الفصل الثالث
استمر الثلج عدة أيام، ولكن ما تسبب أكثر في الضرر حدث في فترة من الأمطار الغزيرة التي فاضت لمدة أربعة عشر يومًا متصلة، صحبتها رياح شديدة شرقية ساخنة. الآن لم يعد الدخان يحاول حتى الهروب من المطبخ، فالأمطار تتسرب من النوافذ، وتقطر من الأسقف، انفتح نبع فعلي من القبو، واضطُر السيد أنطونيو على الفور إلى بناء أنبوبة من الحديد لدى الحداد وأن يستأجر رجلين ليُفْرغا المياه من القبو إلى الطريق. والطريق أيضًا تحول لشلال مياه، وتحولت الحديقة إلى مستنقع، وشعروا كأنهم في قارب تتسرب إليه المياه من كل الأنحاء.
ثم مرضت الفتيات، وكوزيما أيضًا شعرت بشيء يخنقها، هوجمت بحرارة مرتفعة جدًّا وبدأت تحلم بأشياء عجيبة جدًّا ومخيفة. كانت ترقد على الفراش في حجرة الدور الأرضي، وفي لحظات الوعي ترى وجه أمها الشاحب ينحني على وجهها، وتشعر بشعور منعش كأن زهرة زَنبَق تلمِس وجهها. ولكن في أحد الأيام، وكان يومَ عيد القديس أنطونيو، بدا كأن هناك قطراتٍ كبيرةً من الندى تتساقط من تلك الزهرة، وكان ذلك الندى حارقًا، وذاقت كوزيما أيضًا طعمه المالح، وكان ذلك مذاقَ أشدِّ ألمٍ يمكن أن يصيب امرأة.
وحضر أحد الأقارب ليسأل عن حال الفتيات، ودخل، وحتى لا يُظهر قلقًا سأل بصوت مرح: اليومَ هو احتفال بقديس رب المنزل. ستكون لديكم مأدبة كبيرة بالتأكيد، أين هو الخنزير الصغير؟
قالت الأم بصوت أجش: «خنزير الاحتفال في الأعلى، في حجرة الفتيات.» وذهب القريب ليرى؛ فقد ماتت جوفانا، الأخت الأجمل بين الأخوات الخمس.
بعد موت جوفانا، تغير مِزاج الأم، أصبحت جادة طَوال الوقت، وحزينة، صامتة ومحبوسة في عالم ينتمي إليها وحدها، تهتم بالأبناء وبما يخص المنزل، ولكن ببرود يكاد يكون آليًّا، وهمومِ واجبٍ لا تتوقع منه أيَّ مقابل. كانت لا تزال شابة، حسنة المنظر، جسمها جميل، على الرغم من قِصر قامتها، ولكنها أحيانًا كانت تبدو مسنة، منحنية ومتعبة. ربما ينبع سر حزنها من واقع أنها تزوجت دون حب، من رجل يكبرها بعشرين عامًا، يحيطها بعنايته، ويعيش فقط من أجلها ومن أجل عائلته، ولكنه لم يكُن قادرًا على منحها الإشباع والمتعة اللتين تحتاجهما كل النساء الشابات. ولم تكُن هي قادرةً على الحصول على ذلك خارج الدائرة العائلية، لم تكُن تستطيع ذلك بدافع غريزي تجاه الواجب. هل أحبت في يومٍ ما؟ يُقال إنها بالفعل، قبل أن تتزوج، بادلت شابًّا فقيرًا الحب، ولكن لم يتمكن أحد من معرفة من هو، وإن كان له وجود حقيقي. العديد من النساء يعشن على ذكرى حب خيالي، والحب الحقيقي بالنسبة إليهن سر عظيم لا يمكن الوصول إليه مثل الحب الإلهي. بالإضافة إلى أن الجميع في عائلة الأم كانوا يمتازون بالغرابة نوعًا ما. أبوها من أصول أجنبية — البعض يقول إنه كان من جِنوة، والبعض الآخر يقول إنه كان إسبانيًّا — اشتغل تقريبًا في كل المهن، وفي النهاية أصبح مالكًا لبيت ومزرعة صغيرة في الوادي، واعتزل فيها في كوخ، وعاش كالناسك في زراعة الأرض بعض الوقت وفي تربية الطيور والقطط البرية. بيد أن الأبناء أبلَوا بلاءً حسنًا، لأن أمهم الصغيرة ربتهم بورع وتقوى، فمنهم من أصبح كاهنًا وآخر سكرتيرًا حكوميًّا في بلدة قريبة، بينما تزوجت جميع الفتيات، ولكن كان لهم جميعًا طابع مختلف عمن يعيشون في الجوار، كانوا يقولون عنهم إنهم مختلفون عن أولئك السكان الآخرين الحمقى والفضوليين، بينما أبناء الناسك شاردون وحالمون، وعندما يتكلمون يقولون فقط كلمات الحقيقة القاطعة.
