الفصل السادس
كان الصيف بالتأكيد من أجمل الفصول، وبصفة خاصة بالنسبة إلى كوزيما. كان الجو حارًّا جدًّا في بعض الأيام، ولكنها حرارة جافة، وفي الليل تهدأ في اعتدال رائع. عندئذ تصل من الأودية ومن الحقول التي حُصدت روائح الزرع، وعطور الشجيرات، يتردد صدى أصوات النساء القابعات في الطريق للاستمتاع بالهواء البارد في تناغم موسيقي عميق. كانت الأمسيات طويلة حمراء وزرقاء رَمادية وبَنفسَجية فوق الجبل، وإذا برز القمر فوق الصخور ينصهر ضوءُه مع ضوء نهاية اليوم، في حمرة غروب شبه شرقي.
ثم إنه الفصل الذي فيه يعود أنطونينو في عطلته. تنتظر كوزيما هذه العودة، مثلما ينتظر الآخرون الربيع أو نهاية اليوم. ثم إنه في ذلك يختلط مع انتظارها خوف مبهم، خوف من أن يكون أنطونينو قد عرَف بالخبر العظيم، بأنها هي أيضًا قد أصبحت كاتبة، مُقدر لها المجد، وأن يبتسم لهذا بابتسامته الساخرة المميزة لعائلته، ولكن التي يظللها في حالته، حزن راقٍ، مثل تلك التي للكبار، بل التي بالفعل للكبار والأقوياء تجاه الصغار والضعفاء. في أعماقها لم تكُن تهتم كثيرًا، بل كانت ثابتة في ثقتها غير المحدودة بأنها ليست بحاجة لأي قوًى مختلفة عن قواها الشخصية لتسير قدمًا في الطريق الذي مهده أمامها الرب نفسه. ولم تكُن تأمل شيئًا من أنطونينو. ليس هذا فقط، ولكنها لم تكُن تريد أي شيء، ولا حتى أن يشك في حبها له. حب! أخيرًا أزهرت الكلمة في قلبها، وفوق كل شيء في ضميرها، منذ ذلك اليوم فوق الصخور، كما تُزهر الوردة الحمراء المعطرة التي تكفي لتضيء حديقة بائسة.
بيد أن جسد أنطونينو لم يكُن له وجود بالنسبة إليها، ولم تكُن تسري في أوصالها أمنية بعيدة، ولا حتى بالغريزة، بأن تنال قبلة واحدة منه. لم تكُن تعرف منه سوى هيئته، وكانت بالنسبة إليها تقريبًا ذات لون سماوي، لأنه كان يرتدي في أغلب الأحيان التُّركُواز الفاتح الذي يغلفه الوميض من بعيد، تظهر لها حتى وإن كان يبرز فقط من نهاية الطريق الوحيد. كان لا بد أن يعبر ذلك الطريق لينزل إلى منزله في وسط البلدة، وتعرف ذلك وتنتظره أمام النافذة، ولكن بمجرد أن يظهر، تختبئ هي.
ولكن في تلك المرة رأته في ضوء مختلف، في خلفية رائعة. ذهبت مع أختها بينا لزيارة بعض الصديقات أقارب أنطونينو. اصطحبتهما الخادمة وسلمتهما للسيدة لوتشيا على وعد بأنها ستأتي لتأخذهما في المساء. كان الوقت قصيرًا، ولكنه كان كالعيد بالنسبة إلى كوزيما التي يمكنها أن تتنفس هواء البهو، ومزارع كَرْم أنطونينو. وكما قيل، كانت منازل العائلات الأربع تُفتح جميعها على ذلك البهو المتسع، متجدد الهواء، المُبلط جيدًا بمقاعد من الجرانيت مُلصقة بالحوائط المجاورة للأبواب. منزل السيدة لوتشيا مكون من طابق واحد، ولكن حجراته مريحة، يوجد أيضًا الصالون بمائدة مستديرة في وسطه، وأريكة ذات غطاء من الكروشيه المزين بشرائط على ظهره. اجتمعت الفتيات وبدأن في الثرثرة. صديقتا كوزيما وبينا هما أيضًا صغيرتا القامة، قمحيتا الوجه، ذكيتان وسليطتا اللسان. وبعد الانتهاء من التحدث بسوء عن معارفهن المشترَكين، بدأ بعضهن في استفزاز بعض، بخبث وسخرية. كانت الفتاتان «م» ترتديان ملابسَ أنيقة؛ لأن أباهما موظف في المحكمة، وأيضًا لديه أخت في ساساري، حيث تذهب الفتاتان لتقضيا بعض الأسابيع وتتعلما الأناقة المدنية. كان موضوع سخريتهما الثوبين غير المناسبين للفتاتين الأخريين، اللذَين حاكتهما لهما خياطة قروية. ثوب كوزيما أصفر اللون بزخارف حمراء تبدو مضحكة، وبالفعل تبرز أكثر وجهها الشاحب وشعرها الأسود الكثيف.
قالت لها الصديقة لينيدَّا: تَبدِين ككَرَزة بدأت في النضوج.
اكتسى وجه كوزيما بالأحمر وصمتت، ولكن أختها بينا، وهي تحدِّق في الفستان الأخضر للأخرى، ردت: وأنت تَبدِين كحيَّة.
ضحكت الأخرى وقالت: لم أكن أتذكر أنهم قطعوا لكِ خيط لسانك.
في الواقع كان الأمر حقيقيًّا، وهي صغيرة كانت تتلعثم؛ لأن الغضروف أسفل لسانها كان قصيرًا جدًّا وكان لا بد من قصه، وهو شيء سيظل الآخرون يُذكِّرونها به حتى نهاية حياتها.
– بالنسبة إليكِ لم يكُن يلزم قطع خيط اللسان، بل كان لا بد من حياكته.
ضحكت الفتيات، لأنهن في أعماقهن كن سعيدات، وكن يشعرن بالتسلية من خبثهن. قُدمت لهن القهوة، وتحولن للكلام بسوء عن ابنتي عمهما، أختَي أنطونينو بينما تتجسسان من النوافذ المقابلة، ولكنهما لا تتنازلان بالمجيء ومصافحة الصديقتين البرجوازيتين. كانتا ترتديان ثيابًا قروية بالفعل، ولكنها كانت من النوع الثمين، وكانت أمهما تقول بكل اقتناع: لا بد وأن ترتبط بنتاي برجلين في مناصب عليا، مهيبة وقوية.
بيد أن ابنتها الكبرى بعد ذلك بعدة أعوام تزوجت بفلاح يملك أرضًا، والصغرى تزوجت بتاجر ثري.
