الفصل الرابع

تحرير المرأة من قيودها

من مميزات تحرير المرأة:

  • أن تقوم العلاقات البشرية على العدل لا الظلم.

  • مضاعفة المَلَكات العقلية المتاحة لخدمة البشر.

  • توجيه تأثير النساء في الغالبية العظمى من مشاعر البشر ومعتقداتهم … إلخ.

(مل)

يبقى أمامنا سؤال، لا يقِل، في أهميته، عن الموضوعات التي سبق أن ناقشناها، وسوف يطرحه، بإلحاحٍ، المعارضون الذين اهتز إيمانهم، إلى حدٍّ ما، بالنقطة الرئيسية. وهذا السؤال هو: ما هي الفائدة المرجوة، أو الخير المتوقع، الذي يمكن أن يعود علينا، من التغييرات التي نطالب بها، في عاداتنا ومؤسساتنا؟ هل سيكون الجنس البشري أفضل في أي جانب إذا ما تحررت النساء؟! وإذا لم يكن الأمر كذلك، فلماذا نزعج أرواحهن وعقولهن بمحاولة القيام بثورة اجتماعية باسم الحق المجرد؟!

من الصعب أن نتوقع أن يُطرَح مثل هذا السؤال فيما يتعلق بالتغييرات المقترَحة في أوضاع النساء في الزواج. فألوان العذاب والمعاناة، والأمور اللاأخلاقية، والشرور من كل لون، التي تنشأ في حالاتٍ لا حصر لها، بسبب استعباد أفرادٍ من الرجال لأفرادٍ من النساء، شيء مرعب جدًّا، لا نستطيع أن نغض عنه الطرف. إن الأشخاص الذين لا يفكرون، أو غير المخلصين، يحصون فقط تلك الحالات الصارخة أو القصوى، أو التي ذاعت بين الناس، ويقولون عنها إنها حالاتٌ استثنائية من الشرور. ولكن لا أحد يستطيع أن يغمض العينين، فلا يراها، ويعترف بوجودها، بل بقسوتها في كثيرٍ من الحالات. ومن الواضح تمامًا أن إساءة السلطة لا يمكن أن يكبح جماحها تمامًا ما دامت السلطة باقية. وذلك لأن السلطة لا تُمنَح للفضلاء من الرجال فحسب، ولا للمحترفين، أو المهذَّبين منهم، بل تُمنَح للرجال بصفة عامة، وأحيانًا لأشدهم وحشيةً، وأعتاهم إجرامًا. وليس هناك من كابحٍ سوى الرأي العام، غير أن أمثال هؤلاء الرجال لا يصل إليهم في العادة من الرأي العام سوى آراءِ مَن على شاكلتهم. فإذا لم يطغ أمثال هؤلاء، بوحشية، على الموجود البشري الوحيد الذي يُرغمه القانون على تحمُّل أي شيء منهم (وهو المرأة)؛ فلا بد أن يكون المجتمع قد وصل بالفعل إلى جنة رضوان. ولن تكون هناك ثمة حاجة بعد ذلك لقوانين تكبح جماح نزعات الرجال السيئة. ولا بد أن تكون «آستريا» Astraea١ وقد عادت مرة أخرى إلى الأرض، وأصبح لها معبد حتى في قلب أسوأ رجل. إن قانون العبودية في الزواج يعبِّر عن تناقضٍ صارخٍ مع جميع مبادئ العالم الحديث، ولكل تجربة مرَّت بها هذه المبادئ ببطء وألم. إنها الحالة الوحيدة الآن، بعد إلغاء رق الزنوج، التي يُوضَع فيها موجود بشري، بكامل قواه العقلية، تحت رحمة موجود بشري آخر، على أمل ألَّا يستعمل هذا الأخير ما خُوِّل إليه من سلطة إلَّا لخير الشخص الخاضع ولمصلحته؛ فالزواج هو بالفعل حالة العبودية الوحيدة التي يعرفها القانون الإنجليزي؛ فلم يعد هناك، من الناحية القانونية، عبيد سوى ربة كل منزل.
ومن ثَم، فلن يكون هذا الجانب من الموضوع هو الذي يحتمل أن يطرحه السؤال: إذن ما الفائدة من طرحه Cui Bono؟! قد يقال لنا إنَّ كفة الشر سوف ترجح كفة الخير، إلا أن وجود الخير كحقيقة واقعة مسألة لا شك فيها، غير أنه فيما يتعلق بالسؤال الأكبر الخاص بإزالة قيود النساء — أعني الاعتراف بمساواتهن بالرجال في كل ما يتعلق بحقوق المواطنة — وفتح أبواب جميع الأعمال المحترمة أمامهن، وكذلك التعليم والتدريب اللذين يؤهلان لهذه الأعمال، هناك أشخاص كثيرون لا يكفيهم أن يكون هذا التفاوت غير عادل، وليس لهذه اللامساواة أي مبرر مشروع، بل إن هؤلاء يحتاجون أن نحدد لهم المزايا الواضحة التي تعود علينا بإزالة هذا التفاوت.
فلنقُل لهم منذ البداية إن هذه المزايا هي، أولًا وقبل كل شيء، تنظيم العلاقات البشرية كلها تنظيمًا كليًّا شاملًا، يقوم على العدل وليس الظلم. وما تظفر به الطبيعة البشرية من مَغنم هائل، من جراء هذا التنظيم، لا يكاد يكون من الممكن بلوغه بأمثلة توضيحية، ولا يمكن أن يُلقى عليه ضوء أقوى من ذلك إذا ما صيغ في مجرد كلماتٍ بالنسبة لشخصٍ ترتبط لديه الكلمات بمعنًى أخلاقي؛ فجميع النزعات والميول الأنانية، وعبادة الذات وتفضيلها تفضيلًا غير منصف — وهي الصفات السائدة بين البشر — مصدرها وجذورها، بل والمنبع الذي تستمد منه غذاءها الرئيسي هو الوضع الحالي للعلاقة بين الرجل والمرأة، خُذ مثلًا صبيًّا صغيرًا ينمو حتى يصل إلى طور الرجولة، بلا أية قدرات ولا مواهب خاصة، وهو يعتقد أنه — حتى إذا كان من أتفه البشر جميعًا، وأشدهم جهلًا، وأعظمهم بلادةً وجمودًا — أسمى من كل امرأة، بل ومن نصف الجنس البشري بأسره (أي: جنس النساء) — لمجرد أنه وُلِد ذكرًا، بما في ذلك بعض النساء اللائي يتفوقن عليه حقًّا، ويشعر هو نفسه من تجربته اليومية، بل يشعر كلَّ ساعة، أنهن أسمى منه. وحتى إذا كان يتبع، في العادة، توجيه وإرشاد امرأة في سلوكه، فإنه إذا كان أحمق، فإنه لا يعتقد بالطبع أنها ليست مساوية له في قدراته وأحكامه، ولا يمكن أن تكون ندًّا له. وإذا لم يكن أحمق فإنه يفعل ما هو أسوأ؛ إنه يرى أنها أسمى منه، لكنه يعتقد أنها، رغم سُموها، من حقه أن يأمرها، وعليها أن تطيع. فما هو الأثر الذي يتركه هذا الاعتقاد على شخصيته؟ إن الرجال من الطبقات المثقفة لا يدركون في كثيرٍ من الأحيان إلى أي عمقٍ يصل هذا الأثر في أذهان الغالبية العظمى من الرجال؛ ذلك لأن التفاوت وعدم المساواة بين الرجل والمرأة يظل بعيدًا عن الأنظار عند الناس المهذبين أصحاب التربية السليمة، وقبل كل شيء بعيدًا عن أنظار الأطفال. فالأبناء مطالَبون بنفس القدر من الطاعة لأمهم مثل أبيهم، ولا يُسمَح لهم بالسيطرة على أخواتهم من الإناث، كما أنهم لم يعتادوا أن يروا تفضيلًا لهم عليهن، بل على العكس، فإننا نجد أن تعويضات الشعور بالشهامة تكون مرموقة أكثر، في حين يتوارى الإحساس بالعبودية إلى الخلف. وهكذا نجد أن الشباب الذين يحظون بتربية حسنة بين الطبقات العُليا في المجتمع، كثيرًا ما يتجنَّبون الآثار السيئة للموقف في سنواتهم المبكرة، ولا يتعرضون لها إلا بعد أن يقعوا تحت سيطرة الوقائع كما هي فعلًا عندما يبلغون طور الرجولة. أمثال هؤلاء الناس لا يدركون، إلا بقدرٍ ضئيل، في أية سن مبكرة تُزرع في ذهن الصبي، لا سيما إذا نشأ بطريقة مختلفة، فكرة سُموه عن الفتاة، وكيف تنمو مع نموه وتقوى مع قوته. ثم كيف يغرسها التلميذ في المدرسة في ذهن زميله. وفي أية سنٍّ مبكرة يعتقد الشاب أنه أسمى من أمه. وقد يشعر أنه مَدين نحوها بالحلم والصبر، ولكن ليس بالاحترام الحقيقي. وكيف يشعر بشعور السلطان بسُموه نحو المرأة التي يُضفي عليها شرف أن تكون شريكة حياته. فهل يمكن أن نتخيل ألَّا يؤدي ذلك كله إلى انحراف طريقة وجود الرجل بأسرها كموجودٍ فردٍ، وموجودٍ اجتماعي في آنٍ واحد؟ إن ذلك يوازي بالضبط شعور الملك (الذي نال العرش بالوراثة) أنه أسمى من الآخرين جميعًا لأنه وُلد ملكًا، أو شعور النبيل أنه وُلد نبيلًا. إن العلاقة بين الزوج وزوجته هي نفسها العلاقة بين السيد الإقطاعي وتابعه، باستثناء أن الزوجة مطلوب منها طاعة غير محدودة أكثر مما كان مطلوبًا من التابع. وأيًّا ما كان الأثر الذي تركه هذا الاستعباد في التابع، سواء أكان أثرًا حسنًا أم سيئًا، فمن الذي يستطيع ألَّا يرى أن الأثر الذي تركه في السيد بالغ السوء؟ سواء اعتقد أن أتباعه أسمى منه حقًّا، أو شعر بأنه وُضِع على رأس أناس مساوين له، دون أية ميزة حقيقة له سوى أنه، كما قال «فيجارو»، تحمَّل مشقة المَولِد.٢ وعبادة الذات لدى الملك أو السيد الإقطاعي يقابلها عبادة الذات لدى الذكور؛ فالموجودات البشرية لا تنشأ منذ طفولتها على امتلاك ميزاتٍ لم تكسبها بنفسها دون أن يترك ذلك فيها أثرًا. إن أولئك الذين تثير فيهم المميزات غير المكتسَبة، التي يشعرون بأنها أكثر مما يستحقون، هم القِلة الفاضلة، أما الآخرون، فإنها تبعث فيهم الكبرياء، بل أسوأ أنواع الكبرياء، وهو الذي يستند، في تقدير ذاته، على ميزاتٍ عارضة، ليست من إنجازه هو. وقبل كل شيء آخر، عندما يكون الشعور بالسمو على الجنس الآخر مصحوبًا بسيطرة شخصية على واحدة منه، فإن الموقف إذا كان يمثِّل مدرسة الضمير والتسامح بالنسبة لأولئك الذين يتميزون بالضمير والحب، فإنه بالنسبة للرجال الذين من النوع الآخر أكاديمية أو مدرسة للتدريب على الزهو الكاذب والغرور والعجرفة، وهي رذائل إذا كُبحَت في علاقاتهم مع الرجال الآخرين لتأكُّدهم من أن أندادهم سوف يتصدُّون لهم بالمقاومة، فإنها تنفجر في جميع أولئك الذين يكونون في وضعٍ يُرغَمون فيه على تحمُّلهم، ولهذا تراهم كثيرًا ما ينتقمون لأنفسهم بدورهم من زوجة سيئة الحظ نتيجة لما يُضطرون إليه من كبتٍ في مكانٍ آخر.