وبين هؤلاء الناس، وفي تلك البيئة، كبِرت إذن الصغيرة كوزيما، عمرها الآن سبعة أعوام، وتذهب هي أيضًا إلى المدرسة مع الأخت الكبيرة التي تُكرر الصف الرابع الابتدائي. كانت الرحلة — للوصول إلى الدَّير المُستخدم مدرسةً — مليئةً بالمغامرات بالنسبة إليها، فكان لا بد من النزول من خلال طرق ضيقة غير ممهدة عبر منازلَ صغيرة للفقراء، وصولًا إلى الميدان، حيث يوجد الحي الأرستقراطي ذو المنازل المرتفعة، والشرفات والستائر التي تزين النوافذ. يجلس على الأرض في أحد جوانب الميدان بائعو الخضراوات مع سلالهم المليئة بالخضراوات، وأغلبهم من الخادمات، اللاتي يبعن منتجات حدائق سادتهن، ويحكين عن خصوصيات أولئك السادة. وأحيانًا أيضًا توجد عربة «حنطور» تأتي من البلدان الساحلية مليئةً بالسمك أو بالبِطيخ والشمام، عندئذٍ يسرع إليها المشترون الشرهون، والسيد أنطونيو نفسه إذا وُجد هناك يشتري كيلو جرامًا من سمك البوري، أو الشمام زكي الرائحة، ويأخذه إلى المنزل بداخل مِنديل يدٍ كبيرٍ مرسومةٍ عليه مربعات.
نجحت دون امتحان، سلمتها المعلمة خطابًا صغيرًا إلى السيد أنطونيو، به الخبر السعيد، وأخذته هي إلى المنزل وهي تلوِّح به من حين لآخر كأنه عَلَم النصر، حتى إن أختها الكبيرة أخذت من ضيقها تقرصها وتدفعها، ولكن عندما فتح الأب الرسالة ظل باردًا، بل وتخللت ابتسامة ساخرة شفتيه الرفيعتين؛ لأن السيدة المدرِّسة، المعروفَ زوجُها بأنه سكير كبير، وأنها هي أيضًا، كما يُقال، لم تكُن تخجل من تناول بعض كئوس النبيذ الجيد، تطلب أن تقترضَ منه بعضَ النقود.
كانت هذه أولى التراجيديات الكوميدية للحياة التي أعطت لكوزيما درسًا عمليًّا في الحياة.
ولكن لا يعني هذا أنه في محيط حياتها لم يبدأ الوجه الحقيقي للحياة في الظهور أيضًا، وأن الأحداث لا تتخذ أحيانًا ألوانًا وتحركات غير معتادة.
أحد تلك الأحداث الأكثر تأثيرًا وحزنًا كان حين اكتشف أبوها في أحد الأيام نقصَ نقود من درجه المغلق بالمِفتاح، لم يخدع نفسه ولو لحظةً، استدعى ابنه أندريا الذي كان يبلغ من العمر وقتها ستة عشر عامًا، وحقق معه طويلًا. ظل أندريا صبيًّا قصير القامة وقويًّا، وليست لديه الرغبة في الدراسة، يتردد على صبية آخرين من عائلات قروية ميسوري الحال وقادرين، وفي الوقت نفسه اعتادت بعض النساء من العاهرات الساكنات في بعض الأكشاك في حي سان بيترو، الأكثر ازدحامًا في المدينة، جذبَ أولئك الشبان المتدفقين بالحيوية، والمتروكين بلا رقابة.
