الفصل الرابع

كان الصيف بالتأكيد أكثر الفصول سعادةً، تميزه أيام شديدة الحرارة، ولكنه حر ثابت، يكاد يكون لامعًا، وزرقة السماء في موقع منخفض، وتبدو كأنها تلك المرسومة في لوحات زولواجو. عاد أحد الخدم من الحصاد، كأن النيران أحرقته، ثم ألقى بنفسه، وقد أصابته الحمى بالملاريا، على حصيرة في أحد أركان الكوخ. أما النساء اللاتي يعملن في ظلال الأروقة فكن يُلقين بأكوام من ثمار اللوز التي يأتي رجل كل عام ليبتاعها، يضحكن ويغنين أغاني الفلاحين التي تصنع نوعًا من التضاد الغريب جدًّا بين التغريد الثمين لما يلقي به أنطونينو من أشعار في غرفة سانتوس. صرخات من الانفعال، عميقة ومشتعلة مثل تلك السماء التي فوق الأرض تحرقها الشمس. من بين أولئك النساء الشابات القمحيات من لا تفكر في شيء آخر سوى الحب، وتشكو لأنها «تعيش بين الأشواك بسبب حبيبها الوحيد»، ومن تقول لحبيبها: وجهك جميل وخائن مثل يهوذا، ومن كانت تدعو آخر أن يمتص دماءها الحية من قلبها، وأحيانًا يرتفع صوت امرأة غير مخدوعة ليحذر العاشقات، وعندئذٍ يصمت الكورال النسائي، في وقفة تكاد تكون فزعة. وكان التحذير يقول:

يقولون إن الكل ينسى الجندي في الحرب، وحتى الله لا يتذكره. جسدي يعود، بعد دفنه، إلى سبع أُوقيَّات من التراب.

وفي المساء، عندما ترحل النساء، بعد أن جمعن اللوز في أجولة نظيفة، تجلس الخادمة والفتيات، وأحيانًا أُمُّهن، في الرواق الرطب أسفل نجوم الدب الذي تسافر عجلاته نحو بلد الأحلام.

أما الخادم المريض بالملاريا فيتماثل للشفاء بطريقة ما، ينهض ليشارك هو أيضًا في الثرثرة العائلية. كان شابًّا وسيمًا، قريب السيد أنطونيو من بعيد، زيتونيًّا، وأسنانه ناصعة البياض، يبدو كأنه إثيوبي. وحتى الطريقة التي يفكر بها كانت بربرية إلى حدٍّ ما. يتحدث دائمًا عن العصابات وعن غزواتهم في النهب. لا بد من القول إنه في تلك الفترة كان ما يزال للسرقات المحلية طابع شبه ملحمي.

الكراهية بين العائلات، والعطش للانتقام، ومسائل الشرف، كانت من بين الأسباب الرئيسية لحوادث الدم تلك التي تجتاح حياة البلدة، ومقاطعات بأكملها. بيد أن الخادم الشاب يُجمِّل مغامرات اللصوص بلمسات من خياله، وهو ذاته يترك نفسه لتجتاحه تلك الإيحاءات الشريرة التي تدفعه ليهذيَ بأحلام عن الحرية، وعن عمليات يكون فيها، أكثر من أي شيء، المتمردَ على القوانين الاجتماعية، لديه الطريقة التي بها يفسر شجاعته، وقدرته وقوته النفسية، واحتقاره للخطر وللموت. كان هذا، في نهاية الأمر، نوعًا من الفوضوية، التي بها يمكنه أن يساوي قدره مع قدر الرجال الأحرار، وأن يبتعد عن قدره باعتباره خادمًا، يستطيع من خلالها أن يحطم خيارات الآخرين ويخلق لنفسه قدرة ما، ونظامًا للحياة بخلاف ذلك المعتاد.

في ذلك الوقت بالتحديد، انتشرت عصابة من رجال مسلحين، ومستعدين لكل شيء، وأيضًا في حماية شبكة عريضة من المؤيدين، سواء بدافع الصداقة أو التواطؤ أو الخوف. وغزت العصابة المقاطعة، زعيماها أخوان شابان جدًّا، بشعان، ويُقال أيضًا غاية في الوحشية، كان أساس كراهيتهما للمجتمع هو الظلم الذي تعرضا له، في حكم إدانة في جريمة هما بريئان منها، إدانة استطاعا تجنبها بالهروب. ولكن لا بد أن نقول إنهما، سواء بشكل فطري أم بدافع الغضب من قدرهما السيئ، لم يحترما أملاك الآخرين، وهكذا في خلال بضعة أعوام كونا ثروة، وأصبحا يمتلكان أراضي ومنازل، وماشية، وخدمًا، ورعاة.

في صباح أحد أيام ذلك الصيف الأخير تقدمت امرأة شابة، تكاد تكون طفلة، إلى منزل السيد أنطونيو وطلبت أن تتحدث إليه. استقبلها هو في الحجرة التي يدير فيها أعماله، وسألها بلطف عن مطلبها. كانت ترتدي زي البلدة، وشاحبة الوجه ونحيفة، لها عينان واسعتان سوداوان، يعلوهما حاجبان سميكان جدًّا يعكسان شخصيتها القوية. قالت في شيء من التواضع: سيادتك تمتلك أعلى جبل أورتوبيني، غابة من البلوط الأخضر تؤجرها كل الأعوام مرعًى للخنازير ليأكلوا الجوز، نريد أن نستأجرها الموسم القادم.

