الفصل الثامن
بيد أنها استمرت في الكتابة، أمام النافذة الصغيرة التي تطِن خلفها الدبابير. ولكنها كانت مضطربة بسبب كلمات أمها، ولأنها لم تكُن تجد موضوعًا جديدًا لقصصها. بدت الحياة لها مسطحة، بلا لون، على الرغم من دراما الشكوك والمخاوف والحزن التي ما زالت تتحرك بداخلها. بدا لها أنها عجوز بالفعل، لديها خبرات كثيرة، وورْد الأمل قد ذبل بالفعل بين أصابعها. كانت تفكر في أن ذلك بتأثير الحزن وفقر المكان وبسبب حياتها نفسها، وتشعر بالرغبة الشديدة في إمكانية العثور مرة أخرى على فرصة تسمح لها بالتطلع على حيوات الآخرين، المليئة بالألوان والمآسي، بالأمجاد والإنسانية المتواضعة والعظيمة في الوقت ذاته، كما في الدائرة السوداء لمعصرة الزيتون. لم تعد تعتمد على إيليا، ولا حتى على حركة الحصاد القريبة التي فيها عرَفت بالفعل ألوانًا شاعرية، وسكبتها بالفعل أيضًا في بعض من قصصها القصيرة.
بيد أن حادثًا صغيرًا وقع، بينما كانت النساء اللاتي أتين بالفعل للعمل، يدفعهن ويقرصهن إيبوليتو، يجمعن العنب ويضعنه في سلال لها مقبضان، ثم تنقله اثنتان منهن، وهما تهدهدانه كمهد ثم تسكبان الثمار في عربة مخصصة لهذا، مبطنة بالقش، وبمجرد أن تُملأ تؤخذ إلى المدينة لتحويلها إلى نبيذ. إحدى هؤلاء السيدات أحضرت معها طفلًا، كان يتسلى ويلعب بين صفوف الكروم لفترة، ثم اختفى، وارتفع فجأة صوت البكاء والصُّراخ. انطلق الجميع بحثًا عنه، بصرخات النداء والفزع، فقط إيليا لم يفتح فمه، ولكنه ذهب مباشرةً إلى حوض المياه، ألقى بنفسه فيه، بملابسه، أخرج منه الطفل الذي كان يرتعش وتتساقط منه المياه كأنه خرقة مبللة.
لحظة سريعة من الخوف، ولكن في المساء أصيب المسن ببعض الحمى، وكان أكثر جمودًا من المعتاد، غير أنه في الفجر عاد مرة أخرى للعمل في الكَرْم، وبمجرد أن انتهى الحصاد وذهبت النساء، وأعلنت السيدة أيضًا أنها ترغب في العودة إلى المنزل لتشرف على عصر العنب، حتى سقط إيليا فجأة على فراشه، وبدا كجثة هامدة. لم يكُن في الإمكان تركه بهذا الحال بمفرده، بل فكروا في استدعاء الطبيب، وإذا ساءت حالته يأخذونه إلى البلدة. بدا أن ذلك الاهتمام أعاد له حياته وحيويته. قدمت له كوزيما فنجانًا من القهوة، وأجلسته في مرقده، وأعادت تنظيم غرفته الصغيرة. ومن حين لآخر تنظر إليه نظرة رحيمة، دون أن تبدي أي نفور من ذلك الجسد الطويل المغطى بملابس رثة سيئة الرائحة كأنها لمتسول، وقدميه الكبيرتين العاريتين المتسختين، والمليئتين بقطع من الأعشاب المسننة والأشواك، وبدتا كأنه سار عبر أراضٍ لا نهاية لها قبل أن يصل إلى ملجئه المريح هذا. كان مغمض العينين، ولكن فتحهما مرة واحدة، وكانتا محمومتين تلمعان، ونظر إليها كأنه كلب مريض. نظرة فقط، ولكن كوزيما رأت فيها لمعة غامضة في عمق حدقتيه اللتين لم تكونا تنتميان إلى إيليا القاسي والبارد، ولكنه رجل بائس، يخاف أن يموت وحده، متروكًا، كأنه كلب مسن. اقتربت منه وقالت: هل تسمعني؟ يمكننا أن نستدعي الطبيب، أو أن نأخذك معنا إلى المنزل.
بيد أنه أشار بلا، لا. على الرغم من كونه وحيدًا ومريضًا فإنه لم يرغب في الطبيب، ولم يكُن يريد أن ينتقل من كهفه، ولكن أصبحت عيناه صافيتين، مليئتين بالوداعة، وابتسم ابتسامة طفولية.
قال: اذهبا، اذهبا إلى المنزل يا آنستي، سيادتك وسيدتي، لا بد من عصر العنب ووضعه في الأجران.
قالت كوزيما في محاولة للمزاح: إيه! نحن لا نعصره بأقدامنا. ثم إن أندريا أيضًا موجود، وسيهتم بالأمر، لا تقلق على ذلك. بل الطقس تغير، وربما تُمطر. لا نريد أن نتركك في هذه الحالة يا عم إيليا.
في أثناء الليل هبت عاصفة قوية، وضرب البرد المنزل الصغير بقوة، وأخذت شجرة الصَّنَوبر تصرخ كالوحش. خلف المصاريع المُثبتة بطريقة سيئة، كان يبدو كأن زجاج النوافذ سينفجر ويتبعثر في جزئيات ذهبية وأرجوانية بزئير مخيف. بروق ورعود. لم تتمكن كوزيما من إخفاء خوفها، وكانت الأم ترتعد كفرع شجرة يعصف به الريح. عادت إلى ذهن المرأتين قصص مرعبة عن لصوص وقطَّاع طرق، يندفعون كالشياطين من العواصف، في ليالٍ مشابهة، ويهاجمون المساكن المنعزلة. وكون الخادم وأندريا معهما في المكان، لم يطمئنهما. كانت الرياح تصرخ وتبكي في السهل كأنهم في البحر، وبدا فقط أن شجرة الصنوبر هي من يمكنها مكافحة الإعصار مثل بطل شجاع يقف أمام جيش بأكمله.
