الفصل السابع
وهذا الدرس أيضًا كان بمثابة درس آخر من دروس الحياة، حيث شعرت بأنها لا تشبه بالفعل، ويجب أيضًا ألا تشبه، فتيات «العائلات الجيدة» واللاتي يرتكبن هفواتهن العاطفية بلا ضمير وبخبث، وأن الله قد منحها ذكاءً أكثر من المعتاد، ومنحها أيضًا فوق كل شيء ضميرًا نقيًّا وعميقًا مثل المياه التي يمكن للمرء أن يرى فيها كل خيط من خيوط الضوء والظلال، لتحكم على نفسها بمفردها في طريق الحق. بدا عقاب نزوتها مع فورتونيو، نزوة فضول المشاعر، وأيضًا الفضول الحسي، بدا لها عقابًا عادلًا، وقررت أن تعتني بنفسها، وأن تعيش بإيمانها. حتى تفكيرها في أنطونينو، بدا لها فجأة شيئًا سقيمًا. لماذا عليها أن تتبع وهمًا لا فائدة منه وفي واقع الأمر مهين لها؟ لم تعد تقف في النافذة لتنتظر ظهوره، لم تعد قط مع أختيها لزيارة الصديقات، وأغلقت على نفسها في دائرة من الصمت، والاستسلام والعمل.
ثم ضغطت عليها الحياة اليومية، وازدادت الأيام كآبة، كأنها شتاء طالت أيامه. في إحدى الليالي سُمع في منزلهم أنين غريب، ثم صوت أندريا الذي يحاول أن يقنع أخاه سانتوس بأن يستلقي على الفراش وأن يهدأ. ولكن البائس يجادل وهو يصرخ أن أسفل فراشه يوجد رجل أسود يريد أن يخنقه، ثم يطرق الجدران وهو يصرخ بأنها مليئة بالعناكب السامة ومئات الأقدام.
في لحظة واحدة نهضت الأم والخادمة والفتيات وأحطن بالأخوين، وأدركن أن سانتوس الشاحب الذي يرتعش رعشة غير إرادية، وعيناه كبيرتان معدنيتان، يهذي. ولكن كان هذيانه بشعًا، أفظع من هذيان محتضَر أو مُصاب بالسُّعار. فهم أندريا ما يحدث لأنه قد رآه من قبل. بيد أن رعبًا لم تعرفه من قبلُ غزا كوزيما، كأن المنزل بالفعل كان مليئًا بالرجال السود المرعبين، مستعدين لارتكاب جرائم مرعبة، وأن الجدران أعشاش لزواحف سامة. اعتقدت الأم أن سانتوس قد لبسته رُوح شريرة، وفكرت في أن ترسل لتستدعي أحد الكهنة إلى المنزل ليخرجها. ولكن أندريا سخر من الفكرة، واستطاع أن يعيد أخاه إلى الفراش، وسهر عليه طَوال الليل. كانت ليلة من العذاب لا يمكن نسيانها، وخلالها عرَفت كوزيما صفحة أخرى من صفحات كتاب الحياة الرهيب. وبدلًا من الكاهن حضر الطبيب الذي نصح أن يذهب سانتوس ومعه أندريا — الذي عرض بأن يسهر على أخيه — ليسكنا في منزل صغير تمتلكه العائلة في بستان قريب من المنزل. جُهزت وأُعدت حجراته الصغيرة الفقيرة في الطابق الأرضي على أكمل وجه، ولم يكُن فيها سوى نافذتين تطلان على الجبال البعيدة. وتركهم سانتوس ليقودوه إلى هناك بوداعة، فقد كان في أعماقه طيبًا ووديعًا، وأول من شعر بحزن مميت بسبب الداء الذي أصابه، والذي أعلن الطبيب بأنه مرض، لا يمكن للمريض — حتى مع كل ما لديه من قدرة — الشفاء منه. كان هناك ألم عميق يمكن قراءته في عينيه الفاتحتين. من حين لآخر يحاول أن ينهض بنفسه، يتوقف، ويحاول العمل، ولكنه يسقط من جديد كأنه نبات قُطع، ولم يمت بعدُ، من جذوره، ولكنه لا جدوى في علاجه لنفسه، ومُضرٌّ للآخرين.
وفي منزل الفتيات ساد الهدوء النسبي، ولكن ظلال الألم كانت تحيط به، وأصبحت الأم أكثر صمتًا وشحوبًا، وأحيانًا قلقة، ذلك النوع من القلق لمن ضاع منه شيء ثمين. بدأت أيضًا تتصرف تصرفات غريبة، أحيانًا كانت تخرج من البيت خفية ببعض الأشياء أو بلفَّةٍ ما تخفيها أسفل شالها، وكانت تذهب إلى المنزل الصغير لابنيها، لتأخذ لهم بعض الطعام أو الملابس. ليس لأن هناك شيئًا ما ينقصهم، بل عندما يصبح سانتوس هادئًا كان أندريا يذهب ليأكل مع العائلة، وكان كلاهما يذهب يوميًّا إلى المنزل، ولكن الأم كانت دائمًا تخشى أن ينقصهما شيء ضروري. تفكر فيهما كأنهما طفلان تاها في الغابة، وتذهب للبحث عنهما، بيد أنها هي أيضًا تضل الطريق في ظلال غابة خطيرة، غابة اليأس.
بالقرب من المنزل الصغير للأخوين توجد أيضًا معصرة للزيتون ملك للعائلة، عبارة عن حجرة طويلة، لها شكل غير منتظم، داكنة، ولكن في الوقت نفسه منيرة، كأنها حُفرت في جبل صخري. وكان الحصان القوي الذي يعمل على تدوير العجلة بداخل الحوض المستدير حيث يُطحن الزيتون الأسود، مثل الشحم نفسه. كانت العجينة ذات اللون البنفسجي للزيتون التي تُسكب داخل السلال المستديرة يطحنها المكبس الحديدي، ولكن المكبس موضوع داخل شيء كالعش محفور في الجدار، يتحكم فيه الرجال؛ الطحان ومعه مساعده. كان الزيت يتساقط أسود ودهنيًّا داخل برميل كبير، وكانت القشور التي تتبقى بعد عصير العجين تُلقى من نافذة كبيرة إلى الحديقة، مكوِّنةً جبلًا تفوح منه الرائحة، وبدوره يشتريه صاحب المحل نفسه، الذي في الصيف يبتاع اللوز من العائلة، وكان ذلك بالإضافة إلى الزيت يدر عائدًا معقولًا، وكان المُلاك يدفعونه مقابل صناعة زيت الزيتون. ولكنهم إذا لم يراقبوا الطحان عن كَثَب — وهو رجل صغير، متدين، له عينا قديس حقيقيتان، وخدم العائلة من سنين عديدة، وكان بالفعل يحبهم كثيرًا — لسرق الزبائن ورؤساءه أيضًا.