في وقت لاحق أدرك السيد أنطونيو أنه قد منح حرية أكثر مما ينبغي لهذا الصبي الطيب والكريم في العمق، والذي بداخله كل الغرائز البُدائية. ساعده غضب مكتوم، يغذيه الندم، والخوف من المستقبل، وأغراض الحسم والردع، في التماسك في التحقيق الطويل الذي نصبه لأندريا. أنكر الشاب أنه أخذ النقود، عندئذٍ فتشه الأب، وعثَر معه على بعض النقود وعلى المِفتاح الذي يفتح الدُّرج. استمر أندريا في الإنكار. عندئذٍ، أخذ السيد أنطونيو حبلًا وألقاه على أحد عوارض المطبخ، أغلق الأبواب والنوافذ، وأخرج النساء، وقال له بهدوء: انظر يا أندريا، سأنفذ أنا بنفسي العقاب على الفور، إذا لم تعترف بخطئك، سأشنقك بيدَيَّ.
واعترف الصبي.
بدا كل شيء قد انتهى، ولكن ظلالًا ما ظلت تخيم على الأسرة، لأن الأب والابن ظهرا فجأة في ضوء الرعب والموت. وأصبحت الأم أكثر حزنًا، أما كوزيما فقد انحنت مثل أحد زنابقها التي انتزعتها الرياح.
ولكن يبدو أن الشاب قد عدَّل من طُرقه على الفور. فقد أعلن أنه لا يرغب في استكمال دراسة لا تفيده، وأنه يرغب في أن يعمل. عندئذٍ فكر الأب أن يشركه في أعماله، وأرسله ليشرف على أعمال الفحم والرماد التي له في غابات الجبل. ليس هذا فقط، بل أرسله أيضًا في رحلة للتعلم التجاري، مع خطابات تقديم وتوصية لزملائه في العمل في نابولي وليفورنو.
كان سانتوس أيضًا في الخارج، رحل منذ عامين للدراسة الثانوية في كالياري، ووعد بأن يصبح دكتورًا ماهرًا في الأدب أو في الطب، واختار التخصص الأخير، ولكنه لم يهمل دراسته ولا تذوقه للأدب. عندما يعود في الإجازات كان كأنفاس تمنح حياة جديدة تحيي المنزل. يحضر معه الكتب والهدايا، وكان يرتدي ملابس متواضعة، ولكن شديدة الأناقة. كان وسيمًا، وجهه دقيق، يبدو كأنه من جنسٍ مخالف لهم، بعينين واسعتين فاتحتين، تشعان ذكاءً وصلاحًا. لم يكُن يتحدث كثيرًا، ولكنه يتحدث جيدًا، ويتمتع بثقافة موسعة وعميقة، تساعده عليها ذاكرته الرائعة. وأكثر شيء مدهش فيه هو جِدَّته، وأيضًا شبه التقشف في مظهره. لم يكُن يدخن أو يشرب، ولم يكُن ينظر إلى النساء، بل يدرس طَوال الوقت، وأيضًا في أثناء فترة العطلة.
ينتمي أنطونينو بدوره إلى عائلة مختلِطة، ما بين البرجوازية والقروية، فالأم والأخوات ترتدين الأزياء العادية، بينما هو وإخوته، وجميعهم من الطلبة، لهم ذلك الطابع الأرستقراطي. في الواقع كان الأب جامع الضرائب شخصًا خشنًا وهادئًا، لم يتحدث كثيرًا اللغة الإيطالية (مثلما يفعل غيره من السادة النبلاء)، رُوحه مثيرة للإعجاب ونبيل. كان مسكنهم متميزًا للغاية، الأخير في البلدة، يتكون من مبانٍ منخفضة حول بهو مغلق، حيث — بالإضافة إلى عائلتهم — يسكنه أيضًا أقاربُ آخرون، لهم العديد من الأبناء: شيء كالقبيلة، ولكن مكونة من أشخاص متحضرين، بل أيضًا شديدي الذكاء. يدرس الأبناء جميعهم، يتمتعون بذكاء حاد وقوة الملاحظة ويميلون للسخرية. يظهر كَرْم جميل يطل على الوادي ونحو جبال الشمال في انحناءة جميلة مرتبطٌ بالمنزل، وفي وقت لاحق بنى أبو أنطونينو في إحدى زواياه منزلًا مرتفعًا، فيه يعيش الطالب، في الأسابيع القليلة التي يأتي فيها إلى البلدة، يعيش فيه كأنه في برج عاجي، يدرس، أو يتظاهر بأنه يدرس.