وعلى فرشته تذكر إيليا، وحرارته مرتفعة، كيف أن السيد أنطونيو استقبله بتَرحاب عندما تقدم إليه بحثًا عن عمل، بينما لم يرغب أحد من ملاك الأراضي الآخرين المتشككين في المنطقة بقبول عرضه. وعهد إليه صاحب العمل بالكَرْم الجديد، والبستان، والأرض التي حولهما. الآن أصبح الشيخ يحب تلك الأرض بقوة شديدة، كانت قد أصبحت وطنه الجديد وعائلته، وكان مجرد التفكير في أن السادة الشبان كانوا سيرسلونه بعيدًا كحيوان مسن لم يعد يمكنه العمل، يملؤه بالحزن، ليس من أجل المستقبل الفقير، ولكن بسبب حبه لتلك الأرض التي تمثل الآن جزءًا من لحمه ودمه.
ولكن ها هم أولاء السيدة والآنسة، وأندريا نفسه، الثلاثة يظهرون له كرمهم، إلى حد أنهم مكثوا بجواره في تلك الليلة العاصفة بينما كان يمكنهم أن يعودوا بالفعل إلى منزلهم المريح. لا يمكن أن يطردوه، كان يشعر بذلك، شعر به في صوت كوزيما، ويبدو له أن هذا الصوت هو الدواء الوحيد الذي يمكنه أن يشفيه. وكانت ثقته بأنه في يوم ما سيتمكن من أن يُظهر لهم امتنانه، تتسبب في تخفيف آلامه.
في الفجر، هدأ الجو، فجأة، في أعقاب صوت رعد رائع بدا كأنه أمر عسكري: لا بد للمعركة أن تتوقف. فقط شجرة الصنوبر استمرت في أنينها الخافت، المتأمل تقريبًا. كانت كوزيما تسمعه في النوم الخفيف في الصباح، وبدا لها كأن شجرة الصنوبر تهمس: لمَ كل هذا؟ نحارب ونعاني ونتعذب للا شيء، إن قوة الريح باطلة، كل شيء باطل وفارغ، بيد أن علينا أن نصارع لأنها إرادة الله.
ثم صمتت الشجرة أيضًا، ولكن عندما فتحت كوزيما النافذة الصغيرة، رأت منظرًا لا يُنسى: مئات العصافير تتطاير فوق الأفرع التي تضربها الشمس، وبدت كأنها من الذهب والفضة، كانت كل ضربة أجنحة تُسقط نقاطًا تشبه الومضات، وكل طرف من أطراف الأوراق كانت تغطيه لؤلؤة بألوان قوس قزح. كانت تبدو كأنها شجرة مسحورة، مصنوعة من الطيور، والمَرجان، والزمرد، والألماس. وكان بالتأكيد يومًا معجزًا ذلك اليوم. فقد تغير كل شيء في الكَرْم على الرغم من فراغه، حتى من المستنقع، كان كل شيء يتلألأ ويبتسم. مر الرب بحشد من الرعد والبرق، ولكنه عندما وجد أناسًا طيبين، عاد لطبيعته الأبوية من جديد.
رحل أندريا من جديد في الصباح الباكر، مع الوعد بالعودة بعد الظهر وقضاء الليلة في المنزل الصغير ليعتني بالمريض، بينما ستعود الأم وكوزيما مع الخادم إلى المنزل، أخذت كوزيما القهوة لإيليا، الذي جلس على فرشته وأخذ الفنجان بين يديه المرتعشتين.
سألته الآنسة: ماذا بك؟ هل تشعر بالبرد. هذه علامة جيدة، معناها أن الحمى بدأت في الذَّهاب، دعني أجُسَّك.
ولمست أذنه اليمنى الكبيرة، القاتمة والقاسية، كأنها جدار كهف. وعندما لمسته يدها الصغيرة ارتعد هو كأن شيئًا دغدغه، وبدا على عينيه من جديد لمعان الكلب الذي ربَّت عليه أحدهم.
– أنت الآن في نضارة الزهرة يا عم إيليا، ستعيش مائة عام أخرى، عندما ستكون ذكرانا قد اندثرت.
كان يحتسي القهوة، سكب في الفنجان القهوة التي تساقطت على الطبق، وأخذ يُخرج السكر ليأكله كما يفعل الأطفال. ولكنه حتى بعد ذلك مكث بوجهه منحنيًا، وهو ينظر إلى قاع الفنجان كأنه يرى بعض الصور.
سأل بصوت منخفض: أين السيدة؟
وشعرت كوزيما بأنه يرغب في أن يفصح لها عن شيء لكن بعيدًا عن خطر أن يسمعه آخرون.
كانت السيدة مشغولة في الحجرة الملاصقة وقال هو: لا بد أن الفزع قد أصابها هذه الليلة، سيدتي المسكينة وحضرتك أيضًا. كل هذا بسببي.
– لا يا عم إيليا، بل على العكس لقد استمتعت، فلم أرَ هيجانًا كهذا من قبل، وفي وسط الريف أيضًا. آه، أنا عادةً لا أخاف، إذا سمعت صوتًا في المنزل في الليل، أنهض وأنزل إلى المخزن لأكتشف ما إذا كان هناك لصوص، الآن حاول أن ترقد مرة أخرى واهدأ، سأغطيك، لأن الجو بارد بعض الشيء اليوم.
عاد ليرقد، ولكنه كان يبدو أقل هدوءًا وقسوةً من الأيام السابقة، أيضًا لأنه كان يشعر بتحسن. كان يرغب في أن ينهض وأن يعود للعمل، ولكن إيبوليتو، الذي كان يحبه بطريقته، هدده بأنه سيمنعه من الحركة.
وقدمت له الآنسة الحَساء، مع بيضة مضروبة بداخله، بالإضافة إلى كأس من النبيذ، غير أنه لم يمس الكأس، وتركه ومعه دبور يطن حوله مسحورًا.
كانت الشمس ساخنة، ومن النافذة يظهر الأفق، مع الجبال البعيدة الملونة بأزرق سائل كلون المياه، وساد هدوء عميق المكان كله، ومن المستنقع هلت رائحة العشب الرطب كأنها ظهيرة يوم من أيام الربيع. كان الخادم يعمل في البستان، وذهبت السيدة حتى الحوض المائي لتغسل الملابس. فكرت كوزيما أن تلحق بها، وتتوسل إليها أن تتوقف وأن تأخذ الملابس المتسخة إلى البلدة، وفي أثناء مرورها أمام نافذة إيليا، نظرت إلى الداخل، ووجدت الشيخ جالسًا على فرشته، وأشار لها أن تدخل. دخلت، وأدركت أنه احتسى النبيذ، ورأت وجهه وقد تلون قليلًا، وعينيه الناعستين مفتوحتين جيدًا.
