الفصل الأول
كان المنزل بسيطًا لكنهُ مريح: حجرتان في كل طابق، كبيرتان، السقف منخفض قليلًا، والأرضية والأسقف مصنوعة من الخشب، مبيَّضة بالجير، والمدخل مفصول الوسط بجدار: من اليسار الدَّرَج، والمنحدر الأول من الدَّرَج مصنوع من الجرانيت، والباقي من الأردواز، من اليسار بعض الدرجات تهبط إلى المخزن. الباب ضخم ومتين، مغلق بخطاف كبير من الحديد، كانت به مِقرعة تضرب كأنها المِطرقة، وسلسلة وقُفل بمِفتاح ضخم كأنه مِفتاح قصر. الغرفة الواقعة على اليسار مُجهزة لاستخدامات متعددة، بها فراش مرتفع وقاسٍ، ومكتب، وخزانة متسعة من خشب الجوز، ومقاعد ريفية تقريبًا محشوة بالقش ومطلية بلون أزرق مُبهج. على اليمين تقع حجرة الطعام، بها مائدة من خشب الكَستَناء، ومقاعد مثل تلك الأخرى، ومِدفأة، فقط لا غير. يوجد مخرج صُلب، مغلق بدوره بالجنازير والسلاسل، يقود إلى المطبخ. والمطبخ مثل الوضع في كل المنازل التي ما زالت تستمتع بالسلطة الأبوية، هو الحجرة الأكثر سُكنى، المكان الأكثر دفئًا بالحياة والحميمية.
فيه توجد المِدفأة، وأيضًا الموقد المركزي الذي تحيط به أربع قوائم من الحجر، وعلى ارتفاع طول إنسان معلقةٌ أربعة حبال من الجلد في القوائم الضخمة للسقف المصنوع من القصب، وكانت توجد تعريشة من النحاس، فحَّمها الدخان، أبعادها حَوالَي متر مربع، وفوقها تقريبًا بشكل دائم أشكال صغيرة من جبن الماعز، مُعرضة للدخان الذي يُعتِّقها وينشر رائحتها في كل الأركان. بالإضافة إلى لمبة زيت بُدائية معلقة بدورها في أحد أركان تعريشة من الحديد الأسود وبها أربع فُوَّهات، كانت نوعًا من الطاسات المربعة التي يُغرق زيتها وهي مكشوفة الفتيل المعلق في إحدى تلك الفوهات. فيما عدا ذلك كان كل شيء بسيطًا قديمًا في المطبخ الكبير إلى حدٍّ ما، السقف مرتفع، وإضاءته جيدة من خلال نافذة تُطل على الحقل، وشُباك مُتحرك مفتوح من المدخل على الممر. في الزاوية القريبة من النافذة يبرز الفرن الضخم بمدخنة في الجدار، وثلاثة مواقد على الحافة، وفي مجمرة بجوار تلك الأفران يُحفظ الجمر، نهارًا وليلًا، مُوقدًا ومغطًّى بالرماد. وفوق الحوض الحجري الواقع بجوار النافذة يوجد دائمًا في وعاء صغير من الفلين بعض من الفحم، بالإضافة إلى أن اللحوم تُطهى بنيران المدخنة أو الموقد المركزي على قوائم ثلاثية من الحديد يمكن أن تتحول إلى مقاعد. كل شيء كبير ومتين في أدوات المطبخ، الأواني النحاسية المرتبة بعناية، والمقاعد المنخفضة حول المِدفأة، والأرائك، والرف الخاص بالأطباق، والجرن الرخامي لطحن الملح، والمائدة، والخزانة الخشبية التي بالإضافة إلى الأواني يوجد بها أيضًا وعاء من الخشب يحتوي دائمًا على جبن مبشور، وتوجد سلة مصنوعة من نبات البَرْوَق بها خبز الشَّعير والزيت للخدم.
كانت الأدواتُ الأكثر تميزًا موضوعةً على الرف الخشبي، فها هو ذا صف من الشمعدانات النحاسية. ولملئها، كانت جِوارَها المِزْيتة ذات المِنقار الطويل التي تشبه وعاء كيميائيًّا، والجرة الفَخَّارية التي تحوي الزيت الجيد، وجيش من ماكينات القهوة والفناجين القديمة الحمراء والصفراء، والأطباق المصنوعة من القصدير التي تبدو كأنها بدورها آتيةٌ من أحد كهوف ما قبل التاريخ، بل وكان يوجد أيضًا لوح التقطيع الريفي، أي صينية من الخشب، يوجد بها تجويف في أحد الأركان للملح.
كانت توجد أدوات ريفية أخرى تمنح المكان لونًا فريدًا، فها هو ذا سَرْج معلق على الحائط بجوار الباب، وبجواره جوال صوفي طويل رَمادي اللون يُستخدم كمِعطف أو غطاء للخادم، والخُرج الذي ينام عليه الخادم نفسه، سواء كان راعيًا أم فلاحًا، عندما يبيت ليلته في المدينة، من الصوف أيضًا.
على الحوض توجد دائمًا قصعة من النحاس مليئة بالمياه المرفوعة من البئر الموجودة في ساحة الدار، وعلى مِنضدة توجد قارورة من الفَخَّار بها ماء صالح للشرب تُستحضَر بعناء من النافورة البعيدة عن السكن. والمياه في تلك الفترة مشكلة، وفي الصيف تقاس بالقطرة، فيما عدا الأوقات التي تصل فيها الأمطار الغزيرة وتملأ الحوض الواقع أسفل أنبوبة الصرف النازلة من الأسقف، بيد أن النظافة الدقيقة التي تتم دون ماء تجعل كل المنزل مُحببًا.