في ذلك اليوم لم تنضما لصحبة فتياتنا، ولا حتى عندما خرجت الصديقات الأربع إلى الكَرْم الملحق بالمنزل، في وقت الغروب. كان المكان رائع الجمال، مكان معلقًا فوق الوادي، ويطل على الجبال التي اكتست بحمرة شمس الغروب، حيث يوجد سور صغير يفصله عن الطريق الذي يمتد ليتلاشى تجاه المنحدرات نحو الوادي الآخر شمالًا. وعلى هذا السور الصغير، وفي خلفيته الشمس المتوهجة كنصل ذهبي، يجلس أنطونينو الرشيق، وهو يمسك صحيفة في يده.
عندما رأته كوزيما من آخر الطريق الصغير للكَرْم انحنت للأمام كأنها على وشك السقوط، وهي تغلق عينيها ببؤس. لم تكُن تعرف أنه عاد، كما لم تكُن تعرف ابنتا عمه أيضًا هذا، اللتان أخذتا تنظران إليه بفضول غير عادي، ثم جرَتا نحوه دون أن تصافحاه لتضربا بقبضتيهما على ركبتيه. أبعدهما هو قلقًا فقط على ثَنْية سرواله، ولم يتوقف حتى عن القراءة إلا عندما أدرك وجود الفتاتين الأخريين. وجد صعوبة في تذكرهما، ولكن عندما تعرف على كوزيما، نهض على قدميه وصافحها بتلك الابتسامة العذبة المتعبة والساخرة التي ترفع شفته لتكشف عن أسنانه اللامعة. بدا كل شيء فيه في تلك اللحظة لامعًا، وبدا الضوء الذهبي للغروب كأنه ينبعث من عينيه، ومن وجهه القمحي، ومن شعره الأنيق. طَوال حياتها ستتذكره كوزيما بهذه الطريقة، ويكفي فقط أن تفكر فيه لتشعر بتلك الفرحة الغامضة، المكونة من الضوء والتوتر، كما يشعر المرء أمام أول كشف للحياة الواعية، حتى وإن ابتسمت صورة الحياة كما كان يبتسم أنطونينو في تلك اللحظة. ولكن في عمق مخيلتها، ستبقى هذه الذكرى أولى خبراتها الفنية، وكانت تنتظر بفخر أن يشير الشاب إلى قصتها القصيرة، مستعدة لأن تدافع عن نفسها إذا سخر منها. ولكن بدا أنه لا يعرف أي شيء، أو على الأقل لم يشر إلى أي شيء. سأل فقط عن سانتوس، وقال إنه سيذهب لزيارته. احمر وجه كوزيما، أدرك هو ذلك ولم يُصر. ثم لأن الفتاتين الصغيرتين كانتا قد ابتعدتا، ومكثت الكبيرتان بجوار السور الصغير، وبدأت لينيدا في إغاظة أنطونينو، وسمحت لنفسها بأن تهزأ من طريقته في ارتداء ملابسه، وأيضًا لأن شعره يلمع بشدة.
– هل وضعت زيتًا على شعرك مثل نساء «أوليينا»؟ من تريد أن تَلفِت نظرها في بلدة المتوحشين تلك؟ هنا، لا توجد سيدات رفيعات المقام.
أخفضت كوزيما عينيها. كان أملُها في أن يرد على ابنة عمه في ذلك الموضوع الشائك، يتسبب في تسارع دقات قلبها، ولكنه لم يُعِر اهتمامًا لابنة عمه لينيدَّا كأنها مثل صخور الحائط الذي يستند إليه، ولكنه مرر يده البيضاء وأظافره التي تعكس اللون الذهبي للغروب على شعره المقسوم من الجانب بخط رفيع ناصع البياض، وأخذ يبعثره كأنه يثبت أنه لا يلمع بطريقة اصطناعية.
– ثم، لماذا لا ترتدي الصديري؟ هل فقدته، وقميصك يبدو كقميص امرأة.
كانت كوزيما ملتزمة الصمت، يعتريها الخجل والإهانة لأجله، وشعرت بفرحة شريرة عندما مد الجريدة وضرب بها أكثر من مرة فوق رأس ابنة عمه الصغيرة، سليطة اللسان، ولكن لم يكُن هذا كلَّ شيء، لأن لينيدَّا بقفزة صغيرة سريعة حاولت أن تشد شعره، وأمسك هو بذراعها وجعلها تلف حول نفسها كأنها غطاء زجاجة، ثم دفعها مجبِرًا إياها على النزول هرولة في منحدر الوادي الصغير. كانت هي تصرخ كأنها أبو زُرَيق، ولم يكُن هو يضحك، بل على العكس كان يجُز بقسوة على أسنانه، واستمر في التلويح بالصحيفة كأنه يشعر بحر شديد. تقف كوزيما في المكان، وتكاد تفقد وعيها، متمنية ألا تكون حاضرة في ذلك المشهد؛ فقد تشوه معبودها بطريقة ما، بيد أنها كانت ستشعر بسعادة رهيبة إذا تعامل معها بالطريقة نفسها التي تعامل بها مع ابنة عمه.
ولكنه على العكس، أظهر لها على الرغم من ضيقه أقصى احترام. ليس هذا فقط، ولكن وصلها انطباعٌ أن الدرس الذي منحه للينيدَّا كان إكرامًا لها، حتى لا يصغر في نظرها. على كل حال، تنفست هي الصُّعَداء عندما انصرف، بعد أن حياها بإيماءة خفيفة برأسه، ودون أن يلتفت لصرخات ابنة عمه.
قضت كوزيما، ذلك العام، أجمل أيام حياتها، في هذه البيئة البُدائية المليئة بالأكواخ والمغارات، ويدخلها الضوء فقط من الباب الصغير المفتوح على الغابة؛ لأن العمة باولينا دعتها مع أختيها لتقضيا معها فترة التساعية. كانت مثل حلم جميل متكامل ومليء بالغموض مثل الأحلام الحقيقية.
تبلغ الرحلة حَوالَي ساعتين من الصعود عبر طريق صغير يكاد يُرى بين المنحدرات والأجواف والأشجار، عبورًا على الأقدام، وكانت الفتيات فرحات بجنون وثَمِلات بذلك الصباح البديع لشهر أغسطس، بينما تتبعهن عربة تجرها الثيران وتملؤها الأدوات المنزلية والمؤن، وكانت تتبعهن مترنحةً بين الصخور والنباتات الشائكة. كانت الوقفة الأولى القصيرة التي وقفنها ليس من التعب، ولكن من أجل التسلية، كانت في بداية الغابة الكثيفة أسفل حَجَرة غريبة مستندة إلى حجارة أخرى، ويُطلق عليها «مقبرة العملاق»، تبدو كتابوت ضخم من الجرانيت مغطًّى بستار من الطحالب، وكصرح مهيب في وحدة المكان الممتدة. في زمنٍ ما، كما تقول الأسطورة، كان العمالقة يسكنون الجبل، وواحد منهم حسب دوره يحرس مدخل الغابة، واستلقى ليموت على حجر الحدود الذي أُغلق عليه، وما زال يحرس جسده. كان ذلك حقًّا هو المدخل إلى عالم الأبطال والأقوياء، عالم أولئك الذين لا يمكنهم التفكير في أفكار مثيرة للشفقة. ولمست كوزيما الحجر، كما يلمس الشخص الحجر في أماكن أخرى غزتها الأساطير المقدسة، الذي أسفله يرقد قديسٌ ما.