كان قائد هذه المجموعة رجلًا متورد اللون، وكان غنيًّا، ولكنه صرف أمواله على النساء والنبيذ، ثم مسنًّا بلحية كلحية البطريرك، وهو أيضًا تعرض للإفلاس، ويعمل بستانيًّا في وقت فراغه، ويصطاد القطط التي يأكلها بعد ذلك. وهناك منبوذون آخرون كانوا لا يستطيعون المكوث مع الفلاحين المهرة ولا صغار المُلاك، الذين يُحضرون زيتونهم لعصره. ينضم إليهم أيضًا صاحب المعصرة نفسه، أندريا، الذي يحضر من حين لآخر ليشرف على المطحنة.
كان سانتوس موجودًا بينهم دائمًا، وعندما يحضر يتحرك الجميع ليفسحوا له مكانًا، يسير هو أيضًا في المنحدر المُدمر للرفاق البؤساء المجتمعين حول النيران، ولكن ما زال الجميع يكنون له احترامًا، لأن عائلته ما زالت تسنده ولديه مسكن ويعيش في حماية أخيه. ولأنهم يعرفون كرمه، يحاولون أن يكسِبوا صداقته ليتمكنوا من الحصول منه على بعض النقود، ولكنه على الرغم من وعيه المشوش الذي غالبًا ما كان يستغرق فيه، يفهم حالته، ويعرف ما بداخل قلب جاره، ويحب فقط صحبة منبوذي المعصرة لأنه يشعر بالفعل أنه رفيقهم في القدر نفسه. يجب ألا نفكر في تلك اللقاءات على أنها حزينة، بل على العكس، عندما تجفف النيران ملابس المتشردين الفقيرة التي يرتدونها، التي عادةً ما كانت تبللها الأمطار، وكانوا ينجحون، في عطف من القدر، أن يحتسوا النبيذ، أو الأفضل أن يحتسوا المشروبات المسكرة، تسود بينهم سعادة طفولية عارمة، ثم يبدأ أحدهم في غناء أجزاء من الأوبرا، وآخر يخرج الخبز ويكسره، ويسكب الزيت على قلبه اللين، ويشويه على الفحم، ثم يقسمه بروح أخوية مع رفاقه. وكان سانتوس يرسل لإحضار زجاجة من النبيذ ليشربوا نخب صحة الجميع؛ الصحة وطول العمر، وحياة تنتمي إلى من يستمتعون بها.
كانت الأيام تتلون باللون الرَّمادي تقريبًا دائمًا، في برد صباح أواخر أيام الخريف، ولكن رويدًا رويدًا تبدأ السماء في التفتح، وترتفع فوق الجبال التي تتخذ لمعانًا داكنًا للمستنقع، وفي أعلى تُفتح العين، بيضاء في البداية ثم تتلألأ من الشمس، كأنها عين نائم، يستيقظ مبتسمًا أمام الواقع العذب بعد أن صارع مع حلم حزين. عندئذٍ يتلون كل شيء، تبدو السماء كبحر تبعثرت فيه الجزر الصخرية، وعلى فروع الأشجار تبدأ الأوراق الأخيرة في الارتعاش كأنها فراشات ذهبية، وتستعيد الجبال لونيها الأزرق والوردي.
عندما يكون الجو جميلًا تذهب المالكة إلى البستان ولم تكُن تستحي من أن تزرع الكرنب والخرشوف هي و«بناتها». كانت كوزيما تبلغ من العمر عندئذٍ عشرين عامًا، ولكنها تبدو أصغر سنًّا أحيانًا، وأكبر أحيانًا أخرى، بوجهها الأبيض المتجهم، وعينيها اللتين تبدوان ثائرتين، وجبهتها بالشعر المشدود إلى الخلف، على طريقة كبار السن اللامبالية. ينفرج وجهها ويضيء مثل الشمس في تلك الصباحات الغريبة، عندما تخرج ضحكتها مجلجلة من بين أسنانها المستقيمة بعنف المياه الخارجة من الصخرة. الآن وفي فترات غياب أندريا المجبر على الذَّهاب إلى الريف ليشرف على من يعمل هناك، ولأنها تعرف أن الطحان يمكنه أن يملي على سانتوس ما يريده بقوة المشروبات المُسكرة، تخترق المعصرة بشجاعة، وتقوم بنفسها بالتفتيش بجسارة. كان يوجد أيضًا في حجرة أندريا الصغيرة سجل يُسجَّل فيه «عدد طحنات» الزيتون، ومع كل طحنة يدفع صاحب الزيتون واحدًا وثلاثة أرباع هيكتولتر من الزيتون، مكوَّنة من لترين من الزيتون الخام الذي يُترك في الإناء المخصَّص لذلك، أو — إذا كان المالك يفضل ذلك — ما يقابل لترين من النقود. كان كثيرون منهم يتركون فترة قبل الدفع، ومِن ثَمَّ يظل الحساب مفتوحًا. وها هي ذي كوزيما تجلس إلى المائدة حيث توجد بواقي الخبز والطعام الذي تناوله أخواها، تتصفح السجل المبقع وتسجل قائمة من الأسماء وعدد الطحنات. كان هذا أيضًا نوعًا من الشِّعر، وكانت الشمس التي أبعدت السحب الصخرية الأخيرة وتشرق عالية فوق الجبال ترسل أشعتها الذهبية على الورقة التي تكتب فيها، وترسل لمعانها على شعرها المصفوف بقسوة.
وهكذا أصبحت على اتصال بعامة الشعب، بالناس الحقيقية، الكادحين منهم والوُدعاء، الذين حتى إذا استطاع أحدهم أن ينبش بمخالبه على القليل الذي يمتلكه جاره، مثل الطحان، سيفعل ذلك بأدنى حد، ثم سيذهب على الفور ليعترف بخطيئته. وحتى الاعتراف أيضًا به بعض الخداع مثل ذلك الاعتراف للفلاح المشهور الذي حاول أن يخدع أبَّ اعترافه بأن يقول له إنه سرق حبلًا. غير أنه بعد أن أصر رجل الله على سؤاله والتحقيق معه، قال في النهاية إن جاموسًا كان مربوطًا في طرف الحبل. بيد أنهم في نهاية الأمر أشخاص يمتازون بالطيبة، نساء محترمات يتظاهرن بالود، ورجال لا بد لهم من المصارعة مع الأرض العصية والمنعزلة، ومع الرياح والطيور والذئاب لينتزعوا القمح والنبيذ اللذين يتغذون عليهما مثلما يفعل الكاهن في القداس.