قال السيد أنطونيو: إنها مُستأجرة بالفعل، لمدة ثلاثة أعوام وحصريًّا لمالك الماشية إلياس بوركو.

– إن إلياس سيتنازل عنها بكل سرور، إذا سمحت سيادتك بذلك.

– لا أعتقد أنه يمكنه التنازل عنها لكم بسرور، فهو يحتاج إليها.

– إذا قلت له ذلك سيادتك، فسيتنازل عنها على الفور.

بهدوء وثبات، بقبضته الصغيرة البيضاء على المائدة أجابها الرجل: لم أفرض قط على أحد أن يفعل شيئًا منافيًا للعدل.

– ولكنه الآن سيكون شيئًا عادلًا حيث إن أخوي يحتاجان إلى مرعًى من الجوز من أجل خنازيرهما، وكل المُلاك يقولون إنهم قد أجَّروها بالفعل، وذلك ليس حقيقيًّا.

– أنا لا أعرف ما يقوله الملاك الآخرون، كل ما أعرفه هو أن غابتي مُستأجرة بالفعل وحسب!

ثم ختم حواره وهو يرفع قبضته، ولكنه وضعها على الفور فوق المائدة دون أن يدق عليها، بينما اتخذت عيناه الضوء الفضي اللامع للصُّلب الحاد.

لم تستسلم الفتاة، عيناها أيضًا كانتا تلمعان، غير أنهما كانتا داكنتين أسفل حاجبيها الكثيفين.

– ألا تعرف سيادتك مَن أخويَّ؟

ولأن الآخر لم يبدِ أي فضول، أضافت بفخر كأنها تزهو بقرابة الأبطال: إنهما الأخَوان … ثم نطقت باسم قاطعَي الطرق.

عندئذٍ ابتسم السيد أنطونيو وقال: حتى وإن كانوا الإخوةَ السبعة المشاهير، قاطعي الطرق الذين كانوا يمنحون أسماءهم للجبال التي يختبئون فيها، أنا لن أَحنَثَ بوعدي لإلياس بوركو. وكفى!

كرر، وهذه المرة ضرب المكتب بقبضته كأنه يختم أحد خطاباته بالشمع الملون.

نهضت الفتاة، لم توجه له أي تهديد، ولكنها رحلت دون سلام. لم يقل السيد أنطونيو شيئًا للعائلة، على الرغم من أن جميعَهم أدركوا الزيارة وشعروا بالقلق. شيء غريب حدث في المساء نفسه، في وقت متأخر، بينما الجميع في أسِرَّتهم، وصاحب المنزل فقط ساهر في حجرة الطعام يقرأ عددًا قديمًا لمَجلته المفضلة ذات الحواف السوداء «الوَحدة الكاثوليكية»، طرق فجأةً أحدهم طرقًا خفيفًا على الباب. فتح السيد أنطونيو، ولم يشُكَّ لحظةً في هدف تلك الزيارة غير العادية. كان الشارع مظلمًا، ولكن بفضل الضوء الذي كان يصل من ممر المدخل إلى الباب استطاع أن يرى، في ظلاله، كأنه في لوحة ذات خلفية داكنة، جسمًا عملاقًا، يرتدي زيًّا أسود وسروالًا أصفر، له ملمح شيطاني، وجهه برونزي اللون محاط بلحية مستديرة، لونها أسود داكن، عيناه يعلوهما حاجبان يشبهان حاجبَي أخت قاطعَي الطرق، ولكن أكثر كثافة منهما بكثير، حدَقَتا عينيه كبيرتان وبياضهما مزرقٌّ.

فكر السيد أنطونيو: لقد ضِعتُ! ولكنه لم يتظاهر حتى بالابتسام ليخفي مشاعره. أدخل الرجل، ولاحظ أنه، على الرغم من التركيب الضخم لجسمه، يسير في صمت وخفة كأنه غزال. ينتعل في قدميه الكبيرتين نعلين من الجلد الخام، مربوطين أسفل غطاء للساق من الصوف الخشن، نعلين لرجل معتاد الجري هاربًا ومبتعدًا ببضع ساعات عن مكان جريمته، بحيث يستطيع أن يوفر لنفسه دليل براءة أكيدة.

فكر السيد أنطونيو: هذا الرجل سيخنقني هذه الليلة. ولكنه على الرغم من ذلك أدخله إلى حجرة الضيوف، ومنحه مكان الشرف أمام المائدة، ولكنه لم يتعجل في أن يقدم له ما يشربه ليشعره بثقته.