إن المثل الذي تقدمه الحياة المنزلية المبنية على علاقة متناقضة مع مبادئ العدل الاجتماعي، والأثر الذي تتركه، لا بد أن يؤدي بطبيعة الإنسان ذاتها، إلى الانحراف؛ بحيث يكاد يستحيل أن نرتفع بخيالنا، مع خبرتنا الحاضرة، إلى تصوُّر مدى ضخامة التغيُّر إلى الأفضل إذا ما تخلَّصنا منه. إن كل ما تفعله التربية والحضارة لمحو آثار قانون القوة على الشخصية، وإحلال قانون العدالة بدلًا منه، يظل مجرد تأثيرٍ سطحي ما دامت قلعة العدو لم يهاجمها أحد. إن مبدأ الاتجاه الحديث في الأخلاق والسياسة هو أن السلوك، والسلوك وحده، هو الذي يجعله مستحقًّا للاحترام: أعني أن استحقاق الرجل للاحترام لا يعتمد على وضعه، بل على عمله؛ فهو الذي يؤهِّله للتوقير والتبجيل، وهو وحده، قبل أي شيء آخر، الذي يجعل استخدامه للقوة والسلطة مشروعًا، وليس مجرد المولِد. فإذا لم يكن يسمح للموجود البشري بالسلطة (لا تكون بطبيعتها مؤقتة) على موجود بشري آخر، فإن المجتمع البشري لن يشغل نفسه ببناء خِصالٍ بيمينه ليهدمها بيساره. إن الطفل لأول مرة، منذ وجود الإنسان على الأرض، سوف يتدرب في هذه الحالة على الطريق الذي ينبغي أن يسير فيه، ولا يُخشى عليه من الانحراف عن هذا الطريق عندما تتقدم به السن. ولكن ما دام حق القوي في التسلط على الضعيف هو السائد في قلب المجتمع، فسوف تشهد محاولة إقامة المساواة بين القوي والضعيف، وهي المبدأ في أفعاله الخارجية، صراعًا طويلًا وشاقًّا، لأن قانون العدالة، وهو أيضًا قانون الديانة المسيحية، لن يستحوذ على مشاعر الناس الداخلية؛ لأنهم سيعملون في تصرفاتهم على نحوٍ يضاده، حتى عندما يلتزمون به.

والفائدة الثانية المَرجوة التي نتوقعها من منح النساء حرية استغلال مَلَكاتهن بأن نترك لهن حرية الاختيار في عملهن، وأن نفتح أمامهن ميادين العمل ذاتها المتاحة للرجال، بنفس المكافأة، ونفس التشجيع الذي تحظى به الموجودات البشرية الأخرى، أقول إن الفائدة الثانية المتوقعة هي مضاعفة المَلَكات العقلية المتاحة للخدمات الرفيعة للبشرية، فحيثما يوجد الآن شخصٌ واحدٌ مؤهل لنفع البشرية، ودعم الصالح العام، كأن يكون مدرِّسًا أو مديرًا لفرعٍ ما من الخدمات الاجتماعية أو الخدمات العامة، ففي هذه الحالة ستكون الفرصة مواتية لوجود شخصين. كما أن التفوق العقلي الآن من أي نوعٍ أقل كثيرًا، في كل مكان، مما هو مطلوب؛ إذ إن هناك نقصًا شديدًا في الأشخاص من أصحاب الكفاءة القادرين على إنجاز الأعمال الممتازة، التي تتطلب مقدرة كبيرة، ولذلك فإن خسارة العالم تكون خطيرة جدًّا وعظيمة حقًّا عندما نرفض استخدام نصف المقدار الذي يمتلكه من مواهب، وصحيح أن هذا المقدار من المواهب الذهنية لم يُفقَد تمامًا؛ لأن قسمًا كبيرًا منه يُستخدَم — أو سوف يُستخدَم — على كل حال في إدارة الأعمال المنزلية، وفي المهن القليلة الأخرى المتاحة للنساء. كما أن لما تبقى أثرًا كبيرًا، بطريقة غير مباشرة، في حالات فردية مختلفة ومنوعة، من خلال الأثر الشخصي الذي تتركه امرأة بعينها لا بد لنا أن نقدِّرها من ناحية، بوصفها نتيجةً مستخلَصة من مقدار القوة الاجتماعية الجديدة التي سنحصل عليها من تحرير المرأة، أعني تحرير نصف مجموع المَلَكات الذهنية للبشر، فينبغي علينا أن نضيف إليها فائدة الحث على المنافسة، التي ستتاح لأذهان الرجال، أو، إذا أردنا أن نستخدم تعبيرًا أصح، الضرورة التي ستُفرَض عليهم حتى يستحقوا الوضع المتفوق الذي يتوقعون الحصول عليه.

وهذه الإضافة الضخمة للقدرة الذهنية للنوع البشري، وللمقدار المتاح من العقل لإدارة الأمور إدارة حسنة، يمكن أن نصل إليها، إلى حدٍّ ما، عن طريق تربية النساء تربيةً ذهنية أفضل، وهي لا بد أن تتحسَّن — في وقتٍ واحدٍ Pari passu — مع تحسن تربية الرجال؛ إذ سوف تنشأ النساء، بصفة عامة، مثل الرجال تمامًا قادرات على فهم الأعمال والشئون العامة، وعلى إدراك الأمور العُليا للتفكير النظري، متساويات مع الرجال من نفس طبقتهن. أما القِلة المختارة من هذا الجنس، أو ذاك، المؤهَّلة، لا فقط لفهم ما يفعله الآخرون أو يفكرون فيه، بل المؤهَّلة لأن تفعل هي نفسها، وأن تفكر هي نفسها، في أشياء عظيمة، سوف تستمتع بنفس التسهيلات في تدريب مَلَكاتها، وتحسين قدرتها، عند هذا الجنس أو ذاك. وبهذه الطريقة يتسع نطاق عمل المرأة من أجل الصالح العام، وذلك برفع تربيتها إلى مستوى تربية الرجل، وبجعل كلٍّ منهما يستفيد من تحسُّن الطرف الآخر، ويشارك فيه. لكن بغض النظر عن ذلك، فإن مجرد كسر الحواجز وتحطيمها سيكون له، في حد ذاته، فضيلة تربوية ذات قيمة كبرى. فمجرد التخلص من فكرة أن الموضوعات الأوسع نطاقًا في الفكر والعمل، وجميع الأمور التي تتصل بالصالح العام، هي من اختصاص الرجال، وأن النساء مستبعَدات من هذا الميدان، الذي يحرَّم بالقطع على معظمهن، زاد من وعي المرأة بأنها موجود بشري مثل أي موجود بشري آخر، وأن لها الحق في اختيار العمل الذي تريده، تحثُّها وتدفعها الحوافز ذاتها التي لدى أي شخص آخر للاهتمام بأي شيء يهم الجنس البشري، وأن لها الحق في أن يكون لها تأثير في شئون البشر كأي فردٍ آخر، سواء حاولت الاشتراك فيها أم لا، وهذا وحده يمثِّل تقدمًا ضخمًا في مَلَكات النساء، واتساعًا في آفاق مشاعرهن الأخلاقية.
وفضلًا عن الإضافة إلى كمِّ المواهب الفردية المتاحة لإدارة شئون البشر، وهي بالقطع ليست كثيرة في الوقت الراهن إلى الحد الذي يمكن معه أن تستغني عن نصف ما منحته الطبيعة، فإن رأي النساء سوف يكون له أثر مفيد، وإن لم يكن كبيرًا، في الغالبية العظمى من مشاعر البشر ومعتقداتهم. وإنما أقول أثر مفيد، وإن لم يكن كبيرًا، لأن تأثير النساء على النبرة العامة للرأي العام كان باستمرارٍ، أو على الأقل منذ أقدم العهود التي تعرفها، بارزًا جدًّا؛ فالأثر الذي تتركه الأم على الشخصية الأولى لابنها، ورغبة الشبان في التقرب من الفتيات، كانا في جميع الأوقات عاملَين هامَّين في تشكيل الشخصية، وحدَّدا بعض الخطوات الرئيسية في تقدُّم الحضارة. وحتى في عصر «هوميروس» كان الشعور بالخجل Aidos أمام الطرواديات اللائي يضعن خمارًا، مثيرًا قويًّا للفعل، فضلًا عن أنه يبرر تصرفات هكتور Hector٣ العظيم. وكان للتأثير الأخلاقي عند النساء أسلوبان في العمل؛ الأسلوب الأول: هو الأثر اللين اللطيف؛ فأولئك الذين كانوا عُرضة، أكثر من غيرهم، لأن يكونوا ضحايا العنف، كانوا يعمدون، بطبيعة الحال، إلى تحديد نطاقه، والتخفيف من حدَّته. أما أولئك الذين لم يتعلَّموا فن القتال، فقد كانوا يميلون ميلًا طبيعيًّا إلى أي أسلوب لتسوية الخلافات غير القتال. وبصفة عامة: فإننا نجد أن أولئك الذين تعرضوا أكثر من غيرهم للمعاناة والعذاب بسبب إغراقهم في انفعالات الأنانية، كانوا أكثر المؤيدين وأشدهم حماسة، للقانون الأخلاقي الذي يقدم الوسائل لكبح هذه الانفعالات. فقد كان النساء عنصرًا قويًّا في حثِّ غزاة الشمال على اعتناق الديانة المسيحية؛ فهي عقيدة كانت أفضل كثيرًا لدى النساء من أي عقيدة سابقة عليها. ويمكن أن نقول إن اعتناق الأنجلو ساكسون٤ والفرانك Franks.٥ للديانة المسيحية بدأ بزوجتي إثلبرت Ethelbert،٦ وكلوفيس Clovis.٧ أما الأسلوب الثاني الذي كان تأثير النساء فيه على الرأي العام واضحًا جدًّا، فهو إعطاء مثير قوي لتلك الصفات في الرجال التي لم تتدرب عليها النساء. وكان من الضروري للغاية بالنسبة لهن أن تتوافر فيمن يقوموا بحمايتهن: كالشجاعة والفضائل الحربية بصفة عامة، وهي الصفات التي كانت في جميع الأوقات مَدينة بالكثير لرغبة الرجال في الحصول على طريقة لنَيل إعجاب النساء، ويمتد تأثير هذا الباعث إلى أبعد من هذه المجموعة من الصفات البارزة بسبب التأثير الطبيعي لوضعهن. فإذا جمعنا بين هذين النوعين من التأثير المعنوي الذي تمارسه النساء، انبثقت أمامنا روح الفروسية؛ التي من سِماتها العجيبة الجمع بين أعلى مستوًى من صفات القتال ونوع آخر لفئة مختلفة، أتم الاختلاف من الفضائل، وأعني بها صفات الرقة، والكرم، وإنكار الذات نحو الفئات غير العسكرية، والضعفاء، ممن لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم بصفة عامة، مع استسلام خاص، بل وعبادة موجَّهة نحو النساء اللائي يتميزن عن غيرهن من الفئات الضعيفة الأخرى بأنهن يملكن مكافأة ضخمة يقدمنها طواعية لمن يحاولون الحصول على الحظوة عندهن، بدلًا من أن يفرضوا عليهن الخضوع. وعلى الرغم من أن ممارسة الفروسية كانت عملًا يقِل في المستوى النظري كثيرًا عنه في المستوى العملي، حتى إن الهوة تتسع، في فن الفروسية، بين النظرية والتطبيق؛ فإن الفروسية تظل مع ذلك من أثمن ما حققه التاريخ الأخلاقي للجنس البشري، بوصفها مثلًا ملحوظًا على المحاولة المنسقة والمنظمة التي يقوم بها مجتمع ممزَّق غير منظم، لتحقيق مَثل أعلى للأخلاق وتطبيقه عمليًّا، متقدمًا جدًّا على الأوضاع الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية القائمة، لدرجة أن إحباطه الكامل في تحقيق هدفه الأساسي لم يمح أثره مع ذلك تمامًا، بل ترك انطباعًا طيبًا ذا قيمة عالية في أفكار ومشاعر جميع العصور التالية.