كانت كوزيما تلاحظهم وتدرسهم، تتعلم لغتهم، والأشياء التي يتشاءمون منها، لعناتهم وصلواتهم، ومن مكان ملاحظتها كانت ترى أيضًا اللوحة ووجوه المعصرة. كانت تستمع إلى القصص القصيرة التي يقصونها وأغاني السكارى، وعندما يؤلمها قلبها، وتحني رأسها خجلًا رؤية سانتوس، أخيها الذي وُلد ليحقق أعمالًا عظيمة، وهو ينحت عربات صغيرة لأبناء الطحان، أو وهو ينظف اللحم من فوق عظام القط المشوي بالاشتراك مع رفاقه، تفكر في أن الرحمة فقط يمكنها أن ترفع النفس المنحنية بسبب آلام الآخرين، وتحملها على جناحيها حتى أعلى قمم العالم، حيث يومًا ما سيصبح الجميع متساويًا في فرح الرب.
وهذه المرة ضحك الحظ لها. حاولت النشر لدى ناشر معروف إلى حد كبير، لم يوافق فقط على نشر الرواية، بل صدَّرها أيضًا بمقدمة كتبها كاتب مشهور. وفجأة قفزت شخصية كوزيما في الأوساط الأدبية، محاطة بهالة من الغموض. ذلك الغموض الذي خلقه بُعدها هي وبلدتها، والأخبار المشوشة حول حياتها البرية تقريبًا بالنسبة إليهم. ولكن فوق كل شيء تلك القوة البريئة والشجاعة في الوقت نفسه، لقصتها، ونثرها البدائي، بل الذي يحتوي على بعض الأخطاء ولكن في الوقت نفسه شديد الفعالية، بالإضافة إلى شخصيات الرواية المتميزة.
وفجأة أصبحت مشهورة، الصحف والمَجلات بدأت تطلب منها قصصًا قصيرة، وأرسل لها الناشر نقودًا. لم تكُن نقودًا كثيرة، ولكن ما يكفي لتبتعد عن سرقة المخزن، وتبتاع ثوبًا جميلًا من الحرير الأسود ذي نقاط ذهبية، ووشاحًا من جلد الثعبان مغطًّى بريش النعام الأسود والأبيض.
عندما ظهرت مع أختيها، اللتين أهدتهما، لِتُفرحَهما، وشاحين أنيقين، في قداس أقامه الأسقف في أحد أيام الخريف الرائعة، اصطفت مجموعة من الشباب الأكثر ثقافة وتفتحًا في البلدة، الذين كانوا يذهبون إلى الكنيسة فقط للتلصص على النساء بين ممرات الكاتدرائية الجميلة، تحيط عيونهم المتأججة بالنيران بها. والنساء أيضًا كن ينظرن إليها من وراء ظهرها معجبات أكثر من أي شيء بثوبها ووشاحها المصنوع من جلد الثعبان ذي اللون الشبيه بالليلة المليئة بالنجوم، والمطوي على كتاب الصلوات الخاص بها.
وبدأت حياتها بالفعل من تلك الفترة تتخذ إيقاع الحواديت. أخذت الصحف تتحدث عنها، حتى إنه وصل إلى بيتها، من مدينة بعيدة، صحفي طويل القامة، سمين وأشقر، تسبب حضوره في اضطراب كل الحي. تسببت زيارته تلك في استثارة أقصى أنواع الفخر وأمَرِّ أنواع الإهانة؛ الإهانة لأنها اضطُرت إلى استقباله في تلك الغرفة الفقيرة في الدور الأرضي، حيث توجد المكتبة القديمة التي تظهر فيها الأوراق القديمة الخاصة بأعمال والدها الراحل، ولكن كانت الأختان قد فرشتا مفرشًا قديمًا من الدانتيل على المائدة الصغيرة التي قدمتا عليها القهوة. كانت هي قد ارتدت ثوبها الحريري المرصع بالنجوم، ولكن لم تكُن تعرف ماذا تقول، بينما الرجل الأشقر يفحصها بعينيه الصغيرتين الخضراوين اللتين، بالنظر إليهما سريعًا وتقريبًا بخوف، تتذكر عيون القطط البرية المتربصة بالطيور الصغيرة التي تتعلم الطيران. بيد أنه كان دمث الأخلاق، وفي صحيفته كتب أن الكاتبة «الشاحبة الصغيرة العصبية (عصبية؟ لم تكُن تعرف ماذا كانت تعني تلك الكلمة، إلا أنها أعجبتها)، تلك المخلوقة الهشة، التي دون حتى أن تخرج من عشها الهادئ، تعرف على الرغم من ذلك، بطريقة تثير الدهشة، أسرار القلب الإنساني» إلى آخره. (آه يا أيها الرجل الأشقر الذي يعيش في المدن الكبيرة، والمتصل بالعالم الأكثر اضطرابا، أنت لن تعرف أبدًا من خلال خبرتك ذلك الذي تعرفه كوزيما من خلال ما اختبرته.)
بالنسبة إليها أيضًا وصل شهر مجدها. كتب لها أيضًا ذلك المتكبر أنطونينو، الذي كان مستمرًّا في الدراسة ليستطيع الحياة في المدينة، وفي خطابه كان يهنئ كوزيما ويثني عليها، ويسألها عن أخبار سانتوس. لم تجبه، ولكنها احتفظت بخطابه بين الذكريات التي ستتبعها في طرق الحياة. الآن تفكر في ذلك الآخر، في الأشقر الضخم، الذي له عينا النمر، وبعد مراسلات طويلة غامضة أرسل إليها في أحد الأيام خطابًا غريبًا، فيه، من بين الأشياء السخيفة التي قالها، أنها تبدو إليه تقريبًا قَزمة.
واستمرت خبرات كوزيما.