عاد من جديد ليسأل: أين السيدة؟
عندما عرف أنها تغسل الملابس، بدا عليه الضيق.
– لذلك إذن أتت لتأخذ قميصي، وها هي ذي تغسله بنفسها. هذا ليس أمرًا جيدًا.
– لا بل إنه أمر جيد أيها العم إيليا، فأمي تتسلى، لا يمكنها أن تمكث لحظة واحدة بلا عمل، أمي المسكينة.
– سيدتي المسكينة، بكل ما لديها من هموم — قال وهو يحني رأسه كما فعل في ذلك الصباح، وبدا كأنه يفكر في شيء.
قالت كوزيما، تقريبًا لتطمئنه: إن أمي تبالغ، ترى دائمًا الجانب الأسود. إن العناية الإلهية لن تتركنا أبدًا.
– أتؤمنين بالعناية الإلهية؟
– أنا، نعم، بالتأكيد!
عندئذٍ حدث شيء غريب، نهض، بطوله وقدميه الضخمتين العاريتين اللتين كانتا تبدوان كأصل جذعَي شجر، وذهب ليغلق النافذة المفتوحة، وقال: تلك الدبابير! ابتعدي، ابتعدي. استمعي إليَّ، أنا أرغب في أن أطلعك على شيء، ولكن يجب ألا تطلعي عليه أي شخص آخر، هل تعدينني؟ لا أحد، لا أحد قط.
وقفت متشككة، ثم، بدافع من الفضول أكثر من أي شيء آخر، قالت: أعدك.
وكان هذا كل شيء.
اقترب المسن من المِدفأة، وانحنى، أبعد الرماد وبعض الأخشاب المحترقة، وجمعها في زاوية بواسطة مكنسة صغيرة، ثم بالمكنسة نفسها رفع الحجر المركزي، وظهر أسفل الحجر لوح حديدي، شيء يبدو كنافذة صغيرة، مغلقة بقُفل، وأخرج من صدره مفتاحًا صغيرًا معلقًا في صدره بسلسلة سوداء، وفتح ذلك القُفل، فارتفع اللوح بخبطتين صغيرتين، ومد هو يده إلى العمق في الداخل، وبدا كأنه يفك جوالًا ما، أو حُزمة ما، كانت في ذلك العمق، وأخرج قبضة مليئة بالنقود. ونظر إليها، في قبضة يده، كمن ينظر إلى البذور ليتأكد من أنها جيدة، ثم أطلع عليها كوزيما. ذكَّرت يدُه المقببة الطفلةَ بالمغرفة التي يرفع بها الشيطان من آنية الكنوز الملعونة النقود التي جربت النفوس، تراجعت خطوة، تقريبًا مرتعبة، ونظرت إلى الشيخ.
وبالفعل كان ذلك الوجه الداكن، والعينان اللتان تبدوان كحفرتين فيهما مياه خضراء معتمة، وذلك الفم المغلق، والمُكمم، كان به شيء ما شيطاني. ومرت أكثر الأفكار السيئة والمرعبة في ذهن كوزيما، وشعرت بالخوف، ونظرت إلى الباب الصغير. كان الباب مفتوحًا، وكان يمكنها أن تقفز على الفور إذا حاول المسن أن يؤذيها. لا بد وأنه شعر بهذا كله لأن وجهه غيَّر القناع وتحوَّل إلى الحزن. لم تكُن كوزيما قد رأت قط وجهًا يحزن بنبل، متجهمًا وقاسيًا.
قال لها: إنها جيدة. وهو يرفع بأصابع يده الأخرى النقود ويتركها لتسقط مرة أخرى في قبضته.
كانت كوزيما تراها جيدة، تبدو النقود جديدة، بعض منها عليه الوجه الحزين والجشع لنابليون الثالث، وأخرى عليها صورة الديك المغطى بالريش للجمهورية الفرنسية. كانت نقودًا ذهبية، جديدة، حديثة، يمكن للمرء صرفها، بالتأكيد، إذا أراد، بلا أي صعوبة. ولكنها لم تلمسها، وكانت الفكرة وحدها، بأن إيليا يقدمها لها، سواء بدافع من الكرم أو الحب، تخيفها، لأنها تتذكر الإشاعات الغامضة المنتشرة حوله، وكانت متأكدة أن ذلك الكَنز مصدره سرقة ما.
ولكنه أغلق قبضته، وعاد لينحني على فراغ المِدفأة، وأعاد كل شيء إلى مكانه، أعاد فتح النافذة الصغيرة، وذهب ليجلس في فراشه، وأحنى رأسه مهمومًا.
عاد الدبور الذي طرده ليطير وليطن على الخلفية الزرقاء للجبال البعيدة. حدث كل شيء في دقائق قليلة، كأنها عبور للسحب، واقتربت كوزيما من الباب الصغير لترحل، واثقة في قلبها بأنها تعرف كل شيء، ولا ترغب في أن تتورط في ذلك الأمر الخطير، ولكن الشيخ ناداها مرة أخرى: يا آنستي، أريد فقط أن أقول لك هذا، إذا مت، أو إذا لزم الأمر قبلها، فتلك الأشياء لسيادتك.
أرادت هي أن تعترض، وأن تقول له إنها لا تريد حتى قطعة واحدة من تلك النقود، وأن تصرخ فيه بأنه كان من الأفضل أن يعيدها من حيث أخذها، ولكنها رأت أمها تصعد من البستان ممسكة بقميص إيليا المبتل بين يديها، وقفزت إلى الفناء وعلى وجهها تعبير مَن استيقظ لتوه من حلم. فرَدَت الأم القميص على حبل صغير مشدود بين قائمين يستخدمه الشيخ في تجفيف أسماله، ثم عادت إلى المنزل الصغير وبدأت في إعداد الأشياء للرحيل.