استنار حلم طفولتها المرتبك بالفعل برغبة ما، بالإضافة إلى النقاء والأشياء العظيمة التي تتجاوز الصعوبات اليومية، وكان يبدو لها بالفعل وهي تعاود صعود ذلك الطريق الأملس بنبات كُزْبَرة البئر والأعشاب الجبلية الرقيقة جدًّا الأخرى، بين السراخس والمنحدرات، وفي ظلال أشجار البلوط الخضراء الضخمة، بأنها قد هربت من عالمها الصغير لتجد نفسها بجوار العمالقة الذين يلمسون السماء، ويصاحبون الرياح والشمس والمَجرات الأخرى.
وقفة أخرى كانت بجوار نبع المياه الصافية المضيء كالماس، تندفع المياه من صخرة مجوفة وتنتشر بتحفظ، بل تقريبًا خِلسة، بين الأعشاب المرتعشة والموحلة، في دائرة من شجر البلوط الأخضر، هنا وهناك، متعلقة على القمم الزرقاء. كانت تسمع بالفعل صرخات أبو الزُّرَيق، وبدا الهواء كأنه مشروب معطر بالنَّعناع.
كانت الفتيات ينحنين على الصخرة، ويتظاهرن بأنهن يشربن من النبع، وفي المرآة الصغيرة المصنوعة من العقيق للمياه في الظلال رأت كوزيما عينيها اللتين بدتا لها من الضوء المعجزي نفسه ضوءًا ينبع من عمق أرضها، الذي في يومٍ ما عكس أرواح أجدادها من الرعاة والشعراء العطشى للسمو.
بيد أن الواقع يتكون من المسكن الذي كان يقبع مثل كوخ محفور بين الصخور للأجداد أنفسهم، منتظرًا تلك القبيلة الجديدة من الفتيات اللاتي يتطلعن إلى مساحة في العالم البعيد؛ إلى المدن المزدحمة والصاخبة. وتمردت أختا كوزيما منذ البداية عندما رأتا أن مكان النوم المشترك مع العمة باولينا مفروش على الأرض ومصنوع من طبقة من الحشائش والأغطية، والوسادات ومُلاءات كبيرة، وأن الخِزانات مجرد أوتاد. وللاغتسال توجد زاوية على مقعد حجري بجوار إبريق ماء الشرب، وقِنِّينة من الخزف. ولإظهار التمرد، وللتسلية أيضًا، بدأتا في التدحرج على الفراش. وعندما عثرتا على الشعر المستعار للعم إينياتزيو، أفسدتاه تمامًا. ثم ذهبتا إلى الغابات لتستمتعا بجلال المكان العظيم المليء بالدروب، والأرائك التي تغطيها الطحالب، واللوحات والزخارف رائعة الجمال الثرية بخلفيات طبيعية لم تريا مثلها قط.
كوزيما، فقط، لم تشعر بالإحباط، بل إن المكان برائحة الرطوبة والحشائش، وبأثاثه البُدائي، مع الباب الصغير المغطى بستار اللون الأخضر الداكن للغابة، وتلك المقاعد الخشنة من الحجر، والآنية الفَخَّارية، والصحون الريفية المصنوعة من الفلين والقرن، كانت جميعها تمنحها شعورًا غريبًا بذكريات قديمة، مثل تلك التي اعتادت أن تشعر بها في طفولتها غير الواعية عندما تظهر جدتها الصغيرة لأمها. تلك الجدة التي تشارك طبيعة الجِنيات القَزَمات في التراث المحلي، وكنَّ يسكنَّ في منازل صغيرة من الجرانيت وسط الجبال، وعلى المرتفعات الصخرية. وقبل أن تلحق بأختيها أخذت تعمل لتجعل المسكن البُدائي صالحًا أكثر للعيش فيه. بدأت بتعليق الملابس القليلة التي أحضرتها هي وأختاها فوق الأوتاد الخشبية، وتغطيتها بشال لتحفظها من الأتربة وفضول الأغراب. وضعت أمام الفراش من الجهة التي سينمن عليها بعض البُسط وجوالًا طويلًا من الصوف سميكًا قليلًا. وضعت أحذيتهن في سلة. وفي النهاية، صنعت تسريحة صغيرة بواسطة مرآة صغيرة ورفٍّ. أحسنت التدبير بالدرجة الكافية لتحضرهما معها.
في ذلك الوقت، كان في الخارج خادم العمة باولينا يبني كوخًا من الأغصان لا بد أنه سيُستخدم مطبخًا، حيث أحضروا معهم فرنًا يدويًّا وجوالًا من الفحم. ولكن الخادمة أرادت نوعًا من الأفران الحجرية وأعلنت أنها ستطهو بنيران الخشب. ولم يكُن الخشب ينقص في المكان، وكان في متناول اليد، والحطب جاهز ليتقد كالمشاعل. أحضروا على العربة أيضًا بعض المقاعد ومائدة، وكانت المائدة ستُستخدم في أثناء الوجبات، ومكتبًا للكاهن إينياتزيو، ولكنه لم يكُن ينوي أن يأخذ دقيقة واحدة ليمسك فيها قلمًا، وهكذا وُضعت المائدة في الحجرة الكبيرة بجوار ضوء الباب واستُخدمت للوجبات، وأيضًا مكتبًا لكوزيما؛ فقد أحضرت معها المحبرة، ملفوفة في نسيج أسود، وأدخلتها في أحد الأحذية حتى لا تنقلب في أثناء الرحلة. ووجدت أيضًا في ذلك السكن البُدائي شيئًا يشبه المشكاة حيث ستضع مصباحًا، وبعض الصور المقدسة وستضع فيه أيضًا المحبرة والريشة وأوراقها وبعض الكتب، فصنعت بذلك هيكلًا صغيرًا لأدواتها الفنية.