وحتى قبل أن يُسأل، بدأ الرجل في التحدث، كان صوته منخفضًا وهادئًا، كلماته بطيئة وحذرة. وعلى الفور تنفس السيد أنطونيو، لأن كل شيء في الإنسان، حتى العين، يمكن أن يكذب، إلا الصوت، حتى إذا حاول الشخص إخفاء ذلك. وكان صوت ذلك الرجل الذي بدا كعملاق أتى من أعلى الجبال الحجرية ليُدمر شيئًا ما لا يعجبه، هو صوت شخص حكيم. والموضوع هو التالي: إيجار غابة البلوط لقاطعَي الطريق. لم يقل إنه كان شخصيًّا مؤيدًا لهما، بل إنه أحد شركائهما، لا يزال حرًّا على قدميه لأنه أذكى بكثير وأشدُّ حرصًا من أن يكتشفه أحد، حكى أنه صديق لهما، لأن هذين البائسين يستحقان أن يكون لهما أصدقاء، من بين عديد من الأعداء الذين يطاردونهما كأنهم يصطادون خنازير برية، ولا ذنب لهما سوى فخرهما باستقلالهما. أولئك الأعداء وصل بهم الأمر إلى أنهم منعوا الأخوين من أن يطلقا قطعان ماشيتهما وخنازيرهما في الأراضي المسيحية، ولذلك فهو يترجى السيد أنطونيو أن يكون رحيمًا على الحيوانات وعلى مالكَيها.

– هذه هي النقود: ألفان، ثلاثة آلاف سكودي، ما تريده سيادتك يا سيد أنطونيو.

أخرج من صدره محفظته المربوطة بشريط من الجلد، وكان على وشك أن يخرج النقود، حينما أوقفته يد الآخر البيضاء، وأمسكَت بيده، بينما حاولت العينان الفاتحتان للرجل المحترم أن تتخلل العينين الداكنتين للرجل العملاق، مثل طفل مطمئن يتقدم في غابة مليئة بالأشواك وكله ثقة في أنه سيجد طريقًا، وقال: أيها الصديق، أنت تعرف أن الأمر مستحيل.

تلك اللمسة، وتلك النظرة، وبصفة خاصة كلمة «صديق» التي قيلت بتلك الطريقة، في تلك اللحظة، كان لهما، كما قال الرجل فيما بعد، تأثيرٌ معجِزيٌّ. أعاد وضع محفظته في مكانها، ولكنه أصر على طلبه، مبالغًا، ربما بإخلاص من جهته، على الاحتياج المُلح لحماية ونجدة الأخوين «س» من قِبل الأشخاص الخيِّرين الذين يدركون حظهما التعس.

قال السيد أنطونيو: النجدة الوحيدة التي يمكن أن أقترحها على الهاربَين، هي أن يسلما نفسيهما على الفور للعدالة، قبل أن يتأخر الوقت أكثر من هذا، لهما، ولأصدقائهما أيضًا.

نظر الرجل بسخرية، وأصبح وجهه، في تلك اللحظة بالتحديد، يشبه وجه الشيطان، ولكن الآخر استمر: سنتقابل مرة أخرى في أحد الأيام، وعندئذٍ ستخبرني بأنني كنت على حق. إن هذين الشابين مثل حجرين قُطعا من قمة الصخرة، سقطا بينما يجذبان حجارة أخرى، وفي أثناء انحدارهم سيتحولون جميعًا إلى انهيال جبلي، وينتهي أمرهم جميعًا في الهاوية.

تمتم العملاق: بالتأكيد، إذا لم يساعدْهما أحد. من السهل التحدث بهذه الطريقة، ونحن نجلس أمام مائدة هادئة، ونمسك بورقة في يدنا. لكن لا بد أن نضع أنفسنا في مكانهما، نتخيل الصعوبات، لنستطيع التفكير بطريقة أخرى. ولا بد من التحدث معهما، وليس مع سفرائهما.

– أنا على استعداد للتحدث معهما، وإقناعهما بتغيير طريقهما. وفِّر لي لقاءً، أين ومتى يرغبان، سأتحدث مع هذين البائسين كأنني والدهما.

تحمس رجل الجبل على غير العادة. كان يفكر في أنهما، نظرًا لشهرتهما بقوة حجتهما المندفعة والمتحمسة، ربما استطاعا إقناع السيد أنطونيو، ويكسبان بذلك صديقًا جديدًا و«حاميًا» قديرًا؛ لصلاحه وشهرته بالاستقامة. وافق على تناول كأس النبيذ التي قدمها له مضيفه، ومضى بصمت، بعد أن وعد بأن يعود. عاد، في الواقع، ولكن بالنسبة إلى الحوار مع الأخوين «س» لم يتمكن من أن يصل إلى شيء. لم يهتم اللصان، وضحكا على الكلام الرومانسي للسيد أنطونيو، بأن يسلما نفسيهما، هل يمكن لمحارب بربري يدافع عن حريته وسمعته الدموية ليعيش، أن يسلم نفسه سجينًا لأعدائه؟

بيد أن نبوءة السيد أنطونيو قد تحققت. من جريمة إلى جريمة، ومن عملية خطف إلى أخرى، سقطا هما وعصابتُهما في الهاوية. ومن بين المخدوعين المندفعين خلفهما، ذهب أيضًا الخادم الشاب الذي كان مصابًا بالملاريا والتطلعات، مما أثار ألم السيد أنطونيو وعائلته كلها. يواكينو الذي دون أن يرتكب أي وزر، وفقط من أجل حبه للمغامرة، انضم في الفترة الأخيرة إلى العصابة، وقُبض عليه معهم. وعوضًا عن هذا، عاد رجل الجبل كثيرًا للسيد أنطونيو، وأصبح «راعي خنازيره». لأعوام طويلة كان أحد أخلص الموظفين المعجبين بالسيد أنطونيو. واعترف أنه في تلك الليلة كان قد أتى بالفعل بالنية الشريرة لأن يقتله إذا لم يخضع لرغبات اللصين.