ذهبت كوزيما نحو شجرة الصنوبر، وأسندت رأسها إلى القشور الحمراء لجذع الشجرة، كأنها تحاول أن تسمع صوتًا خفيًّا داخل الشجرة الصديقة، صوتًا يواسيها وينقذها، فقد بدا لها أنها متورطة في دراما أثيمة، وأنها شريكة في سرقة، وربما أيضًا في جريمة قتل. ماذا كان عليها أن تفعل؟ أن تبلغ عن المسن؟ ومن جهة أخرى لقد قضى هو أكثر من ثلاثين عامًا في البلدة، وإذا كان قد ارتكب أي جريمة، فقد سقطت مدة العقوبة عليها. لا بد أنها لم تكُن جريمة قتل، إذا كان عقابه عليها كان النفي فقط. ألا يمكن أن يكون قد عثر على هذا الكَنز بلا جريمة؟ في تلك الأيام تحدثت الصحف عن كَنز قيمته تبلغ أكثر من مليون من العملات الذهبية، عُثر عليه في منزل أحد بائعي الأثريات، وعن آخر عثروا عليه على أحد أرفف طبيب غريب ووحيد، جذب الناس من كل أنحاء العالم بتخصصه في شفاء الآلام الروماتيزمية. وأثناء طفولتها، وأيضًا فيما بعد، تشربت كوزيما من الخدم والفلاحين، ومن الرعاة حكايات الكنوز التي عُثر عليها في أطلال القصور القديمة، داخل جذوع الأشجار أو تحت الأرض. وأحدها تقريبًا خرج من مقبرة قديمة، من قبر اكتشفوه لامرأة شابة دفنها زوجها مع كل مجوهراتها وجرة مليئة بالعملات الذهبية.
ربما يمكن معرفة شيء أكثر تحديدًا من إيليا، ولكن مجرد فكرة أن تتحدث معه مرة أخرى تشعرها بالغثيان وتقريبًا بالرعب. بجانب أنها وعدت بألا تتحدث مع أحد عن هذا السر، وقررت بحسم ألا تهتم به بعد الآن. يمكن أن يعتقدوا أنها تتخيل، كما يبدو للجميع. هي نفسها لم تكُن متأكدة إذا كان ما رأته مجرد واحدة من خيالاتها الرومانسية. في كل الأحوال لم تكُن لديها الفرصة أن تجد نفسها وحدها، في ذلك اليوم، مع المسن المشعوذ، الذي سقط مرة أخرى في صمته.
في تلك الليلة، متدثرة جيدًا في فراشها الواقع في حجرة الدور العلوي، حلَمَت كوزيما بجدتها الصغيرة. كانت الجدة ما زالت على قيد الحياة، تمامًا كما رأتها في المرة الأخيرة، بذلك الوجه الصغير لقديسة، غاية في الأناقة، وصغيرة كالقَزم. «صغيرة كالقزم»، حتى في حُلمها تذكرت كوزيما تلك الإهانة، وتذكرت معها بوضوح، مغامرة ذلك اليوم، وكل قراراتها البطولية بألا تستفيد من الكَنز المريب لإيليا. وسنرى إذا كانت بالفعل قَزمة أم عملاقة؟
كانت كوزيما لديها عتاب على جدتها. في المرة الأخيرة التي جاءت لتزورهم في المنزل، لم تعطها القهوة، بل لم تصافحها. الآن، في الحلم، كانت منهمكة في إعداد المشروب المفضل للعجوز العزيزة، ولكن فارت المياه التي تغلي من إناء القهوة وأطفأت النار. قالت الجدة: اتركيها يا طفلتي.
وقالت ويداها الصغيرتان معقودتان على حجرها، وعيناها الكبيرتان بلون البندق، وفمها الصغير المحاط بخطوط من التجاعيد: الآن لم أعد أحتاج إلى أي شيء.
وفجأة استدارت كوزيما لترى الجدة وهي ترتدي ثوب عرس، بزي قرمزي مزركش، وكانت المئزرة مطرزة بألوان زاهية، وعلى أطراف مِشد الخصر تتدلى ورقتا نخيل خضراوان. كانت العصابة الملتفة حول رأسها الصغير بيضاء ومُنشَّاة، وتبدو كأنها من الكتان القديم.
– كم أنتِ جميلة يا جدتي الصغيرة! الآن تَبدِين بالفعل كالجنية.
ولكن لماذا ترتدي العجوز الصغيرة هذه الملابس؟
– لقد عثَرت من جديد على جدكِ أندريا، والآن نحن سعيدان معًا في الفردوس، زوجان إلى الأبد.
لم تكُن كوزيما قد عرَفت الجد أندريا، ولكن تعرف أنه هو أيضًا قد أتى من بعيد يومًا ما، البعض يقول إنه قد أتى من جنوة، والبعض الآخر يقول من إسبانيا، وإنه أخذ يعمل في الأرض، وأيضًا بعد أن تزوج، كان يمكث طَوال الوقت في الريف، ليعمل في الحقول، في وادٍ قاسٍ، مليء بالأجمات والوحوش البرية. وهو أيضًا كان بريًّا، ولكن كان طيبًا جدًّا حتى إن العصافير اعتادت أن تحط على ذراعه، والثعابين تستجيب لصفيره، عندما يرتاح في المساء أمام كوخه ليتطلع إلى النجوم، ترافقه أيضًا القطط البرية. وكانت الناس تقول إنه مجنون قليلًا، ولكن بهذه الصفة عادةً ما يفسر الناس سر بعض الناس المخالفين للمعتاد.
من يدري ماذا كان يرى الجد أندريا الذي يعرف أراضيَ وبحورًا أخرى، في عيون القطط البرية، وفي الريش المتقزح للغراب، وفي الجلد الفِضي للثعابين التي ترتفع مسحورة بصفيره. ربما يرى الانعكاسات الرائعة نفسها التي تراها هي في أعين الحيوانات، وفي أوراق الأشجار وفي الصخور. الآن، في الحلم، بدأت فجأة أشياء كثيرة تتضح لها، إنه الشعور بالدُّوار نفسه، بالانفتاح والانغلاق نفسه، السريع جدًّا، لعالم سابق في وعيها، ذلك الشعور الذي يوقظه لديها مجرد رؤية جدتها الصغيرة عندما كانت على قيد الحياة. الآن، ما يبدو لها واضحًا، هو ظهور الرُّوح الحالمة للجد، التي تحمل العجوز الصغيرة التي لا تزال تعشقه، صورته في حدقتيها، وكان أيضًا صورة لها، صورة كوزيما الحالمة.