تحمل أيام لها روائع جديدة. وصلها خطابان في آنٍ واحد: واحد من مكان بعيد، من قصر أحد أمراء ألمانيا، عليه ختم فضي يمثل صورة تاج الأمير. ربما كان سكرتيره الذي قرأ رواية كوزيما ويكتب إليها، وهو مضطرب، قائلًا في السطر الأخير: «أحبك يا آنسة، أحبك». اعتقدته السكرتير، نظرًا لشيوع اسمه، ولأن كوزيما تسلحت بعدم ثقة يستعصي علاجه. ولكن لماذا لا يمكن أن يكون هو الأمير بنفسه؟ أجابت بأن شكرته، ثم عندما تخيلته هو أيضًا أشقر وطويلًا بعينين برِّيَّتين مثل الصحفي القاسي، وبالإضافة إلى هذا كله أميرًا أو دُوقًا، لم ترسل الخطاب.
بيد أنها أجابت على الخطاب الآخر؛ هذا أيضًا من أمير من نوع مختلف، كان شابًّا في الثانية والعشرين من عمره، ولا بد أنه ثري جدًّا، لأنه كتب لها أنه على وشك أن ينطلق بنقوده الخاصة في حملة إلى أمريكا التي لم تُكتشف بعد، ويستأذنها في أن يمنح اسمها لأول مقاطعة سينجح في عبورها، وأعطاها عنوانًا لأقصى مدينة في الجنوب الأمريكي حيث سيتوقف ليجهز المنزل المتنقل.
أجل، أجابت كوزيما بخطاب وأرسلته بالبريد الخاص، ولم تمنع نفسها من إطلاق العِنان لخيالها، كأنها ملاك مسافر، لتلحق بفارسها المغامر. وبدا لها أنها تعيش في وقت الحروب الصليبية، وأنه ذهب واسمها في قلبه ليحارب ضد الوثنيين وضد الهنود الحمر والتنانين والغابات البِكر والأعشاب السامة.
كانت تلك أجملَ الأيام في حياة كوزيما، أجمل حتى من تلك التي قضتها على الجبل لتتنفس الهواء الذي يتنفسه أنطونينو. كان ذلك هو الحُلم الحي الحالي، المغامرة الملحمية التي تشارك فيها ممتطيةً السحب الحمراء للأفق، فوق البحار التركوازية، في الليالي القمرية.
كان كل شيء يبدو لها عظيمًا ومنيرًا. في المنزل المقابل لمنزلها، مات كاهن العصور الوسطى الأسود، وتزوجت ابنة أخيه بابن عم لها مسن، وجاء ليعيش معها، كان تاجرًا ثريًّا، ولكنه كان مفعمًا بالحياة، ومفاوضًا قويًّا في تجارة الفلين ولحاء الأشجار. وكان أيضًا صيادًا مشهورًا، ومن حين لآخر يجمع الأصدقاء لحفلات صيد كبيرة. تقطع الجياد الطريق الذي تملؤه الدهشة بطريقة تكاد تكون حربية، وكان الفرسان المسلحون من رءوسهم إلى أقدامهم البعض منهم يمتاز بالرشاقة ويجلسون مستقيمين فوق السروج، والبعض الآخر أكبر سنًّا ملتحون وسِمان وضعفاء نوعًا ما، ولكن بوجوه قاسية وحاسمة كأنهم عصابة معتادة الحصول على غنائم. كانوا ينتظرون اكتمال المجموعة، بينما الكلاب تتقابل وتتناوش بعويل ونباح مزعج، بين حوافر الأحصنة، وبمجرد أن يخرج الصياد الأحمر ذو الفخذين القويين والعينين الخضراوين اللامعتين بفرح شجاع وساخر من البوابة المفتوحة على مصراعيها، ثم يمتطي حصانه شبه البري، ذا الأقدام البيضاء، تبدأ المجموعة كلها في الانطلاق ركضًا، مندفعين في الطريق مثل حشد خرج لغزو أرض العدو. تترك خطوات الجياد خلفها أصداءً تستمر طويلًا، حتى عندما يعود الطريق مهجورًا، وتبدو كأنها ضجيج قطار يبتعد. وبينما كوزيما تنفض الغبار عن غطاء فراشها وترفعه، تشعر بسحر أصداء قفزات الجياد في الهواء. وتفكر في مكتشفها الذي خرج بحثًا عن المتوحشين، وتشعر هي أيضًا في جسدها بجنون غابات الأمازون، وشجاعة بطلة جديرة بمغامرات جَسور، ثم يأتي الدور بعد ذلك لإعادة ترتيب الأسِرَّة وتنظيف الحجرات، وكان يكفي لينتشلها من المستنقع الواقعي هذا هو أن تنتظر على الأقل حضور ساعي البريد.
كان رجلًا فظًّا، وهو أيضًا ذو بشرة حمراء وشعر أحمر، وكان عندما يمر بحذائه الضخم يدق على أبواب السكان ويصرخ بقوة: «بريد، بريد»، تستيقظ كل الأصداء حوله، إلى حد أن الكلاب تبدأ في النباح، ويتخذ الهواء لونًا قلقًا. بالنسبة إلى كوزيما يمثل شخصية تكاد تكون أسطورية، جالب الخير والشر، وعندما تستمع من بعيد لصوته تشعر برعشة كأن القدر يسير نحوها. كان هو، في الواقع، من يحضر لها خطابات المجد والحب، الهوان والأمل، وكان يحضر لها الحوالات المالية، والصحف التي كُتب عليها اسمها كما لو كان مكتوبًا على لوحات أبدية. كانت الآن تنتظر أخبار عالم غامض، بعيد، بل أبعد من الحدود البعيدة للعالم الحقيقي، خطابات من المكتشف، الذي أراد أن يضع اسمها على عالمه الجديد هذا. ولكن عبر ساعي البريد، بحقيبته التي تصنع ضوضاءَ خاصة، بحزامها المصنوع من الجلد، كأنها حقيبة صياد، ودق باب تاجر اللحاء بعنف، وأخرج من حقيبته رزمة من الخطابات والصحف، ولا شيء لها، وكان الصوت الأجش لرجل القدر، مبتعدًا، يبدو كأنه يسخر بقسوة منها.
وهكذا مر على كوزيما الموسم الجميل. لم تعد تهتم ولا حتى بأنطونينو. لم تعد تهتم بشيء سوى كتاباتها، التي استنارت بضوء ذلك الحُلم بأن تكتب أجمل الروايات، تلك الرواية الأجمل من كل ما يمكنها كتابته.
وفي أكتوبر كالمعتاد كان وقت حصاد العنب. لا، لم يكُن كالمعتاد، حيث إن أمها بالاتفاق مع أندريا أقامت بيتًا صغيرًا حجريًّا في الكَرْم، أسفل شجرة الصَّنَوْبر التي تسهر وحيدة على المساحة الممتدة، والبرية كلها تقريبًا، كأنها أرض بور، وأعلنت عن رغبتها في الإقامة هناك لبضعة أسابيع.