كان السيد أنطونيو صالحًا وعادلًا، وكان الجميع يحبونه. كان له — دون أن يرغب في ذلك ولا حتى أن يدركه — سحرٌ خيِّر على كل من يقترب منه. كلماته بسيطة وبلا تنميق، ولكن يصعد رنين صوته من عمق نفسه المصنوعة من الحق والتسامح، مثل الموسيقى التي تُعبر عما لا يمكن التعبير عنه. بالإضافة إلى ذلك كان على قدر من الثقافة، وكان في الواقع شاعرًا. درس في كالياري، عندما اعتاد أن يسافر من مدينة لأخرى بالحصان، يأخذ معه كتبه ومئُونته داخل خُرجه مثل راعٍ أو فلاح ذاهب ليغرس القمح في المناطق البعيدة. درس ما سمي في تلك الفترة «الخطابة»، أو دبلوم الحقوق. ولكن في الحقيقة لم يمارس تلك المهنة النبيلة، ولكن اعتاد أن يلجأ إليه الكثيرون من أجل النصيحة والاستشارات القانونية، وهم مقتنعون بشدةٍ بحكمته، وبصفة خاصة باستقامته.

تسببت التجارة في ثرائه. ولكن، مثل أي شخص مبتدئ في العلوم الإنسانية، يغذي أيضًا دراساته الشعرية، وكانت أشعاره عاميةً، ولكنها تقترب من شكل اللغة الإيطالية. كان بارعًا أيضًا بوصفه شاعرًا ارتجاليًّا، يجمع أحيانًا حوله أبطالًا مشهورين في هذا المجال في المسابقات، ويتنافس مع أكثرهم مهارة وإلهامًا. وكانت لديه مبادرات عبقرية، أيضًا باعتباره صاحبَ أراضٍ ومزارع، فيحاول زراعة الموالح والسُّمَّاق والشمندر، ولكن تيبس الأرض الصخرية — التي حرقتها فترات الجفاف الطويلة — أجهضت مجهوداته. أسس أيضًا مطبعة صغيرة وطبع على نفقته الخاصة جريدة صغيرة وأشعاره وأشعار أصدقائه، ولكن انتهى هذا المشروع أيضًا بالفشل التام.

في ساعات الراحة — في الموسم الجيد — يجلس في ظلال منزله أمام الباب، وهو يطالع الصحف. يصافحه كل من يمرون، بل منهم من يتوقف للتحدث معه، وإذا مرت سيدة محتاجة يُخرج هو من جيبه في صمت نقودًا ليعطيها لها، وهو يشير بإصبعه على فمه بألا تتكلم. وهكذا كان كل من يمرون يشعرون بالسلوى.

بالإضافة إلى أنطونينو، كان يتردد على المنزل تلميذ شاب آخر، رفيق دراسة لأندريا. صبي نحيف ذو ملامح قاسية، عيناه هادئتان ومليئتان بالشك، معتد بنفسه وطموح، وجِديته غير معتادة على من هم في سنه. ولكن هو أيضًا ينتمي إلى عائلة مختلِطة، لم تكُن برجوازية، ولكنها لم تكُن أيضًا قروية فقط، بل يفتخر بأنه كان ينتمي إلى الجنس القديم الأصلي. يسكن في منزل مظلم في آخر ممر مغلق، يكاد يكون محاطًا بالأسوار كالسجن. وكانوا جميعًا في العائلة: الأب طويل القامة وتقريبًا مسن، والإخوة، والأخوات إحداهن شديدة الجمال وذات عينين لونهما سماوي نادر، يتميزون بنوع من قسوة مأساوية تقريبًا. لم يكُن لديهم الكثير من النقود، إلى حد أنه عندما تعلق الأمر بأن يرسلوا أحد الأبناء للدراسة إلى كالياري اضطُروا إلى القيام ببعض التضحيات. ولكن جونماريو، الطالب، كان يبشر بالخير. وفي أثناء تلك الإجازات الأخيرة، وبينما يستعد للرحيل، أصبح يزورهم كثيرًا. في كل الأمسيات يبحث عن أندريا، على الرغم من أنه يعرف أن الصديق لم يكُن في المنزل، وكان يجمع كل الأعذار ليتأخر مع الفتيات. تثير حواراته اهتمامهن، بالإضافة إلى أنه يحمل إليهن أخبار البلدة، كل النميمة، والقصص المرتبطة بالحب البريء بين الطلبة وفتيات المنطقة. كانت كوزيما، وأكثر منها إينزا، تستمعان إليه مسحورتين. وكانت إينزا حقًّا آنسة غريبة قليلًا، أحيانًا تميل إلى الصمت وأحيانًا أخرى تنتابها حالة من الفرح غير العادي والهيستيري.