ثم لحقت بأختيها في الغابة، وكانت ساعاتٍ ثم أيامًا من الفرح الغامر. ألم يكُن كل هذا حُلمًا؟ أحد تلك الأحلام التي تكفي لتنير الحياة أيضًا في زواياها الأكثر ظلامًا، مثلما تنير الشمس ومعها القمر، في تلك الأيام الممتعة لشهر أغسطس، غابات البلوط الأخضر حول تلك الكنيسة الصغيرة الرائعة. ماذا يهم إذن من البساطة وخشونة حال الكوخ؟ كان يخدمهم فقط باعتباره ملجأً في الليل، وبالنسبة إلى كوزيما في الأوقات التي تكتب فيها، وكانت همسات الغابة تغطيها كأنها أصوات أُرغُن، ويغطيها القمر بنسيجه الفضي. وكانت الفتيات ينمن على هدهدة تلك الموسيقى التي لم يكُن لها مثيل، لأنها موسيقى الطفولة، التي تُسمع فقط مرة واحدة في الحياة.
ولكن بالنسبة إلى كوزيما كان شيئًا أعظم وأكثر سموًّا. كانت كلها شبكة من الغموض، نوعًا من التتابع لأشياء مدهشة، كأنها كانت تغوص في عمق المحيط، تحيط بها، ليس الغابة البرية من البلوط والصخور الرائعة، ولكن كل روائع الغابات الواقعة في أعماق البحار.
كان كل هذا بالإضافة إلى العذوبة الحقيقية لإقامة مؤيدة بالحرية وبمساحة المكان، بجمال المناظر الطبيعية، والابتعاد، وطرق التسلية البسيطة لمجموعة صغيرة من الناس الساكنين حول الكنيسة التي كانت تعتمد في وجودها على واحدة من الحجرات في الجهة المقابلة للجزء الخاص بالراعي التي تملكها عائلة أنطونينو. لم يكُن موجودًا، ولكن لا بد أن يأتي بعض الأيام أيضًا، مثل كل شباب المدينة، الذين حتى إذا كانت عائلتهم غير موجودة في أعلى كانوا يقومون برحلات ويتجولون أيضًا في الليل في ذلك المكان الساحر، وهم يشعلون النيران الضخمة، ويجهزون حفلات عشاء وحفلات راقصة، ويعسكرون في العراء أسفل الأشجار ويغازلون الصبايا. كان لا بد أن يذهب، والأمل الوحيد في رؤيته حتى ولو سريعًا، في تلك الخلفية التي بدت بالنسبة إليها خلفية الشعر نفسها، وهذا الأمل يملأ كوزيما بفرح بلا حدود.
كانت لحظات الطفولة الساحرة تلك، تمنح عند تذكرها فكرة لذلك الذي لا بد سيكونه يومًا ما ملكوت الله على الأرض، بالنسبة إلى النفس التي تؤمن بوجود تعويض ما عن كل إحباطات الحياة.
الآن عادت كوزيما من جديد إلى المنزل الحزين، حيث كل شيء، بعد العودة من الجبل، قد اتخذ مظهرًا أكثر بؤسًا، ويكاد يكون متدهورًا، أو بدقة أكثر، اللون الرطب للخريف، والرائحة الجنائزية لزهرة الأقحوان. كانت تشعر بالبرد في الحجرة الأخرى التي نافذتها تطل على الجبل، المغطى بدوره بالضباب، ويعلن صُراخ الغربان عن اقتراب الشتاء. ولكن ما زالت توجد، بالنسبة إليها، لحظات تعود فيها السماء لتتفتح، وتدفئ لها حرارة الربيع دماءها. تكتب وهي منحنية على دفترها، عندما تعتني أختاها بأمها، ويكون أندريا في الخارج في الريف، وسانتوس ينام نومه العميق البشع المعتاد، تنطلق في عالم خيالها، تكتب وتكتب بدافع من احتياج جسدي، مثلما تفعل مراهقات أخريات عندما يَجرِين في ممرات الحدائق، أو يذهبن إلى مكان ممنوع عنهن، إذا استطعن، في لقاء عاطفي.
لم تتردد في البحث عن طريقة لتحريره، تاركةً إياه ليطير بعيدًا إلى أفق لا نهائي. كتبت لناشر مَجلة الموضة، الرجل ذي الذكاء الغريزي والقلب الكبير، قلب عامل قريب من الناس الذين يعملون معه. أجابها بأن ترسل له المخطوطة.
انفصلت كوزيما بألم وفخر عن عائلة شخصياتها، وأرسلتها للعالم المتسع. لفَّت المخطوطة بعناية في كتان وورق، وشبكة من الخيط، لا بد أن تقاوم الرحلة الطويلة بين الأرض والبحر، وأرسلتها أيضًا بخدمة البريد الخاصة. وهي نفقات لم تكُن كوزيما تستطيع أن توفيها بالمصروف الصغير المكون من سنتات قليلة تأخذها من والدتها كل يوم أحد، ولكن نظرًا إلى أهمية المضي قدمًا بأي ثمن، ها هي ذي الكاتبة والشاعرة ومبدعة القصص القصيرة تنزل إلى المخزن وتسرق لترًا من الزيت. كان أمرًا سهلًا على تلك اللصة الصغيرة؛ لأنها وأختيها، عندما تكون الأم والخادمة مشغولتين في المطبخ، وتأتي بعض النساء لابتياع الزيت أو النبيذ، لم تكُن لديهن مشكلة في خدمتهن. وصلت إذن السيدة التي تعمل في خدمة عائلة مستشار المحكمة الذي يسكن منذ بضعة أيام في منزل العمة باولينا، في نهاية الشارع، واشترت قارورة زيت. تلقت كوزيما المبلغ المكون من بضع قطع نقدية من الفضة كل واحدة منها نصف ليرة، وأمسكت لفترة طويلة، بعد أن رحلت السيدة، بتلك العملات البيضاء في قبضتها، حتى سَخنَت. كانت تشعر بالشك وبالخوف وببعض الخجل أيضًا، ثم بعد ذلك فكرَتْ في أن أحد أعضاء الأسرة لا يتردد في أن ينفق نصف إيجار الغابة وأرباح اللَّوز، ببذخ على المقامرة وعلى النساء، وقسمت هي أيضًا النقود، فتركت نصفها للمنزل والنصف الآخر للمجد. في الواقع إنها اعترفت بعد ذلك بخطيئتها لأبِّ اعترافها، وقالت إنها سرقت، ولكن دون أن تذكر له الدافع، ولِتعاقبَ نفسها صامَت يومي الجمعة والسبت.
وسرعان ما وصلت مسَوَّدات الرواية من المطبعة. لم تكُن كوزيما تعرف بالتحديد بِمَ يتعلق هذا الأمر، وظنت أن الناشر قد أرسل لها عينة، وتعجبت من أن الصفحات طويلة مثل أعمدة الطبعة في الصحف. احتفظت بها، وشعرت بالغرابة والدهشة للتغيير الذي حدث في عملها. كان اسمها في القمة فوق عنوان الرواية، مما جعلها تشعر بأنها مُعرضة إلى حد كبير لفضول القراء.