الكَرْم فقط مع مربعاته الخضراء والصفراء، مع بعض صفوف شجر التين المنخفضة، استطاع أن يمنح بعض الحيوية للوحدة التعسة العذبة لهذا المكان. ترتفع الجبال البعيدة كأنها أسوار زرقاء تحيط بالأفق. كان مستوطن من أوروبا يحصد — في حياة أبي كوزيما — الكَرْم الذي يزرعه، وبستانًا كبيرًا يستمتع بجدول مياه صغير، تتجمع فيه المياه في حوض متسع كأنها بحيرة صغيرة، محاطة بالبوص والقصب والصَّفصاف البري. كان المكان جميلًا، كالواحة في وسط وحشة المساحات غير المزروعة والمليئة بالحجارة التي تشويها الشمس في ليالي الصيف. وها هو ذا الآن المنزل الحجري الصغير يحولها إلى مكان أكثر جمالًا وترحابًا. كان المنزل عبارة عن حجرتين فقط، إحداهما تجاور الأخرى، صغيرًا، وكان حتى تلك اللحظة مسكنًا لذلك المستوطن الوحيد الذي لم يتزحزح قط من المكان، ويزوده أندريا من حين لآخر بالخبز والمأكولات الأخرى، وفي المقابل يعود محملًا بمنتجات البستان إلى المنزل. وفي أغلب الأوقات يعود بالبطاطس والبازلاء والفول والكرنب والقرع الصيفي والكوسة والخس. وأحيانًا يحضر أيضًا الشمام والبِطيخ. وفي موسم العنب يحضر فقط النبيذ، ذلك النبيذ الخفيف، ولكن ذو المذاق الطيب، الذي ساعد كوزيما لتبتاع الطوابع البريدية لترسل مخطوطات رواياتها.
أُرسلت إذن عربة تحمل الأثاث، كما يحدث عند ذَهابهم إلى الجبل، وعرضت كوزيما أن تصحب هي أمها، بينما كان على الأختين، اللتين لم ترغبا حتى في سماع التحدث عن مكان منعزل كهذا، البقاءُ في المنزل تحت رعاية الخادمة المُخلصة.
كان الخادم الذي يصحب العربة سيمكث في الكَرْم، وأندريا أيضًا سيقضي ليلته هناك تأمينًا أكثر للسيدتين. ولكن كان المكان هادئًا، ولم يسمع أحد قط عن أي أحداث سيئة فيه، لم يكُن السهل المفتوح والعاري يسمح بمرور أيٍّ من المتشردين، إلى حد أن المستوطن لم يكُن يملك سلاحًا ولا حتى كلبًا. على كل حال توجد دورية لعساكر على الحصان مُكلفة بأمن الطرق تمر كل يوم بالشارع العمومي الكبير الذي يعبر ذلك النوع من الأراضي البرية.
وعلى الأقدام سارت كوزيما ومعها أمها بطول الطريق العريض، بعد أن عبرتا المنازل الأخيرة للبلدة. كان اليوم صافيًا ودافئًا، وأنعشت بعض الأمطار الحقول، وبدت الأحراش الجافة والعشب حول الكَرْم أخضر قليلًا. كانت الأزهار ما زالت تتفتح، وبعض زهرات الإلدر القَزمة بدأت — حيث الأرض رطبة — تفتح مظلاتها الفِضية المثقوبة. كانت شجرة الصَّنَوبر فوق المنزل الصغير الذي ما زالت تفوح منه رائحة الجير، تطِن كلها بغناء العصافير، وكانت توجد كل أنواع العصافير، وخاصة عصافير الدُّوري، لأن الشجرة هي الملجأ الوحيد لها، وكانت سيمفونيتها الصاخبة تتصاعد فيها أيضًا أصوات معركة، بيد أنها كانت جميعًا متفقة على أن تحفر ثمار التين الموجودة في الكَرْم، وعلى النقر في العنب، على الرغم من خيالات المآتة التي وضعها هنا وهناك المستوطن الماهر. بالإضافة إلى أنه بدوره كان له هيئة خيال المآتة، طويلًا ورفيعًا، بطيء الحركة، بقدمين ضخمتين حافيتين تملؤها العقد، وبنطاله القديم المتهالك ملفوف حتى ركبتيه الحمراوين، وهكذا أيضًا رفع كُميه على ذراعيه اللتين إذا عصر قبضتيه بدت كأنهما هراوتين. كان مظهره يجعله يبدو كبحار مسن، أكثر من كونه فلاحًا، كان يبدو ﻛ «ثعلب بحر»، بسبب وجهه المحروق كالخزف، وشعره الأشعث بلون الملح الذي يبدو كأن الرياح أطاحت به، وأيضًا بسبب عينيه الصغيرتين الضيقتين اللتين لا يُرى فيهما سوى الحدقتين الخضراوين.
عندما وصلت السيدتان، ساعد الخادم على إنزال الأشياء من العربة، ولم يكُن يجيب عن أسئلة ومزاح الخادم الآخر، كان يبدو كأنه أصم، بل وأعقد أيضًا، لأنه كان يحيي فقط بإيماءة من رأسه، ولم يكُن يفتح فمه الطويل والرفيع الذي تقريبًا لا يُرى.
وفي المقابل كان الخادم يتحدث كثيرًا، كان شابًّا قمحيًّا عيناه واسعتان وأسنانه كبيرة، وكان يعيد وضع حزامه كل حين وآخر، ويضحك بلا سبب. كان وجوده يشيع الفرح، يعجب الآنسة بعض الشيء، كانت تجده على الأقل من جنسها، فلاحًا نقيًّا، ابن الأرض نفسها، بينما المستوطن — بسبب الاسم نفسه الذي كان قد خصصه له سيده القديم — يمثل بالنسبة إليها الغريب، عامل قادم من أراضيَ بعيدة، من أصول مجهولة، شبه غامضة. في الواقع لم يعرف أحد قط من أين أتى، أيضًا لأنه بعد أن انتهى وقت مراقبة الشرطة له، عُهد إليه بخدمة السيد أنطونيو، وحُبس هناك في ذلك الكَرْم المنعزل، ولم يهتم أحد قط أن يسأله، ولا حتى أندريا الذي كان بالنسبة إليه كغراب النبي إيليا، فهو من اعتاد أن يحضر له الخبز. وبالفعل كان الرجل يُدعى إيليا.
