزعم البعض أنهم يرجحونها عقلًا؟ الاندفاع والتهور، وسرعة الانفعال، والتلويح في الحال باستخدام القوة قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ أما هي، فكانت أرجح عقلًا وأبعد نظرًا … إلخ (طالع ذلك كله في كتابنا «الفيلسوف المسيحي والمرأة»، ص١٧٣ وما بعدها). (المترجم)
١٩  نسبة إلى التيوتون Teutons وهم شعب قديم، يُرجَّح أنه جرماني، عاش في الجزء الشمالي من أوروبا، ولقد غزا التيوتون الجزء الشمالي من إيطاليا عام ١٠٢-١٠١ قبل الميلاد، ولكن الرومان أنزلوا بهم هزيمة حاسمة، وكثيرًا ما يُطلَق مصطلح «السلالة التيوتونية» للدلالة على جميع الشعوب الجرمانية. (المترجم)
٢٠  السلت مجموعة من الشعوب الناطقة باللغات السلتية، التي لا تزال حية حتى اليوم في أيرلندا واسكتلندا وويلز وغيرها. وهي في الأصل شعوب كان مهدها جنوب غرب ألمانيا، ومن هناك انتشرت عبر فرنسا، إلى شمال إسبانيا والجزر البريطانية. (المترجم)
٢١  نشطت الكنيسة الكاثوليكية في أيرلندا فيما بعد القرن الخامس الميلادي، وأَخرجت إبان هذه الحقبة علماء ومبشِّرين كثيرين، ساحوا في إنجلترا وأوروبا، وجاء طلاب العلم ينهلون من الأديرة الأيرلندية، التي كانت وقتئذٍ ألمع الهيئات العلمية في أوروبا. (المترجم)
٢٢  يبدو أن هذه الفكرة ظلت قائمة حتى القرن الحالي، إلى أن حطَّمها أينشتين (١٨٧٩–١٩٥٥م) بعد موته، عندما درس العلماء «مُخَّه» — الذي تبرع به — واتَّضح لهم أنه أصغر من الحجم المألوف، ومن ثَم ظهرت نظرية جديدة تقول إن العبقرية لا تكمن في ضخامة المخ، أو حجمه، بل في التجاعيد وعمقها في المخ البشري، وهكذا أصبح صِغر حجم مخ المرأة لا علاقة له بذكائها. (المترجم)
٢٣  هذا الرجل الذي يشير إليه هو رودلف فيركو R. Virchow (١٨٢١–١٩٠٢م)، وهو عالِم أمراض ألماني، وأستاذ لعلم التشريح في جامعة فتسبرج، وأستاذ ثم مدير لمعهد الأمراض في برلين، وقد نشر كتابه الذي يشير إليه «مل» عام ١٨٥٧م. (المترجم)
٢٤  البارون جورج لوبولد كوفييه (١٧٦٩–١٨٣٢م) عالِم حيوان فرنسي، كان أستاذًا للتاريخ الطبيعي في الكوليج دي فرانس، يُعتبَر رائد علم التشريح المقارَن، وضع كتبًا كثيرة، من أشهرها كتابه «دروس في التشريح المقارَن» ١٨٠٠–١٨٠٥م. (المترجم)
٢٥  من أقوال بوذا: «خير لكم من أن تقعوا بين أنياب نمر مفترس، أو تحت ضربة سيف قاطع، يفصل رأسكم عن جسدكم، من أن تساكنوا امرأة. إن امرأة هذا العالم تشتاق أن تعرض قدها، وقوامها في مشيتها، ووقوفها في جلوسها واضطجاعها … إنها ترغب في أن تكون آية جمال لتقتنص قلوب الرجال … انظروا إلى دموعها وبسماتها نظركم إلى عدو خاطف … كذلك انظروا إلى كل حركة من حركاتها التي تستميل بها قلوب الرجال …» (إنجيل بوذا، ترجمة عيسى سابا، ١٩٥٣م، دار صادر، ص١٠٧). (المترجم)