ولكن لم يستطع أحد قط أن يحكي لها بوضوح من أين أتى، وكان يبدو أنه حتى الأم لم تكُن تعرف ذلك بدقة. وفي الحُلم اختلط ماضي جدها بذلك الذي للمسن إيليا، مما أشعرها بقلق مخيف. ولكنها كانت تعرف حق المعرفة، أن جدها قد مات في فقر مدقع، تاركًا عائلة من الأرانب الأليفة في كوخه، وأراحتها هذه الفكرة. بيد أنها على الرغم من ذلك أرادت أن تسأل جدتها عنه.
قالت السيدة العجوز الصغيرة بهدوء: كل هذا هراء، لم يأتِ من جنوة ولا من إسبانيا. ربما أسلافه أتوا من هناك، ولكن ليس هو. لقد أتى من بلدةٍ بحرية، أجل، حيث الناس طيبة، وكان أبوه صيادًا، ولكن أندريا لم يكُن يحب البحر، لأنه كثيرًا جدًّا ما ينقلب إلى وحش ويبتلع الرجال أحياء. وكان أيضًا يشعر بشفقة على الأسماك التي تُباع وتُلتهم هي بدورها، تقريبًا حية. بالتأكيد كان بسيطًا إلى حدٍّ ما، ولكنه كان صالحًا ومسيحيًّا ووديعًا. وصل إلى هنا بحثًا عن عمل، لأنه يحب الأرض التي لا تخون وتمنح الإنسان العشب والفاكهة البريئة. بل كان رحيمًا أيضًا بالزهور والطيور وحيوانات الوادي حتى الثعابين والعقارب، التي أصبحت جميعها أصدقاء له. هذه هي قصته الحقيقية.
وكانت هذه القصة، على الرغم من بساطتها الشديدة، ومن أنها مروية في حُلم، أثرت في كوزيما تأثيرًا عميقًا، تقريبًا مثل ذلك التأثير الذي تركته في نفسها رحلة الدُّعسوقة على ذراعها، وكان تأثيرها أكبر من كل قصص الكنوز والمشاعر والحرب بين الناس.
كانت كثيرًا ما تسأل نفسها ما إذا كانت شخصية متدينة أم تميل إلى الخرافات، تتبع الخيالات أم ذات نفس ضعيفة، ولكن تشعر في أعماقها بأن استقامتها كانت شيئًا أسمى من كل القوى المفروضة عليها من قِبل التعليم أو من قسوة الحياة. يولد المرء مع تلك العطية من الله، مثلما تولد العصافير بقدرتها على الطيران، ويمكن للمرء أن يستمتع بها، دون أن يقرأ الأناجيل ولا حتى كتاب المزامير.
في ذلك الشتاء، وكان شتاءً شديد القسوة، بدا كأن الحظ ابتسم للعائلة التي تبدو للجميع سعيدة، ولكن يجتاحها كثير من الهموم في الواقع. كانت بينا قد أصبحت بالفعل صبية يافعة، شديدة الذكاء، وكانت أيضًا صادقة ومرحة وسليطة اللسان. كانت تعثر على الجانب الساخر من الجميع، بدايةً من كوزيما، وكانت أحكامها على القريب غير رحيمة. تشعرها الأم بندمها على أنها قطعت خيط لسانها، ولكنها كانت جميلة شقراء شعرها كَستَنائي من النوع الذهبي وعيناها زرقاوان. تمنح الانطباع بأنها باقة من الزهور: ورود وزنابق وعنبر ونرجِس، وكان لها معجبون أكثر من كوزيما، ولكن جميعهم كانوا بعيدًا، والسبب دائمًا حال أخويها التعس.
بيد أنه في ذلك الشتاء، حدث أن جاء معجب أكثر جدية من الآخرين، وكان مدير معهد إعداد المعلمين، شخصية مهمة بالفعل بالنسبة إلى المدينة الصغيرة، كان رجلًا وسيمًا، متورد الوجه، أصلع قليلًا، ولكنه ما زال قويًّا، وله طريقة في التحدث تسحر ثرثاري البلدة. ينظم أيضًا حفلات راقصة، وعروضًا مسرحية، وحفلات موسيقية، ومؤتمرات، ليسلي ويعلم تلاميذه الشباب الذين يعشقونه. وفي أحد تلك التجمعات رأى بينا التي ذهبت بمحض الصدفة مع أم أحد التلاميذ، ووقع في حبها. كانت نوعًا مختلفًا عن كل الفتيات الأخريات في المكان، كانت تبدو تقريبًا من نوعه، وربما هذا النوع من التشابه هو ما جذبه إليها. وفجأة، وبسهولة تكاد تقترب من الوقاحة — شيء غريب على معلم، مرشد مُدرسي المستقبل — أعلن حبه لبينا، وطلبها للزواج.
أصابتها الدهشة، لم يكُن الرجل يعجبها، بل يشعرها تقريبًا بالنفور، حيث كان ضخمًا وشهوانيًّا، وتنبعث من وجهه وصدره ومن بطنه الذي كان بارزًا بالفعل، حرارة حيوانية. ولكن من جانب آخر كانت الفرصة رائعة، الحلم الكبير بأن تترك يومًا ما المدينة الصغيرة لتذهب إلى مدينة أكبر، والزهو بالانتقام من النوايا الخبيثة لأهل بلدتها، والأهم من كل هذا فكرة أن تجلب السرور لوالدتها التي تبدو دائمًا حزينة ومهمومة. من جانب آخر، تعاملت هي أيضًا مع الموقف بخفة، ودون أن تستشير كثيرًا عائلتها، قبلت عرضه.
ذهب الرجل إلى منزلهم للزيارة، يحمل كتبًا وهدايا. تستقبله الفتيات، ويضحكن عندما يقص عليهن قصصه المرحة التي لم تكُن مناسبة كثيرًا لهن.