وبعد أن وضعا في الحجرتين الفراشين والمائدتين وبعض المقاعد، وشماعة وبعض أدوات المطبخ في أماكنها، ذهب الرجلان ليعملا، وليقطعا الأعشاب الضارة من الكروم، حتى ينضج العنب. بدأ الخادم الشاب في الغناء، وتاه صوته الرنان، ولكن الرتيب، كأنه في فراغ كنيسة مهجورة.
عندئذٍ بدأت كوزيما — كما كانت قد فعلت من قبل على الجبل — في إعادة ترتيب وتجميل ما أطلقت عليه الفيلا، لتضع ابتسامة على شفتَي والدتها. لم تكُن الأم تبتسم، وكالعادة كانت صامتة ومنغلقة في قلقها السري، ولكن تلألأت عيناها قليلًا، وساعد المجهود الذي كرسته لتحضير بعض الطعام في مِدفأة الغرفة الصغيرة الأولى والمُجهزة بمطبخ وغرفة طعام واستقبال، على صرف انتباهها.
كان يمكنها الاستفادة من غرفة المستوطن للاستخدامات العادية، حيث توجد مِدفأة قديمة وكبيرة تشتعل جيدًا جدًّا، ولكن كانت السيدة تنوي احترام المميزات القديمة للموظف، الذي بعمله بمفرده بنى ذلك الملجأ لنفسه عندما تولى خدمة الكَرْم، وفيه كان يضع أسماله البالية وفراشه.
وأما كوزيما فهي تشتم رائحة الوحشية، ولم تكُن حتى ترغب في النظر إلى الداخل إذا لم يكُن المسن قد استرعى انتباهها الفضوليَّ والمتقدَ لشخصٍ مثلِها يلاحظ الأشياء الخارجة عن المألوف، بسبب غموض ماضيه وما يبدو عليه من مظهر. ربما استطاعت اكتشافه، أن تجعله وديعًا وأن يثق بها، ليحكي لها بعض الأشياء المثيرة للاهتمام، بلون مختلف عن اللون المحلي، شيء ما تضعه على الورق وتحوله إلى مادة فنية.
إذن، بمجرد أن نُظم المسكن، ذهبت إلى الكَرْم، حيث يعمل الرجلان، وأخذت تستمع إلى حوارات الخادم الفلاح، نظرًا إلى أن الآخر يحفظ صمته المطلق والهادئ.
كان الشاب يقول: أتمنى أن يتغير مزاجك السيئ إلى مزاج حسن خلال أسبوع، عندما تأتي الصبايا للحصاد. ستأتي اثنتان من بنات عمي، ولكن عليك أن تكتفي بالنظر إليهما من بعيد وألا تلمسهما، ولا حتى بقصبة، أما الأخريات، اللاتي ستختارهن السيدة على ذوقها، سأتركهن لك بكل حرية، أيها الخنزير المسن.
كان يبدو أن الخنزير المسن لم يكُن يسمعه، فقط عند الإشارة لامرأة، أرملة عجوز — قيل إنها في فترةٍ ما كانت على علاقة بالمنفي — اتسعت عيناه قليلًا، واهتزت حزمة أوراق العنب التي يمسك بها في يده، ولكنه لم يفتح فاه، ولم يلتفت لينظر إلى كوزيما التي وصلت إلى وسط الصف وأخذت تراقبه في صمت. ولم تكُن أيضًا محاولات التودد الأخرى في أثناء اليوم الأول أتت بثمارها، على الرغم من وجبة، غير عادية بالتأكيد بالنسبة إلى الرجلين، أعدتها السيدة وقدمتها لهما، ولكنها هي أيضًا لم تحاول أن تبدأ أي حوار مع الشيخ الصامت.
كان يجيب بنعم ولا عن أسئلتها الخاصة بالبستان وبالكَرْم، وعندما يراها ينهض وينحني في نوع من إيماءات الاحترام، المبالغ فيها، ولكن لا شيء سوى هذا.
قال الخادم، عندما لم يكُن في إمكان الآخر سماعه: إنه أحمق، ولكنه أيضًا خبيث، ويعرف الكثير.
وحكى عن الأرملة، التي في فترة ما تذهب لتزوره في الكَرْم، وأشار إلى ماضيه الطويل. يبدو أنه حاول سرقة أحد أقاربه الأغنياء جدًّا، الذي يعمل في أراضيه، وعلى الرغم من أن قريبه قد سوى الخلاف، فقد تمت إدانة إيليا. ثم انتشرت الإشاعة، أن هذا القريب قد أصبح موظفًا في مصرف، أو أن مصرفًا ما قد تعرض للسرقة، بعد تخدير حارسه، وأن إيليا كان فردًا من أفراد العصابة.
قالت السيدة: إذا كان الأمر كذلك، فلِمَ عيَّنه زوجي في خدمته؟
قال الخادم: أوه، كان السيد أنطونيو طيبًا، بل قديسًا، لم يعد يُولد أمثاله قط.
وفي فترة ما بعد الظهر حضر أندريا على الحصان. ومن بين الأشياء التي أحضرها أحضر أيضًا صحيفة وخطابًا لكوزيما. خطابًا! أخذته، كما كانت تفعل دائمًا، وهي ترتعش: كان يبدو لها في كل مرة أنها تمسك بين يديها بعصفور على وشك الطيران، العصفور الأسطوري للحظ وللسعادة. ولكن كان خطاب دعوة بسيطًا لترسل كتبها إلى صحيفة صغيرة، وعدت بأن تتحدث عنها لقرائها. وتركت الخطاب، كمن يترك طائرًا صغيرًا لا يفيد في شيء.
