الفصل الخامس
كان عمر كوزيما آنذاك أربعة عشر عامًا، وأصبحت إذن تعرف الحياة في مظاهرها الأكثر قدرية، ولكن على الرغم من ذلك الخوف الغامض من القدر الذي يعشش في قلبها، ولأن هذا القلب ما زال قويًّا جُسمانيًّا ومعنويًّا؛ لأنها ورثت عن أبيها وعن أجدادها من ناحية الأب — الذين كانوا تقريبًا جميعُهم من المزارعين والرعاة، أي: متوحدين مع الأرض ومع الطبيعة — طبيعةً من الصلاح والذكاء والفلسفة، تشعر في أعماقها بفرحة الحياة.
خلال فترة الطفولة أصابتها الأمراض الشائعة بين الأطفال، ولكن الآن على الرغم من كونها رقيقة ونحيفة كانت صحتها جيدة وكانت رشيقة نسبيًّا وقوية. كانت صغيرة القامة، برأس ضخم، ويدين وقدمين صغار، ولها كل الخصائص الجُسمانية المتوارثة لنساء جنسها التي ربما كانت أصولهن ليبية، بالشكل نفسه للوجه، فكان أنفُها أفطسَ وأسنانُها معوجَّةً، وشفتُها العلوية طويلةً، ولكن كان جلدُها فاتحًا جدًّا ومُخمليًّا، وشعرُها أسودَ جميلًا جدًّا ومتموجًا قليلًا، وعيناها كبيرتين على شكل لَوزتين، لونهما أسود ذهبي وأحيانًا يميل إلى الأخضر، بحدقتين كبيرتين مثل نساء جنس حام، التي أسماها شاعر لاتيني «حدقة مزدوِجة»، وكان من الصعب مقاومة جاذبيتها المتقدة.
بدأ الحِداد مرة أخرى بموت إينزا، وأُغلقت النوافذ مرة أخرى، وعادت الحياة لتصبح مغلقة بالفعل. ولكن كانت توجد خميرة حياة، وازدهارٌ للانفعالات، وتفتُّح طازج لذكاءٍ مشابه لذلك الذي يحدث في المراعي المليئة بالزهور البرية التي أحيانًا تكون أجمل من تلك الموجودة في الحدائق، يجمع بين الأخوات الثلاث في رقصة صامتة مليئة بالجمال والشعر. كانت الصغيرتان بينا وكوليتا تقرآن — هما أيضًا بشغف — كلَّ ما يقع بين أيديهما، وعندما تجتمعان وحيدتان مع كوزيما يندمجن في مناقشات وتعليقات تُخرجهن من بيئتهن ومن التحفظات التي تحيط بحياتهن اليومية. وبدأت كوزيما، كأنها مدفوعةٌ بقوة أرضية، تكتب الأشعار والقصص القصيرة.
من جهته، وعلى الرغم من عيوبه الكثيرة، فإن أندريا كان كريمًا ومرحًا. ربما كان كريمًا أكثر مما ينبغي، كرم يغذيه نوع من بعض حب الذات والتفاخر والغرور، ولكن غالبًا ما كان نقيًّا وطبيعيًّا. ثم كانت لديه أيضًا اندفاعات حماسية حقيقية نحو أشياء تبدو للآخرين بلا قيمة أو لا تستحق المساعدة، وهكذا بدا له نوعًا من العدالة أن يضع نفسه في صف الضعيف. وهكذا عندما عرَف أن أخته الصغيرة كوزيما — تلك الفتاة التي تبلغ من العمر أربعة عشر عامًا وتبدو أصغر من ذلك، تلك التي تمنح انطباعًا بأنها برِّية وخجولٌ كالغزال الصغير — في حقيقة الأمر متمردةٌ ضد كل التقاليد والعادات العائلية، بل والخاصة بجنسها، لأنها بدأت في كتابة الشعر والقصص، وبدأ الجميع ينظرون إليها بنوع من الرفض المندهش، بل ويسخرون منها ويتوقعون لها مستقبلًا مضنيًا. أخذ أندريا يحميها، وحاول بطريقة ذكية جدًّا وفعالة أن يساعدها.