وسرعان ما أدركت أنها وجونماريو قد ارتبطا برباط الحب، وأخذا يعثران على الطرق ليتقابلا في السر، وزاد اعتراض عائلتها، التي تأمل في زيجة أسرع وأكثر متانة من هذه، على عشقهما. كان عشقًا حقيقيًّا يغذيه الطابع العنيف قليلًا للفتى والفتاة. أخذ جونماريو يدرس بإصرار عنيد، وخلال عامين فقط نجح في امتحانات الثانوية، وسجل نفسه في كلية الحقوق. ولكن الدراسة والحرمان والكبرياء من الرفض المستمر لعائلة إينزا جعلوه كئيبًا وعصبيًّا، أحيانًا تتحول عروق عينيه إلى اللون الأحمر، ويصبح صوته خشنًا وكلماته تحمل الكثير من المرارة.

بيد أن أيامًا تعيسة حلت أيضًا على عائلة كوزيما. لم تكُن أحوال أندريا على ما يرام، يُقال إن له ابنًا بالفعل من فتاة جميلة ذات سمعة سيئة، وإنه يرافق الكثير من أصدقاء السوء. باءت محاولات السيد أنطونيو لإعادته إلى الطريق المستقيم بالفشل، أرسله ليشرف على أعمال الفحم، وأن يشرف على المزارع. كان أندريا يطيعه، وكان ممن يُقال عنهم طيب وشديد الكرم، ولكنه أصبح أيضًا تابعًا لغرائزه الحسية والمندفعة. والآخر أيضًا، الأخ الكبير، بعد مأساة النيران الصناعية، قد تحطم. تحطم مثلما يتحطم فنجان من الكريستال في سقطة، كما تتحطم زَهرية من البورسلين. استمر في دراساته في جامعة كالياري، بينما استطاع أنطونينو، لأن عائلته كان لديها ما يكفي من نقود، أن يذهب إلى روما.

ربما أيضًا تسبب بُعد صديقه في مزيد من الضرر على سانتوس، بدأ يتردد على أصدقاء أقل ذكاءً منه، وانتهى به الأمر لأن يطلب نقودًا أكثر من المعتاد. وعرَفت عائلته بأنه يدرس أقل مما سبق، وأنه يشرب الكحول. وتسبب هذا في حزن عميق للجميع.

أصبح السيد أنطونيو مهمومًا، وأصبحت الأم أكثر صمتًا وحزنًا. ما العمل؟ فالحياة تستمر في مسارها المتعنت، كالنهر، فهناك أوقات هادئة، وأوقات مضطربة لا يمكن الاحتماء منها. يحاول المرء، بلا فائدة، أن يسدها، أو أن يلقي بنفسه في مواجهة التيار ليمنعه من اجتياح الآخرين. إنها قوًى مُظلمة وقدرية، تدفع الإنسان نحو الخير أو نحو الشر، فالطبيعة نفسها، التي تبدو كاملة، تضطرب من لحظات عنف أقدار لا يمكن الصراع معها. انحنى السيد أنطونيو، وانحنت أكثر منه السيدة فرانشيسكا، أمام المنحدر الحاد الذي يبدو كأنه ينهار أسفل أقدام أبنائهما، وكانا يلومان نفسيهما، كلٌّ على حدة، لأنهما لم يعرفا أن يُمهدا، من خلال التربية، والطاقة المُنفقة والصلابة والتضحية المبذولة في كل ساعة، أرضًا أكثر صلابة وأمانًا ليسير عليها الأبناء. ابتاع السيد أنطونيو لهم الأراضي والماشية، وقامت السيدة فرانشيسكا بتوفير حتى المِلِّيم، ولكن ما فائدة هذا؟ ربما أدى ذلك إلى الضرر، لأنه ربما أجبر عدمُ وجود الرخاء والمستقبل المضمون الأبناءَ على العمل، وأن يخلقوا لأنفسهم وضعًا أفضل في الحياة.

ولكن ربما لم تكُن هذه سوى أوهام، لأن هناك الكثيرَ من النماذج لأناس فقراء أو محدودي الدخل دفعهم قدرهم من ألم وذنب إلى مصير أتعس حالًا مما وصل إليه أخوا كوزيما. ومثال على ذلك هو حالة البائس يوانيكو. وحالة أخرى أيضًا أكثر ألمًا أصابت أحد أبناء العمومة، ابن أخت السيد أنطونيو، سيدة حاسمة وشديدة الذكاء، فقدت زوجها في سن الشباب، ومع أبناء كثيرين عليها تربيتهم، كانت تمتلك في الحقيقة ما يساعدها، وأيضًا ساعدها أخوها الآخر الكاهن الذي كان يعيش معها، ولكنها كانت امرأة مشاكسة، تتشاجر بلا سبب مع من يجاورونها في الأرض وفي السكن، وابتلع المحامون ومصاريف القضايا جزءًا كبيرًا من دخلها. ولأنهم كانوا من صغار المُلَّاك اعتنى أبناؤها بممتلكاتهم بأنفسهم، ولكن ابن العم كان دمويًّا وطموحًا وعنيفًا، وبدأ بسرقة بعض رءوس الماشية لينمي عدد قطعانه. وعندما كشفوه عوقب. كان عمره خمسة وعشرين عامًا، وسيمًا وطويل القامة وقويًّا. ربما أصبح في الحرب قائدًا عظيمًا.