ويمكن أن نقول إن المثل الأعلى للفروسية هو الذروة التي وصل إليها تأثير مشاعر النساء على التهذيب الأخلاقي للجنس البشري، وإذا كان على المرأة أن تظل في وضعها الثانوي، فإنه لمن المؤسف أن ينقضي زمن الفروسية، لأنه الفن الوحيد، على الإطلاق، القادر على تخفيف المؤثرات اللاأخلاقية لهذا الوضع. غير أن التغييرات التي طرأت على الحالة العامة للنوع البشري، جعلت من الضروري وضع مَثل أعلى أخلاقي مختلف ليحل محل فن الفروسية، ذلك لأن الفروسية كانت محاولة لنشر العناصر الأخلاقية في أوضاع مجتمعٍ كان كل شيء فيه يعتمد، سواء في الخير أو الشر، على القدرة الفردية، تحت المؤثرات الملطِّفة للرقة والكرم عند الفرد. أما في المجتمعات الحديثة، فقد أصبح كل شيء يُحسم، حتى في الأمور الحربية، لا بالجهد الفردي، بل بعملياتٍ جماعية لعددٍ من الأفراد. في حين تحوَّل الشغل الشاغل لمجتمعٍ من ميدان القتال إلى ميدان الأعمال والصناعة، ولا يُشترَط أن تكون متطلبات الحياة الجديدة بعيدة عن فضائل الكرم الذي كان سائدًا في الحياة القديمة. ولكنها لم تعُد تعتمد عليها اعتمادًا تامًّا؛ فلا بد أن تكون الأسس الرئيسية للحياة الأخلاقية في العصور الحديثة هي العدالة، والفطنة، واحترام كل فردٍ لحقوق كل فرد آخر، وقدرة كل إنسان على العناية بأموره الخاصة. لقد تركت الفروسية جميع صور الظلم والخطأ قائمة في المجتمع بغير كابحٍ قانوني، وكل ما فعلته أنها شجعت بعض الأفراد على تفضيل الحق والعدل على الخطأ والظلم، بأن لفتت الأنظار إلى عبارات المديح والإعجاب. غير أن الاعتماد الحقيقي للأخلاق لا بد أن يقوم، بصفة مستمرة، على الجزاء القانوني؛ فهو القوة القادرة على ردع الشر؛ لأن أمن المجتمع لا يمكن أن يعتمد على إضفاء صفة الشرف على الحق فحسب، فذلك لا يشكِّل سوى حافزٍ ضعيف جدًّا لدى الجميع باستثناء قلة، وهناك كثيرون لا يتأثرون به على الإطلاق. إن المجتمع الحديث يستطيع كبت الخطأ في جميع قطاعات الحياة، عن طريق استخدام القوة الأعلى التي منحتها له الحضارة بصورة مناسبة، وبذلك يجعل وجود الأعضاء الضعفاء في المجتمع محتمَلًا بالنسبة لهم (فقد أصبح في استطاعتهم الدفاع عن أنفسهم عن طريق حماية القانون لهم) دون الاعتماد على الثقة في مشاعر الفروسية عند أولئك الذين يكونون في وضعٍ يمكِّنهم من الطغيان. ولا يزال جمال وبهاء شخصية الفارس كما هو، لكن حقوق الضعفاء والراحة العامة في الحياة البشرية، أصبحت تقوم الآن على دعامة أشد رسوخًا، وأقوى يقينًا مما كانت في الماضي، أو بالأحرى أصبحت كذلك في كل علاقة من علاقات الحياة فيما عدا العلاقة الزوجية.

ولا يصل التأثير الأخلاقي والمعنوي للنساء في الوقت الحاضر عما كان عليه في الماضي، لكنه لم يعُد محددًا، واضح المعالم، كما كان: فقد اندمج أكثر، تقريبًا، مع ما يتركه الرأي العام من أثرٍ: سواء عن طريق عدوى المشاركة الوجدانية، أو رغبة الرجال في أن يكون لهم بريق في أعين النساء. فقد صار لمشاعرهن بذلك تأثيرٌ كبيرٌ في المحافظة على ما بقي من المُثُل الأعلى للفروسية، في دعم مشاعر روح الكرم، واستمرار تقاليدها، ومستواهن في نقاط الشخصية هذه أرفع من مستوى الرجال. أما في موضوع العدالة، فمستواهن أدنى إلى حدٍّ ما، أما فيما يتصل بعلاقات الحياة العامة، فإننا نستطيع أن نقول بصفة عامة إن تأثيرهن، إجمالًا، يعمل على تشجيع الفضائل الرقيقة، ولا يشجع على الفضائل الجامدة، وإن كان ينبغي علينا أن نضع في اعتبارنا جميع التعديلات التي تعتمد على شخصية الفرد. أما فيما يتعلق بالتجربة الرئيسية من بين التجارب الكبرى التي تتعرض لها الفضيلة في شئون الحياة — الصراع بين المصلحة والمبدأ — لتأثير النساء، ففيها اتجاه مختلط الطابع تمامًا. وعندما يحدث أن يكون المبدأ المقصود هو أحد المبادئ القليلة التي انطبعت فيهن، بقوة بتأثير التربية الدينية أو الأخلاقية، فإنهن يصبحن مساعِدات نشطات للفضيلة، وكثيرًا ما يدفعن أزواجهن وأبناءهن إلى أعمالٍ فيها إنكار للذات، ما كانوا ليقوموا بها بدون تأثيرهن، غير أن الحاضر للنساء، وللتربية لا ينطوي على مبادئ عن الفضيلة تنطبع فيهن إلا في أضيق نطاق، كما أنها، في الأعم الأغلب مبادئ سلبية، كتحريم أعمالٍ معينة، لكن لا صلة لها بالتوجُّه العام للأفكار والأهداف. وأخشى أن أقول إن النزاهة في السلوك العام في الحياة، وتكريس الطاقة لأغراضٍ لا تجلب ميزاتٍ خاصة للأسرة؛ هي أمور نادرًا ما تشجعها النساء، أو تعمل على تأييدها. ونحن لا نلومهن كثيرًا لعدم تشجيعهن لأمورٍ لم يتعلمن أن فيها فائدة، كما أنها تجتذب الرجال منهن، ومن مصالح الأسرة. والنتيجة هي أن تأثير النساء كثيرًا ما يكون غير إيجابي للفضيلة العامة. غير أن للنساء إسهامًا في التأثير في أخلاق المجتمع، ما دام أن مجال نشاطهن قد اتسع قليلًا، وما دام أن كثيرات منهن قد انشغلن في الاهتمام العملي، بدعم أغراض تتجاوز نطاق بيتها وأسرتها. ولقد ظهر أثر النساء بدرجة كبيرة في خاصيتَين تميزت بهما الحياة الأوروبية الحديثة هما: النفور من الحرب، والاتجاه نحو الأعمال الخيرية، وهما صفتان ممتازتان. غير أنه إذا كان لتأثير النساء قيمةٌ في التشجيع الذي يضفيه على هذه المشاعر بصفة عامة، فإن التوجه الذي يضفيه عليها في التطبيقات الجزئية كثيرًا ما يكون له — لسوء الطالع — مضاره على أقل تقدير بقدر فوائده. فأهم ميدانَين للنساء، من زاوية الأعمال الخيرية بصفة خاصة، هما التبشير الديني والإحسان. وليس التبشير الديني داخل البلاد سوى تعبيرٍ آخر عن زيادة حدة المشاحنات الدينية ومرارتها، أما التبشير الديني خارج البلاد، فهو في العادة اندفاع أعمى نحو غرضٍ ما، دون تبيُّن الأضرار القاتلة — وهي قاتلة بالنسبة للغرض الديني نفسه، ولجميع الأغراض المرغوبة الأخرى — أما فيما يتعلق بالإحسان، فهو موضوع قد يكون فيه تناقض شديد بين الفوائد المباشرة التي تعود على الأشخاص الذين يتعلق بهم الإحسان، والنتيجة النهائية بالنسبة للصالح العام، في حين أن تربية النساء، بأسرها، وأعني بها عادةً الاهتمام بالفوائد المباشرة التي تعود على الأشخاص، وليس الاهتمام بالفوائد البعيدة التي تعود على الطبقات التي ينتمي إليها هؤلاء الأشخاص. وذلك يجعلهن غير قادرات على رؤية الأضرار التي تلحق بكل إحسان، أو أي عمل خير تتجه إليه مشاعرهن، كما يجعلهن غير مستعداتٍ للاعتراف بذلك. إن ذلك القدْر العظيم، والمستمر في الزيادة، من الأريحية غير المستنيرة قصيرة النظر في تولي رعاية حياة الناس بدلًا منهم، وتخليصهم من النتائج السيئة لتصرفاتهم، يقوض الأسس ذاتها لاحترام النفس، ومساعدة النفس، وضبط النفس، وهي الشروط الجوهرية لرخاء الفرد وللفضيلة الاجتماعية في آنٍ معًا. وهذا الهدر في مصادر المشاعر الخيرية الناتج من تأدية الأفعال المؤذية، بدلًا من الأفعال الطيبة، يتضخم بمشاركة النساء، وعملهن على إثارتها، بما لهن من تأثير. غير أن ذلك لا يعني أنه خطأ، من المحتمَل أن ترتكبه النساء، إذا ما ترك لهن بالفعل إدارة وتنظيم الأعمال الخيرية، بل إنَّ ما يحدث أحيانًا أن النساء اللائي يُدرن الإحسان العام يدركن ببصيرتهن في الواقعة الحاضرة، لا سيما في أذهان ومشاعر أولئك الذين يتصلون بهن مباشرة، وهو أمر تتفوق فيه النساء، عادة، على الرجال؛ أقول إن النساء يدركن بوضوحٍ التأثير اللاأخلاقي للصدقات أو المساعدات التي تُمنَح للآخرين، كما أنهن يستطعن إلقاء دروسٍ في هذا الموضوع على كثيرٍ من الذكور والمشتغلين بالاقتصاد السياسي. غير أن النساء اللائي يعطين نقودهن فحسب، ولا يقفن وجهًا لوجه أمام الآثار التي تترتب على ذلك، فكيف نتوقع منهن أن يتنبَّأن بها؟ فالمرأة التي وُلدَت في قلب المصير الحالي للنساء، ورضيت به، وقنعت بنصيبها، كيف يمكن لها أن تقدِّر قيمة الاستقلال الذاتي؟ إنها ليست مستقلة ذاتيًّا، ولم تتعلم أن تعتمد على نفسها، وتستقل بذاتها، بل إن قدَرها أن تتلقَّى كل شيء من الآخرين، فلماذا إذن يكون ما ترضى به، ويكون خيرًا بالنسبة لها، يكون سيئًا بالنسبة للفقراء؟ إن أفكارها المألوفة عن الخير أنه نِعم وعطايا تهبط على الشخص من أعلى، وتنسى أنها ليست حرة، مع أن الفقراء أحرار، وأنهم إذا ما أخذوا ما يحتاجون إليه من غير جهد ولا كسب، فلا أحد يستطيع إرغامهم على العمل بعد ذلك، وأنه لا يمكن لكل فرد أن يتولَّى رعاية كل فرد آخر، بل لا بد من وجود حافز يدفع الناس إلى العناية بأمورهم ومصالحهم هم أنفسهم. وأن مساعدة الناس على أن يساعدوا أنفسهم، إذا كانوا قادرين جسميًّا، هو الإحسان الوحيد الذي ثبت أنه إحسان في النهاية.