٢٦  حصلت المرأة في العصر الفيكتوري على مركزٍ مرموقٍ بفضل إنكارها، وتعفُّفها عن النشاط الجنسي، واعتبارها رغبات الرجل الجنسية إثمًا. وكانت الطهارة تبدو في غاية الجاذبية بالنسبة للمرأة؛ حتى إنها بالغت في تطبيق معاييرها في اللباس والمظهر الصارم والإفراط في الاحتشام. وكان مجرد الإشارة إلى سيقان النساء يُعتبَر منافيًا للآداب. ولعل هذا ما دعا الرجل الإنجليزي إلى اعتبار المرأة باردةً بطبيعتها. (المترجم)
٢٧  فرانسيس الأول (أو فرانسو الأول)، (١٤٩٤–١٥٤٧م) ملك فرنسا (١٥١٥–١٥٤٧م) كان مثلًا لحكام عصر النهضة، تجرد في تصرفاته من الوازع الخُلقي، مسرفًا، منحلًّا، مفرطًا في اختيار العشيقات. ولكنه كان أيضًا راعيًا للفنون والآداب، فبلغت النهضة الفرنسية في عهده أوج ازدهارها. ولقد جعل هذا الملك للنساء مكانةً عُليا في بلاطه، ومن أقواله: «إن البلاط الذي يخلو من النساء هو حديقة جرداء بغير زهور» وكان شاعر البلاط يقول: «إن المرأة الفرنسية كاملة، لا عيب فيها، فالسرور رائدها، وهي لا تعبأ بالمال، والفرنسيات، مهما قلتَ أو سخرتَ منهن، هن أروع أعمال الطبيعة» ويقول أيضًا: «عندما تجد الغانيات عشيقًا يلُوح بماسة أمام أعينهن الخضراء، فإن رءوسهن تدور.» وعاش الرهبان ورجال الدين أنفسهم هذه الحياة المتهتكة، وصفهم شاعر بقوله: «إنهم لا يتجاسرون على لمس المال، ولكنهم على استعداد لأن يمسكوا بأفخاذ النساء مع أنها أخطر بكثير!» (المترجم)
٢٨  سافو (ازدهرت حوالي عام ٦١٠ إلى حوالي ٥٨٠ق.م.) شاعرة يونانية من مواليد جزيرة Lesbos. رفعها الإغريق إلى مرتبة تكاد تضاهي مرتبة هوميروس. قال عنها أفلاطون: «يقولون إن ربات الفنون تسعٌ، ألَا ما أكثر غباءهم، ألَا فليعلموا أن سافو اللسبوسية هي العاشرة!» (قارن د. إمام عبد الفتاح إمام «أفلاطون والمرأة»، ص١٢٢، مكتبة مدبولي بالقاهرة). ولم يبقَ لنا من آثارها غير شذراتٍ تنم عن حبٍّ عظيم للطبيعية، ومقطوعات غزلية متقدة العاطفة. (المترجم)
٢٩  بندار (٥٨١–٤٣٨ق.م.) أعظم الشعراء الغنائيين عند اليونان، كانت قصائده من النوع الذي يُنشَد بمصاحبة الجوقة، وصلَنا من أغانيه ٤٤ أغنية، كما نظم أناشيد النصر إشادة بالانتصارات التي كان يحرزها الأبطال في الألعاب الرياضية. (المترجم)
٣٠  شاعرة غنائية يونانية، عاشت في عصر الشاعر بندار، وُلدَت في «تناجر»، وأقامت في «طيبة»، يقال إنها كانت تلميذة لهذا الشاعر، لكنها تفوقت عليه في خمس قصائد غنائية، ولم يبقَ لنا من هذه القصائد الغنائية سوى شذراتٍ قليلة. (المترجم)
٣١  كتبنا عنها فصلًا كاملًا في كتابنا «نساء … فلاسفة»، وهو العدد الرابع من سلسلة «الفيلسوف والمرأة»، أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة. (المترجم)
٣٢  كان ذلك في القرن التاسع عشر، أما في القرن الحالي، فلم تُعَد عبارة «مل» مقبولة مع وجود أسماء لامعة في مجال الفلسفة، مثل سوزان ستنج (١٨٨٥–١٩٤٣م)، وحنة أرندت (١٩٠٦–١٩٧٥م)، وسيمون دي بوفوار (١٩٠٨–١٩٨٦م) وغيرهن. (المترجم)
٣٣  مدام دي ستايل Madame de Staël (١٧٦٦–١٨١٧م) أديبة وناقدة فرنسية، ابنة «جاك نيكر» وزير المالية الشهير في عهد لويس السادس عشر، عارضت نابليون بونابرت فأبعدها عن باريس. اشتهرت بصالونها الأدبي الذي كان يختلف إليه نخبة من رُواد الفكر والأدب في عصرها. (المترجم)