ولكن هذه هي الحياة والبيئة والقدر. وأيضًا في منزل كوزيما دخل إليهم الشر المخادع والسام، الذي لا بد منه، مثل كل شرور العالم. حتى أندريا انحرف هو أيضًا، في إحدى الليالي، عندما اشترك في إحدى عمليات السطو التي يقوم بها بعض الشباب بدافع المغامرة أكثر من الشر. سرقوا بعض الدجاج، ولكنهم هم أيضًا قُبض عليهم. سادت حالة من الحِداد، أقوى من حداد الموت في منزل السيد أنطونيو، حيث شعر بالحزن الشديد وبذل قصارى جهده لينقذ ابنه، ثم أصابته انتكاسة ومرض. كانت شهورًا عديدة من الألم الذي يلتهمه، وأيضًا من الاكتئاب، حتى سقط الرجل الصالح، الرجل الحكيم والعادل، وظلت العائلة مثل العشب المسكين ترتعش في ظلال شجرة البلوط التي أسقطها البرق.

ولأن العائلة دخلت في دائرة الظلال تلك، استسلمت، ومكثت في انتظار أن تسقط يأسًا في أحد الأيام. ولكن يبدو أن أندريا بموت أبيه عاد لصوابه وتولى هو إدارة الأموال المشتركة، ولكنه كان يستفيد إلى أقصى درجة، بحيث يتبقى فقط ما يكفي بالكاد لدراسة الابن الآخر ودفع الضرائب. تشكو الأم دائمًا من تلك الضرائب، وتقلق كثيرًا بسببها إلى حد عدم النوم في الليل. لحسن الحظ ظلت المؤن موجودة دائمًا في المنزل، والفتيات يرضَين بالقليل جدًّا. استمر الحِداد على الأب طويلًا، شهورًا كاملة ظلت النوافذ مغلقة، ولم تضع أيٌّ من النساء، فيما عدا الخادمة، قدمَها خارج المنزل. ولكن تعزَّت إينزا بأن تكتب خطابات، لا نهاية لها، لجونماريو، واستمرت الفتيات الثلاث الصغيرات الشديدات الذكاء في القراءة دائمًا وهن يتحدثن وأيضًا يتناقشن معًا في تفاهم تام.

أما سانتوس فلم يكُن بخير. بدلًا من أن يعيده موت الأب إلى نفسه مرة أخرى بدا أنه أغرقه أكثر في المنحدر تجاه الهاوية، حيث أخذ يقترب منها يومًا بعد يوم. أكمل دراسته حتى وصل إلى السنة الرابعة من كلية الطب، ولكنه استمر في إدمان الكحوليات. وفي أثناء الإجازة الأخيرة أهمله أنطونينو، الذي لم يعد قط يبحث عنه، ولم يبدُ على سانتوس أنه يهتم بهذا، حيث أغلق على نفسه غير مبالٍ كالحيوان المريض. يمكث في حجرته، ويغلق بابه بالمِفتاح، لأن أندريا استقر في الغرفة التي كانت تستخدم صالونًا، ولم يعد يخرج إلا بحثًا عن الشرب. فيما عدا ذلك لم يكن يؤذي أحدًا، ولم يكُن يضايق أحدًا. في ساعات الصباح المبكر ينزل إلى الرَّدْهة، يصنع لعبًا من القصب لأطفال الجيران. يحبه الجميع، ولكن ظلاله (حين يسكر) تثقل على الجميع وزادت من حزن أمه وأخواته. بعد فترة الإجازة الأخيرة ونحو شهر أكتوبر بدا كأنه استيقظ من ذلك السحر الشرير، أعدَّ كتبه وقال إنه سيفعل كل ما يمكنه لينجز دراسته في العام الأخير ليتخرج. وأنار قوسُ قزح الأملِ الأفقَ الرَّمادي للعائلة، جُمعت الأموال الضرورية لرحيله، بل وأعطته الأم أيضًا المدخرات القليلة التي كانت تخبئها في حالة أي احتياجات طارئة. كان رحيله احتفاليًّا، ونوعًا من أنواع التحرر بالنسبة إلى المنزل، فُتحت غرفته ليدخلها الهواء كأنها كانت غرفة ميت أو مريض شُفي بعد مرض طويل، وأخيرًا شوهدت الأم وهي تبتسم وتشترك في حوارات الفتيات المليئة بالحيوية.