كان قد أنهى دراسته عند التعليم المتوسط، وعلى الرغم من أنه يبلغ فقط الثانية والعشرين فإنه يهتم الآن بإدارة الأملاك التي تركها الأب، ويأخذ منها الكثير من الأرباح له ولمتعته الشخصية. ولكنه يقرأ أيضًا، وبطريقة ما كان مطلعًا على الأحداث الأدبية. وكانت أصداء تلك الأحداث تأتي إلى المدينة الصغيرة بواسطة أنطونينو، الذي يدرس الآداب، وهو أخو أقرب أصدقاء أندريا.
كان هذا الأخ يُدعى سالفاتوري، وهو أيضًا قد فضل الحياة السعيدة للمالك الصغير، الذي يركب حصانه في مزارعه ويتابع أعمال الخدم، ويتسلى مع الفتيات الجميلات والجريئات في البلدة، عن حياة الدراسة. وكان يسخر، على الرغم من إعجابه به سرًّا، من أنطونينو، ذي اليدين البيضاوين والأظافر المقلمة مثل النساء، وعيناه تملؤهما الأحلام، ولم يكُن يجيد حتى امتطاء البغل الذي يمكن أن تمتطيَه الخادمة بقفزة واحدة للذَّهاب وإحضار الماء من النافورة. ويسخر أيضًا من أنه في حالة من الدراسة الأبدية، في أشهر الجامعات في القارَّة، ينفق كل مُدخرات العائلة، ولا يستطيع ولا يريد أن ينجح في التخرج. على كل حال هذا الطالب الوسيم جدًّا والأنيق شبيه الأمراء (وفي تلك الأزمنة، وفي ذلك المكان، تعني كلمة «طالب» شخصًا أعلى في المقام، ورجلًا يمكن أن يُعهد إليه بأعلى وأقوى الأقدار على الأرض)، يُحضر بالفعل إلى الدائرة العائلية البُدائية والمعزولة، التي تكاد تكون محكومة بالنفي عن العالم الضخم، نَسَمة من تلك العظمة المضيئة جدًّا والبعيدة جدًّا. يتحدث عن الملوك والملكات، عن شخصيات في مناصب سياسية رفيعة، عن فنانين وأدباء كأنهم جميعًا أصدقاؤه المقربون.
تعلَّم بشكل مكثف عن شخصية جابرييله دانونسيو، بكل ما أحاط به من هالة أسطورية وإشعاع عظيم، يستند عليه قبل كل شيء، كالمؤمن الذي يستند إلى أحد أعمدة المعبد ليتلقى منه القوة والعظمة.
تشعل الأشياء التي يحكيها أنطونينو الصالح والبطل الأحلامَ المجنونة في قلبه القاسي، ولكن كان أندريا هو أيضًا بطلًا بطريقته. أخذ ينسج الأحلام حول كوزيما الصغيرة، كان لا بد من مساعدتها. أرسلها لتأخذ دروسًا في اللغة الإيطالية؛ لأنها تكتب بالعامية، لدى أحد مدرسي التعليم المتوسط. زادت تلك الدروس من الشعور العدائي الغريزي الذي لدى الكاتبة الصغيرة أمام أي نوع من الدراسات المكتوبة، فيما عدا الروايات أو الشعر.
كانت الدروس الأكثر فاعلية هي تلك الدروس العملية التي يمنحها إياها أخوها الطموح بأن يعطيها فرصًا للقاء نوعيات مختلفة من الرعاة المسنين، الذين يقصون قصصًا أعظم من تلك المكتوبة في الكتب، وبأن يصحبها معه في جولاته في القرى الأكثر تميزًا في المقاطعة، وإلى المهرجانات القروية، ولترى أشجار الزيتون المتفرقة في المراعي المنعزلة والمختبئة كالأعشاش في فجوات الغابات الجبلية.