تمنى أندريا لو كان هناك طلب رسمي للزواج يتم ببعض القواعد، ربما بواسطة أحد الأقارب المهمين، حسب عادة البلدة، ولكنه لم يجرؤ على الاعتراض على تجهيزات الزواج، بل وكان يتمنى في أعماقه أن يتم كل شيء بخير، غير أنه كان فقط يهدد الأختين بالضرب إذا تركتا الخطيبين الغريبي الأطوار ولو لحظة بمفردهما. كوزيما أيضًا لم تكُن سعيدة، ولكن هي أيضًا تشعر ببعض السرور من التعليقات المريرة لعائلات البلدة، بسبب الحقد والثرثرة واللعنات التي أثارها حظ بينا في المقاطعة كلها.
بدءُوا بصب لعناتهم على السيد المدير: بأنه شخص فاجر، وأنه يحتفظ في منزله بفتاة سوداء جميلة كان يجعلها تسير عارية حافية على بلاط المنزل ويضربها مثل الكلاب، وفي واقع الأمر هو يسخر من تلك النساء المسكينات اللاتي ليس لديهن من يحميهن سوى أخيهن الهمجي.
بيد أن الرجل كان واقعًا في الحب بالفعل: يقدم الهدايا، ويثني على حماة المستقبل، صرف الخادمة السوداء ليسكت اللغو، وحدد هو بنفسه تاريخ الزواج؛ في أكتوبر، عند العودة من الإجازة.
خُصص كل دخل العام من مراعي الجبل، إلى زيت المعصرة، واللوز ولحاء الأشجار، كلها، وبتضحية إرادية من أندريا، إلى جهاز العروس. كانوا يحيكون ويحيكون، وكانت الأخوات الثلاث يحكن أحلامًا بيضاء مثل ورود المفارش والملاءات. ولكن في أحد الأيام، كتب لها الخطيب الضخم، الذي كان يقضي إجازته في بلدته البعيدة عند جبال الألب، بأنه نُقل من عمله، ولن يتمكن من العودة في أكتوبر، ولكنه سيأتي بعد ذلك من أجل العرس. ثم أصبحت خطاباته شحيحة، وفي النهاية، في أحد الأيام تقدم للسيدة فرانشيسكا محامٍ كان على علاقة به بسبب بعض الشئون الخاصة بالمدرسة، وطلب أن يعرف كم ستخصص لمهر بينا. وكانت صدمة، ولكن كانت هذه عادات أهل بلدة الخطيب. وفي نهاية الأمر، فإن المهر الصغير الذي يحق للصغيرة من ميراثها ستستمتع به هي مع عائلتها في المستقبل. وكانت الإجابة، سيُعهد إلى بينا بسدس أو ربما بخمس الميراث الذي يبلغ حَوالَي ٢٥ ألف ليرة، في حالات الحصاد السيئ. وبعد ثمانية أيام من الانتظار المر، عاد الرسول المساوم وقال: يشكو الخطيب ويقول إن الحياة صعبة، وإنه لا يرغب في أن يضع زوجة المستقبل في حرج أو أن يحرمها من شيء، وإن المهر لا بد وأن يكون على الأقل خمسين ألف ليرة، ليس هذا فقط، ولكن أن تكون عشرون ألفًا منها من الأملاك المضمونة.
اجتاح الغضب أندريا. ذلك الوحش، إذن، وذلك الخنزير السمين والمتوحش، لم يدخل منزل أخواته بسبب الحب، ولكن من أجل المصلحة. والآن يحاول أن يبتزهم، لأنه يعرف أنه إذا لم تتم هذه الزيجة فسوف تتسبب في تشويه سمعة الفتيات البائسات. تحدث عن أنه سيذهب للعثور عليه ليقتله بهراوة كخنزير حقيقي، ولكن كانت الأم تبكي، وأعلنت كوزيما بأنها ستتنازل عن نصيبها في الإرث إلى أختها، وحاولوا بيع بعض الأشياء، ولكن المبالغ المعروضة كانت ضئيلة، ومن جهة أخرى لم يكُن في الإمكان تعرية العائلة كلها التي كانت فقيرة بالفعل ومُعوزة.
عندئذٍ، وعندما رأت كوزيما خزي أمها وأختها التي يكاد اليأس يقتلها، بدأ الشيطان يداعبها. فكرت في كَنز إيليا، وعرضه لها، وفي إمكانية أن توافق عليه، ولكن مجرد التفكير في هذا أصابها بالرعب. لا، لا يمكن أبدًا، أرادت أن تجلد نفسها لتنزع فكرة الكَنز تلك تمامًا من ذاكرتها، بيد أن الإغواء، في نهاية الأمر، لم يتركها، كانت تقول لنفسها: هل أنتِ حمقاء؟ لستِ سوى شخص لن يحصل على أي شيء جيد في الحياة، ولن تستطيعي أن توفري شيئًا لمن تحبينهم. ومن قال إن نقودَ المسن تلك ملكُه؟ اذهبي، حاولي أن تعرفي المزيد، فتشي، ابحثي، ابحثي …
شعرت بأنها متحمسة لهذا مثل الكلب المتحمس في رحلات الصيد، بيد أنها لم تتحرك، كانت ثابتة أكثر من أي وقت على وعدها الذي قطعته للمسن، بألا تكشف عن سره لأي مخلوق. وإذا كان هو مجرمًا، فهو أمر ارتكبه أمام الرب، وشيء بينه وبين ربه. ولِتهرُبَ أكثر من التجرِبة، امتنعت أن تذهب إلى الحصاد في ذلك العام، إلى حد أن الأم، التي يعذبها التفكير في ذلك الأمر المؤلم، لم تمكث في الكَرْم سوى ثلاثة أيام. لم يعد الخطيب يكتب، ولم يظهر المحامي مرة أخرى. أغلقوا على جهاز العروس الذي أُعد في الصندوق، كأنه ميت. كان أندريا بائسًا وحزينًا، يشغله أمر عارِ أسرته عن متعه الشخصية، وعندما يعود إلى المنزل تختبئ الأخوات من الخوف، كأنهن المذنبات في كل ما حدث.