عندما لم تُعِد المسَوَّدات، كتب لها الناشر خطابًا يعبر فيه عن ضيقه ويطلب منها مرة أخرى أن تعيدها بعد التصحيح. عندئذٍ قررت كوزيما أن تصحح الأخطاء الإملائية العديدة، وشعرت بأول عذاب لها بأن تبحث عن الحروف المزدوِجة في القاموس المتهالك لأبيها الذي كان ما يزال يحمل عبق وبقع التبغ، ولكن صحَّحَت هي بطريقة جديدة، لم يرَها أحد من قبل، أي ليس على هامش الورقة، ولكن على الكلمة نفسها، مما أدى أن ظهور شكل من أشكال الخربشة، نوع من الفوضى التي أفزعت عامل المطبعة الذي كان عليه فك طلاسمه. قرر الناشر إذن ألا يرسل المسَوَّدات الأخيرة للكاتبة، ولكنه طلب منها صورة شخصية ليضعها في بداية الرواية.
كانت لدى كوزيما صورة شخصية واحدة فقط، وكانت هي أيضًا أحد إحباطاتها الشخصية. كانت ترغب في أن تأخذ صورة وشعرها مُنسدل، وبالثوب البَنفسَجي الجديد، الذي يرمز لشبه الحِداد، وهي ترتدي قلادة فِضية على عنقها، نتج عن ذلك صورة كئيبة، قلقة، بعينين برِّيَّتين وفم متهكم، وصدر متخشب. كان التشوه الأول لشخصيتها الرُّوحية التي خلف المرارة الجسدية للمراهقة. كانت تشعر على العكس بأنها جميلة ورقيقة. كانت تشعر بالكبرياء بما يكفي لترفض أن تُرسل تلك الصورة الكئيبة لنفسها لتوضع على افتتاحية كتاب أحلامها، ولكي تلتقط صورة أخرى كان أمرًا عسيرًا إلى حدٍّ ما، وأيضًا مكلِّفًا. كان الأمر يتطلب بعض القوة والشجاعة، والأهم من ذلك الخبث؛ انتزعت بعض أنصاف اللترات الأخرى من الزيت والنبيذ من ميزانية المنزل، وقامت برحلة إلى حديقة تملكها العائلة، قريبة من منزل المصور، وكل شيء، في هذه المرة، تم على ما يُرام. ظهر رأس كوزيما من خلف مِروحة كبيرة من ريش الطاووس الأسود التي فتحتها ببراعة فوق صدرها النحيف. ظهرت كأنها جناح، ويمكن أن يكون أيضًا أمرًا رمزيًّا. وكانت عيناها بهما ارتخاء شرقي، مبالغ فيه نوعًا ما، ووجهها شديد العذوبة، ويظهر لطيفًا، برغبتها قليلًا، ولكن الأكثر ببراعة المصور الذكي الذي فهم بطريقته الغرض من الصورة. كان قد فهم أن تلك الصورة لحبيب ما، وبأنها ستُرسَل إلى شخص ترغب كوزيما في جذبه بسبب الحب، وأيضًا بسبب الفن، وأن هذا الحبيب الأول بعيد، غني كالملك، وربما أيضًا أشد تأثيرًا. كان جمهور القراء، وبخاصة الشباب، من الأذكياء والمتعطشين لرُوحها وخيالها.
نال الكتاب بالفعل نجاحًا نسائيًّا كبيرًا، قرأته كل الفتيات، وعثرن فيه على أنفسهن، ومعهن قصص حبهن الموجودة في الكتب أكثر من الواقع، وعلى قصص لقاءاتهن العاطفية الليلية المتخيلة، وعلى ريشات نعامهن الذي لا يستطيع الطيران. أرسل إليها الناشر بمائة نسخة كأجر لها على عملها، لم تعادل قيمتها قيمة الزيت والنبيذ المسروقَين من المخزن، وهبطت الحُزمة الضخمة على منزلهم كأنها النيزك. فزعت أمها منها، وكانت تسير حولها في كل مساء بشك كلب مرتاب رأى حيوانًا غريبًا.
لحسن الحظ، تذكرت كوزيما أن أحد أبناء عمومتها، من الدرجة الثالثة، يمتلك محل حلاق، ويبيع فيه الصحف والمَجلات، وكان أيضًا أحد المثقفين، لأنه كان المراسل المحلي للصحيفة الإقليمية. ووافق على اقتراح كوزيما بأن تبيع بعض نسخ روايتها التي تلقتها، بلا مقابل.
ولكن بالنسبة إلى المؤلفة كان الأمر كارثة معنوية تامة، ليس فقط بسبب العمتين الكريهتين، بل بسبب كل العقلاء في البلدة، والنساء اللاتي لم يعرفن القراءة، ولكن اعتبرن أن الروايات من الكتب الممنوعة، وتحول الجميع ليصبحوا ضدَّ الفتاة. كانت محرقة من الخبث والافتراضات المخجلة، والتنبُّؤات بالانحراف. كان صوت صُراخ يوحنا المعمدان من سجنه المظلم، بعفته البَرِّيَّة، ضد هيرودس، أقل تصلُّبًا.
أندريا نفسه شعر بالاستياء، لم يكُن يحلم بمجد أخته بهذه الطريقة، أخته التي أصبح يخشى ألا تعثر لنفسها على زوج. ولكن الشيء الذي واسى الكبرياء الجريحة لكوزيما هو أن الخطابات الأولى للمعجبات بدأت في الوصول، وبعض الخطابات من بعض المعجبين الشبان جدًّا، وهو الشيء الذي شجعها بشدة. أحدهم أرسل إليها من روما — من روما! — قصيدة حب قصيرة، مُلحَّنة، مهداة إليها. كانت تملك حقًّا روحًا نقدية معينة تستطيع من خلالها أن تحكم على الأبيات الطفولية ذات الأغلاط النحوية — ليست أكثر من أخطائها — ولكنَّ كبرياءها شجعتها بأن الموسيقى كانت أفضل. لم تكُن تعرف حتى نوتة واحدة، ومن الموسيقى كانت قد سمعت حتى الآن موسيقى القيثارة والأكورديون، وأُرغُن الكاتدرائية، ولكن ما كان يُشعِرها بالفخر ويهدهد خيالها هو واقع أن هذا الإهداء جاءها من شابٍّ، وربما فتًى؛ فتًى لا يعرف كيف يؤلِّف موسيقى ولا شعرًا، ولا بد أن يكون في وضع اجتماعي لأناس متعلمين، ربما كان هو أيضًا بدوره كأنطونينو، ما زال هاويًا، وربما أيضًا في طريقه للتقدم بطريقة أكثر رقيًّا من تلك التي للقرى المحلية، وكان له أيضًا مِيزة أنه شخص يبالي، بل وفكر فيها، وأنه على الشاطئ الآخر من المحيط الفريد للأحلام حيث تعيش هي. كان حبها الأول البعيد، كله لها، لأنها لم تكُن تعرف عن الموسيقِيِّ المجهول لا عنوانه ولا حتى اسمه — عرَفَت فقط سنه وجنسه؛ لأن الأبيات كانت تكشفهما، ولم يكتب، ولم يتحدث، ولم يغنِّ بعد ذلك قط. كان مثل صرخة العصفور في الليل، استدعاءً عابرًا للعندليب، المخدوع هو أيضًا بالفجر البعيد، كان مثل أغنية شبح أحد المغنِّين المتجولين الذي هبط من الغابة المنيرة على صفحات كتاب رومانسي.