وتظهرنا هذه الاعتبارات على مدى فائدة الدور الذي تقوم به النساء في تكوين الرأي العام، وهو دور سيكون أفضل إذا ما تم توسيع نطاق تعليمهن، وممارستهن العملية للأشياء التي يكون لهن فيها تأثير ونفوذ. وهو أمر يترتب بالضرورة على تحررهن الاجتماعي والسياسي. ويكون التحسُّن والتقدم اللذان تحققهما كل امرأة في أسرتها الخاصة بها لهما من تأثير خاص في هذه الأسرة سيكون أكبر كثيرًا من ذلك.

كثيرًا ما يُقال إنه في الطبقات الأكثر تعرضًا للغواية فإن زوجة الرجل وأطفاله يتجهون إلى أن يبقى الرجل أمينًا ومخلصًا ومحترمًا، بتأثير الزوجة المباشر، وبما يشعر به من اهتمام نحو تحسين مستواهم في المستقبل. وقد يكون ذلك صحيحًا، وهو كثيرًا ما يكون صحيحًا، بالنسبة للأشخاص الضِّعاف أكثر مما هو بالنسبة للأشرار، وهذا التأثير المفيد سوف يبقى ويقوى في ظل قوانين المساواة؛ فهو لا يعتمد على عبودية المرأة، بل على العكس من ذلك، يضعف عدم الاحترام الذي يشعر به الرجل من الطبقات الدنيا في قلوبهم نحو مَن يكونون خاضعين لسلطانهم. لكن عندما نرتفع في السُّلم الاجتماعي، فإننا نصل إلى مجموعة من القُوى المحركة مختلفة أتم الاختلاف؛ إذ يميل تأثير الزوجة — حسب نطاقه — إلى منع الزوج من الهبوط إلى مستوًى أقل من المستوى الذي تقبله البلاد، كما يميل، بنفس القدر، إلى إعاقة صعوده وتجاوزه لهذا المستوى؛ فالزوجة هي العامل المساعد للرأي العام المألوف. والرجل الذي يتزوج من امرأة أقل منه ذكاءً يجدها باستمرار عبئًا ثقيلًا، بل ربما أسوأ من ذلك، فقد تكون عقبة أمام كل طموح لديه لتحسين مستواه، وليكون أفضل ما يطلبه الرأي العام. ويكاد يكون من المستحيل على الشخص المقيَّد بهذه الطريقة أن يبلغ آفاق الفضيلة الرفيعة. فإن اختلفت آراؤه عن آراء الجمهور، إذا رأى مجموعة من الحقائق لم تشرق عليه شمسها بعد، أو إذا شعر في قلبه بحقائق لا يعترف بها الجمهور إلا اسمًا فحسب، فمن حقه أن يرتفع في سلوكه إلى مستوى هذه الحقائق بوعي أكثر من عامة البشر. ويمثِّل الزواج، أمام جميع هذه الأفكار والرغبات، أكبر عقبة، اللهم إلا إذا كان الرجل سعيد الحظ بزوجةٍ تعلو على المستوى المألوف على نحو ما يكون عليه هو نفسه.

