مقدمة المترجمة
عثَر الورثة على الرواية بعد وفاتها عام ١٩٣٦م، ونُشرت في البداية على حلقاتٍ ثم روايةً مستقلة عام ١٩٣٧م. فيها تعود الكاتبة إلى الوراء لتنظر بحكمة ونضوج إلى بداياتها، لتنقل لنا في جو ساحر مسيرتها الأدبية، وشغفها بالقراءة منذ نعومة أظافرها، ونظرتها وانفعالاتها بالأشياء التي كانت تحيط بها. نتعرف في الرواية على التحديات التي واجهتها لتحصل على قسط أكبر من التعليم يسمح لها بممارسة الكتابة، بالإضافة إلى خبراتها الأولى مع الناشرين والنقاد والمعجبين ومسيرة نضوجها الأدبي.
للطبيعة في سردينيا تأثيرها على كل كتابات ديليدا بصفة عامة، فهي حاضرة في كل رواياتها، وأغلبية شخصيات رواياتها مستوحاة من بيئتها وحياتها اليومية، وهذا ما تبرزه من خلال تلك الرواية-السيرة الذاتية.
إنها تلك النظرة من بعيد، على بعد سنوات نالت فيها من النجاح ما لم تحلم به، نظرة إلى تلك الطفلة «المحاربة»، تفحص من خلالها وتتأمل لحظات الإحباط، وبساطة الأشياء التي كانت تعيد إليها الأمل من جديد وتدفعها إلى الاستمرار. نظرة إلى طفلة تعلمت الفقد في سن مبكرة، ومواجهة الموت والحياة في ظل أشباحه والعجز أمام المرض. مواجهة رفض الأم لموهبتها ولفنها، وتشجيع أخيها لها ورغبته في نجاحها المشوب بالخوف في أغلب الأحيان، فديليدا تنظر نظرة واقعية ولكن يغلفها كثير من المحبة والتعاطف لعائلتها.
في كوزيما تنقل إلينا ديليدا سر نجاحها، مع كل تلك التفاصيل الصغيرة اليومية، في تلك القرية التي حباها الله بطبيعة فاتنة، تسحرنا في أثناء القراءة فنحلم بزيارتها. تلك الطبيعة التي علمتها كثيرًا من الدروس، وكانت تؤثر فيها بل وتحركها أحيانًا كثيرة بكل من فيها من سكان، بطبقاتهم المختلفة ومعاناتهم اليومية، حيث كانت حياتهم مادة رواياتها ومصدر إلهامها.