وذهبت كوزيما لتسير في طريق الأرض البور، حيث يمكنها أن تسير حيثما تريد، لأنه لا توجد خطورة في أن تضل طريقها، ومن الكَرْم يمكنهم مراقبتها بنظرة واحدة. يبدو العشب باللون الوردي، كل بذرة وكل زهرة صغيرة، كل توتة، لها عين ذهبية تجيب عن نظرتها. أما الجبال البعيدة بلون مياه البحر، فقد تبخرت في السماء التي تلونت بالبرتقالي والأخضر والأحمر، تغير رويدًا رويدًا من درجة اللون. طارت دُعسوقة من بين الأحراش لتقف فوق ثوب كوزيما، كأنها تقفز لجزء أعلى من الشجيرات. وأخذت تتحرك ببطء إلى أسفل حتى وصلت إلى ذراعها ثم إلى يدها. كانت مخلوقًا رائعًا وبشعًا تقريبًا في الوقت نفسه. فعلى ظهرها الصغير المُسطح ذي اللون الأحمر القاني مرسوم بالأسود وجه إنساني كامل، بعينين، وأنف وفم، كل شيء مُعْوَجٌّ قليلًا كأنه قناع ياباني، وبدا لكوزيما أن تلك العينين تنظران إليها. وعندما وصلت إلى أقصى الإصبع الأوسط، وفوق الظفر الوردي بانعكاس الغروب، فتحت حشرة الدعسوقة جناحيها الصغيرين الملونين وطارت بعيدًا. تمنت كوزيما تقليدها، ولكن قدميها مُقيدتان في الأرض، وعليها أن تسير إلى أقصى جزء في العالم لتتمكن من أن تلقي بنفسها بهذه الطريقة. وعندما اختفت الشمس، بدت دهشة طفولية في فرض سحرها على كل شيء، تحولت السماء للون المياه الشفاف، وانعكست فيه النجمة التي ظهرت في الأفق كأنها تنعكس في البحر.
لم تشعر كوزيما قط، حتى على حافة الغابة وصخور الكنيسة الجبلية أمام لحظات الغروب التي راقبتها من أعلى، بأنها بداخل سحر كهذا، كأنه يلفها وسط تلك الأرض البور، حيث لا ينظر إليها سوى الله. وبدلًا من أن تشعر بأنها صغيرة، وعلى الرغم من عدم قدرتها على الطيران، بدا لها أنها مرتفعة، مرتفعة إلى حد أنها تكاد تلمس نجمة المساء، غير أنها في تلك اللحظة نسيت كل طموحها، وكل أحلامها الفانية، وانتظارها لمغامرات رائعة. كانت الحياة رائعة هكذا، بين تلك النباتات البرية، بين الأشياء التي خلقها الله لتُفرح قلب الأقرب منه مثل قلب طفل أو مثل قلب الأم، ووجدت هي نفسها أمام الرؤية الأولى في حياتها، فقد شعرت بنفسها فوق سُلم يرتفع إلى أعلى، فوق سُلم يعقوب الذي لا بد أن يكون حياتها. وهكذا، من اللا شيء، فقط لأنها ترى نجمة المساء تلمع فوق الجبال ليست أقل ولا أكثر روعة من حشرة الدُّعسوق، ومن الأعشاب البرية، جميعها تُعطِّر طريقها. قررت ألا تنتظر بعد اليوم أن يأتيها شيء من الخارج، من ذلك العالم الهائج للرجال، ولكن أن ينبع كل شيء منها، من غموض حياتها الداخلية.
وهكذا، انتهى انتظارها لأخبارٍ من المكتشف، وهو أيضًا، من جهته، توقف عن الكتابة.
بيد أن شيئًا حدث لها بدا غير عادي، أمر تجاوز كل الأحداث التي وقعت حتى تلك اللحظة، والتي بالنسبة إليها تبدو، حتى وإن لم تكُن هكذا في الحقيقة، غير عادية. كانت قد مرت ثلاثة أيام على وجودهما في الكَرْم، وكانت الأيام الثلاثة جميعها متشابهة، صافية وهادئة. عادت للكتابة على المائدة الصغيرة في غرفة النوم، أمام النافذة الصغيرة التي خلفها تطِن الدبابير، ولكنها لم تتمكن من الدخول. لم تتمكن، حتى تلك اللحظة، من التحاور مع إيليا، الذي يبدو كأنه رجل آلي. كان إيليا ينحني، وينهض، ويعمل، دون أن يحرك عضلة واحدة في وجهه، ولم يكُن يوجد حتى لسان في فمه، كما يقول الخادم الذي كان يثرثر بما يكفي لكليهما، ولكن ليقول عبارات، وأمثالًا، وأغنيات، ولغوًا، كلها أشياء لا تثير اهتمام كوزيما.
بيد أن يدَي إيليا بهما حساسية غريبة، وكانت تراقبهما عندما لا يدرك هو ذلك: كانت يداه داكنتين ومليئتين بالعقد، يغطيهما الشعر، ولكنهما صغيرتان بالنسبة إلى حجم رجل طويل القامة ويستخدمهما لعمل شاق، كانتا أحيانًا تُعقَفان مثل المخالب، وأحيانًا تُفتحان وتكادان أن تكونا ناعمتين ولينتين. بهاتين اليدين يمكنه أيضًا أن يُنجز أي عمل يُطلب منه أو أي عمل ضروري. في الواقع يَخِيط ملابسه بنفسه، يغسل، ويصنع أحذيته، نظاراته، أدوات العمل، وكان يُعِد مُربى الطماطم، ويجفف التين. يصنع من طمي معين استطاع استخراجه من المستنقع الأواني والمراجل، ويعمل أيضًا حدادًا ونجارًا. تبدو حجرته الصغيرة كأنها متحف آثار، بمجموعة من الحجارة التي عثر عليها في المستنقع والتي تبدو كالسلاحف، والصدف، والعظام المتحجرة. يلتزم الصمت، ويجيب فقط بنعم ولا عن أسئلة صاحبة الأرض، وهي أيضًا بدورها تُخرج الكلمات بشك مريب، كأنها تُخرج الجواهر من صندوق المجوهرات.
لذلك كانت دهشة كوزيما كبيرة — في اليوم الثالث عند عودتها من تمشيتها المعتادة — عندما سمعت الاثنين الصامتين يتحدثان فيما بينهما. كانا في الحجرة الأولى، وكانت الأم تطهو شيئًا ما على الموقد. كان الباب مفتوحًا، ولم يدركا وجود كوزيما التي كانت تقف في الخارج تستمع. كان الحوار بسيطًا، ولكن كانت النبرة حميمية في صوت الاثنين، حزينة من جهة صاحبة العمل، ومواسية من جهة الخادم، مما أدهش الفتاة. لم تتحدث أمها قط بهذه الطريقة، إلا أنها تشكو من حالها هي بالتحديد. تقول: تأخر أندريا الليلة، أرجو ألا يكون قد حدث شيء ما هناك، أشعر دائمًا بالخوف. وأيضًا تلك المجنونة التي تتجول في الريف كالماعز.
أجابها الرجل بصوت خشن وعذب، ولكنه أيضًا موسيقي، حتى إن السيدة الصغيرة لم تعرفه: لا تقلقي سيادتك، فإيبوليتو ذهب ليجمع الحطب لإشعال النار، وسيراقبها. لم يحدث شيء قط في هذه الأنحاء، فماذا يمكن أن يحدث لها؟ إنها عاقلة، ولا يوجد خطر من أن تكون قد ذهبت للقاء عاشقها.