إذ المطلوب دائمًا بعض التضحية للمصالح الشخصية، سواء منها ما يتعلق بالمكانة الاجتماعية أو الموارد المالية، بل ربما تطلَّب الأمر المخاطرة حتى بوسائل العيش. وقد يكون الرجل على استعداد لأن يواجه بنفسه هذه التضحيات والمخاطر، لكنه يتردد كثيرًا قبل أن يفرضها على أسرته. وأسرته في هذه الحالة تعني زوجته وبناته؛ لأن الأمل سيراوده دائمًا بأن أبناءه الذكور سيشعرون بمثل شعوره هو نفسه. وأن ما يستطيع الاستغناء عنه، يستطيعون هم أيضًا الاستغناء عنه، بإرادتهم، ولنفس السبب. أما بناته، فربما توقف زواجهن على هذا الأمر، في حين أن زوجته التي لا تستطيع أن تشارك في الأهداف أو أن تفهمها، وهي الأهداف التي تبذل من أجلها هذه التضحيات، وهي إذا اعتقدت أنها تستحق أية تضحية، فإنما تفعل ذلك ثقةً منها في زوجها، أو من أجله فحسب؛ فإنها لا تستطيع المشاركة في حماسه، أو ما يشعر به من رضًا عن نفسه، في الوقت الذي تكون فيه الأشياء المُراد التضحية بها هي كل شيء بالنسبة لها. وفي هذه الحالة ألَا يتردد أفضل الرجال، وأكثرهم بُعدًا عن الأنانية، طويلًا قبل أن يحمِّل زوجته معه هذه النتائج؟ وحتى إذا لم يكن الأمر متعلقًا بالمخاطرة براحة الحياة، بل بالوضع الاجتماعي فحسب، فإن العبء على ضميره ومشاعره يكون قاسيًا جدًّا. إن كلَّ مَن له زوجة وأبناء، فهو أشبه بمن سلَّم رهائن إلى «مسز جروندي Mrs. Grundy»٨ وربما لا يعنيه الحصول على رضا المجتمع (الذي أسلم له رهائنه)، ولكن الأمر ذو أهمية بالغة لزوجته؛ فقد يكون الرجل نفسه فوق مستوى الرأي العام، أو قد يجد تعويضًا مقنعًا في رأي أولئك الذين يشاركونه في الاتجاه، ولكنه لا يملك تعويضًا يقدمه للمرأة التي ارتبطت به. وتميل الزوجة — وهو ميل لا يتغير تقريبًا عند كل زوجة — إلى أن تضع تأثيرها ونفوذها في كفة واحدة مع المكانة الاجتماعية، وهو ميل يُتخَذ في بعض الأحيان حُجة ضد الزوجة، أو تُلام عليه النساء بصفة عامة. ويُصوَّر على أنه يمثِّل سِمة متميزة من الضعف والطفولة في شخصية المرأة، وهو بالقطع ظلم فادح، لأن المجتمع جعل حياة الزوجة بأكملها — في الطبقات الموسرة — تضحية مستمرة بالنفس، ثم يعود فيطالبها بكبحٍ لا هَوادة فيه لكل ميولها الطبيعية، والشيء الوحيد الذي يقدمه مقابل هذا الاستشهاد هو المكانة. غير أن مكانتها ترتبط برباطٍ لا ينفصم بمكانة زوجها، غير أنها بعد أن تدفع ثمنه كاملًا، تكتشف أنها فقدته، دون أن تجد لذلك أي مبرر. لقد ضحَّت بحياتها كلها من أجل هذه المكانة، ويجب ألَّا يضحي بها زوجها من أجل نزوة عارضة، أو هوًى في نفسه، أو عمل طائش، أعني من أجل شيء لا يعترف به العالم، ولا يسمح به، بل يتفق العالم معها في أنه حماقة، ما لم يكن أسوأ من الحماقة! وكثيرًا ما يقع الرجال من أهل الجدارة والاستحقاق في هذا المأزق، ممن قد لا يملكون مواهب تؤهلهم للظهور بين أولئك الذين يتفقون معهم في الرأي، ولكنهم مع ذلك يعتنقون رأيهم عن إيمان، ويشعرون أنهم مُقيَّدون بشرفهم وضمائرهم لخدمة هذا الرأي، بالإعلان عن إيمانهم، وتضحيتهم بالوقت والجهد والمال في سبيله. وأسوأ الحالات جميعًا هي تلك التي يكون فيها أمثال هؤلاء الرجال من مرتبة أو مركز اجتماعي لا يوفِّر لهم، من تلقاء ذاته، ولا يستثنيهم مما يُعتبَر أفضل جماعة. وعندما يتوقف بلوغهم هذه الجماعة، بصفة أساسية، على ما يعتقد فيهم من الناحية الشخصية، ومهما تكن تربيتهم، ونشأتهم، وعاداتهم ممتازة، فإن سلوكهم العام وآراءهم إذا لم ترُق لأولئك الذين يوجِّهون الرأي في هذه الجماعة؛ استُبعدوا منها. وكم من امرأة داهنت نفسها، وامتلأت غرورًا (وهي مخطئة تمامًا في تسعة أعشار الحالات)، وظنَّت بأنه ليس ثمة ما يمنعها، أو يمنع زوجها، من ارتياد أرقى المجتمعات المجاورة لها — وهي مجتمعات يرتادها بحرية أشخاص آخرون تعرفهم جيدًا، ومن نفس طبقتها — لولا أن زوجها من الخارجين، أو «المنشقين»، لسوء الطالع، أو من المعروف عنهم اختلاطهم بالساسة الراديكاليين من طبقاتٍ دنيا. وهذا في رأيها ما يحُول دون حصول ابنها «زيد» على بعثة أو مركز طيب أو مكانة، أو يعوق زواج ابنتها «كارلين» زيجة مناسبة، بل يمنعها هي نفسها، ويمنع زوجها، من الحصول على دعوات، وربما على مراتب شَرفية، تحصل عليها الأخريات، ممن هن جديرات مثلها بهذه الأمور. ومع وجود مثل هذا الأثر والتأثير في كل منزل، الذي يعمل إما بصورة إيجابية نشطة، أو يعمل بصورة أقوى عندما لا تتبيَّنها الأسرة، أيكون هناك مَدعاة للدهشة أو العجب حين نجد أن الناس، بصفة عامة، يبقون في تلك الوسطية من الاحترام، التي أصبحت علامة بارزة تتميز بها العصور الحديثة؟!
هناك وجه آخر بالغ الضرر، وإن لم يكن في الواقع نتيجةً مباشرة لقيود النساء، وإنما يرجع إلى الهوة الواسعة للفروق التي تخلقها هذه القيود بين تربية النساء، وما تستتبعه من شخصية للمرأة وبين تربية الرجل وشخصيته. وهو وجه يحتاج إلى أن نُولِيه قدرًا من العناية؛ فليس ثمة ما هو أسوأ منه للاتحاد بين الأفكار والميول التي تُعَد بمثابة المَثَل الأعلى للحياة الزوجية. فإذا تخيلنا أنه يمكن أن يكون هناك ارتباط وثيق بين شخصين يختلفان اختلافًا جذريًّا، فذاك حلم أجوف، إن اللاتشابه يمكن أن يجذب، ولكن التشابه هو الذي يبقى، وبمقدار ما يكون هناك تشابه بين الأفراد، فإن كلًّا منهما يمكن أن يقدِّم للآخر حياةً سعيدةً. ولما كان النساء لا يشبِهن الرجال إلى هذا الحد، فلا غرو أن يشعر الأنانيون من الرجال بحاجتهم إلى سلطة تعسفية في أيديهم تضع حدًّا in limine لتصادم الميول طوال الحياة، وذلك يحسم جميع الأمور كما يرونها. وعندما يكون هناك فردان غير متشابهَين إلى أقصى حدٍّ، فلن تكون هناك هُوية حقيقية لمصالحهما. وكثيرًا جدًّا ما يكون هناك اختلاف بين الزوجين في الإخلاص، أو الإحساس بالضمير، حول رأي يتعلق بنِقاط سامية للواجب. فإذا حدث ذلك، هل يكون هناك اتحاد حقيقي بين الزوجين؟ ومع ذلك، فهذا الخلاف ليس أمرًا نادر الحدوث لا سيما إذا كانت للمرأة شخصية جادة، وتلك حالة عامة ومنتشرة في البلاد الكاثوليكية، عندما تؤيدها في عدم اتفاقها مع زوجها، السلطة الأخرى الوحيدة التي تعلمت أن تحني لها رأسها، وأعني بها سلطة القسيس. وهناك، عادة، وجه سافر للسلطة التي لا ينازعها منازع، وبهذا الوجه السافر يهاجم الكُتاب البروتستانت والكُتاب الليبراليون (التحرريون) نفوذ القساوسة، لا على أنه سيئ في حد ذاته، وإنما لأنه سلطة تنافس وتحض على التمرد ضده، والثورة على عصمته من الخطأ. وكثيرًا ما توجد خلافات من هذا القبيل في إنجلترا، عندما ترتبط زوجة إنجيلية (أي بروتستانتية)، بزوجٍ من طائفة دينية أخرى. لكن في استطاعتنا أن نقول إن هذا المصدر للخلاف، على الأقل، فقد تم القضاء عليه، وذلك بردِّ أذهان النساء إلى عَدَمٍ؛ بحيث لا يكون لديهن أفكار سوى أفكار «مسز جروندي»،٩ أو الأفكار التي يقول بها أزواجهن. وعندما لا يكون هناك خلاف في الرأي، فإن مجرد الاختلاف في الذوق قد يكون كافيًا للحد كثيرًا من السعادة في الحياة الزوجية. وعلى الرغم من أن زيادة حدة الاختلافات التي قد تكون أصيلة بين الجنسَين، عن طريق الاختلاف في التربية، قد تثير عواطف الرجل، فإن ذلك لا يؤدي إلى السعادة في الزواج. وإذا كان الزوجان شخصَين مهذَّبَين، فإن كلًّا منهما سوف يتحمَّل ذوق الآخر. لكن هل التحمُّل المتبادَل هو الشيء الذي يتطلع إليه الناس عندما يتزوجون؟! إن هذه الاختلافات في الميول سوف تجعل، بطبيعة الحال، رغباتهم مختلفة، في كل ما يظهر من مشكلاتٍ عائلية ما لم تحجمها عاطفة الواجب أو الواجب ذاته. فالمجتمع الذي يرغب كلٌّ منهما في ارتياده، والاختلاط به، سيكون مختلفًا؛ إذ إن كلًّا منهما سوف يرغب في الارتباط بمن يشاركه في ذوقه. والأشخاص الذين يوافقون أحد الزوجَين، سيكونون ممن لا يعتنون بالآخر، أو ممن لا يوافقونه تمامًا. ومع ذلك فلا يمكن أن يكون هناك شخص يمثِّل العامل المشترك بينهما، لأن الأزواج لا يعيشون الآن في أجزاءٍ مختلفة من المنزل، ويحملون قوائم لزياراتٍ مختلفة أتم اختلاف، على نحو ما كانت الحال في عهد لويس الخامس عشر.١٠ ولا يستطيع الزوجان أن يتجنَّبا الاختلاف في الرأي فيما يتعلق بتربية الأطفال، فكلٌّ منهما سيريد لهم أن ينشئُوا على ذوقه ومشاعره، وعندئذٍ لا بد من إيجاد حلٍّ وسط لا يُرضي الطرفين إلا نصف رضًا، أو أن تذعن الزوجة، مما يترتب عليه في كثيرٍ من الأحيان معاناة مريرة، ويستمر تأثيرها الخفي، عن عمدٍ أو غير عمد، في العمل، ضد ما أراد زوجها.
وسوف يكون من السخف، إلى أقصى حدٍّ، أن نفترض أن هذه الاختلافات في المشاعر والميول لا توجد إلا بسبب أن النساء ينشأن نشأة مختلفة عن نشأة الرجل، وأنه يمكن ألَّا تكون هناك اختلافات في الذوق تحت أي ظروف نتخيلها. غير أن الواقع بالفعل هو أن التمييز في النشأة يزيد حدة هذه الاختلافات على نحوٍ خطير، ويجعلها حتمية تمامًا. وما دام أن النساء ينشأن كما ينشأن الآن، فلن يجد الرجل والمرأة أحدهما في الآخر ذلك الاتفاق الحقيقي في الأذواق والرغبات في الحياة اليومية اللهم إلا نادرًا. وهما عادة يقلعان عن التفكير في أمر هذا الاتفاق باعتباره شيئًا لا أمل فيه، كما يقلعان عن محاولة تحقيق ذلك النوع من العلاقة الوثيقة في حياتهما اليومية؛ بحيث «يحبان ويكرهان نفس الأشياء Idem velle, idem nolle». وتلك هي الرابطة المعترَف بها في أي مجتمع يكون حقًّا على هذا النحو. وإذا ما نجح الرجل في الوصول إليها، فإنه يفعل ذلك باختياره امرأةً منعدمة الشخصية تمامًا؛ بحيث لا تستطيع أن نقول «أحب أو أكره» على الإطلاق! بل على استعدادٍ لأن توافق على هذا الشيء، أو ذاك، عندما يُطلَب منها ذلك. غير أن هذا التقدير نفسه عُرضة للفشل؛ فالغباء وضعف العقل والشخصية ليسا دائمًا ضمانًا للخضوع الذي يُتوقَّع منها بثقة تامة. لكن حتى إذا كانا كذلك، فهل هذا هو المَثَل الأعلى للزواج؟ وما الذي يحصل عليه الرجل من مثل هذا الزواج سوى خادمة راقية أو ممرضة أو خليلة؟! وعلى العكس من ذلك، عندما يكون كلٌّ من الطرفين صاحب شخصية، بدلًا من أن يكون منعدم الشخصية، وعندما يتعلق كلٌّ منهما بالآخر، ولا يكونا مختلفين منذ البداية أكثر مما ينبغي، فالمشاركة المستمرة في الأشياء نفسها تدعمها المشاركة الوجدانية، تستخرج وتكشف القدرات الكامنة لكلٍّ منهما في اهتمامه بالأشياء التي كانت في البداية تهم الطرف الآخر فحسب. كما تعمل هذه المشاركة، بالتدريج، على توحيد الأذواق والطبائع بينهما، بتعديل كلٍّ منهما، إلى حدٍّ ما، بطريقة غير محسوسة، بل وبتعديل كلٍّ منهما أكثر من ذلك عن طريق الإثراء الحقيقي لطبيعتيهما بأن تكتسب كلُّ شخصية أذواق الشخصية الأخرى إلى جانب أذواقها هي. وكثيرًا ما يحدث ذلك بين صديقين من نفس الجنس، يختلطان ببعضهما البعض بكثرة في الحياة اليومية. ويمكن أن يكون ذلك حالة مألوفة إن لم يكن أكثر الحالات ألفة في الزواج. وإذا لم يجعل الاختلاف الكامل في نشأتهما، من المستحيل، تقريبًا، قيام اتحاد حقيقي بين الزوجين. ولكن إذا ما تم علاج ذلك، فسيظل هناك، على الأقل، كقاعدة عامة، وحدة كاملة، واتفاق فيما يتعلق بالأهداف الكبرى في الحياة، بالغًا ما بلغت الاختلافات التي قد تُوجد بعد ذلك في الأذواق الفردية. فعندما يهتم شخصان بنفس الأهداف الكبرى، فإن الواحد منهما يساعد الآخر ويشجعه في كل ما يتعلق بها. أما النقاط الصغيرة التي قد لا تتفق فيها أذواقهما، فلن تكون لها عندهما كل هذه الأهمية، وسيكون بينهما أساس صُلب لصداقة ذات طابعٍ مستمر، تجعل كلًّا منهما يجد متعة أكثر من أي شيء آخر، طوال الحياة كلها، في إعطاء الآخر أكثر مما يجدها في الأخذ منه.