٣٤  اسم «جورج صاند» (١٨٠٤–١٨٧٦م) هو الاسم القلمي للروائية الفرنسية آماندين أوروديين، التي برعت في تصوير الحياة في الريف. من أشهر آثارها «قصة حياتي»، عاشت قصتَي حب مثيرتين؛ الأولى مع الشاعر الفرنسي «ألفرد دي موسيه»، والثانية مع الموسيقار البولندي شوبان. (المترجم)
٣٥  فرانز جوزيف هايدن (١٧٣٣–١٨٠٩م) موسيقار نمساوي، يُعتبَر أحد ألمع الوجوه في تاريخ الموسيقى، وواحدًا من أبرز أعلام الموسيقى الكلاسيكية في القرن الثامن عشر. تكشف أعماله عن توازنٍ كاملٍ بين الشكل والمضمون. وضع مائة وأربع سيمفونيات، من أشهرها «الساعة» عام ١٧٩٤م، و«لندن» عام ١٧٩٥م. (المترجم)
٣٦  موتسارت Mozart (١٧٥٦–١٧٩١م) مؤلف موسيقي وعازف بيانو نمساوي. وضع ٤١ سيمفونية. يُعد أحد أعظم عباقرة الموسيقى في جميع العصور، يقال إنه بدأ بالتأليف وهو طفل، من أشهر أعماله «زواج فيجارو» عام ١٧٨٦م، و«أوبرادون جيوفاني» عام ١٧٨٧م. (المترجم)
٣٧  هيباتيا Hypatia فيلسوفة الإسكندرية الشهيرة (٣٧٠–٤١٥م) وابنة «ثيون Theon» أستاذ الرياضيات في متحف الإسكندرية. ورثت عن والدها قدراته الرياضية. ذاع صيتها في الثقافة القديمة، قتلتها مجموعة من رهبان صحراء النطرون ومثَّلوا بجثتها على نحوٍ بشعٍ، ثم قذفوا إلى النار بأعضاء جسدها … إلخ. (قارن د. إمام عبد الفتاح إمام، «نساء فلاسفة في العالم القديم»، مكتبة مدبولي بالقاهرة). (المترجم)
٣٨  هلويزا Heloisa (١١٠١–١١٦٤م) تلميذة اللاهواتي الفرنسي بطرس إبيلارد (١٠٥٧–١١٤٢م) وحبيبته. كانت في السابعة عشرة، وهو في التاسعة والثلاثين. وكانت العلاقة بينهما في البداية سرية إلى أن حملت الفتاة، ثم ولدت ابنًا. فقام أهل الفتاة بقطع أعضاء بطرس الجنسية وهو نائم! دخل بعدها «دير سانت دني» في ضواحي باريس، ودخلت حبيبته «هلويزا» «دير أرجنتي» (قارن د. إمام عبد الفتاح إمام، «الفيلسوف المسيحي والمرأة»، العدد الثالث من سلسلة الفيلسوف والمرأة، مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٦م). (المترجم)
٣٩  هو اللاهوتي الإنجليزي «سير فردريك موريس F. Maurice» (١٨٠٥–١٨٧٢م) من أتباع الكنيسة الرحبة. والمؤسس الرئيسي للاشتراكية المسيحية، ومؤلف عدة كتب هامة، منها «ديانات العالم وعلاقاتها بالمسيحية» عام ١٨٤٣م، والفلسفة الخلقية والميتافيزيقية عام ١٨٤٨م. غير أن الفكرة التي يشير إليها «مل» عرضها سير موريس في مقال له في «مجلة وستمنستر»، عدد أكتوبر، عام ١٨٢٧م. (المترجم)
٤٠  ماري سمرفيل M. Somerville (١٧٨٠–١٨٧٢م) عالمة وكاتبة اسكتلندية في الرياضيات والعلم الطبيعي. أذاعت ميكانيكا العالم الفرنسي «لايلاس» بين المثقفين الإنجليز. قامت بتأليف عدة كتب، منها «أحاديث حول العلم الطبيعي» عام ١٨٣٤م، «علم الجزيئات والميكرسكوب»، عام ١٨٠٦م. سُميت كلية «سمرفيل»، في أكسفورد على اسمها تخليدًا لذكراها. (المترجم)