كانت إحدى تلك الجولات رائعة؛ لأنها أيضًا مع صحبة جيدة، فبالإضافة إلى أخي أنطونينو، كان يوجد أيضًا أصدقاء آخرون لأندريا، تقريبًا جميعهم طلاب لم يكملوا تعليمهم، وكانوا يفضلون نغمات الأكورديون على المعاني الملتوية في المعاجم، وعاشوا الملحمة بأنفسهم، يتصارعون فيها للفوز بقروية شابة، ثم يتصالحون في مآدب تُشوى فيها الحُملان على النيران الحية وتتراكم عظامها أسفل أقدامهم كما يحدث في مآدب الأبطال وفرسان الملك شارلز.
إحدى تلك المآدب أُعدت في إحدى حظائر الماشية للمراعي التي ورثها أندريا وكوزيما. وتلا رعاةَ الخنازير الذين أنهوا موسمهم، رعاةُ الخرفان والماعز. تَقرِض الخرفان البَرْوَق الجاف، وتتكسر أشواكه الذهبية بين أسنان الحيوانات كأنها عيدان خبز جافة، وترسم المِعاز السوداء ذات الرءوس الشيطانية ظلالها على عِرق اللؤلؤ للقمم الصخرية.
في ذلك اليوم تعلمت كوزيما أشياء أكثر مما ستتعلمه في عشَرة دروس مع أستاذ الآداب. تعلمت كيف يمكن أن تميز بين الورقة المسننة للبلوط عن تلك المدببة للسِّندِيان الأخضر، وبين الوردة المُعطرة لشجرة الطقسوس ووردة اللَّبلاب. ومن إحدى القلاع الصخرية التي تحوم حولها الصقور تجذبها الشمس مثلما تجذب المصابيح الفراشات الليلية، رأت سيفًا كبيرًا لامعًا موضوعًا في نهاية جُرف علامةً على أن الجزيرة قُطعت من القارَّة، وأنها لا بد أن تبقى كذلك إلى الأبد. كان البحر هو ما رأته كوزيما للمرة الأولى.
ولكنهم أقاموا المأدبة في منطقة مستوية، أي على أرض محاطة كلها بصفوف من جذوع الأشجار كأنه صالون ملكي، أعد أندريا لكوزيما مقعدًا مريحًا بواسطة السَّرْج وخُرْجه، وقدم إليها أفضل جزء من الطعام، فكان من نصيبها كبد الحمَل الطري والحلو كأنه تفاح السرب المختمر. وكان من نصيبها أيضًا الجزء الخارجي من الجبن الصغير المشوي على السيخ، وقُدِّم لها أيضًا أجمل حزمة من العنب المبَكِّر الذي أحضره لها أخوها الغيور.
أدرك الآخرون تلك التصرفات الفروسية، وذلك التلطف، وبدءوا يَخبِطون بعضهم بعضًا بأكواعهم، كأن هناك أمرًا ما انتقل فيما بينهم بذلك التصرف، ففي اللحظة نفسها قدَّم كل واحد منهم شوكته العجيبة تجاه كوزيما بما تحمله من لحم وخبز وجبن وكل المأكولات الموجودة في المأدبة. احمر وجهها ولم تنطق بكلمة واحدة، لم تفتح فاها قط طَوال فترة المأدبة، وكانت تبدو كالغريبة فوق ذلك السَّرْج المُغطى بالخُرج المصنوع من القماش القديم، بعينيها الواسعتين الصامتتين القاتمتين بفعل الأخضر القاتم لظلال الغابة، كأنها إحدى تلك الجنيات الصغيرات الغامضات، لا يعرف أحد إذا كُنَّ طيباتٍ أم شريرات، ويسكنَّ في مغارات الجبل، ومن آلاف السنين يَحِكْنَ الشباك الذهبية في الداخل، ليحبسْنَ فيها الصقور والرياح والسحب وأحلام البشر.