لقد درستُ حتى الآن الآثار التي تعتمد على مجرد عدم التشابه بين الزوج والزوجة في متعة الزواج وفوائده، غير أن الميل إلى الشر يتضخم ويتضاعف عندما يكون اللاتشابه هو الدونية، فاللاتشابه المحض، عندما يعني اختلافًا في الصفات الطبيعية، فقد تكون له فوائده في طريقة الإصلاح المتبادَل، أكثر مما له من مضار. فعندما يرغب كلٌّ منهما في اكتساب صفة الآخر التي لا يشترك معه فيها، ويعمل على ذلك، فإن الاختلاف لا يؤدي إلى تبايُن في المصالح، بل إنها تزداد اتحادًا، وبذلك يجعل كلًّا منهما أكثر قيمةً بالنسبة للآخر. ولكن عندما يكون أحدهما أدنى من الثاني كثيرًا في القدرة العقلية والتحصيل، ولا يحاول بهِمة أن يرتفع إلى مستوى الآخر وبمساعدته؛ فإن أثر الارتباط على تطور المتفوق منهما يكون سيئًا، وهو يكون أشد سوءًا في الزواج السعيد منه في الزواج التعس. إن المتفوق في الذكاء لا يستطيع أن يحصِّن نفسه ضد العواقب عندما يُغلِق على نفسه الأبواب مع شخصٍ أدنى منه، ويختار هذا الشخص الأدنى شريكًا له. وكل شركة لا تنمو وتتحسَّن لا بد أن تتقهقر وتنهار، وكلما كانت هذه الشركة أوثق وأكثر ألفة ازداد التقهقر والانهيار مع عدم النمو والتطور. وحتى الرجل الممتاز يبدأ هو الآخر في الانهيار كلما اعتاد أن يكون في صحبة الملك (كما يقول المثل الشائع)، ويكون الزوج في هذه الصحبة المعتادة إذا كانت زوجته أدنى منه. وعلى حين أنه يشعر بلا انقطاعٍ بالرضا عن النفس من ناحية، فإنه يتشرَّب، دون أن يحس، أساليب الشعور، وأساليب النظر إلى مسائل تخص عقلًا فجًّا محدودًا أدنى من عقله هو. ويختلف هذا الشر عن كثيرٍ من الشرور التي عالجناها حتى الآن في أنه شرٌّ متزايد. فصحبة الرجال والنساء في الحياة اليومية أصبحت أوثق، وأكمل مما كانت عليه، في أي وقتٍ مضى؛ فقد صارت حياة الرجال منزليةً أكثر، في حين أن متعتهم ومشاغلهم المختارة، فيما مضى، كانت بين الرجال، وفي صحبة الرجال. أما زوجاتهم، فلم يكن يشعلن من حياتهم سوى شذرة صغيرة، وأما في الوقت الحاضر، فإن تقدُّم الحضارة، وتحوُّل الرأي العام ضد المُتع الجافة الفجة، والإسراف في المسرَّات التي كانت تشغل معظم الرجال في أوقات راحتهم، وربما ينبغي علينا أن نقول إنه إلى جانب تحسُّن اتجاه المشاعر الحديثة، فيما يتعلق بتبادل الواجب الذي يلتزم به الرجل نحو زوجته، فقد اندفع الرجل أكثر نحو بيته، وأهل بيته، في طلب المتعة الشخصية والاجتماعية، في حين أن التحسُّن الذي طرأ على تربية المرأة، من حيث الكم والكيف، جعلها إلى حدٍّ ما قادرة على مصاحبة زوجها في الأفكار والأذواق. غير أن هذا التحسُّن لا يزال، في معظم الحالات، غير كافٍ، حتى إن النساء بقيت أدنى من أزواجهن بطريقة يائسة. ومن ثم، فرغبته في الصحبة العقلية تجد على هذا النحو إشباعًا عامًّا في صحبة طرفٍ لا يتعلم منه شيئًا، وهكذا تحل صحبة لا تتحسَّن، ولا تثير فكرًا (محل ما كان سيضطر إلى البحث عنه لو لم يكن الأمر كذلك)، أعني محل صحبة أقرانه وأنداده في القدرات، وزملائه في الأهداف العليا. ومن ثَم، فنحن نرى أن الشبان الواعدين بمستقبلٍ عظيمٍ يتوقفون عادةً عن التحسن بمجرد أن يتزوجوا، وعدم التحسن يعني هنا، بالقطع، التقهقر والتدهور. فما لم تدفع الزوجة زوجها إلى الأمام، فإنها تشده دائمًا إلى الخلف، فهو يتوقف عن الاهتمام بالأمور التي لا تهتم بها زوجته، ولا تعود لديه الرغبة في الصحبة التي توافق طموحه السابق، والتي ستكون سببًا في شعوره بالخجل عندما يهبط عن مستواها، فينتهي به الأمر إلى تجنبها، والنفور منها. ولا يعود هناك ما يثير مَلَكاته العُليا إلى النشاط والعمل، سواء أكانت مَلَكات الذهن أو القلب. ويتفق حدوث هذا التغيُّر مع ظهور المصالح الأنانية الجديدة التي تخلقها الأسرة، وبعد سنوات قليلة لا يختلف في أي شيء مادي عن أولئك الذين لم تراودهم قَط رغبة سوى التفاهات الشائعة، والأهداف المالية المألوفة.

ولن أحاول أن أصف كيف يمكن أن يكون الزواج بين شخصَين مثقفَين متحدَين في الآراء والأهداف، ويوجد بينهما أفضل ألوان المساواة والتشابه في القدرات والمَلَكات مع التفوق المتبادَل فيها، بحيث يستطيع كلٌّ منهما أن يحظى بمتعة التطلُّع إلى الآخر، وبمتعة متبادَلة أن يقود ويُقاد في طريق التطور. ذلك لأنه بالنسبة لأولئك الذين يستطيعون تصوُّر هذا النوع من الزواج، فليس ثمة ما يدعو إلى وصفه، أما بالنسبة لأولئك الذين لا يستطيعون تصوُّره، فإنه سيبدو حلم رجل متحمس. ولكني أؤكد، بإيمانٍ عميقٍ، بأن هذا الضرب من الزواج — وحده — هو المثل الأعلى للزواج، وأن جميع الآراء والعادات والأنظمة والمؤسسات التي تدعو لصالح أية فكرة أخرى، أو تحوِّل التصورات والتطلعات، المرتبطة بالزواج، نحو اتجاه آخر، هي مجرد آثار باقية من الهمجية البدائية أيًّا ما كانت المبررات والادِّعاءات التي تقول بها. إن مرحلة التجديد الأخلاقي للجنس البشري لن تبدأ حقًّا إلا عندما تطبق قاعدة المساواة العادلة على أساسيات العلاقات الاجتماعية. وعندما تتعلَّم الموجودات البشرية أن تهذِّب أقوى مشاعرها مع ندٍّ ونظيرٍ في الحقوق والثقافة.

تحدَّثنا حتى الآن عن المنافع التي يمكن أن يجنيها العالم عندما يكف عن جعل الجنس مبررًا للحرمان من المزايا، وعلامة على الخضوع والاستعباد، والواقع أن هذه المنافع اجتماعية أكثر منها فردية، وتتألَّف من زيادة الرصيد العام للفكر والقدرة العاملة، وتحسِّن الظروف العامة لارتباط النساء بالرجال. ولكننا إذا أغفلنا الفائدة المباشرة، أو المكسب الذي لا يُقدر السعادة الخاصة لنصف الجنس البشري (النساء) الذي سيتحرر، نكون قد بخسنا القضية حقها بشكلٍ خطيرٍ، فالمسألة بالنسبة لهذا النصف (أي النساء) هو الفرق بين حياة الخضوع للآخرين، وحياة الحرية العقلية؛ فالحرية هي أثمن وأقوى حاجات الطبيعة البشرية بعد الضرورات الأولية من غذاءٍ وكساء. وعندما يكون البشر بلا قانون، تكون رغبتهم هي الحرية بلا قانون، وعندما يتعلمون فهم معنى الواجب وقيمة العقل، فإنهم يجنحون أكثر فأكثر إلى الاهتداء بهما في ممارسة الحرية، غير أن رغبتهم في الحرية لا تكون بذلك أقل، فهم لا يصبحون مستعدين لقبول إرادة الآخرين على أنها تمثل وتفسر بهذه المبادئ التي يهتدون بها. بل على العكس من ذلك؛ فالمجتمعات التي تثقَّف فيها العقل ثقافةً عالية، وبلغت فيها فكرة الواجب الاجتماعي أقصى قوتها، هي المجتمعات التي أكدت بقوة أكثر حرية الفعل عند الفرد، وحرية كل شخص في أن يحكم سلوكه بمقتضى شعوره بالواجب، وبمقتضى القوانين والضوابط الاجتماعية التي يستطيع ضميره أن يتعهد بها.