ومن النافذة ذات الشبكة الحديدية مثل باقي نوافذ الدور الأرضي يمكن رؤية خضرة الحقل، وبين تلك الخضرة كان لونا الجبال الرَّمادي والأزرق يظهران. ولكن كما سبق وذكرنا، الباب يطل على الممر المثلث الذي كان طويلًا ويشغل تقريبًا نصفه كوخ قديم، من خلاله، وعن طريق مخرج صغير، يمكن الذَّهاب إلى الحقل. في النهاية توجد بئر، وخلف السور المرتفع للحديقة يوجد جبل من الحطب، ملجأ العديد من القطط والدجاجات التي تخفي فيه أعشاشًا لبيضها. توجد بلطة مستندة إلى جذعين بجوار السور الجانبي للمنزل، الذي ما زال غير مصقول، وعليه في الطابق الأول نافذة واحدة مفتوحة (كانت كل النوافذ بلا مصاريع) تُستخدم مقعدًا. وتوجد بوابة ضخمة مغلقة بدورها بالخطافات والدعامات، مصبوغة باللون البني القاتم، وتطل على الشارع. في الصباح تكون شبه مغلقة، وتُستخدم أكثر من الباب الصغير لواجهة المنزل، ممرًّا للسكان وأصدقاء المنزل. أمام تلك البوابة، في صباح أحد أيام شهر مايو، تطل طفلة سمراء، جادة، بعينيها الكَستَنائيتين اللامعتين الكبيرتين، يداها وقدماها صغيرات، وهي ترتدي مريلة رَمادية بها جيوب، وجوربًا من القطن السميك الخام، وحذاءين ريفيين بالأربطة. تبدو فلاحة أكثر من كونها برجوازية، وكانت تنتظر وهي تتأرجح أن يمر شخص ما، أو أن يطل شخص من النافذة المقابلة، لتعلن خبرًا مهمًّا. ولكن الطريق الضيق وغير المعبد ما زال مهجورًا في تلك الساعة المبكرة من الصباح كأنه مِدَقٌّ ريفي، وفي المنزل القديم المقابل، الذي هو أيضًا له سور عالٍ وفناء جانبي وبوابة ضخمة لونها يميل إلى الاحمرار، لا يظهر أحد. كان يسكن المنزل كاهن، طويل القامة، ناسك أسود، يميل للصمت، وتسكن معه ابنة أخته الشابة الذكية التي أرادت أن تصبح راهبة، ولكن بعد بضعة أشهر من فترة الابتداء أعادوها إلى المنزل بسبب صحتها المعتلة. كانوا أناسًا فاضلين، بسطاء ومتقشفين. يشكو من أن لا أحد يصافحه في الطريق، ولكنه هو الذي كان يسير دائمًا وعيناه منخفضتان، منهمكًا في تأملاته الدينية. أما قريبته، التي رأت أن الرب لم يُردْها عروسًا له، فهي تسعد بالغزَل المتحفظ لشاب وسيم يعمل نجارَ عاج، ولكنها قررت ألا تتزوجه لأنه غيرُ مناسب لها، فهو لا يمتلك عقارًا، ولا يعمل موظفًا. تعرف الطفلة الواقفة على البوابة كل هذه الأشياء، وتعتبر جيرانها شخصيات استثنائية. في الواقع، كان كل شيء استثنائيًّا بالنسبة إليها، تبدو كأنها قد أتت من عالم يختلف عن ذلك الذي تعيش فيه، وكان خيالها مليئًا بذكريات عن عالم أحلامها هذا، بينما لا يضايقها واقعها أيضًا، الذي طالما نظرت إليه بطريقتها، وجعلته نسخة ملونة من خيالاتها.
تهب روائح الحقل تأتي من نهاية الطريق، ويسود الصمت المكان، ولا يقطعه سوى صوت دقات الساعات وأرباع الساعات آتيةً من ساعة الكاتدرائية. عبرت بسرعة طيور الدُّوري في السماء الزرقاء القاتمة، تطير على مستوًى منخفض كأنها في لوحات المناظر الطبيعية للرسامين الإسبان، ولكن الدُّوري أيضًا طيور صامتة. وأخيرًا فُتحت نافذة في المنزل المقابل، وظهر وجه قمحي، بعينين واسعتين تعانيان من قصر النظر، وأخرجت رأسها ناظرة إلى هنا وهناك نحو نهايتي الشارع. إنها الآنسة بيبينا، ابنة أخي الكاهن. رفعت الطفلة نفسها، وهي تمسك بمقابض البوابة لتظهر أكثر، وصرخت بالخبر المهم جدًّا بالنسبة إليها: سيدة بيبينا، أصبح لدينا طفل جديد، سيباستيانينو.
اتضح بعد ذلك أنها كانت أنثى، ولكن تمنت الطفلة أن يكون لها أخ، ولهذا اخترعته، هو واسمه وكل شيء.
وعندما أنهت مهمتها، دخلت مرة أخرى إلى المطبخ، وانتظرت أن تنتهي الخادمة من طهو اللبن لها للإفطار. ولا بد أن نقول كلمتين أيضًا عن هذه الخادمة، التي عند ذكرها، تبدو كأنها هي أيضًا اختراع بعيد عن الواقع. تُدعى نانا، والآن تجلس بالتأكيد على يمين الرب، هي المخلصة لمخدوميها، في صفوف البطاركة. خدمت هذا البيت منذ عشرين عامًا، وما زال أمامها عشرون عامًا أخرى. كان عمرُها وقتَها ثلاثين عامًا، أتت إلى المنزل طفلة، من كوخ لمسيحيين فقراء، لتهتم بالطفل الأول لأصحاب البيت، الذي مات بعد مولده ببضعة أشهر، ولكنه ترك مكانه في المهد لآخر. كان المهد أيضًا بُدائيًّا، كأنه حُفر في جذع شجرة جوز، بلا أي أسدال أو زينة، ولم يبقَ فارغًا قط.