بيد أنها شعرت ببعض الضيق لأن أخاها قد عرَّضها إلى سخافة رفاقه، حتى وإن كانت محترمة ولم تلمس أيًّا من الطعام المقدم إليها. بمجرد أن أفلتت من اهتمام رفاقه التفتت إلى جانبها وقفزت من فوق السرج كأنها تجلس على حصان سباق. وعلى الفور ابتعدت مسرعة بين الأعمدة التي تحيط بالأرض المستوية، تلمسها بذراعيها المفتوحتين كأنها طائر السُّنُونُو الذي يطير منخفضًا عند اقتراب العاصفة، ويعود بعد ذلك إلى قمة الجُرف حيث يرى البحر. البحر، السر العظيم، مستنقع الأجَمات الزرقاء، وعلى الشاطئ سياج من أشجار الزُّعرُور البري المزهرة، والصحراء التي تحلم طيور السُّنُونُو بأن تطير فوقها تجاه أروع مقاطعات القارة. كم تمنت أن تمكث هناك فوق قمة الجُرف، مثل السيدة المنعزلة التي تنظر إلى الأفق، إلى شراع يظهر وعليه رموز الأمل، أو أن ترى أمير الحب يقفز على الشاطئ وهو يرتدي ألوان البحر.
أعادتها صرخات الشباب المجتمعين إلى أرض الواقع، كانت تُسمع أيضًا صَفَّارات الرعاة التي يجمعون بها قطعانهم، وكان كل صوت وكل دويٍّ يتذبذب في ذلك الصمت الرهيب بصدًى واضح، كأنهم في منزل من الكريستال. كانت الشمس تغرب من الجانب المقابل، فوق الجبال وراء السهول، واكتست عيون الماعز الذي ما زال يرعى على القمم باللون الأحمر مثل عيون الصقور. حانت ساعة العودة إلى المنزل. وعندما تتذكر أيامها وهي ما زالت طفلة عندما كانت تفرح فقط بالقصص التي تحكيها هي لنفسها، تشعر بأنها تقف بالقرب من البحر، وفوق تلك المنحدرات الحمراء بفعل الغروب، مثل تلك الماعزة التي تقف على القمة البارزة الصخرية، والتي ترغب في أن تقلد طيران الصقر، إلا أنها مع صفير الراعي لا بد لها أن تعود إلى الحظيرة.
وفي الوقت نفسه وصل إليها صفيرٌ أكثر حدة ومختلف عن الصفير الآخر، وصل إليها كالسهم يتبعه صفير آخرين كانوا يقلدونه مستهزئين. كان أندريا يناديها محذرًا إياها — باعتباره مسئولًا عنها — ألا تستغل تدليله لها. وذكَّرتْها سخريةُ رفاقه بوضوح بأن قوانين المجتمع المقدَّر لها أن تعيش فيه لن تتسامح مع تمردها سوى مرة واحدة. عندئذٍ نهضت، ولكنها هزت من جديد ذراعيها تجاه البحر، كأنها تحاول لمس الأمواج، كما لمست منذ قليل أعمدة الساحة، وهي طائر السُّنُونُو المهاجر خلف الشتاء الدافئ والجاف للهضاب الليبية تجاه الأراضي المشمسة وأمسيات الغسق الحمراء الصيفية، وتجاه الحب الذي وحده يمنح عطية الأبدية.
من وقتها لم يفارقها هذا الحُلم. عندما كانت في ليالي الشتاء بجوار المِدفأة أو أسفل ضوء المصباحين الزيتيين (وأحيانًا كانت توقد ثلاثة) أو في صباحات الربيع في الحديقة الصغيرة المليئة بالورود التي يطِن فيها الذباب ثم في الصيف في حجرة الدَّور العلوي أمام مشهد الجبال النائمة الذي تراه من النافذة، كان يمكنها أن تمسك بيديها مَجلة مصورة، وكانت تدرس فيها طويلًا الوجوه، وخاصة الصور الفوتوغرافية للطرقات والآثار، وقصور المدن العظيمة. فروما هي هدفها، وكانت تشعر بذلك. لم تكُن تعرف بعدُ كيف سيمكنها الذَّهاب إلى هناك، لم يكُن هناك أيُّ أمل ولا أية احتمالية ولا وهم بزيجةٍ ما يمكنها أن تقودها إلى هناك، غير أنها تشعر بأنها ستصل إليها. ولم تكُن أهدافها دنيوية، فهي لم تكُن تفكر في روما لروعتها، ولكنها بالنسبة إليها مثل الأرض المقدسة، أورشليم الفن، المكان الذي يكون المرء فيه أكثر قربًا من الرب ومن المجد.