بعد ستة أيام من رحيل سانتوس سمعوا في وقت متأخر شخصًا يطرق الباب باستمرار، وما زالت كوزيما تتذكر بعد نصف قرن من الزمان ذلك الطرق الشبيه بالطبل الذي يعلن عن مأساة. ما زالت تسمعه يدق داخل قلبها، إنه أبشع صوت سمعته في حياتها، أكثر كآبة من ذلك الذي يعلن الموت، أكثر من صوت الجرس الذي يدعو لإطفاء حريق. قامت الخادمة الطيبة، وقبل أن تفتح كانت تحاول أن تتسمع بقلقٍ مشوب بالخوف، من يكون هذا؟ قاطعَ طريق، لصًّا، رجلَ عدالة؟ وربما يكون شبحًا أيضًا، ميتًا يمر في الطريق ليطرق الأبواب ليعلن للأحياء عن الجحيم الذي ينتظرهم.

كان شيئًا أسوأ من هذا، كان ميتًا حيًّا يعلن عن الجحيم، بالفعل، ولكن قبل الموت، في الحياة نفسها.

كان سانتوس بعينيه الزرقاوين يحجبهما السُّكْرُ واللسان المعقود.

ولقياس شدة تلك الكارثة لا بد من أن يضع في الحسبان عدم قدرة البيئة التي يعيش فيها على تقبل هذا. كان الجميع يعرف بعضهم بعضًا في المدينة الصغيرة، وكانوا يُدين بعضهم بعضًا بقسوة، وكان من يستطيع أن يلقي بالحجر الأول هو الأكثر تصلبًا. عندما عُرف خبر العودة وحالةُ سانتوس كان الخبرُ سببَ فرحٍ وشماتة بين معارف العائلة، وكان الأردأُ هم الأقارب. كانت للسيدة فرانشيسكا ابنتا عم عانستان عجوزان تعملان في خدمة كاهن، كان شخصًا قديسًا بالفعل، وكانتا موجودتين دائمًا في الكنيسة. من حين لآخر تذهبان إلى منزل كوزيما قاسيتين ومهندمتين جافتين كأنهما مومياوان. لم تتحدثا كثيرًا، ولكن كل كلمة منهما كانت كالسهم، عن كل شيء، بل أيضًا عندما تسير الأشياء على ما يرام، تجدان ما تنتقدانه، حتى عندما ترتدي الفتيات ملابس بسيطة جديدة أو يتزيَّنَّ بشريط اقتصادي، ربما مقطوع من مِنديل من الحرير. هجمتا على المنزل في اليوم التالي لعودة سانتوس، وأبكتا السيدة فرانشيسكا، بعد أن حمَّلتاها تبعة الفوضى العائلية. بدا كل شيء حولهما كالمأساة، وكان الأمر كذلك بالفعل، ولكن ربما — على الأقل بالنسبة إلى الفتيات — لا شيء يمكن إصلاحه. لا يمكن إصلاحه، هكذا كان الأمر بالنسبة إلى العانستين العجوزين، اللتين بدافع الغريزة، وبلا أي شر مقصود، تسكبان على قِدر الآخرين كلَّ عدمِ توازنٍ في قِدرهما. وشنَّتا هجومًا خاصًّا — كأن الأول لم يكُن يكفي — على إينزا، وهما تعرفان قصة حبها لجونماريو، السرية والمكشوفة. بالنسبة إلى الخالتين الغضوبتين والعاقرتين اللتين لم تعرفا الحب قط، تكاد قصة الحب البريئةُ، والحزينة في واقع الأمر، بين الشابين الحبيبين، تكون مأساة بشعة تقريبًا ببشاعة إيزوتا الشقراء وتريستانو١ أو باولو وفرانشيسكا.٢

توقَّعتا أسوأ مصير للفتاة غير المهذبة التي لا تخجل، وتمتمتا بأنه بسببها حلت اللعنة على العائلة والأقارب جميعهم، بل وأصبحا موضع احتقار لكل الصالحين، وأن العار سيقع أيضًا على الأخوات اللاتي لن يعثرن أبدًا بدورهن على أزواج.

كانت الأم تبكي، ماذا يمكنها أن تفعل سوى هذا؟ بالتأكيد لم تكُن هي أيضًا سعيدة بقصة إينزا، على الرغم من أنه بعد المآسي العائلية الأخيرة خفتت عداوتُها لجونماريو، وأصبحت ترى في وجود رجل مثله، منظم ونشيط، في المنزل، مصدر عون كبير. ولكنها لم تَردَّ على الادعاءات بالعار لابنتي عمها، وكان تواطؤها بالصمت من أكثر الأشياء التي أغضبت إينزا، التي كانت تسترق السمع من خلف الباب. فجأة سُمعت أصوات صُراخ وعويل، وصوت جسم يرتطم أرضًا. كانت هي، الفتاة التعسة، التي أصابتها صدمة هيستيرية، تكاد تكون حالة تشنج عصبي. عندئذٍ قامت الأم، مثل الغزال الذي أصيب ابنه، ووجدت في نفسها الطاقة لتطرد المرأتين، وأن تَحملَ وتهدِّئَ طفلتها. لأن كلَّ الأبناء، بالنسبة إليها، وبما فيهم أكثرهم انحرافًا، بل ربما هو أكثر من الآخرين، مخلوقاتٌ ضعيفة سيعمل الرب على نضجها ويعيدها إلى صوابها.