إن مَن يقدِّر قيمة الاستقلال الشخصي، حقَّ قدره، بوصفه عنصرًا من عناصر السعادة، ينبغي عليه أن يفكر في القيمة التي يضفيها هو نفسه على هذا الاستقلال كعاملٍ من عوامل سعادته هو. وليس ثمة موضوع يدور حوله الاختلاف، في العادة، أكثر من الاختلاف المألوف بين حكم رجل على نفسه، وحكمه على الآخرين في نفس الموضوع. فعندما يسمع شكوى الآخرين من عدم السماح لهم بحرية الفعل، ومن أن إرادتهم ليس لها التأثير الكافي في تنظيم أمورهم، فإنه يتساءل ما الذي يشكون منه؟ وما الضرر الإيجابي الذي لحقهم؟ ومن أي زاوية يعتقدون أن أمورهم غير منظمة؟ وإذا فشلوا في الإجابة عن هذه الأسئلة إجابةً يراها مقنعة، أصم أذنيه عن شكاواهم، واعتبرها ضربًا من المشاكسة من جانب أشخاص لا يرضيهم أي شيء معقول. أما هو فهو يحكم بمعيارٍ مختلفٍ أتمَّ الاختلاف في كل ما يريد حسمه مما يتعلق به شخصيًّا. عندئذٍ لا يُرضيه حتى الإدارة غير العادية لمصالحه، ولا تُشبع مشاعره، ويبدو له أن استبعاده شخصيًّا من سلطة اتخاذ القرار هو، في حد ذاته، أبلغ الأضرار وأعظمها، حتى ليبدو أن الدخول في مناقشة سوء الإدارة أمرٌ سطحي لا أهمية له. والأمر نفسه ينطبق على الأمم؛ فمَن هو المواطن في بلدٍ حر، الذي قبل أي عرض تقدِّمه إدارة خبيرة وماهرة في مقابل تنازله عن حريته؟ حتى لو أمكن له أن يصدِّق أن هناك إدارة ماهرة وخيِّرة يمكن أن توجد بين أناسٍ تحكمهم إرادة ليست إرادتهم، ألَا يكفيه وعيه وشعوره أنه يضع مصيره بنفسه، وتحت مسئوليته هو، كتعويضٍ عن شعوره بالنقص والفظاظة في تفصيلات الشئون العامة؟ إنَّ على مثل هذا الشخص أن يتأكد أنه أيًّا ما كانت مشاعره تجاه هذه النقاط، فإن النساء تشعر به بنفس القدر. وأنه أيًّا ما كان ما يُقال، أو ما يُكتَب، منذ أيام هيرودوت حتى الآن، عن الآثار النبيلة للحُكم الحر، وما يضفيه من حيوية على جميع المَلَكات البشرية، وما يُقال أو يُكتب عن الأهداف العريضة والرفيعة التي يتيحها للعقل وللمشاعر، والروح العامة التي تخلو من الأنانية، والنظرات الرحبة والهادئة نحو الواجب، والمستوى الرفيع، بصفة عامة، الذي يرتفع بالفرد إلى مرتبة الموجود الأخلاقي، والروحي، والاجتماعي، هذه النظرات الرحبة تُصدق على النساء، مثلما تصدق على الرجال، في كل ذرة من ذراتها. ألَا تشكِّل هذه الأمور جانبًا هامًّا من سعادة الفرد؟ فليتذكر أي رجل ما يشعر به هو نفسه وهو ينمو من مرحلة الطفولة — أعني وهو يخرج من وصاية وسيطرة حتى أولئك الذين يحبونه ويعطفون عليه من الراشدين — ويدخل في مسئوليات الرجولة. ألَا يشبه ذلك الأثر الفيزيقي للتخلص من عبء ثقيل، أو التخلص من قيودٍ معوقة قد تكون مؤلمة؟ ألَا يكون إحساسه بالحياة مضاعفًا عما كان من قبل، وإحساسه بوجوده البشري مضاعفًا كذلك؟ وهل يمكن له أن يتخيل أن لدى النساء مثل هذه المشاعر؟! لكن من الحقائق الصارخة أن إشباع الكرامة الشخصية أو قتلها، رغم أنها تمثِّل كل شيء عندما تكون هذه الكرامة هي كرامة الفرد شخصيًّا، لا تحتل لديه مثل هذه المكانة عندما تتعلق بكرامة شخصٍ آخر؛ إذ يقل قدرها في حالة الناس الآخرين كأساسٍ ومبررٍ للسلوك، أكثر من أي شعور إنساني طبيعي آخر. ربما لأن الناس يمتدحونها في حالتهم الشخصية، ويضفون عليها أسماء وصفات كثيرة أخرى، فإنهم لذلك لا يدركون مدى قوة تأثير هذه المشاعر في حياتهم. وفي استطاعتنا أن نكون على يقينٍ من أن لدورها في حياة النساء ومشاعرهن نفس القوة ونفس الحجم، ولقد تعلَّمت النساء كبتها، حتى ولو كانت تسير في اتجاهها الطبيعي الصحيح، لكن يظل المبدأ الداخلي في صورة خارجية مختلفة، كالذهن الإيجابي النشط؛ إذا ما فَقَدَ الحرية، فإنه يسعى وراء القوة والسلطة؛ فهو لمَّا كان قد مُنع من أن يحكم نفسه، فإنه سوف يثبت شخصيته، ويؤكد ذاته بمحاولة السيطرة على الآخرين. فأنت عندما ترفض السماح للموجودات البشرية أن يكون لها وجود مستقل قائم بذاته، بل أن يكون وجودها باستمرارٍ معتمدًا على غيرها، فإنك بذلك تفتح الباب لاستغلال الآخرين، واستخدامهم في أغراضك. وعندما يكون الأمل في الحرية بعيدًا، ولا يكون قريبًا سوى السلطة، فإن القوة تصبح هي الهدف الأكبر للرغبة البشرية. إن أولئك الذين لا يتركهم الآخرون يديرون شئونهم بأنفسهم بلا مضايقات، سوف يعوضون أنفسهم، لو استطاعوا، بالتدخُّل في شئون الغير. ومن هنا جاءت رغبة النساء العارمة نحو الجمال الشخصي والملابس، وحب الظهور والاستعراض، وما يستتبع ذلك كله من شرورٍ اجتماعية، وبذخٍ وإسرافٍ بالغ الضرر. والواقع أنه بين حب القوة وحب الحرية تطاحن خارجي مستمر، وكلما قَل قدر الحرية، اندفعت القوة بانفعالٍ طاغٍ دون مبالاة لأي وازع. ولن تكف الرغبة في السيطرة على الآخرين عن الإضرار بمصالح الآخرين، إلا عندما يكون كلُّ فرد من أفراد الجنس البشري، قادرًا على الاستغناء عنها، ولن يكون من الممكن أن يتحقق ذلك إلا إذا كان احترام الحرية في الأمور الشخصية لكل فرد هو المبدأ المقرَّر.

غير أن التوجيه الحر وتدبير القدرات وتنظيمها ليس مصدرًا لسعادة الفرد عن طريق إحساسه بكرامته الشخصية فحسب. وأن تقييد هذه الحرية وكبتها، هو مصدر الشقاء عنده، بل إنه كذلك بالنسبة للموجودات البشرية جميعًا، بما فيهم النساء، فليس ثمة، بعد المرض، والعوز، والإثم، ما يقتل الاستمتاع بالحياة مثل انعدام وجود متنفَّس للمَلَكات النشطة، ويوجد لدى النساء اللاتي يقمن برعاية أسرة، مثل هذا المتنفَّس، من خلال عنايتهن بهذه الأسرة، وهو يكفيهن بصفة عامة. ولكن ماذا يحدث مع عدد النساء الذي يتزايد يومًا بعد يوم، ممن لم تُتح لهن الفرصة لممارسة «الرسالة» التي قيل لهن، تهكمًا، إنها الرسالة الوحيدة المناسبة لهن؟ ماذا يحدث مع النساء اللائي فَقَدن أبناءهن، سواء بالموت أو السفر وبُعد الشُّقة بينهم، أو شبوا عن الطوق وتزوجوا، وشكَّلوا لأنفسهم أسرًا خاصة بهم؟ إن هناك أمثلة كثيرة جدًّا للرجال الذين وصلوا إلى سن التقاعد بعد حياة حافلة بالأعمال، وصار في وسعهم أن ينعموا ويستمتعوا بالحياة، أعني أن الآمال تراودهم بهذه المتعة فيما تبقَّى من حياتهم، ولكنهم لا يستطيعون اكتساب اهتماماتٍ جديدة، ومثيرات جديدة، تحل محل الاهتمامات والمثيرات القديمة، فجلب عليهم تغيير حياة الخمول، والكسل، والسأم والكآبة أو المزاج السوداوي، والموت المبكر. ومع ذلك فليس هناك مَنْ يفكر في حالاتٍ مماثِلة لنساءٍ مخلصات جديرات بالاحترام، وفَّين بأمانة ما قيل لهن إنه دَيْنَهُنَّ للمجتمع. بعد أن أشرفن على تربية أسرة شريفة صارت نساءً ورجالًا ناضجين، وقامت برعاية شئون بيتها ما دام هناك بيت يحتاج إلى رعاية. ثم تخلَّت عنهن المهنة الوحيدة التي تأهَّلن لها، وكن صالحات للقيام بها، وبقين على نشاط لم يفتر أو ينقص، ولكن لا عمل لهن ولا وظيفة، اللهم إلا إذا كانت هناك ابنة أو زوجة ابنٍ على استعدادٍ لأن تتنازل لها عن بعض الوظائف التي يمكن أن تقوم بها في البيت الأصغر، وهذا، بالقطع، قدَر شاق، ومصير صعب في سن الشيخوخة بالنسبة لمن قُمن بجدارة، طوال ما كان يُسمح لهن القيام به، أعني القيام بما كان يعتبره العالم واجبهن الاجتماعي. بالنسبة لهؤلاء النساء الأخريات اللائي لم يُعهد إليهن أصلًا، بمثل هذا الواجب، اللاتي تمر حياتهن في سلسلة من الإخفاق، وإحساس بالقيود التي تمنعهن الحركة والنشاط — لم يعد ثمة سوى ملجأ واحد وأخير هو الدين والأعمال الخيرية — لكن على الرغم من أن دينهن قد يكون دين مشاعر، وطقوس وعبادة، وليس دين عمل، اللهم إلا في صورة الأعمال الخيرية. وكثيرات منهن تتناسب الأعمال الخيرية مع طبيعتهن بصورة تدعو إلى الإعجاب، غير أن القيام بهذه الأعمال يتطلَّب، حتى يتم إنجازه بطريقة مفيدة، أو حتى غير ضارة، التدريب والتعليم المتعدد للجوانب الذهنية، والقدرات، والنواحي المعرفية التي يجب توافرها في المدير الماهر. إن الشخص الذي يصلح للقيام بالأعمال الخيرية بطريقة مفيدة ونافعة، لن يجد سوى قِلة ضئيلة من الوظائف الإدارية الحكومية التي لا يصلح لها. وفي هذه الحالة — كما في حالاتٍ أخرى — (أبرزها القيام بتعليم الأطفال) لا يمكن أن تقوم النساء بالواجبات المسموح لهن القيام بها بطريقة سليمة دون تدريب لا يُسمح لهن اكتسابه لسوء الطالع؛ مما يسبِّب للمجتمع خسارة فادحة. ودعنا نلاحظ هنا الطريقة الفريدة التي كثيرًا ما يُعرَض بها موضوع حرمان النساء من جانب أولئك الذين وجدوا أنه من السهل عليهم أن يصوروا ما لا يحبونه في صورة هزلية، أكثر من أن يردوا على الحُجج الخاصة بها، فعندما يقال إن القدرات التنفيذية لدى النساء، وما لديهن من مشورة ونصيحة، قد تكون أحيانًا مفيدة في شئون الدولة، فإن محبي الهزل يعرضون على العالم، في سخريةٍ، صور بنات في العشرينيات من عمرهن، أو صور زوجات شابات في الثانية أو الثالثة والعشرين من عمرهن، يجلسن في مقاعد البرلمان أو على كراسي الوزارة، وقد نقلن بحالتهن التي كن عليها في غرف الاستقبال إلى مجلس العموم. وينسون أن الذكور لا يُختارون في مثل هذه السن المبكرة لمقاعد البرلمان، أو للوظائف السياسة الهامة، وسوف ينبئهم الحس المشترك أنه إذا عُهد بمثل هذه المهام للنساء، فسوف يكون ذلك لمن لا تؤهلهن شخصياتهن بصفة خاصة للزواج، أو لمن يفضِّلن، عملًا آخر على الزواج (كما تفعل كثير من النساء حتى وقتنا الراهن، عندما يفضِّلن، بعض المهن الشريفة القليلة التي في متناول أيديهن على الزواج)، وقضين أحسن سني شبابهن في محاولة تأهيل أنفسهن للعمل الذي يرغبون في القيام به، أو ربما في حالاتٍ كثيرة، لأرامل أو زوجات في الأربعين أو الخمسين، ممن اكتسبن خبرة بالحياة، وقدرة على الحكم في أسرهن، ويستطعن، بمساعدة الدراسة المناسبة، أن يقمن بخدماتٍ على نطاقٍ أضيق. وليس هناك بلد في أوروبا لم يشعر فيه أقدر الرجال، مرارًا، بقيمة مشورة النساء الماهرات المجربات في الحياة، في تحقيق الأهداف الخاصة والعامة على السواء، وبأن هناك مسائل هامة في الإدارة العامة لا يستطيع إلا القليل من الرجال تأديتها على قدم المساواة مع النساء، ومن بينها الرقابة المفصلة على الإنفاق. غير أن ما نناقشه الآن ليس مدى حاجة المجتمع لخدمات المرأة في الشئون العامة، بل الحياة الخاملة التي تخلو من الأمل، والتي فرضها عليهن المجتمع، بحرمانهن من ممارسة القدرات العملية التي تشعر بها الكثيرات منهن. في أي مجال أوسع من المجال الذي لم يُتح لبعضهن العمل فيه، والذي لم يعُد متاحًا أمام البعض الآخر. وإذا كان ثمة شيء بالغ الأهمية بالنسبة لسعادة الموجودات البشرية، فهو أن يتقبلوا برضًا عملهم المألوف، وهذا المطلب للاستمتاع بالحياة لا يُتاح إلا على نحوٍ ناقصٍ للغاية، أو قد لا يُتاح على الإطلاق، لجزءٍ كبيرٍ من الجنس البشري (النساء)، وبسبب غيابه، فشلت ضروب كثيرة من الحياة المزوَّدة — في ظاهرها — بكل متطلبات النجاح. غير أنه إذا كانت الظروف التي لم يستطع المجتمع أن يصل إلى مهارة التغلُّب عليها بعد، قد جعلت هذا الفشل كثيرًا في أيامنا الراهنة، فلا داعي أن يفرضها المجتمع نفسه. إن عدم حنكة الوالدَين، وانعدام التجارب الخاصة عند الشاب نفسه، وغياب الفرص الخارجية لتأدية رسالته، ووجود فرص لعملٍ لا يحبه ولا يرضاه، هذا كله يحكم على عدد من الرجال بقضاء حياتهم في تأدية عملٍ واحدٍ يكرهونه، ويؤدونه على نحوٍ سيئ غير مُرض، في الوقت الذي تكون فيه هناك أشياء أخرى كثيرة كان يمكنهم القيام بها بصورة طيبة، وهم راضون عنها. أما بالنسبة للنساء، فإن هذا الحكم هو ما يفرضه القانون القائم، والعادات التي ترادف القانون. عندما يكون هناك ظلم في المجتمعات المستنيرة فيما يتعلق باللون، والجنس، والدين، أو في حالة البلاد التي غزتها شعوب أخرى، فإن ظلم التفرقة التي تتعلق بالوطنية (أو الجنسية)، بالنسبة للرجال، أو الجنس بالنسبة للنساء، يقع على بعض الرجال، لكنه في الواقع يحيق بجميع النساء؛ حيث تجد استبعادًا تعسفيًّا لهن من جميع الوظائف المحترمة تقريبًا، باستثناء تلك التي لا يستطيع غيرهن القيام بها، أو التي يعتقدون أنها ليست جديرة بأن يقبلوا العمل بها. والآلام والمعاناة الناجمة عن مثل هذه المبررات لا تُقابَل عادةً بعطفٍ أو مشاركة وجدانية كبيرة؛ بحيث إنه لا يوجد سوى قلة قليلة من الناس على وعي بهذا القدر العظيم من الشقاء الذي يسبِّبه شعورهم بضياع حياتهم. وسوف تزداد هذه الحالة انتشارًا كلما خلق التقدم تفاوتًا أكبر وأكبر بين أفكار النساء ومَلَكاتهن أو قدراتهن، وكلما ازداد التفاوت في المجال الذي يسمح فيه المجتمع بنشاطهن.