كيف كانت تصلها الصحف المصورة؟ لا أحد يعلم، ربما سانتوس أو ربما كان أندريا هو من جلبها لها آنذاك، فقد ظهر في العاصمة، بعد أن لحق بالناشر الأرستقراطي سوماروجا، ناشر من الطبقة العاملة يعمل في مطبعة، وكانت لديه منشورات جيدة ضمن العديد من تلك السيئة، واستطاع أيضًا أن يجيد تسويقها لتصل إلى أبعد المدن في شبه الجزيرة، حتى إنها وصلت إلى حيث يوجد منزل كوزيما. كانت توجد صحف للأطفال مليئة بالحيوية ومَجلات بها صور جيدة، وصحف للمتنوعات والصيحات. من المؤكد أن مَجلة «آخر موضة»، بما تحتويه من صور لسيدات بتسريحات الشعر المرتفعة المنتفخة والخصور الرفيعة والتَّنُّورات المقوسة والمظلات ذات الدانتيل مثل أغطية القربان المقدس، والمراوح الريش الشبيهة بمراوح السلطان، كلها أشياء تبعث على الفرح والعذاب وفساد الصبايا. في الصفحات الأخيرة كانت توجد دائمًا القصص القصيرة مكتوبةً بطريقة جيدة، وغالبًا موقَّعةً باسم كاتب كبير. ليس هذا فقط، ولكن مدير الصحيفة، كان رجلًا ذواقًا، شاعرًا وأديبًا مشهورًا جدًّا في تلك الفترة. كان من الفرقة التي نجت من غرق الناشر سوماروجا، ولجأ جزء منها في قارب الناشر بيرينو.
لذلك خطر في ذهن كوزيما الساذج، ولكن الجريء، أن ترسل قصة قصيرة إلى مَجلة الموضة، مع خطاب قصير مليء بالحقائق اللطيفة عن نفسها؛ على سبيل المثال، صورة ملخصة لحياتها ولبيئتها ولتطلعاتها، وفوق كل شيء صحِبتها وعودٌ قوية وجَسورٌ عن مستقبلها الأدبي، وربما أكثر من القطعة الأدبية التي تحكي عن فتاة تقريبًا تشبهها. كانت هذه أولى الرسائل التي فتحت لها قلب الشاعر الطيب، رئيس العالم النسائي الذي خلقته صحيفته الخاصة بآخر الصيحات، ومع قلبه فُتحت لها أيضًا أبواب الشهرة. شهرة مثل الميدالية الجميلة التي على وجهها الآخر صورة الصليب المؤلم، لأن مدير «آخر موضة» عندما نشر القصة القصيرة قدَّم إلى عالم الفن، بدفعة نبيلة، الكاتبة الصغيرة، ودعاها على الفور لأن ترسل له أعمالًا أخرى. وفي البلدة انتشر الخبر بأن اسمها قد ظهر مطبوعًا أسفل عمودين من النثر الساذج بالعامية، وأنهما — مما يَزيد الأمر فداحة — يتناولان مغامرات خطيرة، مما أثار ضدها ازدراءً عامًّا بلا رحمة.
وها هما هاتان الخالتان العانستان العجوزان اللتان لا تعرفان القراءة وتحرقان الأوراق التي تحتوي على صور الخُطاة والنساء الملعونات، تهرعان إلى المنزل الملعون لينشرا رعب نقدهما وأسوأ النبوءات. حتى إن أندريا نفسه اهتز واكتست أحلامه الخاصة بمستقبل كوزيما بمخاوف غامضة، وبكل الطرق نصح أخته أن تتوقف عن كتابة قصص الحب، لأنها في سنها هذه ستكون قليلة الخبرة في هذا الأمر، بالإضافة إلى ما ستشيعه عنها باعتبارها فتاةً منحلة وفاسدة بالفعل، لن تكون واقعية على الإطلاق.