وفي الأيام الأولى من شهر نوفمبر رأت كوزيما من جديد جدتها الصغيرة، كانت ما زالت ترتدي زي العروس، وكانت تمسك بسُبحة من اللؤلؤ بين يديها الصغيرتين. كوزيما ما زالت تشعر بالندم على أنها لم تقدم لها القهوة في المرة الأخيرة التي أتت فيها، وبدأت تُعِدها، ولكن فار المشروب مرة أخرى من إناء القهوة وأطفأ النار. وقالت الجدة الصغيرة: دعكِ من هذا الأمر، فنحن هناك فوق، لا نحتاج إلى شيء. لقد أتيت فقط لأحيِّيَكِ ولكي أنقل لكِ أيضًا تحيات فرانشيسكو.
كان فرانشيسكو هو اسم خطيب بينا، وبدا كأن الجدة الصغيرة تمزح بقسوة، ولكن بعد ذلك عرَفت، أنه في تلك الليلة نفسها، وقبل حُلم كوزيما بقليل، مات فرانشيسكو، بعد ثلاثة أيام من إصابته بنزلة شُعبية. وهكذا، وحسب الرحمة الإلهية، أصبح هو أيضًا فردًا من أفراد العائلة. وهدأت الأمور في هذا العالم لبعض الوقت.
وفي تلك الأيام، بالتحديد، بدا كأن الرب يكافئ كوزيما بشيء آخر يواسيها أكثر. طلبت مَجلةٌ أجنبية كبيرة ترجمةَ روايتها «الأغصان المتساقطة» وعرضت عليها مبلغًا لا بأس به. بالإضافة إلى أنها طلبت السيرة الذاتية للكاتبة، لأن مقالة نقدية ستسبق الترجمة. وافقت كوزيما. حتى إنها كانت تشعر بالخوف من حظها هذا: ألن يتسبب ذلك في جلب المزيد من المصائب لها؟ وها هو ذا المبلغ يصل، وفي مكتب البريد يدفعونه إليها بعملات ذهبية، مشابهة لتلك الموجودة في كَنز إيليا. نظرت إليها برعب، ولم تقوَ على لمسها، وطلبت تغييرها إلى نقود ورقية، ووضعت جزءًا منها في دفتر بريد، ولكن عندما رأت أمها النقود نظرت إليها بامتعاض، كانت تبدو لها كأنها ثمار خطيئة مميتة.
قالت كوزيما: حسنًا، سأنفقها إذن، ولن أضع منها أي شيء جانبًا، وسيرحل ربحي كأنه أوراق في مهب الريح.
وها هي ذي الفرصة تقدم نفسها إليها: إحدى معجباتها، وكانت تدير مَجلة أدبية صغيرة في مدينة «…» الساحلية، دعتها لتزورها في منزلها، وذهبت هي، على الرغم من رعب أمها، وتذمر أندريا الذي أراد على الأقل اصطحابها في جزء من الرحلة، عن طريق القطار، وعندما تركها بدا له كأنها تعبر المحيط الأطلسي.
وشعرت هي في أعماقها بالضياع: إلى أين هي ذاهبة؟ وماذا تريد؟ ومثل «ذات الرداء الأحمر» في وسط الغابة بدا لها كأنها على وشك أن تقابل الذئب، ولكن تمنت بأن يسير كل شيء على ما يرام، لأن ضميرها مستريح، وكان ظل الشر مشابهًا لتلك الظلال الكبيرة للسحب الشتوية التي تصعد من خلف الجبال الداكنة في تلك الوديان المنعزلة بطول السواحل حيث يجري القطار الصغير بجوارها كلعبة. كانت السماء ضخمة، بزرقتها اللامعة وسحبها المندفعة بفعل الرياح الشرقية الساخنة، تبدو أكثر علوًّا وأكثر زرقة.
بالنسبة إلى كوزيما، التي تطل من النافذة المعتادة للقطار، بدت السماء غريبة، عدوانية، بينما الأرض أسفلها ما زالت تحمل ملامح الأمومة، التي عرَفتها دائمًا بها: الانحناءات نفسها التي يغطيها العشب المرتعش، والأحراش والصخور، أشجار البلوط التي قسَّاها حزن القرون، ومقاومتها للجو والعناصر. القرى الصغيرة السوداء، قابعة كالغربان في أعشاشها الصخرية، تظهر وتختفي في الضوء المتغير للمسافة. بعض الرعاة بقطعانهم يجوبون الحافة الخضراء لجُرف وتتنقل الخرفان كأنها ظل السحب مع عبور القطار، وكان لدى كوزيما انطباع بأن المشهد كله يتحرك لأنه تفاجأ برؤيتها تتحرك ذاهبة إلى حياة جديدة.
كلما هبطوا نحو السهول الساحلية كان الطقس يتغير تمامًا، كانوا في بداية الخريف، هناك كانت السماء خالية من السحب، صافية، تميل إلى الخضار، وفجأة رأتها كوزيما تنعكس على مرآة المياه التي ذكَّرتها بحوض الكَرْم. كانت كالمسبح. رأت طيورًا لم ترها من قبل، ضخمة وأجنحتها ملونة بألوان الطيف، كانت ترتفع من المستنقع كأنها تخرج من المياه وترسم في السماء شيئًا كقوس قزح، ربما كان سرابًا، ولكنه بدا لها فألًا حسنًا.
وكان أول شخص رأته عندما توقف القطار في محطة — بدت لها بما فيها من حديقة النخيل ونهايتها التي تتحلى بقوس منير من السماء الزمردية كأنها واحة متمدينة — شابًّا يرتدي اللون البني الذهبي، بشاربين رائعين باللون نفسه وعينين واسعتين شرقيتين. أخذ ينظر إليها كأنه يعرفها، وبدا لها أيضًا أنها رأته من قبل في مكان ما: أين؟ لم تكُن تعرف، وبعد أعوام طويلة جربت مرة أخرى ذلك الشعور الغامض بالدُّوار الذي كان يثيره فيها في الطفولة، وأقل منها في المراهقة، حضورُ جدتها.