وأصبحت النتيجة هي الاعتراف بجونماريو خطيبًا لإينزا، وحُدد تاريخ الزِّفاف للصيف التالي، بمجرد أن يتخرج. كان فرحًا متواضعًا ويكاد يكون حزينًا، لم يكُن ذلك الذي حلَم الأب بإعداده لبناته.

ومُنح العروسان دخلًا بسيطًا، وعُهِدَ إليهما بمنزل قديم تمتلكه العائلة في أحد الأحياء المتطرفة في المدينة مَسكنًا لهما. ولكنه منزل كبير جدًّا، بدرَج حاد، وحجرات واسعة ذات أرضية خشبية، ونوافذ صغيرة، وجدران مبيضة بالجير. شعرت إينزا بالحزن من المنزل وأخذت تعمل على تنظيفه لتجعله مناسبًا للسكنى، تساعدها في ذلك امرأة تأتي بعض الوقت. وسرعان ما بدأت المآسي. كان جونماريو، بمجرد أن يدخل إلى مكتب المحامي يمكث فيه طَوال اليوم وبلا مقابل. يُشعره اعتماده على الدخل الصغير لزوجته للإعاشة بالإهانة ويغضبه. وتَسبب مزاجُها السيئ في أنه بدأ يلومها على استعجالها الزواج، وكانت هي تجيبه بحدة، وبدأت المشاجرات العنيفة تنفجر بينهما، تتبعها عمليات صلح تستمر لفترات قصيرة، ثم يعقبها هروبه، حيث يبتعد عن البيت أكبر وقت ممكن.

في صباح يوم حزين جرت المرأة التي تذهب إليهما للخدمة إلى منزل عائلتها وهي تقول إنها وجدت السيدة الصغيرة ممددةً على الفراش، فاقدةً للوعي، وباردةً كالأموات. أفاقتها، ولكنها كانت تخشى أن يكون أمرًا خطيرًا. كانت السيدة فرانشيسكا مريضةً هي أيضًا، وتعاني من مرض في الرئتين، ورأت الفتيات أنه لا يجب إفزاعها بأخبار إينزا. جرت كوزيما، التي كثيرًا ما تذهب إلى العروسين الشابين، وعلى دراية بحياتهما المضطربة والمؤلمة، على أمل أن يكون الأمر يتعلق بأحد الاضطرابات العصبية المعتادة لأختها. وجدتها، على غير العادة، هادئةً، بل هادئةً أكثر من اللازم، ملقاةً في الفراش، في شحوب شديد، وعيناها جاحظتان. لم تكُن تتحدث ولا تتحرك، وكانت هناك رائحة كريهة وساخنة تتصاعد من الفراش، وعندما حاولت كوزيما — بشجاعة تفوق سنها — أن تكتشف السر أدركت أن إينزا التعسة كانت ترقد على بئر من الدماء السوداء.

وصل الطبيب وقال إن الأمر يتعلق بإجهاض. وحاولوا مساعدتها على قدر الإمكان، ولكن كان الوقت متأخرًا، وقبل أن يعود الزوج من جلسته في المحكمة كانت إينزا قد ماتت. ماتت بلا ألم، فاقدة الوعي، بعد أن فقدت كل الدم الفاسد والمضطرب، تحول لونها الآن إلى الأبيض، أصبحت جميلة ونقية، مثل تمثال من الرخام نُحت لها. قبل أن تعلن الأمر لأمها ولأختيها، وقبل حتى أن يعود جونماريو، كانت كوزيما بمفردها قد أغمضت العينين الواسعتين الزجاجيتين لإينزا، وغسلت جسدها ونقلتها من الفراش الصغير بالغرفة الجانبية إلى غرفة الزوجية. عطرتها، وصففت شعرها الكَستَنائي الجميل حول وجهها الشفاف، وفي النهاية ألبستها فستان زِفافها الأبيض المتواضع، ووضعت في قدميها حذاءيها الستان. كانت تتصرف — ربما تدفعها قوة فوق طبيعية — كأنها في حالة من حالات الثَّمَل. ثمل من الحزن، من الإحباط والخوف من الحياة التي مثل كل حالات السُّكْر العنيفة، تترك في أعماق من تعرض لها مرارة، بل نوعًا من الرعب، رعب لن يتركها أبدًا بعد ذلك، على الرغم من أنه مدفون بعناية في عمق قلبها مثل سر إثم غامض، لا إرادي. كان الإثم القديم للآباء الأوائل، ذلك الذي جلب الألم على العالم، ويتوارثه كل البشر بلا تمييز.

١  نَموذج من قصص الحب المُحرمة، لضابط أحب زوجة الملك، وعاشا علاقة حب سرية حتى كشف الملك أمرهما.
٢  قصة حب مأساوية واقعية حدثت في إيطاليا حَوالَي نهاية القرن الثالث عشر عن فرانشيسكا التي أجبرها أهلها على الزواج من جوتشانو، ولم تحبه، وأحبت أخاه باولو، وعندما عرَف زوجها بالحقيقة قتلهما. وذكرها دانتي في الكوميديا الإلهية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