أصرت الأم: لا أحد يمكنه أن يعرف (فكرت كوزيما في نفسها أن لديهم شكوكهم حول هذا الأمر)، إن الفتيات جميعهن ساذجات، ثم إن هذه، على وجه الخصوص، لديها أفكار معينة في ذهنها، مع كل ذلك الذي تكتبه والكتب السيئة، وتلك الخطابات التي تتلقاها. ألم يأتِ أيضًا لزيارتها رجل ضخم لونه أحمر كالذئاب؟ ألم يأتِ من مكان بعيد، ثم كتب عنها في الصحف؟ الناس تتحدث. لن تستطيع كوزيما أبدًا أن تتزوج زواجًا مسيحيًّا، وسيؤثر ذلك على أختيها أيضًا، لأن الأمر في العائلات يتوقف على زيجة الأخت الكبرى. أضافت الأم بنبرة أكثر حزنًا: كما يوجد أيضًا أخواها اللذان لا يدعمان موقفها كثيرًا. آه، أنت تعلم الموقف جيدًا يا إيليا.
كان هو يعرف، غير أنه كان يثق ثقة عمياء ومرتبطًا بشدة بالسيد الصغير أندريا، حتى إن صوته ارتعش، كأنه يبكي، وهو يتحدث عنه.
– لا يا سيدتي، لا تشتكي كثيرًا من السيد الصغير أندريا، فأنا يمكنني القول إنه طيب، تمامًا كما كان السيد أنطونيو، إنه فقط كريم أكثر مما يجب، وصديق أكثر مما يجب أيضًا لأصدقاء سيئين، ولكن فيما عدا ذلك فهو يهتم بالأعمال، ويحب إخوته محبة خاصة.
– يهتم بالأعمال؟ بالطبع، ولكن ليحصد هو تقريبًا كل الدخل، ويقامر، ويعاشر العاهرات. هل تسمي هذا طيبة؟ هل تسمي هذا محبة عائلية؟ إن أندريا يترك لنا بالكاد ما يكفي لندفع للخدم والضرائب. أنا لا أنام، يومًا ما سيأتي جابي الضرائب ويأخذ كل ما نملكه. أراه في أحلامي، وأخاف منه كما أخاف من الشيطان. آه يا إيليا، وكل هذا لأن ابنيَّ قد ضلا عن طريق الرب.
– لا يا إيليا، ليس لدي أمل في هذا. ولكن ماذا يمكننا أن نفعل؟ إننا سيدات وحيدات مسكينات، ومع هذا العقاب القاسي الواقع على سانتوس، لا بد لنا أن نستند إلى أندريا. أحيانًا كثيرة أفكر في أن أقسم الميراث، وأعطي لكل ولد نصيبه، لكن سيكون الأمر أسوأ، لأن البائس سانتوس سيصيبه الدمار خلال بضعة أشهر، وأيضًا سيدك الصغير أندريا، سيقامر بنصيبه. ثم إنني أحب ابنيَّ جدًّا، أحبهما أكثر من المعتاد، وكلما ازداد بؤسهما ازداد حبي لهما، وعطفي عليهما. ولكن كوزيما تلك! إنها أكثر من يؤلمني.
– سترين أنها ستكون أكثر من يمنحكِ ويفرحكِ.
ولكن الأم، وبينما كانت تقلب البطاطس التي بدأت تَحْمَرُّ ببطء، وتبعث برائحتها الشهية، استمرت في التنهد.
– ليس هذا ما في الأمر يا إيليا، لست بحاجة إلى من يفرحني، فطريقي قد انتهى، ولا يوجد شيء مهم عندي سوى مصلحة أبنائي. ولكنهم لا يتبعون الطريق الصحيح، ذلك الذي تبعناه أنا وأبوهم، ليبارك الله نفسه. سيكون الذنب ذنبي، فأنا امرأة بلا قوة ولا إرادة، ولكن هم لا بد أن يفهموا هذا. وإذا كنت أتحدث معك هذا المساء يا إيليا، فلأنني أعرف أنك الوحيد الذي سيتعاطف معي.
صاح: آه يا سيدتي! وتردد في صوته تعاطف صادق، يملؤه الدهشة والعرفان. ربما لم يتحدث معه أحد، منذ وقت طويل، بهذه الطريقة. وربما فهم ما أرادت أن تقوله له سيدته، أي أنه هو أيضًا قد أخطأ وعانى، ولكنه عاد مرة أخرى إلى الطريق القويم. لأنه أضاف: إن طرق الرب كثيرة، وهو يساعد دائمًا الأشخاص الطيبين.
– أنت إذن مؤمن؟ أنا، أحيانًا، أشعر بأنني لم أعد أُومِن.
– لا أعرف، فأنا لم أذهب إلى القداس منذ أكثر من عشرين عامًا. لا أعرف، لا أعرف. ولكنني أعرف أننا إذا تمسكنا بالصلاح والصبر سنربح دائمًا. ولذلك تشجعي يا سيدتي.
صمتا لحظةً، وكان يُسمع صوت القلي فوق الطاسة الموضوعة على النار. كانت تخرج من تلك الغرفة الصغيرة المنعزلة رائحة أناس متواضعين، ولكن مستسلمين. كانت شجرة الصَّنَوبر ما زالت تتذبذب بحفيف وطنين، وأنين غامض، ومن الطريق، وصل صوت خطوة حصان: كان أندريا. كانت كوزيما تشعر بأنها ترغب في أن تستند إلى الجدار وتبكي، في تلك اللحظة كانت ستتخلى عن كل أحلامها، رغبةً منها في مواساة أمها، وفكرت في أنه على الأقل يمكنها أن تمنحها الاطمئنان في أنه ما زال يوجد أمل في العثور على زيجة صالحة بينها وبين شاب ماهر من شبان المنطقة، واستعرضت في ذهنها كل أصحاب الأملاك وأصحاب المهن المحترمة، والموظفين الذين تعرفهم، ولكنهم كانوا جميعًا مُشبعين بالأحكام المسبقة بأنها لا يمكن، بشغفها ذلك بالكتب، أن تصبح زوجة صالحة. ومن الناحية الأخرى لم تكُن هي ترغب في أن تحقر نفسها مع أحد. وفي تلك اللحظة جاءتها فكرة أن تنتقل، أن تخرج من ذلك المحيط الضيق للمدينة الصغيرة، وأن تذهب بحثًا عن حظها. لتطيِّب خاطر والدتها.