كانت نانا لا تزال امرأة جميلة، عيناها لونهما كَستَنائي كأنهما لكلب طيب، لديها كتلة من الشعر في الزاوية اليمنى من فمها، ثدياها مستطيلان ومنخفضان مثل جنس العبيد. ولكن كونها خادمة فهو شيء غير مؤكد في ذلك المنزل، حيث اعتادوا العهد إليها بكل شيء، بما في ذلك الأطفال الذين كانوا ينامون معها، وتأخذهم معها عندما تذهب لشراء احتياجات المنزل. فهي تعمل نهارًا وليلًا وتفعل ذلك عن طيب خاطر؛ فهي تذهب لتأخذ المياه من النافورة، ولتغسل الملابس بعيدًا حيث توجد بعض جداول المياه، تنظف الدقيق وتصنع مع سيدة المنزل الخبز القمحي وذلك المصنوع من الشعير، تذهب لتجمع الزيتون من البستان، ولتجمع جوز البلوط للخنازير، وفي الغابة الجبلية تقطع الخشب، وتعطي الطعام للحصان، تنظف جزء الشارع الواقع أمام المنزل، لأن البلدية لم تكُن تتولى هذا الأمر، وفي وقت الحصاد تعصر العنب بقدميها العاريتين القويتين المكسوتين بجلد يبدو كأنه مصبوغ. يحتفظ لها سيد المنزل بالمرتب، ويستثمره لها. عندما كانت في العشرين، وجميلة وشقراء تقريبًا، اعتاد الخبثاء القول إن السيد ضعيف أمامها، ولكنها مجرد ثرثرة، وتطايرت مع الوقت.
وها هي ذي الآن تطهو اللبن بحرص على الفرن الصغير فوق الفرن الكبير، وبسبب حالة الوضع لسيدة المنزل ارتدت حذاءيها بلا جوربين، كما هو مفهوم، حيث عليها أن تكون مستعدة لكل الأوامر: لديها تجعيدة تخطط جبهتها، وأذناها مشدودتان مثل الأرانب البرية. أصبحت مسئولية المنزل تقع على عاتقها هي فقط، وتستفيد من سيادتها تلك فقط لتحتسي بعض فناجين قهوة إضافية، شغفها الوحيد.
يأتي الأولاد الواحد تلو الآخر لتناول القهوة واللبن، تصبها لهم في فناجين مستديرة من الفَخَّار الأصفر والأحمر، حتى من هم أكبر الذكور بينهم، كانوا يذهبون بالفعل إلى المدرسة الإعدادية في المدينة الصغيرة. كان أكبرهم سانتوس صبيًّا وسيمًا ذا هيئة أنيقة وعينين كبيرتين لونهما رَمادي سماوي، وبؤبؤ العين أزرق اللون، تصرفاته عاقلة ورزينة، يرتدي ملابسه بأناقة معينة، وبينما يشرب القهوة واللبن ينتهي من مراجعة درس اللاتينية. لم يكُن الحدث المنزلي يدهشه ولا يسبب له أي اضطراب: فهو يعرف السر ويقبله كشيء طبيعي. مشاعره هادئة، تكاد تكون باردة، وخياله محسوب. لم يكُن يحب النساء، ولا يفكر إلا في الدراسة، والتعمق فيما يخص الحياة، ولكن من خلال الكتب. لا، لم يكُن يتمتع بالخيال، ولكن ربما يكون هو أيضًا حالمًا، مثل أخته الصغيرة، ويأتي من عالم بعيد عن الواقع القاسي. يتعجل في الذَّهاب إلى المدرسة، بالكتب المربوطة جيدًا بحزام، ولا يقلق إذا تأخر الأخ الآخر، وربما يكون ما زال نائمًا في حجرته في الدور الأخير الذي به نافذتان، إحداهما تطل على الواجهة والأخرى تطل على أسقف غرفة حفظ الأطعمة والمستودع والمخازن الأخرى.
نزلت قبله الأختان الأكبر إينزا وجوفانا، اللتان تذهبان إلى المدرسة نفسها، صغيرتان في الحجم، وتقريبًا متماثلتان كتوءمين، بعيونهما السماوية، وشعرهما الأسود الأملس، والمربوط في ضفيرة تنتهي بتموج. كان زيهما غريبًا حقًّا بالتنورة الداخلية الواسعة والطويلة والمتصلة من الوسط بالقميص برباط، وكان كماه واسعين، والزي كله مصنوع من قماش مخطط بالألوان: ومن القماش نفسه صُنعت حقيبة الكتب، وكانتا هما أيضًا ترتديان الجوارب البيضاء والأحذية ذات النعال المسمَّرة، وعلى رأسيهما ترتديان غطاءي رأس من الحرير، ولكنهما تعقدانهما بخبث على الخد الأيسر، لتتركا شعرهما مكشوفًا حتى نصف رأسيهما.
تنظر إليهما الصغيرة كوزيما، التي لم تكُن بعد في عمر الذَّهاب إلى المدرسة، بإعجاب وحسد، ولكن أيضًا بشيء من الخوف، لأنهما — وبخاصة إينزا — لم تكونا فقط تتجنبان اللعب معها، ولكنهما تكيلان لها اللكمات واللكزات والضربات والشتائم، كلها أشياء تعلمتاها من صحبة المدرسة.
وكان أخوها أندريا الأطيبَ معها. وها هو ذا قد نزل بمجرد أن خرجت الأختان للذَّهاب إلى المدرسة، ولكنه يتحرج من أن يشرب القهوة باللبن، يقول عن ذلك إنه شيء خاص بالنساء. يمكنه أن يأكل شريحة نصف نِيئة من اللحم الأحمر، ولأن ذلك لم يكُن متوفرًا، يرضى بأن يجذب سلة الخدم، ويقضِم بأسنانه القوية الخبز القاسي وقطعة (القشرة الخارجية) من الجبن. تقترب منه نانَّا ومعها الفنجان الممتلئ في يدها: لأن أندريا هذا معبودُها الأعظم، ألمُها ومصدر قلقها.
قالت وهي تضع أمامه الفنجان: تبدو لي كأحد الرعاة، خذ هذا، تناولْه يا ملاكي، سيشم المعلم رائحة الجبن.
– ومن يكون هو؟ أنا راعٍ ثري، وما هو سوى متسولٍ فقير، سكِّير، متسخ.