٤١  لعل «مل» يقصد بهذه الإشارة إلى امرأتين كتبتا في الاقتصاد السياسي على وجه التحديد، الأولى: جين مارست J. Marcet مؤلفة كتاب «أحاديث حول الاقتصاد السياسي»، لندن، عام ١٨١٦م. والثانية: «هاريت مارتينو» مؤلفة كتاب «نماذج توضيحية عن الاقتصاد السياسي»، في تسعة مجلدات، لندن، عام ١٨٣٢–١٨٣٤م. (المترجم)
٤٢  الأبستاق Avesta هو الكتاب المقدس في الديانة الزرادشتية، والكلمة فارسية تعني «المتن». وهناك Zend أي الشروح على الأبستاق، أي الشروح على المتن. وكل من تعلق بالشروح وحدها أطلقوا عليه لقب «زندي»، أي الذي لا يتمسك بالمتن أو الجوهر، ويقال إنها اللفظ الذي تحوَّل في اللغة العربية، فيما بعد، إلى «زنديق». (المترجم)
٤٣  هذا هو ما أعلنه «مل» صراحةً في إهدائه كتاب الحرية إلى زوجته السيدة هاريت تيلور، التي أحبها أكثر من واحد وعشرين عامًا قبل أن يتزوجها عام ١٨٥١م؛ حيث يعلن أنه مَدين لها بأفضل أفكاره يقول: «إلى ذكرى حبيبتي التي تبعث في نفسي الحسرة والشجن، ذكرى مَن كانت مصدر إلهامي، كما كانت، إلى حدٍّ ما، المؤلف الذي كتب أفضل ما كتبتُ … إلخ» راجع ترجمتنا لكتاب «أسس الليبرالية السياسية»، ص١١٥، أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة. (المترجم)
٤٤  طراز معماري نشأ في الجزء الشمالي من فرنسا، وانتشر في أوروبا الغربية، من منتصف القرن الثاني عشر إلى نهاية القرن الخامس عشر للميلاد. وتتميز الكاتدرائيات القوطية، والمباني القوطية عمومًا، بالضخامة والارتفاع الشاهق، وبكثرة النوافذ، حتى تستغرق القسم الأكبر من الجدران، والأقواس والعقود الحادة، ومن أشهرها «كاتدرائية كولون»، التي بدأ تشييدها عام ١٢٤٨م. (المترجم)
٤٥  رفائيل (١٤٨٣–١٥٢٠م) رسام ومهندس معماري إيطالي، يُعتبر أحد أعظم الفنانين العالميين في مختلف العصور. أسهم في زخرفة الفاتيكان. من أشهر أعماله «مادونا» و«الدفن» و«العذراء» … إلخ. (المترجم)
٤٦  جون رسكن John Ruskin (١٨١٩–١٩٠٠م) كاتب وناقد فني. كان ذا أثر رئيسي في تكوين الذوق الفني العام في إنجلترا في عهد الملكة فيكتوريا. من أشهر آثاره: «الرسامون المحدثون»، وأيضًا «مصابيح فن العمارة» عام ١٨٤٩م. (المترجم)
٤٧  السير يشوع رينولدز Sir Joshua Reynolds (١٧٣٣–١٧٩٢م) رسام إنجليزي، يُعتبَر عند بعض النقاد أعظم الرسامين الإنجليز في كل العصور، تميزت لوحاته بغنى الألوان، من أشهر لوحاته «سن البراءة» و«كيتي فيشر بوصفها كليوباترا». (المترجم)
٤٨  جوزيف وليم تيرنر J. W. Turner (١٧٧٥–١٨٥١م) رسام رومانسي بريطاني، برع في استخدام اللون والضوء على نحوٍ أصيل، جعله أحد الفنانين الإنجليز القلائل الذين تركوا أثرًا في أعمال رسَّامي القارة الأوروبية. من أشهر أعماله «هانيبال يعبُر جبال الألب»، عام ١٨١٢م، و«ديدو تبني قرطاجة»، عام ١٨١٥م. (المترجم)