بدأ هذا الأمر يفصلها عن أنطونينو، بالإضافة إلى أنه لم يشر أدنى إشارة إلى أنه أدرك، كان بالنسبة إليها بالتأكيد حدثًا غير عادي. أصبح خيط من الاحتقار يحاك حول ذكرياتها عنه، بل كان مثل خيط قُطع في نسيج ثمين، رويدًا رويدًا يجذب الخيوط الأخرى، ولا يمكن إصلاحه. ثم حدث شيء آخر، أدرك وجودها شاعر آخر، وكان هذا قريبًا ويمكن الوصول إليه، لأنه كان يفعل كل ما يستطيع من أجل هذا. ولكن، يا للأسف! كان شاعرًا صغيرًا، حزينًا وبائسًا. كان أعرج منذ ميلاده، لم يتمكن من الدراسة إذ لم تكُن لديه الإمكانيات المادية، ولم ينجح في العثور على وظيفة محترمة لأنه لم يدرس. كان ابنًا غير شرعي للمستشار، ذلك الذي أتى ليسكن في نهاية الشارع، وكان يُقال إن المستشار نفسه لا يعترف به، ولكنه يصحَبه معه ويعُوله ويجعله يقوم بمهمة الناسخ، وهو الأمر الذي كان يسمح له بكتابة أبياته.
كان المستشار أرملًا، وكانت له ابنتان أكبر سنًّا، إحداهما لها شعر أسود مصبوغ وبه تموجات دهنية، والأخرى كان شعرها الأشقر يشبه الأرض المحروقة بعد الحصاد، ذات وجنتين مُشعرتين كأنهما لقِطَّة. كانت عائلة متحابة، وكانت الفتاتان تحلمان بزيجة ثرية لأخيهما المزعوم. كان اسمه فورتونيو، وكانا يتمنيان أن يجلب له اسمه، كمعناه، الحظ السعيد، وكان أيضًا وسيم الوجه، بعينين كَستَنائيتين، بهما نوع من الأنوثة، وكان شعره ناعمًا، باللون نفسه، وتقريبًا درجة اللمعان نفسها. كان هناك شيء خامل وضعيف يميزه كشخص، حتى في الطريقة التي كان يشد بها قدمه المعْوجَّة في حذائها الحديدي.
نجحت الأختان في مصادقة كوزيما، صداقة جادة إلى حدٍّ ما، ورسمية، ولكن كانتا ترسلان الخادمة لتسأل متى يمكنهما زيارتها دون إزعاج؟ وكانتا تصلان في الميعاد تمامًا، ترتديان ثوبين جديدين وقبعتين تبدوان كأنهما ببغاوان نافقان. وكانتا تعثران دائمًا على طريقة تتحدثان بها عن فورتونيو. أجل، فورتونيو أيضًا نشر كتيب شعر، وفورتونيو أيضًا يكتب رواية، وفورتونيو أيضًا يكتب ويرسل العديد من الخطابات. أرسل أيضًا خطابًا إليها، مع الخادمة، وعلى الفور خبأته كوزيما بالغريزة، ولكن عندما فتحته ضحكت، محبطةً قليلًا، لأن الزميل يطلب منها أن تترجم له إلى الإيطالية كلمةً دارجة مُستخدمة كثيرًا في البلدة، ولكنه لم يكُن يعرف معناها بدقة. أجابت هي، وكتب هو مرة أخرى ليشكرها. وكانت خطاباتهما عليها البصمات المزيتة لأصابع الخادمة.
ثم توطدت الصداقة، وذهبت كوزيما مع أختيها لزيارة الصديقتين الجديدتين، ولاحظت أن منزلهما كان منزلًا فقيرًا، غير منظم، وتقريبًا قذرًا. وتلك الخصلات السوداء المُجمعة، وتلك القُصة من الشعر الأشقر التي تتساقط على العينين البيضاويتين للكبرى من بين العانستين، تمنحانها شعورًا بالريبة، بل تقريبًا بالنفور. ونما ذلك الشعور عندما لم تعرف كيف عثَرت الساحرتان الشريرتان على طريقة لتقودا بها الفتاتين الصغيرتين لتريا زَهرية تحتوي على زهرة الجيرانيوم في حجرة الجلوس في المنزل؟ وفي الحجرة التي كانت تُستخدم أيضًا حجرةً للاستقبال وللطعام في آنٍ واحد، دخل، كأن ذلك حدث بالصدفة، الأخ الأعرج. وبينما كانت منحنية لتنظر على المائدة المغطاة بسجادة مصنوعة من قطع مُجمعة من علب الكبريت، والبعض منها يحتوي على صور لمناظر طبيعية، سمعَتْ صوتَ حذائه كأنه صوت حدوة حصان، يتوقف أمام عائق ما، وقفزت على قدميها واحمرَّ وجهُها وهي تشعر بالفزع.
في الحقيقة، اكتسى وجهه هو أيضًا باللون الأحمر وكانت شفتاه ترتعشان، ولكن هذا أدى إلى أن تلاحظ كوزيما أن له فمًا جميلًا ممتلئًا، ولكنه أيضًا مثير للشهوة، أو إذا أمكن القول: نوع من الشهوة صحي وجذاب مثل الفاكهة الطازجة. لأول مرة تشعر بما يجب أن تكون عليه القبلة، تشعر بها حسيًّا، القبلة الجسدية بين اثنين يشتهي كل منهما الآخر ويرغبان، بل ومندفعان لأن يلمس كل منهما الآخر بقوة الطبيعة الشديدة، وارتعش فمها أيضًا، ولكن مثل ذلك الذي لطفل على وشك البكاء ولا يعرف لماذا؟
كان فورتونيو بالتأكيد — على الأقل فيما يبدو — محظوظًا مع كوزيما. ولكنه كذلك لأنه كان شجاعًا ومندفعًا في الأساس بشعور غامض من الكراهية نحوها، ونحو كل الطبقة المغرورة والمتكبرة التي تنتمي إليها. فهي تقريبًا غنية، وتقريبًا نبيلة، على الرغم من أخطاء أخويها الجسيمة، تُعتبر فتاة من مستوًى أعلى. وصفتها الغامضة باعتبارها كاتبةً، فوق كل شيء، تجذب انتباه البلدة كلها نحوها، والناس الأبعد أيضًا، وكان فورتونيو ذكيًّا بما يكفي ليفهم بأنها تجرب حظها، يمكنها أن تخسر، ولكن يمكنها أيضًا أن تكسِب. ويعرف حق المعرفة، أفضل من سكان البلدة، بأن الفنان الحقيقي له مستقبل. وشعر هو في كوزيما بهذا الفنان، بينما حُرم هو من كل شيء، حتى من تطلعاته الثقافية.