هكذا يتحدث أندريا عن معلم اللغة اللاتينية، ويقول هذا عن اقتناع لأن كل من يعيشون من العمل العقلي بالنسبة إليه هم أناس أكثر فقرًا من عمال المواشي والعاملين باليومية.
كانت عقليته بالفعل تنتمي إلى راعٍ ثري، يعيش حياة قاسية، ولكنَّ لديه ماشيتَه وأرضَه ونقودَه، وقبل كل شيء، فهو حر في التصرف، سواء في فعل الخير أم الشر. كان جسمه ضخمًا مستطيلًا، ويرتدي ملابسه بلا اهتمام، ولكن رأسه متميز، قويٌّ، يملؤه الشعر الأسود الكالح، كان أنفه شامخًا، وشفتاه مغريتين، عيناه رَماديتان مُذهَبتان تلمعان كعيني الصقر. لا يحب الدراسة، ويسعد فقط عندما يتمكن من الهروب من المنزل على حصانه كأنه قائدُ مائةٍ مراهق. لم يعلمه أحد ركوب الخيل، غير أنه يصعد أيضًا دون سرج على المهور غير المروضة، وتتنافس صرخاته، ليخضعها، مع صهيلها.
عندما أدرك وجود كوزيما، الجالسة في هدوء على مقعد منخفض، وصحنها في حجرها، ابتسم لها، وقبل أن يخرج اقترب منها وقال لها بصوت منخفض، ونبرة توحي بالتآمر: يوم الأحد سآخذك على الحصان إلى الجبل، ولكن لا تقولي لأحد، هه!
فتحت عينيها الكبيرتين وهما تتلألآن من السعادة والأمل، واختلط ذلك الوعد من أخيها المملوء بالوعود والرؤى العجيبة؛ اختلط في خيالها مع غموض المخلوق الذي وُلد في الليل في منزلهم، ولا أحد يدري من أين أتى؟ ولا كيف؟
ذلك المولود، أيضًا، سيجلب نوعًا من التغيير في حياتهم اليومية. فلا بد للأختين الكبيرتين من أن تنتقلا إلى الغرفة العليا، لتتركا مكانًا، في فراش نانا، لكوزيما وللصغيرة بينا التي لا تزال نائمةً في المهد في غرفة والديها. سنُّ بينا الآن تقريبًا ثلاثة أعوام، ولكنها تبدو أصغر، وما زالت تتحدث بصعوبة، لأن الغضروف أسفل لسانها أصغر من المعتاد، وكانوا يتحدثون عن ضرورة عمل قطع صغير ليفكوا اللسان من إعاقته.
وها هي ذي أيضًا تظهر في المطبخ، تمسكها الجدة بيدها. لم تكُن الجدة تعيش معهم، ولكنها قضت الليلة في المنزل لتساعد، ومعها نانَّا، ابنتَها التي تلد. صار كل شيء على ما يرام، بلا أية ضوضاء أو فوضى. الآن ترتاح النُّفَساء ومعها الطفلة، والأب أيضًا، الذي ظل مستيقظًا طَوال الليل يقرأ أو يتمشى بهدوء في الحجرة الملحقة بحجرة الزوجة، ونام على أريكة قديمة.
ولكن لم تكُن الجدة تشعر باحتياج إلى النوم، على الرغم من أنها امرأة صغيرة جدًّا وضعيفة، تكاد تكون قزمة، لها يدان وقدمان كأنها لطفلة، وعيناها بلونهما البندقي، ورموشهما الطويلة السوداء، مليئتان بالبراءة، كأنها لم تشهد قط أي ظلال للشر. تجمَّع شعرها الأبيض في غطاء من النسيج الأسود، ولكن تهرب بعض خصلاته لتستقر على عنقها وخلف أذنيها، وتمنحها مظهرًا مرحًا. تعتبرها الحفيدات واحدة منهن، بينما يشعرن بالخوف من الأم، وتشعر كوزيما بأنها في حُلم عندما تراها تظهر فجأة. ولكن ربما لم يكُن حُلمًا بقدر ما كان شعورًا محسوسًا بذكرى لا تقوى على الإمساك بها، نوعًا من الدُّوار، مثل تدفق دموي، فسرته هي فيما بعد بأنها اعتقدته شيئًا كالانبعاث، وعلى الفور الغوص من جديد في الحياة السابقة التي ظلت أو وُلدت من جديد في ضميرها الداخلي. ثم إن الجدة كانت تذكِّرها — ولكن هذا يحدث تقريبًا بشكل إرادي — بنساء الحواديت، أو الجنيات الصغيرات، سواء الطيبات أم الشريرات تبعًا للمناسبة، والأساطير الشعبية تؤكد أنهن يسكنَّ في منازل صغيرة من الحجارة محفورة في الصخر، وبخاصة في مناطق هضاب الجرانيت. تلك المساكن الصغيرة التي تعود إلى حقبة ما قبل التاريخ، ما زالت موجودة، آثارًا حجرية تعود إلى العصور القديمة، وتُدعى: منازل الجنيات الصغيرات.
تناولت الجدة الصغيرة القهوة، أطعمت الصغيرة ثم حممتها، وفي النهاية أرسلت الخادمة لابتياع المشتريات: وكانت عمليةَ شراء سريعة، لأن كل الاحتياجات موجودة بالفعل في المنزل، بما في ذلك الخبز، ولم يكُن الأمر يتعلق إلا بشراء اللحم للحَساء، وبعض السمك، إذا ورد، كما في حالات نادرة، من الشاطئ الشرقي للجزيرة.