ولكن مجموعة صغيرة غزت رصيف المحطة، واختفى الشاب. قفزت سيدة ترتدي ملابسها بشكل غريب، كلها أجزاء متطايرة وأسدال، وترتدي قبعة موضوعة باعوجاج على شعرها الأصفر الخفيف، نحو الصبيَّة، وحملتها تقريبًا من فوق عتبة القطار، ضمتها إلى صدرها النحيل، وغطت وجهها بالقبلات، كانت عيناها الزرقاوان كالخزف تلمعان بالدموع التي تتساقط على أنفها المعقوف، وتختلط باللعاب المتساقط من فمها. وبنحيب متشنج أخذت تنادي الصبيَّة باسمها ولقبها، وتحييها، حتى شعرت كوزيما بالخجل. كان الناس ينظرون إليها، البعض منهم يعرف هذا الاسم واللقب، وكانوا يحيونها تحية احترام لها ويُلقون نظرة تعجب لمضيفتها الصاخبة. كانت ترغب في الصعود من جديد للقطار وأن تعود إلى المنزل، ولكن كان مقدَّرًا لها أن تبدأ في التعرف على أضرار الشهرة، لأنه بمجرد أن وصلت إلى منزل مضيفتها — مبنًى جميل كله شرفات، أمامه حديقة وكنيسة — وعلى السلالم الرخامية ذات الدرابزين المزين بكروم بنية، رأت، ببعض الرعب، صفًّا من الصبايا والفتيات، يرتدين تقريبًا جميعُهن اللون الأبيض، ممسكاتٍ بباقات من الزهور في أيديهن. كانت تبدو كسلالم الفردوس، تحرسها ملائكة بلا أجنحة، وبينما أخذ الساعي حقيبتها المتواضعة القديمة من العربة، ذلك الأثر الخاص بالعائلة، تولت السيدة ماريا بنفسها، مضيفتها المرتعشة، أمر حملها إلى أعلى كأنها كَنز ثمين، أخذت الصبايا يُنشدن أغنية، بدا أن من علمتهن إياها معلمة قديرة. وكانت المعلمة هي السيدة ماريا، وكانت الملائكة هن جاراتها في المبنى.
عندئذٍ كان لا بد أن تبدو متأثرة بالتأكيد، وكانت تستطيع، من أعلى درَج للسُّلم أن تلقي عليهن بكلمات الشكر، ولكن غطت كوزيما وجهها بالمِنديل، ولم تستطع أن تبكي ولا حتى أن تتحدث. ومن تلك الجَوقة التي تكونت على شَرَفها لم يبقَ في ذهنها سوى الصوت الرتيب والحزين تقريبًا، الذي كان يختلط مع ضوضاء بعيدة لم تكُن تفهمها جيدًا، والذي كان شبيهًا بصوت شجرة الصنَوبر في الكَرْم، كان صوت البحر.
كان البحر في نهاية الشارع العريض، الذي يجري بجانب صف من المنازل البيضاء، الجديدة واللامعة. شعرت كوزيما بشدة بأنها موجودة في مدينة شرقية، أشجار نخيل، وصبار، وأشجار استوائية أخرى تتحرك بصعوبة أسفل تلك السماء الحارة، على الخلفية الزرقاء الداكنة للشاطئ. وعلى النوافذ كانت تُزهر الجارونيا، وكان عطر الأعشاب ينزل من الهضاب المغطاة بأشجار الصنَوبر التي تسد الأفق أمام الطريق. كان الناس جميعهم في الخارج، كما يحدث في الأمسيات الصيفية، وكانت الأغاني وأصوات المندولين مستمرة، وفي الخارج، كانت جَوقة شرف كوزيما، على الأقل بدا لها ذلك، ولكن بدلًا من أن تشعر بالفخر، كانت تقريبًا تشعر بالخوف.
وبعد أن حشتها بالحلوى والمشروبات، تركتها مضيفتها، التي استمرت في تقبيلها، وتقريبًا في لحسها مثل الكلب الذي عثَر على صاحبه، في الشقة التي تسكن فيها بمفردها مع زوجها المريض. كان موظفًا في شركة خاصة. كانت قد خصصت لكوزيما أجمل الغرف، بالشرفة، تلك التي كانت تطل على البحر، وتركت لها أيضًا الصالون، المليء بالورود الورقية والأواني المشققة، وبعض المفارش وبعض الأدوات ذات الذوق السيئ.
– هنا يمكنكِ أن تستقبلي أصدقاءكِ ومعجبيكِ.
ولكن لم يكُن لكوزيما أصدقاء، ومجردُ فكرةِ أن لها صديقًا واحدًا ترعبها. أما عن المعجبين، فلم تكُن ترغب فيهم، كان يبدو لها، من خلال خبرتها الطويلة، أنهم لا يتسببون إلا في الأذى. فجأة سمعت طرقًا على باب الشقة، ودون أن تفكر كثيرًا فتحته. كان العامل لدى محل الورود، وكان يحضر لها باقة كبيرة من الورود الحمراء، الملفوفة في ورق قماشي. من أجلها، من أجلها بالتحديد، ولكن لا يعرف من أرسله. جلست هي تنظر إلى باقة الزهور بالدهشة المرتعدة التي كانت تنظر بها إلى حفنة العملات الذهبية في يد إيليا. العطر القوي للورود ولونها جعلها تبدو كأنها على قيد الحياة، دافئة وتجري فيها الدماء، أكثر من جوقة الصبايا وطنين الموسيقى في الشارع، شعرت من ذلك التنفس شبه الإنساني بالحياة تأتي لمقابلتها. ولكنها عندما قررت أن تأخذ الباقة من بين يدَي العامل الذي ينظر إليها نظرات خبيثة، شعرت بوخزة شوكة حادة، وفكرت في أن الحياة أيضًا، أسفل وهْم الأشياء الأكثر جمالًا وثراءً، تُخفي أظافرها الصُّلبة.
وضعت الورود في إحدى زَهريات الصالون، وعادت إلى الشرفة، أجل، كان الجو كأنه الصيف، صعِد القمر الكبير الوردي من خلف أشجار صنَوبر المرتفعات، وكانت السماء والبحر بين نخلتين تلمعان كأنهما النخل الذهبي المصنوع من ورق الأَلومِنيوم الذي يستخدمونه في بلدة كوزيما في عيد الفصح، يختلطان في لون أزرق زمردي.
يلعب الأطفال في الشارع الذي ما زال أبيض، لعبة السفير الآتي ليطلب العروس، وتشعر بأنها انتقلت إلى دائرتهم، عروس صغيرة يطلب السفير يدها لشخصية مهمة غامضة.