كانت المشاعر التي بدأ يشعر بها نحوها صادقةً جزئيًّا، ولكن من جهة أخرى جشعةً وأنانيَّة. والخطابات التي بدأ يكتبها لها بحماس، ويرسلها إليها ملتصقة بأغلفة الكتب التي يتبادلانها أمام الجميع، خطابات جميلة، شاعرية، حسية، ربما من أجمل الأشياء التي كتبها خلال الفترة القصيرة التي امتهن فيها الكتابة. كوزيما تلتهمها بنهم، وتخبئها جيدًا جدًّا؛ خوفًا من أن يكتشفها أندريا، وإذا اكتشفها أندريا بالتأكيد ستحدث الكثير من الكوارث، لأن فورتونيو بالنسبة إليه بالتأكيد في مستوًى أقل اجتماعيًّا وجسديًّا، كان أقل من خادم، ومن عازف متجول، وكان يغفر له بهذه الصفة أيضًا لأنه لم يكُن لديه أي شكوك بما يدور في رأسه، الأغنيات التي يعزفها بالقيثارة، تلك الأغنيات العاطفية العامية التي يسمح الشاب الأعرج لنفسه بأن يغنيها مع بعض الأصدقاء أسفل نافذة المنزل، كانت عادة محلية قديمة جدًّا على الرغم من أنها مختلفة عن تلك الغزليات الشعبية المكونة من الجَوقات الشفهية والأغنيات القديمة، كانت فرقًا موسيقية تشبه تلك البرجوازية، ومكونة من طلبة وشباب من طبقة ليست قروية بشكل حصري.
كانت أغنياتٍ شبهَ محفوظة تصحبها موسيقى القيثارة والمندولين، وأيضًا الأكورديون، تتسبب في أن ترفع الفتيات الشابات الحالمات رءوسهن من فوق وساداتهن الخالية اليابسة. ولكن من الصعب التعرف لمن يوجه الصوت العاشق، الذي يشق صمت الليل، نداءات الحب. لأن المُحب، الذي بالتأكيد يجد صعوبات في تطلعاته العاشقة، وليخلق لنفسه نوعًا من التمويه، لم يكُن يقف قط، مع فرقته أسفل نوافذ المحبوبة، ولكن أسفل العديد من النوافذ لمنازل تسكنها صبايا. هكذا يمكن أن تُمرَّر رغبته في الفضفضة، على أنها لأحد هواة الأغاني العاطفية، ذي رُوح تحب حُلمه الكوني بالحب أو أيضًا لفنان يمارس الغناء أو العزف الليلي.
لم تنخدع كوزيما ولو لحظةً عندما سمعت في إحدى الليالي صوت فورتونيو. في البداية سمعته من بعيد، ثم بدأ الصوت في الاقتراب أكثر، عاصفًا ودافئًا ويكاد يكون ملموسًا، تمامًا كما ترتفع الرياح من البحر البعيد، ثم بعد ذلك من الوادي في ليالي شهر مارس، تلك الرياح التي تعلن عن قدوم الربيع من الأراضي الشرقية. كان صوته قويًّا دافئًا مختنقًا قليلًا كصوت تَنُّور حقيقي. كانت أختا فورتونيو قد اعتمدتا تقريبًا على هذا، وكانتا تأملان في أن تصنعا منه مطربًا، وكان يعرف كيف يختار أشعاره، مُعدِّلًا إياها بكلمات من إبداعه، أكثر الأشعار المناسبة لتتخلل كالحُلم فِراشَ الصبايا، وتحيط بهن بقوة وبدفء مثل أجنحة الملائكة حتى تتحول إلى حضن آدمي مشتعل بالرغبة.
حاولت كوزيما أن تتفاعل، في واقع الأمر لم تكُن رومانسية، بسبب العديد من التجارِب القاسية التي عرَفتها في الحياة الحقيقية. ولكن ملل أيام بلا أمل في أي تغير ملحوظ تقف حولها مثل عقاب غير عادل، عقاب قديم لبنات جنسها، تشتعل بجملتها برغبة في الطيران، لتنطلق بعيدًا في الأفق الواسع نحو حياة مليئة بالحركة. وهكذا أصغت السمع إلى الصوت المتغزل، على الرغم من أنها تشعر نحو فورتونيو بالرِّيبة وتقريبًا بالاحتقار.
في أحد أيام شهر مايو عندما خفَّت مراحل النشوة الأولى لمغامرتها الأدبية لتترك مكانها بداخلها يأسًا ثقيلًا، زاد على ذلك أن وصل إليها نقد مكتوب بخط اليد لعملها «الفقير ولكن المخلص»، إذ إن الرواية، «تلك القصة القصيرة، أو إذا أمكن أن نقول تلك القصة المتواضعة للأطفال، والمنشورة في مَجلة متواضعة للمراهقين، والتي نُشرت كلها أو جزء منها، حيث حُذفت أجزاء بغرض خبيث وبضربات فأس عنيفة، ولكن كل شيء بمنطق وبِوَعْي»، واختتم الناقد كلماته: «كل شيء تضاءل إلى شظايا، جيدة لتشعل النيران حيث تُعِدُّ والدة كوزيما الخبز. فلتعودي، فلتعودي إذن أيتها الصغيرة المصابة بداء الكتابة القهري، إلى حدود حديقة أبيكِ، لتزرعي أزهار القَرَنفُل والعسل، عودي لتصنعي الجوارب، لتكبَري، ولتنتظري زوجًا صالحًا، لتُعدي نفسكِ لمستقبل صحي مليء بالمودَّة العائلية والأمومة.»
بكت كوزيما من الغضب والإهانة، بكت، ولكن في داخلها شعرت بهزة عميقة. شعرت بأنها أخطأت الطريق، وقررت أن تعود بالفعل إلى ملجئها المغلق ولقدرها الحقيقي. مزقت ورقة الإدانة، وعادت من جديد لأعمال التطريز والطهو وللجولات مع أختيها وللرحلات المريحة في الأرياف الجميلة المنتعشة بالربيع الرائع.