وعندما نفكر في الشر الإيجابي الذي يصيب نصف الجنس البشري بحرمانه: أولًا: من أكثر ألوان المتع الشخصية إلهامًا ورِفعة، وثانيًا: حرمانه من الشعور بالضجر والملل، والإحباط والسخط من الحياة، وهو الشعور الذي كثيرًا ما يكون بديلًا عن هذه المتع الشخصية؛ فإن المرء يشعر أنه من بين جميع الدروس التي يحتاج إليها البشر لمواصلة الكفاح ضد ضروب النقص الحتمية، التي تواجه نصيبهم على هذه الأرض، لا يوجد درس يحتاجون إليه أكثر من أن يتعلَّموا ألا يضيفوا إلى الشرور التي تفرضها عليهم الطبيعة، شرورًا أخرى بفرض قيودٍ مبتسرة ومتعسفة، مبعثها غيرة بعضهم من بعض. إن مخاوفهم العابثة لا تؤدي إلا إلى إحلال شرور أخرى، وربما شرور أسوأ من تلك التي يخشونها، في حين أن كل قيد لحرية السلوك لغيرهم من الموجودات البشرية الأخرى (سوف يجعلها مسئولة عن أية شرور تصدر بالفعل عن سلوكها) يؤدي إلى جفاف ينبوع السعادة البشرية تمامًا pro tanto، وترك النوع البشري أقلَّ ثراءً، وأشد فقرًا بدرجة لا تُقدَّر في كل ما يجعل للحياة قيمة بالنسبة للموجود البشري الفرد.
١  إلهة العدالة في الأساطير اليونانية والرومانية، ابنة كبير الآلهة زيوس، والربة تيمس، وأخت «مورو». عاشت على الأرض إبان العصر الذهبي، ولكنها هربت عندما أصبح البشر أحرارًا، واتخذت مكانها في دائرة أبراج السماء باسم «برج العذراء Virgo» أو السنبلة. كان الشعراء الإنجليز يشيرون إلى عودتها احتفالًا بعودة الملك شارل الثاني بعد جمهورية كرومويل، وهذا ما يشير إليه «مل» هنا (راجع د. إمام عبد الفتاح إمام، معجم ديانات وأساطير العالم، المجلد الأول، ص١٣٣، أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة). (المترجم)
٢  وردت هذه العبارة على لسان خادمٍ في مسرحية «زواج فيجارو»، للأديب الفرنسي بومارشيه Beaumarchais (١٧٣٢–١٧٩٩م)؛ حيث يقول لسيده النبيل ساخرًا: «ماذا فعلتَ لتكون لك كل هذه الميزات؟ لم تفعل شيئًا سوى أنك تفضَّلت على العالم بميلادك؟» وليست العبارة لفيجارو Figaro نفسه، كما ذكر مل. (المترجم)
٣  هكتور، في المثيولوجيا اليونانية، أكبر أنجال بريام Priam ملك طروادة. كان زوج أندروماك، وأبرز أبطال طروادة قاطبةً، قتله البطل اليوناني الشهير «أخيل»، ومثَّل بجثَّته بأن ربطها بعربته، وراح يدور بها في ساحة القتال بين تهليل اليونانيين (قارن: د. إمام عبد الفتاح إمام، معجم ديانات وأساطير العالم، المجلد الثاني، أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة). (المترجم)
٤  الأنجلو-ساكسون Anglo-Saxons اسم يُطلَق على القبائل الجرمانية التي استقرت في إنجلترا في القرنَين الخامس والسادس للميلاد، والتي بسطت سيطرتها عليها حتى الفتح النورماندي عام ١٠٩٦م. وبعد الفتح النورماندي أطلق المؤرخون، في إنجلترا، هذا الاسم على الشعب الإنجليزي، وربما انسحب أيضًا على المهاجرين من إنجلترا، الذين احتلوا الولايات المتحدة والمتحدثين هناك بالإنجليزية. (المترجم)
٥  الفرانك أو الفرنجة: قبائل جرمانية نزلت في القرن الثالث للميلاد على ضِفاف نهر الراين الأوسط والأدنى، فتحت، في عهد الملك كلوفيس الأول Clovis I (٤٨١–١٥١١م) بلاد الغال Gaul (فرنسا)، وقد وسَّع شرلمان حدود المملكة، وجعل منها إمبراطورية واسعة، ثم انقسمت مملكتَين؛ شرقية (ألمانيا) وغربية (فرنسا)، واسم فرنسا France نفسه مشتقٌّ من اسم الفرانك أو الفرنجة. (المترجم)
٦  إثلبرت (٥٥٢–٦١٦م) ملك مقاطعة كِنْت في إنجلترا، اعتنقت زوجته الديانة المسيحية، وكانت السبب في اعتناق زوجها لهذه الديانة، عمَّده القديس أوغسطين عام ٥٩٧ للميلاد (وهو غير الفيلسوف المعروف)، وأصبح موضع احترام الرومان. (المترجم)
٧  كلوفيس الأول Clovis I (٤٦٦–٥١١م) هزم الرومان والقوط الغربيين، واختار باريس عاصمة لدولته التي شملت معظم الأراضي الفرنسية في الجزء الجنوبي الغربي من ألمانيا، اعتنقت زوجته الديانة المسيحية، وكانت السبب في اعتناق زوجها لهذه الديانة، فاعتنقها عام ٤٩٩ للميلاد، وسنَّ قبل وفاته مجموعة من الشرائع. (المترجم)
٨  شخصية في إحدى مسرحيات الكاتب المسرحي الإنجليزي توماس مورتون Thomas Morton (١٧٦٤–١٨٣٨م)، وهي شخصية خفية لا تظهر على الإطلاق، بل يُشار إليها باستمرار «ماذا تقول مسز جروندي؟»، «ما الذي تفعله مسز جروندي؟!» وهكذا، ومن ثَم أصبح الاسم رمزًا للمجهول أحيانًا، ولآداب المجتمع أحيانًا أخرى، وللاحتشام المفرَط أو المتكلِّف أحيانًا ثالثة، والمقصود هنا أن الزوج يسلِّم زوجته وأبناءه إلى المجتمع بصفة عامة. (المترجم)
٩  الشخصية غير المرئية التي أصبحت ترمز إلى الآداب العامة في المجتمع، وقد سبق أن تحدَّثنا عنها. (المترجم)
١٠  لويس الخامس عشر (١٧١٠–١٧٧٤م) ملك فرنسا، أدَّى تبذيره، وفساد بلاطه وفضائحه، وعدم كفاءة وزرائه إلى إفساد نظامه وتقويضه، وعلى الرغم من أنه يُنسَب إليه خطأً قوله: «… وبعدي الطوفان»، فإنها، على كل حال، عبارة تلخص حكمه الفاسد غير المسئول. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