تقف كوزيما بصحنها الفارغ مترددة، هل ستتبع الخادمة في خرجتها القصيرة الصباحية، أم ستنفذ مشروعها؛ ترغب في التسلل إلى حجرة أمها لرؤية الصغيرة، واستغلت عندئذٍ اللحظة التي تستخرج الجدة فيها المياه من البئر، لتخترق السلالم الصماء. وبعد الدَّرَج الأول المصنوع كله من سلالمَ من الجرانيت، على طابق صغير يُفتح باب إلى شيء كالمخزن، له أرضية خشبية وسقف، مثل ذلك الذي بالمطبخ، من القصب الذي يكون إطارًا خشبيًّا متينًا وحديثًا. عادةً يُغلق ذلك الباب بالمِفتاح، ولكن في هذه المرة وبسبب توتر تلك الليلة تُرك مفتوحًا. وقبل أن تتابع نحو هدفها، لم تتردد كوزيما في أن تكتشف الغرفة الكبيرة، التي تمثل أيضًا لها مخزنًا للأسرار.
أكوام من القمح ومن الشعير، من اللوز والبطاطس، تشغل الأركان، بينما توجد مائدة طويلة، تكدس فوقها دُهن الخِنزير واللحوم المقدَّدة، وحولها توجد سلال من نبات البَرْوَق، مملوءة بالفول والفاصوليا والعدَس والحِمَّص، تجاور أواني الدُّهن، والمُربَّى، والطماطم المجففة، والمُملحة. ولكن أكثر ما أثار رغبة كوزيما هو بعض عناقيد العنب وثمار الكُمَّثرى المجففة التي تتدلى من إحدى العوارض التي تدعم السقف. توجد نحلة، أو ربما دبور، يطِن حولها في سعادة، بينما كانت هي ممنوعةً من لمس أي حبة منها. تعرف أن هناك عصًا، مقسومةً من طرفها، يمكنها بها أن تفصل الخيزرانة التي تربط العُنقود، ثم تجذبه إلى الأسفل بأمان، عثَرت عليها خلف الباب، ورفعتها مثلما يفعل خادم الهيكل وهو يُضيء الشمع الموضوع في الأعلى. طارت النحلة بعيدًا، واستطاعت الإمساك بعنقود العنب، ولكن في نصف الطريق إلى الأسفل أفلت من بين أسنان العصا، سقط، وانفرط على الأرض مثل العِقد المقطوع. التهمت الحبات الأولى ثم فكرت في أن أمها، الأكثر صرامة في المنزل، لن تتمكن من ملاحظة تلك الكارثة الصغيرة، وبصبر وإرادة تملكها هي وحدها، جمعت الحبات واحدة بعد الأخرى، ثم وضعتها داخل مِنديلها، وأخفت العنب والقصبة، وأعادت العصا، وعندما أخفت كل أثر للضرر فكرت في أنها أيضًا جيدة — كما تسمع الخدم عندما يعودون من الحقل — في النشل والسرقة، وأن تخفي آثار سرقتها بحيث لا يشك أحد قط في المجرم الحقيقي.
لم تكُن تلك الخيالات المتوحشة تنقصها، ولكن الخدم أنفسهم ومعهم الفلاحون الآخرون الذين يترددون على المنزل، والبرجوازيون أيضًا، والأقارب، وأصدقاء أبيها، والضيوف الذين يأتون من البلاد الجبلية والوديان هم من يزرعونها في الأطفال الفضوليين والحساسين من خلال قصص مغامرات السرقة التي كانت آنذاك منتشرةً كأنها ما تبقى من عمليات وحروب العصور الوسطى، في محيط كيلومترات، وكيلومترات قريبة منهم. ومن خلال تلك القصص المثيرة شب الصبية أكثر شجاعة مستعدين للقتال مع الأشرار، والفتيات، حتى لو صغيرات مثل كوزيما، كانت لديهن بالفعل غرائز نساء الأمازون. كان تعليم الأم الديني والمتقشف يكبح بقدر المُستطاع الشره الداخلي للأبناء، وكان التأثير الأكبر يأتي أيضًا من ناحية الأب، لأن رب الأسرة السيد أنطونيو هو أكثر الرجال وداعةً وعدلًا في المنطقة، بيد أنه مأخوذ جدًّا في أعماله، مندفعًا بحاجته لأن يوفر حياة مريحة للأبناء، ولم يكُن هذا يسمح له بأن يخصص وقتًا أيضًا لثرائهم الرُّوحي. يرسلهم إلى المدرسة بالفعل، وكانوا هم في وجوده، سواء بسبب احترامهم وحبهم الطبيعيَّين تجاهه، أو بسبب نفاقهم، يَظهرون صالحين ومهذبين.
بيد أن كوزيما تشعر تجاهه بشعور لا حدود له من الثقة، وأحيانًا أخرى بالإعجاب. لم تشعر بالقلق عندما رأته يظهر في أعلى على بسطة الطابق الأول، بينما تصعد مجموعة سلالم الدَّرَج الثاني. كانت الدرجات مصنوعة من الخشب الأبيض، ومضاءة جيدًا بنافذة بسطة الدَّرَج، والبسطة كبيرة مثل الغرفة، بها خزانة حائط مغطاة بستار من القماش الأبيض، وماكينة الحياكة، وبعض المقاعد، تُفتح من خلالها المداخل على غرفة الأبوين، وعلى حجرة أخرى تُستخدم للضيوف عندما يكونون جماعة، وهو الأمر الذي كان يحدث كثيرًا. في تلك الحجرة، التي كانت أفضل الحجرات تجهيزًا في المنزل، توجد نافذتان، واحدة تطل على الطريق والأخرى على ساحة المنزل، بها أيضًا أريكة ومائدة صغيرة مستديرة مُطعمة بالخشب الأبيض. وخرج منها في تلك اللحظة السيد أنطونيو، وتوقف ليتنصت على باب حجرة زوجته. وعندما أدرك وجود الصغيرة كوزيما، أشار لها بألا تصدر أي ضوضاء. وتوقفت هي مستندة على جانب الدَّرَج، خائفة، ولكن ليس كثيرًا. كان أبوها فوقها، يبدو لها مرتفعًا كأنه عملاق، بينما هو في الحقيقة قصير القامة وممتلئٌ قليلًا. قدماه قصيرتان، ولكن جذعه كان صُلبًا وضخمًا، ورأسه كبير وأصلع، مع وجود بعض التجعيدات الرَّمادية تتدلى من خلف أذنيه الورديتين إلى عنقه القوي. وأيضًا وجهه يبدو لكوزيما أكثر غرابة من وجوه كل من تعرفهم: فوجهه في الواقع وجه نَموذجي، ذو جبهة عالية، وأنف قصير مفلطح، وفم صغير ورفيع بين شفة عليا مرتفعة وذقن مربع. لم يكُن لديه شعر في ذقنه، ولكن بعض الشعيرات العنيدة على خديه العريضين. كان ذلك الوجه البسيط لفلاح تحول إلى البرجوازية عليه علامات وأمارات ذكاء وحكمة خارقين للعادة. وعيناه الرَّماديتان أو الزرقاوان أو الزرقاوان المخْضَرَّتان — حسب الضوء — يمكن أن تكونا عينَي قديس، ولكن أيضًا عينا محارب. في تلك اللحظة كانتا زرقاوين، تعكسان لون السماء فوق النافذة، وكانتا تنظران بطفولة تجاه الطفلة المستندة إلى الحائط، ولكنهما تحولتا على الفور إلى اللون الرَّمادي، لأنه في الحجرة يُسمع صوت بكاء.