وفي إحدى تلك الرحلات انضمت إليهن أختا فورتونيو، بل وأحضرتا المؤن الضرورية للغداء على الأعشاب، بجوار نبع المياه الذي يندفع من صخرة على سفح الجبل. ومرت ساعات من السعادة الصافية والبريئة، واستطاعت كوزيما أيضًا في أثناء تأملها للغروب على قمم الجبال المقابلة للوادي فوق أشجار الزيتون الحالمة أن تنحي جانبًا الاقتراحات المظلمة بأن تهجر كل أحلامها الإبداعية. كان الجرح يلتئم، وتشعر بفرحة الشفاء عندما امتدت ظلال على نور قلبها، ذلك النور الوحيد الذي تشعر به حقيقيًّا ولامعًا وصافيًا كنبع الصخرة. ظهر من الطريق المقابل ظل فورتونيو.
كالعادة، كان يبدو كأنه وُجد في المكان نفسه من قبيل المصادفة. ينحني على الطريق المرتفع ويتشاور مع أختيه اللتين دعتاه لأن يقترب، وأن يشترك معهن في الطعام، بنوع من الحقوق، لأنهما من أحضرتاه. غير أنه رفض بقسوة وحزن، مدركًا هو بدوره الموقع الذي ينتظره، مستندًا إلى سياج الطريق بحيث يخفي قدمه المُعْوجَّة، ويُظهر فقط الرأس الجميل بعينيه وبشفتيه الطازجتين اللامعتين اللتين تتلألآن في انعكاس الغروب، وينظر بحزن بعيدًا، ساندًا خده على يدٍ رفيعة، ذات أظافر تبدو كالرخام الوردي. بدا لكوزيما مثل أحد تلك الوجوه الرومانسية التي تعجبها، في رسوم إحدى طبعات سانتوس القديمة لشاتوبريان. وكانت هكذا: شابًّا تعس الحظ، تعذبه قصة حب سرية، يختفي وحيدًا في غروب ريفي مستندًا إلى سياج أو جالسًا على جذع مخلوع لشجرة بلوط بين لَبلاب الكروم، وصخور تغطيها الطحالب، يتأمل في قدره الحزين. حزينًا كان حقًّا قدر الشاب فورتونيو، ولم يستطع قلب كوزيما ألا يستقبل صداه، بين الأصوات الإبداعية التي تقص عليها الشعر الأبدي للألم الإنساني. وهكذا، عندما بدأت المجموعة في رحلة العودة، تاركةً الشاعر تعس الحظ وحيدًا، مستندًا إلى صخرة النبع يستمع باستغراق بدوره للنغم الحزين بين الظلال التي تحولت للون الذهبي للغسق، سارت بمعزل عن المجموعة، رأسها منحنٍ، بينما رفيقاتها تطارد بعضهن بعضًا على الطريق وتغنين وتضحكن مثل بنات الفلاحين في طريق عودتهن من العمل في الحقول.
طلع القمر بين أسنان الجبل وفوق القمم التي تعطي الانطباع بأنها أطلال قصر ما، وكان ضوءُه الأرجواني يختلط مع الأفق البرتقالي، وملأت رائحة الخضرة الرطبة الهواء الدافئ كأنها أغانٍ بعيدة تجيب عن تلك التي تغنيها الفتيات، وتصحب وتنقل على أجنحة قوتها حزن كوزيما الغامض.
ماذا تريد كوزيما؟ حتى هي لا تعرف هذا، كانت تود لو توقفت، ألا تعود إلى منزلها الخانق، أن تستند معه إلى سياج الطريق المتسع، فوق الوادي المليء بالغموض، وأن تتبع مسار القمر في السماء الذي يشتد وضوحًا وضياءً.
إنه فورتونيو. كان سيليق أكثر في الشخصية بقيثارته على ظهره، مثل مغنٍّ متجول نزل للتو من غابات البلوط الأخضر، المحيطة بتلك القصور المُتخيلة في الأفق. ولكنه كان ممسكًا بكتاب في يده، كتاب أبيض لونه في ضوء القمر، يحتوي كلمات ساحرة تفتح باب الأحلام. كانت أشعارًا، أشعار حب.
لحق بكوزيما وأخذ يسير بجوارها في صمت. لم تكُن تشعر بالدهشة. كان كل شيء كما يجب أن يكون. وعندما وضع بخفةٍ ذراعَه المرتعشة حول كتفيها، لم تعترض، ولم تحاول أن تحرر نفسها. كان كل شيء كما يجب أن يكون. كان شيئًا من إعداد الأختين الخبيثتين، أختَي فورتونيو، ولكن يبدو أيضًا كأنه السحر الذي أنتجته الساعة والمكان، من القدر الذي يحمي العشاق. حتى الظلال الكثيفة التي امتدت للطريق، في منحنًى حيث الصخور تصل حتى حواجز الحراس، تبدو كأنها ستار مُخمَلي، يحيط بالشابين المُبدعَين ويسمح لوجهيهما الصافيين أن يصبحا وجهًا واحدًا: وجه الحب.
كان كل شيء يبدو كأنه يعمل على حمايتهما، الطريقة السهلة لتبادل الرسائل، الطريق المشترك، قرب حديقتيهما. ومن حديقة كوزيما في الليل، عندما كانت تعرف أن أمها وأختيها يخلدْنَ للنوم؛ الأولى يلفها أيضًا في نومها حجاب المعاناة والصلوات، بينما الأختان في أحلامهما التي لا تزال بيضاء من البراءة، ينجح فورتونيو على الرغم من إعاقته في أن يتسلق السور، وهناك يعثر على صديقته الصغيرة، منقطعة الأنفاس بمشاعر صادقة في ظل ملاكها الحارس، في حيرتها وصمتها، كأنها شبح نفسها. تتركه يقبلها، وتشعر بدفء جسده، وارتعاش أنفاس ذلك البطل الساحر، ذلك العنف العاجز الذي به يرغب في أن يأخذها بعيدًا، ولكن حمتها قوة باردة، تكاد تكون تحليلية شريرة في ذلك النوع من صراع المشاعر، من نفسها ومنه. تخرج منها متعبة، مشمئزة، تشعر بالمرارة من الخزي والندم؛ الندم لأنها تعتقد، من بين الأشياء الأخرى، بأنها ترتكب خطيئة، لأنها لن تتزوج أبدًا من فورتونيو.
بيد أن أخبار قصتهما سرعان ما تسربت، وتسببت في موجة جديدة من الفضيحة بين الناس الصالحين في المنطقة. غير أن الجميع فهموا! كوزيما فقط كانت قادرة على تلك المغامرات، مع شخص أعرج، مع شخص لا نسب له، مرفوض من القدر. وفي أحد الأيام قال أندريا، في ميدان عام، إنه سيكسر بعصًا القدمَ الأخرى ﻟ «عازف القيثارة». وأعد لكوزيما جرعة من الصفعات واللكمات التي، بالإضافة إلى إيذائها الجسدي، سحقت رُوحها مثل الملح في الجرن.