٤٩  يبدو أن الجهد العقلي الذي يبذله الرجل ليتمكَّن من الوصول إلى الحقيقة هو نفس الجهد الذي يبذله للوصول إلى الفكرة السليمة عما هو صواب في مسائل الزينة، وما هو صواب من مبادئ الفن الثابتة … كما أن مركز الكمال واحد، رغم أن المركز هنا في نطاقٍ أضيق، ولتوضيح ذلك بمثالٍ نذكر «موضة الملابس» التي تسمح بوجود ذوق جميل وذوق رديء. إن مكونات الملبس تتغير على الدوام بين المكونات العظيمة والمكونات الصغيرة، ومن القصير إلى الطويل، وإن كانت الصورة العامة تظل باقية؛ إذ تظل نفس الملابس العامة ثابتة نسبيًّا، رغم ثباتها على أساسٍ واهٍ جدًّا، لكنه أساس ينبغي أن يعتمد عليه الذوق في الملبس. ومن يبتكر شيئًا يلقَى نجاحًا في هذا المضمار، أو الذي يلبس على أحسن ذوق، يستطيع، في الأعم الأغلب، أن يكشف عن مهارة مماثلة إذا استخدم نفس الحكمة في أغراضٍ أعظم. أو يصل إلى نفس الذوق السليم في أرفع أعمال الفن (راجع سير يشوع رينولدز «أحاديث»، الحديث السابع). (المؤلف)
٥٠  هذه المرأة التي يشير إليها «مل» هي، على الأرجح، فلورنس نايتنجيل Florence Nightingale (١٨٢٠–١٩١٠م) وهي مُصلِحة إنجليزية في القرن التاسع عشر، عُرفَت باسم «السيدة التي تحمل المصباح في يدها». ولدت في فلورنسا بإيطاليا من أسرة ثرية، ودرست فن التمريض، وعملت في مستشفى لندن لرعاية المرضى من النساء، عام ١٨٥٣م. ثم استطاعت أن تجمع خمسين ألفًا من الجنيهات الإسترلينية لإقامة مؤسسة لفن التمريض. كانت أول امرأة تنال وسام الاستحقاق Order of Merit عام ١٩٠٧م، غير أن الكتاب الذي يشير إليه «مل»، كان — فيما يبدو — معروفًا لديه، لكنه لم يُنشَر قَط، ومن ثَم لم يرَ النور، كما كان الفيلسوف يتمنى! (المترجم)
٥١  هذه العبارات للشاعر الإنجليزي جون ملتون J. Milton (١٦٠٨–١٦٧٤م)، وقد ذكرها في قصيدة رثاء بعنوان «ليسيداس Lycidas» نظمها عندما غرق صديقه الشاب إدوارد كنج، وأسهم ملتون في كتابٍ تذكاري عن كنج بهذه القصيدة، التي دعا فيها إلى احتقار الملذات، الذي اعتبره جوهر الروح النبيلة، كتب القصيدة عام ١٦٣٨م. (المترجم)
٥٢  للأسف، إن ذلك ما يحدث الآن في عالم المرأة، حتى إن أستاذنا المرحوم د. زكي نجيب محمود كتب، أكثر من مرة، عن «رِدة في عالم المرأة» بعد التطور الرائع الذي حققته المرأة العربية بصفة عامة، والمصرية بصفة خاصة، في أوائل هذا القرن. (المترجم)
٥٣  للأسف أيضًا أن ذلك ما يحدث الآن في عالم الرجل، عندما نجد عشرات المثقفين يدافعون عن الحُكم الدكتاتوري، وكأن لسان حالهم يقول أهناك ضربٌ آخر من الحكم؟ وهل عرف تاريخنا غير حكم الطغيان؟ (راجع كتابنا عن «الطاغية»، الطبعة الثالثة، مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٧م). (المترجم)
٥٤  «أقنان الأرض» هم العبيد الذين يكونون مِلكًا للأرض لا لصاحبها، بمعنى أنه إذا باع هذه الأرض، فإن البيع يتضمن في الحال بيع العبيد معها، فهم أشبه بالأدوات أو الآلات التي ترتبط بالأرض؛ ومن هنا لا يجوز بيعهم في استقلالٍ عن الأرض. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