كان أول وأطول قصة حب لكوزيما. عندما يأتي ليبحث عن سانتوس، تختبئ هي، وقد تملكها الرعب أن يوجه إليها ولو نظرة بسيطة. ولكن لم يكُن هناك أي خطر، حيث اعتاد أن يمر بجوارها وبجوار الفتيات الأخريات، الكبيرات أيضًا، والأجمل والأكثر خبرة منها، دون حتى أن يَراهُنَّ، وإذا أتى بحثًا عن سانتوس يفعل ذلك لأنه يمكنه معه التحدثُ عن الأشياء وعن الأشخاص الذين يعرفونهما في مدينة الدراسة. ثم إن سانتوس أيضًا يجذبه بتميزه في الذكاء وتفرده.
خلال ذلك الوقت يكرس الطبيب المستقبلي نفسه — على غير العادة — لأشياء بعيدة عن دراسته. يبني على سبيل المثال بالونًا طائرًا، كما أطلقوا عليه آنذاك، وينجح في ذلك بتفوق، لم يكُن أحد يعرف سر جهازه هذا، ولكن المؤكد أن ذلك البالون المصنوع من ورق حريري، الذي لتمويله استطاع سانتوس أن يحصل على بعض الأموال من أمه، خرج في يوم جميل من بهو المنزل خفيفًا وملونًا مثل فقاعة صابون كبيرة، وطار فوق البلدة، مستدعيًا انتباه وإعجاب الجميع، ولكنه اختفى ولم يعد. بعد ذلك عُرف أنه هبط دون أن يحترق في ركن من الجبل، وبعض رعاة النعاج الصغيرة رأوه يطفو بحرية فوق الصخور، يضيئه الغروب، واعتقدوا أنه شيء فائق للطبيعة، وعندما رأوه يهبط سجدوا جميعًا فريسة لرعب الخرافة، وهم يصيحون: إنه الرُّوح القدس، إنه الرُّوح القدس.
شاعرًا بالزهو من هذا النجاح، حاول الطالب شيئًا آخر: بنى عجلة من الألعاب النارية التي من المفترض أن ترتفع مثل البالون ثم تشتعل بألعاب نيران لتخلق مؤثرات مدهشة، بعض عينات الصواريخ أبلت بلاءً حسنًا، ارتفعت إلى أعلى، في إحدى أمسيات شهر أغسطس، وانفتحت في دوائر من ورود متوهجة، ولكن عندما حاول أن يرفع ويشغل العجلة اشتعلت، وتسببت في فزع شديد للعائلة، وأدى ذلك إلى احتراق يد وذراع المخترع الشاب حرقًا شديدًا. تسبب كلٌّ من الفشل والألم في إحباطه الشديد، وكان لا بد أن ينام في الفراش، ولتهدئة الآلام ومساعدته على النوم خلط الطبيب بعض الأدوية ومعها وضع بعض «الكونياك». خلد للنوم، ولكن كمن أعطوه مشروبًا سحريًّا، فقد استيقظ شاعرًا بالدُّوار، وعندما عاد إليه الألم مرة أخرى، أعد هو بنفسه المشروب ليسقط مرة أخرى في دُوار عميق. تغير مزاجه، وأصبح سريع الغضب وكسولًا، أهمل كتبه، وصار يغيب أيامًا كاملة عن المنزل دون أن يقول أين يذهب؟ كان يبدو أن لا صحبة تعجبه سوى صحبة أنطونينو، يغلقان على أنفسهما الغرفة العليا في المنزل لساعات طويلة، وإذا استطاعت كوزيما بقوة فضولها ومشاعرها التنصت عليهما، تستمع إليهما يقرآن ويعلقان ويتناقشان بصوت مرتفع أعمالًا أدبية. يقرأ أنطونينو أبيات الشعر الأخيرة لشاعره المفضل. وفي صباح أحد الأيام ارتفع صوته أكثر من المعتاد، وفي الصمت الهادئ المتواضع للمنزل العائلي الصغير، انتشر كأنه الموسيقى التي تحكي عن مدن بعيدة، تضيئها النافورات والتماثيل والحدائق التي لا يشغلها سوى العشاق والنساء الجميلات والناس السعداء.
في تلك الأيام ماتت الجدة الصغيرة.