عندئذٍ أشار إلى كوزيما لتصعد وفتح الباب. تشعر الطفلة بقلبها يدق. كيف استطاع أبوها أن يخمن رغبتها؟ ووجدت نفسها في الغرفة، خلفه، ورأت الأشياء المعروفة: الفراش الكبير وعليه غطاء إضافي من النسيج المزين بالورود، الخزانة المصنوعة من خشب الجوز، أكثر قطعة أثاث أناقةً في المنزل، اللوحات والمِدفأة البيضاء، ولكن بدا كل شيء لها متغيرًا كأن ضوء معجزة قد منح للأشياء مظهرًا مختلفًا، سحرًا، كما يحدث عندما تظهر الانعكاسات في المياه أو أيضًا على الزجاج المفتوح لنافذة، وينبعث الوهج من مصدر عجيب، ففي سلة من نبات البَرْوَق، موضوعة بجوار المِدفأة، وحيث توجد المولودة الجديدة بين الوسائد والحفاظات، مستلقية بيديها الصغيرتين في الداخل، كما هو المعتاد آنذاك، ورأسها الصغير يغطيه غطاء رأس صغير مصنوع من الأشرطة الوردية، ومن ذلك الغطاء يظهر وجهها الأحمر المنتفخ وفمها المفتوح من البكاء، كأنه برعم ينشق ليُزهر. بالنسبة إلى كوزيما بدا الأمر مُحبطًا، لأنها تخيلت أختها الجديدة ستكون ذات شعر متموج، شقراء وملساء مثل الطفل في اللوحة الموضوعة فوق الفراش، الذي يمسكه على يده القديس يوسف الطيب ذو الوجه المتورد، الذي إذا نظرت إليه من أي اتجاه يوجه عينيه الزرقاوين كأنه طفل حي.
كانت الأم غافيةً، هي فقط لم تتغير، بوجهها الشاحب وأنفها المعقوف قليلًا، وفمها الذي بَهَت، وشعرها الرَّمادي؛ لم تكُن شابة ولا عجوزًا، بل مثلما عرَفتها الطفلة دائمًا، فهي لم تكُن فرحة ولا تعسة، لكن شبه فاترة، وشبه غامضة. عندما بدا للأب أن كوزيما أشبعت فضولها، أشار إليها بأن تذهب، وذهبت بالفعل، ولكن انتهزت الفرصة دائمًا لتستمر في اكتشاف المنزل. زارت الغرفة الواقعة على الجانب الآخر من بسطة الدَّرَج، مررت إصبعها على الزخرفة الخشبية للأريكة القديمة التي هبط الزنبرك الخاص بها. كان يعجبها الأثاث الغريب عن المعتاد للمنزل، وبما في ذلك أيضًا الكراسيُّ المبطنة من خشب الجوز والقماش الأخضر. كان الأثاث المُكمل لتلك الحجرة الفريدة، كراسيُّ مثيرة للاهتمام، إذ إن مقعدَها متحرك، ويمكن نزعه من أسفل المقعد لتنظيفه بسهولة. وها هي ذي الآن ترفع أحدها ببطء، وهي تلاحظ حشوه الداخلي الذي تدعمه شرائط عريضة من القماش، وفكرت في أنها إذا احتاجت أن تخبئ شيئًا فهذا هو المكان المثالي. تخبئ! كان هذا أيضًا أحد تطلعاتها السرية والقوية، وهذا كما سيتضح فيما بعد، يربطها بالغريزة بأسلافها الذين سكنوا الجبال وخبئُوا أشياءهم لحمايتها من سرقات الأعداء.
ثم عادت على الدَّرَج. من الأشياء المثيرة الأخرى بالنسبة إليها النوافذ الصغيرة الفارغة المفتوحة على الجدران الداخلية بين مجموعات السلالم، وعندما تطل منها، تتخيل منحدرًا ما، وشلالًا من الحمم التي توقفت لتكوِّن تلك الدرجات المائلة إلى الأزرق، وفوق كل شيء توجد نافذة أكبر، مرسومة، ولكن غير مفتوحة في أعلى الجدار الذي ينتهي بالسقف.
من الذي رسم تلك النافذة التي لا يمكن فتحها، ذلك المستطيل المحفور على الجدار، الذي إذا فُتح أظهر خلفه أفق السماء الكبير والبعيد. ربما نزوة من نزوات البنَّاء، ربما فكر في أن يرفع المنزل طابقًا آخر، ستكون مفيدة فيه تلك الفتحة. على كل الأحوال، تُسحر كوزيما في كل مرة تنظر إليها، تفتحها في مخيلتها، ولم ترَ قط في حياتها أفقًا أكثر رحابةً ولا روعة من ذلك الذي تتخيله يقع خلف تلك العلامة المُتربة والمليئة بالعناكب. ولكن حتى الخزانة المثبتة في جدار بسطة الدَّرَج من النوعية نفسها، ولأن الصمت عاد مرة أخرى ليسود حجرة الأم، أخذت هي تنزل بحذر، ورفعت ستار البياضات المزين بالزهور الحمراء والصفراء.
العديد من الأشياء الرائعة يثري الخِزانتين المتقابلتين. لم يكُن بإمكان كوزيما الوصول إلى تلك المرتفعة، ولا بد أن تبتعد خطوتين لتستطيع أن ترى ما بداخلها جيدًا، وكان لا يجوز لمس الأشياء الموضوعة في أعلى، تمامًا كما لا يمس المرء الأدوات المقدسة للهيكل. تتشابه «الخزانة» في بعض الأشياء مع الهيكل، فيها أربع شمعدانات مصفوفة، اثنان من النحاس واثنان من الزِّنك، وفي المنتصف زَهريَّة زجاجية. ولكن أفضل الأدوات روعةً هو صحن كبير من الكريستال المحفور بفن كأنه ألماس مستند إلى الجدار البعيد، لا تتذكر كوزيما أبدًا أنها رأتهم يستخدمونه من قبل، ولم تكُن لديها أية فكرة فيما يمكن استخدامه، وهذا يجعله أكثر ندرة، تقريبًا غامضًا، يبدو لها بغموضٍ رمزًا للصحن المقدس، مصدره كَنز قديم، وربما عليه صورة الشمس أو القمر، مثل المرسومة على طبق القربان المُقدس، عندما يرفعه القَس ويجعل الجموع الملتفة حوله تراه. تُبجِّل كثيرًا بالفعل ذلك الصحنَ المرتفع الذي لا يمكن لمسه؛ تبجله — وذلك أيضًا ستفهمه فيما بعد — لأنه كان يمثل بالنسبة إليها الفن والجمال.
توجد الأطباق والقوارير في الخزانة السفلية، بالإضافة إلى بعض فناجين القهوة الرائعة الجمال، بدورها، مرسومة من زهور شاحبة ومُذهَبة رقيقة، ومعها الملاعق الصغيرة النحاسية للقهوة، ذات اليد المشغولة. كان يمكن لإصبع كوزيما أن يصل إليها، ولكن فقط إصبعها، لتلمس إحدى الورود المحفورة على البُورسُلين، كأنها تلمس زهرة حقيقية، ممنوع عليها قطفها. ثم عاد الستار ليسقط من جديد على الآخر، على ذلك الهيكل، على تلك الحديقة، وعادت هي مرة أخرى على الدَّرَج لتعد السلالم، لتصل إلى البسطة الأخيرة التي، تقريبًا، تشبه الموجودة أسفلها. ولكن بدلًا من خزانة الجدار كانت توجد وسيلة أخرى من وسائل الراحة، موقدان، تحسبًا لأن يُضطروا يومًا إلى أن يستخدموا تلك المنطقة مطبخًا. وكانت الصغيرة الحالمة تفكر في أنها في يومٍ ما سيكون عليها هي أيضًا أن تتزوج مثل أمها، ومثل خالاتها، وأن تسكن هناك في الأعلى. وفي هذين الفرنين عليها أن تُعِد الأطعمة للعائلة. في الوقت الحالي كانت الحجرتان على اليمين وعلى اليسار بأرضيتهما الخشبية التي ما زالت خشنة تقريبًا هما الأفقر في المنزل بأَسِرَّة من حديد، ومراتب القش المليئة بقشر الذرة، ومائدة وبعض المقاعد. ولكن في حجرة الأولاد يوجد ثراء عظيم، فهناك رف مليء بالكتب، كتب قديمة وكتب جديدة، بعضها كتب مدرسية والبعض الآخر مقتنيات ابتاعها سانتوس من المكتبة الوحيدة لبيع الكتب في المدينة الصغيرة. لم تكُن كوزيما تعرف القراءة بعد، ولكنها تفهم من الصور، وعلى الرغم من أن هذا أيضًا ممنوع لمسه فإنها ببطءٍ فتحت كتابًا ضخمًا ذا أوراق سميكة، مصنوعًا من كارتون لونه لَبَنيٌّ فاتح، وكانت على كل صفحاته نقاط صفراء، هي أيضًا تعرف ما هي: نجوم في سماء الأطلس.
بعد ذلك لم يتبقَّ لها إلا أن تنظر من النوافذ المفتوحة، إحداها تطل على الطريق، والأخرى على المساحة المفتوحة على الحديقة، وحدائق الجيران. تنحدر تلك الحدائق لتصل إلى الوادي غير المرئي الذي منه ترتفع الجبال، جبال رَمادية قريبة بها بقع من الغابات، وأشكال تكوِّنها الصخور وأبراج من الجرانيت، حيث الجبال البعيدة ذات الأحجار الكِلْسية تميل للون الأزرق، وتكاد شمس مايو تضيئها، وجبال أخرى أيضًا أكثر ارتفاعًا وأكثر زرقة، تلك المتلاشية، جبال الأساطير والأحلام.
كانت النافذة التي تطل على الطريق أقل جمالًا، ولكنها أيضًا مثيرة للاهتمام ومليئة بالحيوية. لا يوجد سوى رصيف ضيق يمتد أمام المنزل: ما تبقَّى من الطريق مرصوف بالحصى، بقناة في المنتصف لتجري فيها مياه الأمطار. المنازل متحضرة بما يكفي، تقريبًا كلها مِلكٌ لأقارب السيد أنطونيو. فذاك الذي في نهاية الطريق مِلك لأخيه القَس، دون إينياتزيو، رجل مهمل في مظهره ومدخن شره، ثم يأتي بعده منزل العمة باولينا، أرملة ثرية، أولادها رعاة ومزارعون، يليه منزل العمة تونيا، وهي أيضًا تعيش في رغد، ولديها ابن يعمل في محل بقالة. مات أبو ذلك الصبي، بيد أن العمة تونيا ليست أرملة، لأنها تزوجت مرة أخرى، ولكن بعد شهر من الزواج طردته خارج المنزل، ولكنها لم تنفصل عنه رسميًّا. وهي امرأة لطيفة مليئة بالحيوية والذكاء، والأشخاص المرحون في الحي يزورونها بشكل يومي في ساعات الراحة، يلعبون معها الورق ويتناقشون، ويتبادلون النكات، ويقيمون حفلات تنكرية، وينشرون البهجة في الحي كله.
بيد أن أهم المنازل كان ذلك المنزل الذي يواجه منزلهم، والذي يسكنه الكاهن، قلعة حقيقية بساحات وحدائق داخلية، إحداها تشبه الحدائق المعلقة، مليئة بالورود، وأشجار الرمان، وبها أيضًا شجرة توت عالية، مليئة بفاكهة صغيرة بَنفسَجية. ومن هناك يمتد مشهد المنازل والأكواخ، وهو — في تلك النواحي — المنظر الأكثر تميزًا وشعبية في المدينة الصغيرة، ويبرز الجرس الأبيض لكنيسة «المِسبحة» فوق الأسقف المنخفضة والقاتمة كأنه منارة بين الحواجز المَرجانية.
الآن يجلس السيد أنطونيو في حجرة الطابق الأرضي على مكتبه، ويكتب مراسلاته، يستخدم لذلك بعض الأوراق الكبيرة والمربعة، وعندما ينتهي من كتابة الخطاب بخطه المنمق والواضح يطويه بطريقة تكوِّن ظرفًا، ثم يغلقه ويختمه بطبقات دائرية صغيرة ملونة تُعَد هي أيضًا إحدى الأشياء المشوقة بالنسبة إلى كوزيما. تتعلق المراسلات تقريبًا كلها بأعمال جادة. أحد تلك الخطابات موجه لشركة شحن على الساحل تتولى تحميل فحم السيد أنطونيو ورَماده على سفينة تجارية. خطاب آخر لمالكٍ يرغب في أن يبيع غابة، لغرض التقطيع وتحويلها إلى فحم ورَماد، وخطاب آخر لرئيس المهندسين في منطقة «الأبينيني» في مقاطعة «بيستويا»، والذي يجب أن يحضر مع نواة من عماله، خبراء صناعة الفحم، إلى المكان. ولكن يوجد أيضًا خطاب صداقة للسيد فرانشيسكو، رجل صاحب أملاك في مدينة تبعد حَوالَي خمس ساعات سفر على الحصان من المدينة الصغيرة. منذ عدة أعوام نشأت علاقة صداقة بين السيد أنطونيو والسيد فرانشيسكو، بل هما أقرب من مجرد صديقين، حيث إن السيد فرانشيسكو هو الأب الرُّوحي للصغيرة كوزيما، والآن يكتب له صديقه ليعلن له مولد الطفلة الأخيرة، ويدعوه لحفل العماد الجديد.
ثم بدأ الزوار يتوافدون. في البداية حضر دون سيباستيانو، أخو والدتها. في تلك الفترة اعتاد الكهنة اختيار هذه المهنة لأنهم لم يكونوا يعرفون مهنًا أخرى، ولكن الخال سيباستيانو على الرغم من فقر عائلته فإنه اختار مهنته منطلقًا من دعوة مخلصة. كان رجلًا ذكيًّا ومثقفًا أيضًا، يفهم في الأدب ويعرف اللغة اللاتينية جيدًا، حتى إنه في إحدى المرات عندما وجد نفسه في روما مع كاهن بولندي لا يعرف الإيطالية تفاهما جيدًا باستخدام لغة شيشرون. وهو على عكس كاهن الأسرة الآخر، دون إينياتزيو، أخي السيد أنطونيو، يحب الفقر، وكان شخصًا مرحًا، وضعفه الوحيد أنه يتجرع منذ الصباح كئوسًا من المشروبات الكحولية والنبيذ الجيد.
كانت كوزيما هي من استقبلته، لأن أباها ينهي خطاباته. جلس بقدميه مفتوحتين في حجرة الطعام، وهو يخفض من جلبابه على بنطاله الأسود الذي يتدلى منه جيبان عريضان مليئان بالأوراق والكتب وأشياء أخرى. وضع قبعته على المائدة بجواره، واستنار وجهه الوردي القوي عندما قدمت له الخادمة كأسًا من النبيذ الأبيض. اقتربت منه يد أختها الصغيرة أيضًا بثقة، وجذبت أحد الجيبين الغامضين، اللذين كانا يجذبان الأطفال كما أوصى يسوع، بل وأدخلت يدها الصغيرة في تلك الفتحة الشبيهة بالجراب وأخرجت منها قطعة حلوى صغيرة مهروسة في غِلافها من الورق الخفيف. أرادت كوزيما أن تنهرها، ضربتها ضربة خفيفة على يدها، ولكنها رغبت هي أيضًا في أن تفتش أعمق في جيبَي خالها. تركهما، وهو يضحك، ثم أخذ الطفلتين على قدميه وضمهما إليه بقوة، وهو يُخرج من جيبه الحلوى، والفواكه المجففة، وأشياء أخرى من عمق جرابه. وأخرج أيضًا عددين من مَجلة «الوحدة الكاثوليكية»، الجريدة التي غطى حوافَّها اللونُ الأسود حدادًا على فقد البابا لسلطته المؤقتة، وأعطاهما للسيد أنطونيو، الذي دخل في تلك اللحظة. كانت الجريدةَ الوحيدة التي يقرآنها، وهما يتبادلانها فيما بينهما. في ذلك الصباح أيضًا تناقشا حول مقال دون مارجوتي، ثم النقد اللاذع الموجه إلى زوجة أحد وزراء الحكومة الغاصبة، لأن السيدة قد شوهدت في حفل راقص بثوب يُقال إن ثمنه مبلغ خيالي يصل إلى عشرين ألف ليرة.
ثم ذهبوا جميعًا، والطفلتان أيضًا، اللتان كانتا تتعلقان في جلباب خالهما كأنه لامرأة، لرؤية الوالدة.